آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الأول)

25/06/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{حم (1)  تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحْكِيمِ (2) إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفىِ خَلْقِكمُ‏ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)}

صدق الله العلي العظيم

 

أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بأمير المؤمنين، عليه أفضل الصلاة والسلام.

ونسأل الله في هذه الليلة أن يوفقنا للدعاء والمسألة وأن يوفقنا فيما تبقى من ليالي شهر رمضان المبارك من النهل من مائدة القرآن الكريم بالتدبر في سورة الجاثية المباركة بعد أن انتهينا من التدبر في سورة الدخان المباركة.

سورة الجاثية، هي من (الحواميم)، أي السور التي تبدأ بآية (حم)، ومواضيع (الحواميم) السبعة – بدءاً من سورة غافر وانتهاءً بسورة الأحقاف ومروراً بسور: فصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية – جديرةٌ بأن يخصص البعض دراسات خاصة بها.

 

إسم السورة

إسم السورة مأخوذٌ من آية ذُكِرت فيها حالة بعض أهل الموقف حيث يجثون على ركبهم يوم القيامة، إظهاراً للذل والخضوع والتسليم، كما كان يجلس من يُراد ضرب عنقه على ركبتيه مقدماً رقبته للجلاد ومسلّماً له.

أوَ هل يريد الله للإنسان أن يكون كذلك؟

كلا، إن الله خلق الإنسان ليرحمه وليكون جليسه يوم القيامة، ولكن البعض وبسبب لهثم وراء شهواتهم، وتكبرهم على الحق ستكون حالتهم يوم القيامة حالة الجثو على الركب والذل والخنوع قبل الحساب.

ونستفيد بصيرةً من إسم السورة، وهي: على المؤمن أن يعقد العزم على محاربة نفسه الأمارة بالسوء، وتطهير النفس من الأخلاق السيئة والصفات الذميمة التي لصقت بها ونمت فيها في ساعات غفلته، لكيلا يكون ممن يجثون يوم القيامة، وكما في الدعاء المأثور:

“إِلَهِي قَدْ جَثَا الْعَائِدُ إِلَى الْمَعَاصِي بَيْنَ يَدَيْكَ خَائِفاً مِنْ يَوْمٍ‏ تَجْثُو فِيهِ الْخَلَائِقُ بَيْنَ يَدَيْك‏ [1].

وبتعبير آخر، فإن إصلاح الذات وتطهيرها من أدران الذنوب في دار الدنيا، والتضرع إلى الله في المغفرة والإنابة إليه، كل ذلك شرطٌ ليقي الإنسان نفسه الذل هناك، ويضمن لها الأمن يوم الفزع الأكبر، فالدمعة الواحدة من خشية الله في الدنيا تطفئ وادياً من نيران الجحيم – كما في النصوص -، وكل عين باكية يوم القيامة إلا بعض العيون، ومنها التي بكت من خشية الله في الدنيا، وهكذا نقرأ في الدعاء المأثور في أسحار شهر رمضان المبارك :

“اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ‏ الْإِيمَانِ‏ قَبْلَ‏ خُشُوعٍ الذُّلِّ فِي النَّار”[2].

وخصوصاً على المؤمن أن يستثمر ليالي القدر المباركة في هذا المجال، أي في مجال الإنابة إلى الله والتضرع إليه في عتق رقبته من النار والتجاوز عما في ربقته.

 

الإطار العام للسورة

سور الحواميم -عموماً – تتمحور حول الحديث عن القرآن الكريم، وبعبارة أخرى آيات

الكتاب تعرِّف الكتاب، كيف؟

على القارئ أن يتهيأ لقراءة أي كتابٍ او رسالة قبل أن يشرع في القراءة، وهذا التهيّؤ الروحي ينبغي أن يكون من الخارج، لكن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يهيّء روح قارئه في ذات الوقت الذي يضيف إليه المعارف.

فإذا آمن الإنسان بأن القرآن هو كتابٌ أوحى به الله سبحانه، ستكون آيات الكتاب شفاءً لما في صدوره من الأمراض والأدران، فضلاً عن إضافة المعارف والعلوم، قال الله سبحانه:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبين‏}[3].

وهكذا تقوم سورة الجاثية بتعريف كتاب الله سبحانه، وتزيح الحجب التي تحجبنا عن كتاب ربنا، وتزيل العقبات التي تمنعنا فهم آياته المباركة.

{حم}

كما هي الحروف المقطعة في بداية السور، كذلك اختلف في تفسير هذه الكلمة إلى مذاهب شتى، وأقربها إلى الصواب أنها إشارة إلى رموزٍ بين الله وبين خاصة أوليائه.

ومن المعاني التي نستفيدها من (حم) أنّ حرف الحاء ترتبط بالإنسان وحالته متى ما جاءت، والميم ترتبط بالحقائق الخارجية، فـ (حم) علاقة بين الإنسان وبين الحقائق الخارجية، وبتعبير آخر: إنّ القنطرة التي تربط بين الإنسان وبين العالَم المحيط وحقائقه هو القرآن الكريم.

 

{تَنزِيلُ الْكِتَابِ}

لماذا ذُكر التنزيل في هذه الآية، بينما ورد لفظ (الإنزال) في آيات أخرى؟

ذلك لأن القرآن الكريم نزل مرتين، احداهما دفعة واحدة (إنزال) وذلك في ليلة القدر، والمرة الأخرى نُزِّل منجّماً بحسب الحوادث والمناسبات (تنزيل)، وهنا إشارة إلى النزول التدريجي.

ويُراد من الكتاب – في  اللغة – مجموعة العلوم والمعارف المنظمة والمنسقة من جهة، والثابتة من جهة آخرى.

{مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الحْكِيمِ}

العزيز هو القوي  الذي لا يُغلب، و كلمة (الحكيم) تدل على أن أخذه لا يكون دون حكمة.

وقد قُرنت عزة الله في هذه الآية – وفي كثير من الآيات الأخرى – بحكمته، بينما قُرنت في سورة الشعراء – وفي سور أخرى – بالرحمة، لماذا؟

قُرنت الحكمة بالعزة في هذه الآية، لأن الحديث هو عن الكتاب، والكتاب كتاب حكمة، فالله سبحانه حكيم وكلامه حكيم ومحكم، فماذا تعني الحكمة؟

الحكمة هي قِيَم الحُكْم الذي يفصل في الخلاف، لتوضيح ذلك نقول:

إختلاف شخصين في أمرٍ ما يحملهم على التحاكم إلى ثالثٍ يعتقدون بعلمه ورجاحة عقله، ويصدر الثالث حكماً قاضياً بينهم، وبذلك يفصل الخلاف القائم بينهما، والقاضي لا يقوم بحل النزاع إلا اعتماداً على قيم وموازين للقضاء، وتلك الموازين هي خلفية إصداره للحكم، وهي الحكمة، كما يقوم الطبيب بتشخيص مرضٍ بناءً على المعلومات الطبية المسبقة لديه.

والسؤال: أي خلافٍ يفصل فيه الكتاب؟

أول خلافٍ يقوم الكتاب بالفصل فيه هو الخلاف القائم بين الإنسان ونفسه، فكل واحدٍ يعرف وجداناً، بوجود نزاع بين قوى الخير والشر في داخله، بين عقله وهواه، بين نفسه اللوّامة ونفسه الأمّارة بالسوء، وفي حالة الصراع يتدخل القرآن الكريم ليرجِّح كفة الخير والعقل، كيف؟

من خلال تذكّر الإنسان لآيات الذكر الحكيمة في كل واقعة، وذلك من خلال تذكير الله عبده الآية وتفهيمه أيّاها.

فحين يكتب احدٌ رسالةً فإنها تنفصل عنه بمجرد إرسالها، ولكن كتاب الله الذي هو عهد الله إلى خلقه لم ينقطع عنه الله بل مهيمنٌ عليه، فهو عهدٌ من حي قيوم إلى عبده الذي أحيى قلبه بتلاوته والتدبر في آياته، ومن هنا يلقي الله في قلب المؤمن الآية التي يصدر من خلالها الحكم في واقعه ونزاعه، و تخرجه  من حيرته التي هو فيها، وتنجيه من مشاكله العظمى، وهكذا يكون القرآن كتاب حكمة.

ولإن القرآن الكريم منزلٌ من الله العزيز، فهو كتابٌ عزيز أيضاً، وتتجسد عزته في مصونيته عن الإبطال والتحريف والتغيير رغم السعي الحثيث الذي قام ويقوم به شياطين الجن والإنس منذ بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من أجل ذلك.

وآيات السورة التالية تبين عزة القرآن الكريم وحكمته بشكل أكثر تفصيلاً:

{إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}

كل شيء في السماوات والأرض هو آية على الله سبحانه، ولكن كلٌ يعتبر بآية وبظاهرة من الظواهر، فحين يعتبر أحدهم شروق الشمس آيةً عظيمة، يعتبر الآخر غروبها كذلك، والثالث يعتبر تبدل الليل والنهار وتعاقبهما آيةً من الآيات العظيمة، والرابع يتأمل عجائب خلق الله في البحار ويستدل بها على حكمة الله، وهكذا الخامس والسادس و.. ارأيت كيف لو دخل مجموعة من الأفراد إلى دوحةٍ خضراء سيعجب كلٌ منهم بشيءٍ فيها، فهذا يعجب بالزهور وذلك بالأشجار المتناسقة والثالث بالثمار و..

وشرط الإستفادة من الآيات هو الإيمان المسبق والعزم السابق على التصديق بالآية، فماذا تعني الآية؟

الآية هنا، تعني العلامة التي تدل على الله سبحانه، فالآيات هي بمثابة إشارات وعلامات توصلك إلى الحقائق، وأعظمها حقيقة وجود الخالق ووحدانيته.

{وَفىِ خَلْقِكمُ‏}

بعد تبيان الآيات في الآفاق، تذكرنا الآية بالآيات في الأنفس، أي تلك الآيات التي يجدها الإنسان في نفسه، لماذا؟

لأن انتباه الناس متجه نحو الخارج في البدء، وبعد ذلك يتحول إلى الإنتباه والتأمل في الذات، وهكذا جاء الحديث عن الآيات في السماوات والأرض، بعد الحديث عن آيات الله في خلقة الإنسان ذاته.

{وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ}

وكذلك فآيات الله عظيمة في خلقته للأحياء والتنوع الموجود في ذلك، والدابة هي التي تدب على الأرض وتتحرك عليها.

ولا يطلق القرآن الكريم لفظة (الحيوان) على الدواب، بل استخدمت لفظة (الحيوان) في معنى الحياة، وأكثر ما استخدم في القرآن لفظة (الدواب) او لفظة (الحي) كما في قوله سبحانه:

{وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون‏}[4]، وبذلك يعرف التلازم بين الحياة والحركة.

{ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

آيات الله في خلقة الإنسان وكيفية نشره للدواب، يستفيد منها الموقن، لماذا؟

لأن تكامل الإنسان يتم عبر مراحل ودرجات،  فيبدأ من الجحود إلى الشك، ومنه ينتهي إلى الإيمان، والإيمان يرتقي به إلى مرتبة اليقين.

واليقين خطراتٌ لم يقسم الله بين خلقه أقل منه – كما في النصوص الشريفة -، و يبدو من الآية السابقة أنّها تدعو إلى النظر في عموم الآيات وذلك يؤدّي إلى الإيمان، بينما الآية هذه التي تدعو إلى اليقين تثير فينا التطلّع إلى تفصيلات الحياة.

الإمام علي، عليه السلام الإمام الموقن

الذي قطع مراحل الكمال ووصل إلى أعلى مرتبة من مراتب اليقين، هو أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال

“لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ‏ يَقِيناً”[5].

ذلك اليقين الذي جعله متنمراً في ذات الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مدافعاً عن دين الله ورسوله، باذلاً كل شيء في سبيله، حتى نفسه التي بين جنبيه، فداها ربه،  حين كان ينتظر الشهادة بفارق الصبر قائلاً:

“أَمَا آنَ أَنْ تُخْضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَمْ مَتَى يُبْعَثُ‏ أَشْقَاهَا”[6]، ومعلناً فوزه حين نالها بقولته المعروفة: “فزت ورب الكعبة”[7].

 

نسأل االله سبحانه أن يجعلنا من الموالين حقاً لأمير المؤمنين عليه السلام ومن شيعته، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  المزار : ص 247

[2]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2،ص 598

[3] سورة  آل عمران : الآية 164

[4]  سورة الأنبياء : الآية 30

[5] عيون الحكم والمواعظ : ص 415

[6]  المزار الكبير : ص 281

[7] خصائص الأئمة عليهم السلام : ص 63