آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثاني)

27/06/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفىِ خَلْقِكمُ‏ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنهَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهِا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)}

صدق الله العلي العظيم

 

الإنسان .. المخلوق المختار

لقد سخر الله ما في الكون للإنسان، وأعطى الأنسان قوة يسخر بها الأشياء وإرادة يتخذ بها القرار، وهي – أي الإرادة – نورٌ إلهي منحه الله للإنسان، فالإرادة أو المشيئة او قوة اتخاذ القرار او حرية الإنتخاب او.. كلها تشير إلى حقيقة واحدة هي حرية الإنسان في الإختيار وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان.

ومن أعظم صفات الله سبحانه أنه تعالى (فعالٌ لما يشاء)، ولو آمن الإنسان بربه وآمن بكل صفاته دون هذه الصفهة فهو كافرٌ، فالله هو الخالق والرازق وهو القادر على  كل شيء، وأمره بين الكاف والنون، وعدم الإعتقاد بهذه الحقيقة يصبح الإنسان مثل اليهود الذين آمنوا بالله ولكن آمنوا بإله عاجز، قال تعالى:

{وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء}[1].

وفي مقابل قول اليهود ورد في النصوص: “مَا عُبِدَ اللَّهُ‏ بِشَيْ‏ءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ”[2]، أي بمثل عقيدة البداء، بأن الله قادر على كل شيء، يجعل الشقي سعيداً والفقير غنيا والغني فقيرا، فهو الله الذي ليس دون مشيئته مانع.

 

الدعاء و الشك في الإستجابة

وفي هذه الليالي المباركة التي يدعوا بها المؤمنون ويطلبون حوائجهم من الله سبحانه، لو تداخلك شكٌ بمقدار انملة أن الله لا يقدر على إستجابة دعاءك فإن ذلك يؤدي إلى عدم قبول الدعاء، إذ لابد للمؤمن أن يدعو الله سبحانه وقلبه مطمئن بالإجابة، ويسأل حاجته وكأن الإجابة على الباب – كما علمنا أهل البيت عليهم السلام -.

 

مصدر إرادة الإنسان

ومنح الله سبحانه الإنسان شيئاً من هذه المشيئة التي لا يقوى شيءٌ في السماوات والأرض على منعها، وخصها بالإنسان دن سائر المخلوقات، وكما في الحديث القدسي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

” يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ‏ أَنْتَ‏ الَّذِي‏ تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَبِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ‏ مَا تُرِيدُ”[3].

وكان ذلك جزءاً من الأمانة التي عرضها الله سبحانه على الإنسان فحملها في حين امتنعت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.

 

وظائف إرادة الإنسان

وعلى أية حال، فبعد أن تحمل الإنسان الأمانة، وأتاح الله له فرصة الإختيار وحريته، ومنحه الأرادة الحرة، صارت هي المحركة للإنسان، والذي يسخر سائر المخلوقات، فلولا الإرادة لما تمكن المرء من السيطرة على نفسه فضلاً عن سائر الخلق، توضيح ذلك، أن الطيار يحرك طائرة عملاقة ولكن تحريكه لها كان من خلال سيطرته على نفسه بالإرادة ومن ثم إدراته للطائرة.

ومن هنا يطلب المؤمن من ربه أن يقوي عزيمته، ويشحذ همته، وينمي إرادته ليتمكن من المزيد من العمل والفاعلية، وكما في الدعاء: ” قَوِّ عَلَى‏ خِدْمَتِكَ‏ جَوَارِحِي وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي “[4].

وحيث كانت الإرادة هي محور الإختيار، صار على عاتقه أربعة واجبات.

 

الأول: إدارة البدن

فالإرادة هي التي تدير بدن الإنسان وتمنع المرء من أن يقوم بما يضرها، فالإمتناع عن الطعام المضر للمريض ليس إلا بسبب هيمنة الإرادة ومنعها لشهوة الطعام أن تغلب الإنسان فيأكل ما فيه هلاكه.

 

الثاني: إدارة العقل

ونعني بذلك واجب الإرادة في تنمية العقل، إذ لابد للعقل أن يحرر من القيود والإغلال المحيطة به من جهة عبر الإرادة القوية في محاربة الهوى، ومن ثم تنمية العقل.

وقد شبهنا العقل – في حديثنا مسبقاً – بليثٍ تكبله الأغلال، ويحتاج في تحريره إلى قوة داخلية تتمثل في الإرادة وخارجية تتجسد في الدعاة والمذكرين مثل الأنبياء والرسل.

والقرآن الكريم لا يتحدث عن العقل إلا بصيغة الفعل، مثل (يعقلون) او (لا يعقلون) دون أن يوردها بصيغة الإسم (لا عقل لهم)، لماذا؟

لأن الله أنعم على العبد بنور العقل، ويبقى العبد هل يستفيد من ذلك النور ويفعله أم يدسه في ركام الجهل والعصبية والشهوة؟

وبذلك يعرف، أن واجب الإرادة تكمن في تفعيل العقل وتنميته، ولكن كيف؟

قبل الإجابة نقول، أن الأشياء في الدنيا تنمو وتتطور – عادةً – بتطور الزمان، فالإنسان يولد عاجزاً ولكنه وبمرور الزمان ينمو ويبلغ ويشتد عوده، وذات الإنسان يحتاج إلى مدة زمنية كي يتعلم ما يجهل، وكذلك فعضلاته تحتاج إلى ممارسة فترة زمنية معينة كي تفتل وتقوى، وهكذا هو العقل، حيث ينمو بمرور الزمن شريطة إتباعه، وكلما كانت الإستفادة من العقل واتباعه أكثر نمى بشكل أكبر.

ومن سبل تنميته كثرة النظر في العلم، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي‏ الْعِلْمِ‏ يَفْتَحُ الْعَقْلَ”[5].

ومنها كثرة التفكر الذي يدل عليه قلة الكلام وكثرة الصمت، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

“إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَمُوتاً فَادْنُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي‏ الْحِكْمَةَ”[6]،

بعكس الجاهل الذي يكثر الكلام وبالتالي تكثر زلاته، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“وَمَنْ‏ كَثُرَ كَلَامُهُ‏ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّار”[7].

وأنجع السبل لمعرفة العقل وتنميته هو ما رسمه الأئمة الاطهار عليهم السلام لنا في هذا المجال، حيث جعلوا سبيل الهداية معرفة جنود العقل وجنود الجهل، وكما قال الإمام الكاظم عليه السلام: ” يا هِشامُ؛ اعرِفِ العَقلَ‏ وَجُندَهُ‏، وَالجَهلَ وَجُندَهُ، تَكُن مِن المُهتَدينَ”[8]، وقد بينوا تلكم الجنود في أحاديثهم وعدوها حتى كان للعقل سبعون جندياً ومثلها للجهل .

 

طلبة العلم وروايات اهل البيت

أقول: الإستفادة من روايات أهل البيت عليهم السلام وتعاليمهم هي أفضل السبل لتنمية العقل.

ومما يؤسف له ما نجده من بعض طلاب العلم ورجال الدين في الحوزات العلمية من عدم إلاهتمام بروايات أهل البيت عليهم السلام فوظيفة طالب العلم وواجبه هو الذب عن حريم اهل البيت والدفاع عن منهجهم ونشر تعاليمهم ومعارفهم، لا أسماءهم وتاريخهم فحسب، لأن نشر إسم الأئمة ومصائبهم يقوم به المداحون.

فعلى طلبة العلم أن يشغلوا أوقاتهم بدراسة أمهات الكتب الحديثية مثل روضة الكافي، أو كتاب الحجة فيه، أو تحف العقول، أو كتاب العشرة في الوسائل أو جهاد النفس فيه، ليطلعوا على منهاج أهل البيت عليهم السلام.

 

الثالث: إدارة الروح

من واجبات الإرادة، إدارة الروح، أو بتعبيرٍ قرآني إدارة النفس، لأن القرآن الكريم عبر بـ (النفس) عن الوعاء الذي يكون فيه قوتا العقل والهوى، وجانبا الخير والشر، حيث قال: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها}[9]، ولكن عبر بالروح عن الجانب الإيجابي فقط، وبذلك يكوت التعبير عن النفس أصح.

ونعني بإدارة النفس، ضبطها وعدم السماح للهوى أن تغلب عليها وذلك من خلال مجاهدة النفس ومحاربتها والإقلال من الشهوات.

فكما ينتن بدن الإنسان ويكون بحاجة إلى تطهير وإن لم يصبه قذرٌ خارجي، كذلك فإن نفسه تحتاج إلى تطهير مستمر لأنها تنتن وإن لم يصبها درنٌ من الخارج، كيف وهي محاطة بالفتن والمغريات التي تسعى لإفسادها.

 

الرابع : إدارة الإيمان

لقد منّ الله على الإنسان بالإيمان، حيث فطر الناس على الإيمان والمعرفة، وهذه درجةٌ منه، والدرجة الأخرى الإيمان الذي عقد المرء قلبه عليه من خلال تربية أبويه إياه على الإسلام وتعاليمه، ومن ثم التزود من مجالس الذكر عبق الإيمان والتسليم لله سبحانه.

إلا ان فوق ذلك كله يبقى الإنسان مكلفاً بتنمية إيمانه والإرتقاء في مراقيه، ولكن ما هو جوهر الإيمان وكيف يمكن تنميته؟

جوهر الإيمان ولبابه هو التسليم لله وللحق، وعقد القلب على هذا التسليم، فبعقد الرجل قلبه على تسليمه للحق أينما سمعه وحيثما وجده يكون الرجل مؤمناً، أما من كان مكابراً عن الحق حتى لو انكشفت له البراهين واقيمت أمامه الحجج فليس من الإيمان بشيء وإن أظهر ذلك بلسانه.

وآيات الله سبحانه إنما تنفع المؤمنين وحدهم، دون غيرِهم لأن المؤمن هو الذي استعد سلفاً للإنتفاع بها والإعتبار بها.

 

تنمية الإيمان

وللإجابة على السؤال الثاني، لابد أن نقول أن الإيمان بحاجة إلى غذاء، كما يحتاج الجسم إلى غذاء، وكما أن غذاء الجسد متنوع وكثير كذلك فإن للروح مصادر عدة للتزود بها لتغذية الإيمان، وكما   قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الِاعْتِبَار”[10].

ومادامت مصادر تغذية الإيمان وتنميته كثيرة، فعلى الإنسان أن يختار منها ما يتناسب وحاله، فقد يعتبر الواحد بزيارة القبور ويزداد إيماناً، في حين يختار الآخر طريق الدعاء والصلاة، والثالث يفضل الجلوس إلى عالم يذكره بالله رؤيته في سبيل التزود وهكذا..

ومن جملة الأمور التي جعلها الله سبحانه لتنمية الإيمان، هي الآيات المختلفة التي بثها في السماء والأرض وما بينهما، والدواب المنتشرة في كل مكان، كل واحدة منها آية مستقلة تدل على الله سبحانه، كما أن مجموعها أيضاً آية، وعلى المؤمن أن يختار ما يناسبه وما يقربه إلى الله، مثل الذهاب إلى الصحراء وقت الفجر ليطلع على كيفية إصباح الصباح وذهاب الليل، أو التأمل في مواقع النجوم وكيفية إنتشارها في السماء أو النظر إلى أمواج البحار وما تختزنه تحتها من عجائب الخلقة أو..، كلها آيات الله التي يستفيد منها المؤمن للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه:

{الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار}[11].

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتنمية إيماننا به، إنه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة المائدة : الآية 65

[2]  الكافي : ج1، ص 146

[3]  تفسير القمي : ج2،ص 212

[4]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2،ص 849

[5] بحار الأنوار : ج1،ص 159

[6] تحف العقول : ص 397

[7] تحف العقول : 89

[8] مكاتيب الأئمة عليهم السلام : ج4، ص 499

[9]  سورة الشمس : الاية 7-8

[10]  نهج البلاغة : ص 528

[11]  سورة آل عمران : الآية 191