تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثالث)

29/06/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ‏ فَبِأَىّ‏ حَدِيثِ  بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) وَيْلٌ لِّكلُ‏ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلىَ‏ عَلَيْهِ ثمُ‏ يُصِرُّ مُسْتَكْبرِاكَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا  فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا  أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(9)}

صدق الله العلي العظيم

 

مراتب تكامل الإنسان من الناحية العقلية، حسبما بينته آيات سورة الجاثية ثلاث:

الأولى: التسليم للحق، فقد يعزم المرء وبسبب العصبية أوالأنانية أو الجهل المركب أو ما أشبه، على عدم قبول الحق وإن انكشف له عياناً، فهذا لا إيمان له، لأن الإيمان يعني الخضوع التام للحق والقرار المسبق بإتباعه حيثما وجده، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في نسبته للإسلام: “الإسلام هو التسليم”، فجوهر الإسلام ومن ثم الإيمان هو التسليم.

وما دام المرء عاقداً قلبه على التصديق بالحق، فإن ذلك يجعله مؤمناً وإن لم يكن عالماً بمقومات الإيمان تفصيلاً، فغفلة المرء عن إسم احد الأئمة لا يخرجه عن الإيمان لإنه لو ذكر به وبين له حجية المعصوم لقبل ذلك لتسليمه المسبق.

الثانية: اليقين، وتختلف عن الإيمان أنها الوجدان بعد الإيمان، فلو دلّك أحدٌ على طريق وصدقته فأنت مؤمن، ولكن حين بلغت هدفك ووجدته كما قيل لك وصلت إلى اليقين.

وهكذا لابد للمؤمن أن يسعى دوماً في تنمية إيمانه والوصول به إلى مرتبة اليقين لكيلا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، ولتكن هذه الليالي المباركة مطيته للوصول إلى تلك المنزلة العليا، وليس عزيزاً على الله أن يمنح عبده المؤمن اليقين ما دام العبد ساعياً للوصول إليه، وكما وصل حارثة إلى مرتبة اليقين، ففي الحديث: ” أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله  صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَخْفِقُ – وَيَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرٌّ لَوْنُهُ وَقَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ – وَلَصِقَ جِلْدُهُ بِعَظْمِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله  كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ فَقَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوقِناً.

فقَالَ فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ- وَقَالَ لَهُ إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ‏؟[1]

فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي قَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ وَأَنَا فِيهِمْ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا- وَيَتَعَارَفُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئِينَ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ فِيهَا مُعَذَّبُونَ وَيَصْطَرِخُونَ وَكَأَنِّي أَسْمَعُ الْآنَ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله:  هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ فِي الْإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ.

قَالَ فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ.

قَالَ فَدَعَا لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِر)[2]

الثالثة: مرتبة التعقل، فما هو التعقل؟

نعني بالتعقل معرفة حدود الحقائق، فقد يعرف الإنسان الحقائق لكن لا يعي حدودها الدقيقة، والتعقل يصل به إلى هذه المرتبة، لأن العقل يسوق صاحبه من المعلوم إلى معرفة المجهول، فعلمك بوجود مجلسٍ في مكانٍ ما، يؤدي بك إلى معرفة وجود خطيبٍ ومستمعين وضيافة و..

واليقين يحمل المؤمن بالمزيد من التامل في آيات الله سبحانه واسمائه الحسنى للمزيد من المعرفة.

 

بين الحق والباطل

{تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَاعَلَيْكَ بِالْحَقّ‏ فَبِأَىّ‏ حَدِيثِ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}

الله سبحانه حق، وكل ما خلقه فهو حقٌ أيضاً، وكذلك آياته الدالة على الحقائق حقّة، فأي آيات الله يتلوها؟

يبدو أنها مطلقة، سواء المكتوبة، أو آيات الله في الخليقة، ذلك لأن الحق واحدٌ لا يتعدد وإن تعددت تجلياته ومظاهره.

وما سوى الحق باطل، وليس هناك منزلة بين الحق والباطل، وبعبارة أخرى ليست هناك مستويات، بل هي إثنينية، حقٌ أو باطل، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إِنَّ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ‏ الْحَقُ‏ يَضُرُّهُ الْبَاطِل‏”[3]، ذلك لأن الكثير من الناس لا يريدون تحمل مسؤولية الحق، ويرغبون أن يكونوا في مساحةٍ محايدة، والحال عدم وجود تلك المساحة، بل عدم الكون مع الحق هو الركون إلى الباطل وقد روي إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عليه السلام  فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُحِبُّكَ وَأُحِبُّ فُلَاناً وَسَمَّى بَعْضَ أَعْدَائِهِ فَقَالَ عليه السلام: أَمَّا الْآنَ فَأَنْتَ أَعْوَرُ فَإِمَّا أَنْ تَعْمَى وَ إِمَّا أَنْ‏ تُبْصِرُ.

فلا يمكن أن يكون المرء مع الحق وفي نفس الوقت يتولى الباطل، بل لابد له أن يختار جبهته، وكذلك لا يمكن له أن يجزّئ الحق، فيقبل ببعضه ويرفض بعضه.

والكثير من الناس يبتلون بهذه المشكلة، حيث يصل بهم الأمر إلى مرتبة النفاق، فتتقلب مواقفهم، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

{ َبِأَىّ‏ حَدِيثِ  بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}

من لا يؤمن بآيات الله ما الذي يريده، غير آيات الله الواضحة أي آياتٍ يقبل بها ويصدقها؟

فالذي لا يؤمن بالله وآياته الواضحات، ليس أمامه شيء يستحق الإيمان والتصديق، فتراه يبتلى بالإيمان بالخرافات والأفكار السخيفة، ويعبد البشر أوالحجر أوالبقر او.. وكلها لا تستأهل العبادة بتاتاً.

 

{وَيْلٌ لِّكلُ‏ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}

حين ينكر الإنسان آيات الله الواضحة، يبدأ مسلسل التكذيب عنده، فكل كذبةٍ تجره إلى أكبر منها لئلا يفتضح أمره، وهكذا يصل به الأمر إلى الإفك.

هذا في مقام القول والنظريات، أما في مقام العمل ففعله الإثم والعصيان، وهكذا يستحق الأفّاك الأثيم للويل.

وفي الآية تحذيرٌ من عاقبة كل من يستبدل الباطل بالحق، ويترك الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فالخلاص في أن يسلّم للحق ويعمل به.

{يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلىَ‏ عَلَيْهِ ثمُ‏ يُصِرُّ مُسْتَكْبرِا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}

تتلى عليه آيات الله  – مطلقاً -، ويسمعها ولكنه يصر على عدم قبول الحق استكباراً منه عليه، وانطلاقاً من العصبيات والأنانيات التي تمنعه من الخضوع لما عرف في قرارة نفسه حقيقته.

وإصراره على موقفه يجعله يتجاهل الآيات وكأنه لا يسمعها.

{فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

قيل: البشارة هي الخبر السارّ الذي تتغير ملامح الإنسان سروراً وفرحاً بما سمع. ولكن العرب استعملوا لفظة (البشارة) لكل خبرٍ هامٍ يتغير به ملامح مستمعه، سواء كان الخبر مفرحاً ام محزناً.

وهكذا فإن إستعمال القرآن الكريم للبشارة تتنساب واستعمال العرب، لأن البشارة بالعذاب تغيّر ملامح المبشَّر خوفاً وهلعا.

والملفت أن الآية اوردت البشارة بصيغة الأمر، إذ يوجب الله على نبيه وبالتبع المؤمنين بتبشير الكافر والمنافق بالعذاب، والذي يعني عدم السكوت على الإنحراف بل الإنذار والتحذير المستمر، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:“أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ‏ مُكْفَهِرَّةٍ”[4].

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا}

من صفات المستكبر إستهزائه بآيات الله بعد علمه بها، أي بعد وعيه لها وعدم إستطاعته ردها بدليلٍ او برهان، حينها يقوم بردها عن نفسه بالاستهزاء والسخرية.

والواقع أن الإستهزاء أخطر من الكفر والإنكار، لأن المنكر قد يتنازل عن إنكاره يوماً ما ويخضع للحقيقة، ولكن ذلك لا يرجى للمستهزئ، لأنه لا يسمح لعقله بالتفكير في الحق بل يلغي فيه.

{أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

والمستهزئ يعذّب في النار بعذابٍ مهين، فبالاضافة إلى ما سيلاقيه من عذاب جسدي سيناله  عذابٌ روحي يتناسب وحالة إستهزائه لآيات الله في الدنيا.

نسأل الله سبحانه أن يقينا عذابه الأليم والمهين، أنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  اي ان لكل يقين علامة، فما هي علامة يقينك؟

[2]  مشكاة الانوار في غرر الاخبار: ص 14

[3]  تحف العقول: ص 152

[4] الكافي: ج5،ص 59