تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الرابع)

02/07/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(9) مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُ  وَلَا يُغْنىِ عَنهْم مَّا كَسَبُواْ شَيْا وَلَا مَا اتخَّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ  وَلهَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(10) هَذَا هُدًى  وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِ رَبهِّمْ لهَمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ(11)}

صدق الله العلي العظيم

 

خلق الله الإنسان من قطرة ماء مهين (نطفة) وجعله يعيش بين عدمين، إذ لم يكن شيئاً مذكوراً قبل مجيئه إلى الدنيا وبعد سنواتٍ سيكون مصيره إلى الموت، ولكنه يتكبر على الله، فهو كما قال الله سبحانه:

{خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصيمٌ مُبين‏}[1]، ترى لماذا يتكبر؟ وهل نحن – بدورنا – فينا مثل ما في نفوس الكافرين من التكبر ام أنا تغلبنا عليه؟

ولابد من توجيه السؤال إلى أنفسنا لأن آيات القرآن الكريم تهدف الموعظة والاعتبار، إذ يريد القرآن أن يزكي بآياته نفوسنا، فهو ليس خطاباً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وآله بل يشمل كل تالٍ له،  لأنه نزل بلغة إياك أعني واسمعي يا جارة.

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

ومن هنا ترى الآية لا تحدثنا عن شخصٍ خارجي بعينه، بل تحدثنا عن صفاتٍ قد تتكرر في كل زمانٍ ومكان، ومنها صفة الإستكبار على الحق، حيث يواجه المتكبر الدعوة بالرفض وعدم الإستماع والإصرار على موقفه الرافض من الإنفتاح على الرسالة، وإذا نفذت هدى الرسالة – بصورة أو بأخرى – إلى وعيه وعلمها ولم يستطع أن يردّها، استعمل اسلوب الإستهزاء والسخرية، اغتراراً منه بما لديه من نعم الله المادية.

أن تملك الثروة أو السلطة أو الجمال او .. ليس مشكلةً، فتلك نعم الله سبحانه عندك، ولكن المشكلة تكون في الإفتخار بها والإتكاء عليها لتكون حجاباً بينك وبين الله سبحانه، وبينك وبين الناس، فحتى العبادات التي هي خطى القرب إلى الله سبحانه، لو خليت من الإخلاص وصارت وسيلة للتفاخر على الناس تتحول إلى وبال على صاحبها.

فهلاك الناس يكون في اغتراتهم بالنعم الإلهية عليهم، حيث لم يقدروا على استيعاب النعمة وتسمو نفوسهم بمستواها، ومن هنا كان على المؤمن أن يطلب من الله النعم ويطلب منه قبل ذلك أن لا تكون النعم الإلهية وسيلة لهلاكه، ويسألون الله ان يوفقهم لأداء شكر النعمة حق الشكر، وكما طلب النبي سليمان عليه السلام ذلك من رب العزة، حيث قال بعد مروره – وجنوده – على وادِ النمل وإستماعه كلام النملة مع النمل:

{فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْني‏ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي‏ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى‏ والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْني‏ بِرَحْمَتِكَ في‏ عِبادِكَ الصَّالِحين‏}[2].

وفي المقابل ترى النماذج المتكررة التي طغت بسبب عدم استيعابهم لنعم الله سبحانه وتعالى والاغترار بها من أمثال هشام بن الحكم الذي بات يرفض حتى نصيحة ابن رسول الله زيد بن علي رضوان الله عليه، لإنه جلس على كرسي الخلافة، فأخذته العزة بالإثم حين خاطبه زيد الشهيد: (اتق الله)، أو ذلك الخليفة الآخر الذي سمّت له بعض جنده بعد أن عطس، فغضب وسأل الجندي عن سبب تسميته له، فأجاب الأخير بأنها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له الحاكم: اصبت السنة واسأت الأدب.

ولطرد التكبر من نفوس الإنسان تحدثنا آيات القرآن الكريم عن العاقبة المهينة التي تنتظر المتكبر، كي يرعوي بها عن هذا المرض الخطير، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

“يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ‏ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خَلْقِ الذَّرِّ فِي صُورَةِ النَّاسِ يُوطَئُونَ حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِسَابِ خَلْقِهِ ثُمَّ يُسْلَكُ بِهِمْ يُوطَئُونَ نَاراً لا بنار يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ”[3] .

والمتكبر – كما بينته النصوص – هو الذي يتكبر على الحق واهله، كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

“إِنَّ أَعْظَمَ الْكِبْرِ غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ‏ الْحَقِ‏ قَالَ قُلْتُ وَمَا غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ‏ الْحَقِ‏ قَالَ يَجْهَلُ الْحَقَّ وَيَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ”[4].

{مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُ  وَلَا يُغْنىِ عَنهْم مَّا كَسَبُواْ شَيْا}

مصير هؤلاء إلى جهنم، ولا ينفعهم كل ما جمعوا من ثروات وكنوز، فقد ينتفع الإنسان بأمواله وثرواته في الدنيا لتمشية بعض أموره او رشى القضاة والحكام، ولكن كل ذلك لن يغني الإنسان يوم القيامة، لأن المعيار ليس المال، وانما الأعمال الصالحة.

{وَلَا مَا اتخَّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ}

كما المال لا يغنيهم عناك، كذلك علاقاتهم الإجتماعية التي بنوها لأجل المصالح الدنيوية لن تنفعهم شيئاً، لأن علاقتهم مبنية على الأسس المادية، والمادة محور إتخاذه للأولياء.

بلى؛ الخلّة في الله والأخوة الإيمانية تنفع المؤمنين في دار الجزاء، لأن المؤمن يشفع لأخيه المؤمن بإذن الله سبحانه وتعالى لأنهم بنو علاقاتهم في دار الدنيا في إطار الإيمان بالله سبحانه وتعالى والعمل الصالح، فحتى الذرية يلحقها الله سبحانه بآبائهم الصالحين، قال الله سبحانه:

“وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهين‏”[5].

بل يشفع المؤمن – وبحسب بعض النصوص – في جاره غير المؤمن الذي أحسن إليه، وإلى الذي سقاه ماءً لإيمانه، كل ذلك بعد إذن الله سبحانه وتعالى.

{وَلهَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

لا يصف الله سبحانه شيئاً بالعظمة إلى اذا كان عظيماً حقاً، ويعني ذلك أن شدة العذاب وعظمته تفوق التصور، ولكن للمرء أن يتخيل شيئاً من عظمتها إذا عرف أن الشمس الذي تصليه حرارتها في الصيف رغم وجود الفاصلة التي تقارب عشرة مليون كيلومتر، حين تلقى هذه الشمس في نار جهنم تصرخ من حرارة النار.

{هَذَا هُدًى}

طريق النجاة واضح لمريده، ويتمثل في التواضع أمام الحق وقبوله والتسليم له.

{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِ رَبهِّمْ لهَمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

أما الذين لا يسلكون سبيل الهدى، ينتظرهم عذابٌ أليم يوم القيامة.

وكما يبدو لي أن هذه الآيات حول التكبر على آيات الله سبحانه، والكفر به، ويذكّرنا القرآن الكريم بهذه الحقائق لأنها طريق الخلاص من التكبر، حيث تذكر الآية تلو الأخرى عذاب الله الأليم والمهين والعظيم، فماذا يعني الكفر بآيات الله؟

آيات الله سبحانه – كما سبق وأن بينّا – ثلاث:

الأول: آيات الله سبحانه المدونة في كتبه، وخاتمها القرآن الكريم.

الثاني: آياته المبثوثة في الآفاق، كالشمس والقمر و..

الثالث: آيات الله سبحانه المتجسدة في الأفراد، بأن يكون الشخص آية الله، كما الأنبياء وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو آية الله العظمى.

والتكذيب والكفر بأية آية منها هو كفرٌ بكل آيات الله سبحانه وتعالى، وخصوصاً رفض الإنسان – انطلاقاً من التكبر- الخضوع لاولياء الله وحججه، فهو لا يريد أن يكون بشرٌ مثله ولياً لله سبحانه وتعالى وحجةً عليه.

ومن هنا، على المؤمن أن يزيد من معرفته بالنسبة إلى الأئمة الطاهرين عليهم السلام باعتبارهم حجج الله علينا، وأن يتزود من معرفة حياتهم ومقاماتهم وكلماتهم و فضائلهم لكيلا تزلّ قدمه.

واوصي الشباب أن يهتموا بطلب العلوم الدينية ويتعلموها ولو بشكل اسبوعي او عبر الدروس المسجلة، وخصوصاً في جانب العقيدة والقرآن والحديث وكذلك الفقه والثقافة، ليستطيعوا حفظ ايمانهم من تيار الشبهات المنتشر في شبكات الانترنت والذي يهدف النيل من ايمان الشباب.

 

نسأل الله ان يحفظ شبابنا ويوفقهم لما فيه الخير والصلاح، وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النحل : الآية 4

[2]  سورة النمل : الآية 19

[3] ثواب الاعمال وعقاب الأعمال : ص 222

[4] الكافي : ج2،ص 310

[5] سورة الطور : الآية 21