تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السادس)

03/07/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ  وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهْا  ثمُ‏ إِلىَ‏ رَبِّكمُ‏ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ الْكِتَابَ وَالحْكمْ‏ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلىَ الْعَالَمِينَ (16) وَءَاتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ  إِنَّ رَبَّكَ يَقْضىِ بَيْنهَمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كاَنُواْ فِيهِ يخَتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلىَ‏ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنهَّمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْا  وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ(19)}

صدق الله العلي العظيم

 

تبقّى مما مضى الحديث عن موضعين، نشير أليهما هذه الليلة قبل الإنتقال إلى الحديث عن موضوع الآيات التي ذكرناها:

اولاً: في الآيات السابقة تم الإشارة في أكثر من آية حول طريق الوصول إلى الحقيقة بدءاً من الحديث عن الإيمان ومن ثم اليقين وبعد ذلك التعقل وانتهاءاً بالحديث عن التفكر.

وفي ذلك بصيرة هامة، وهي أن الدين الإسلامي ورسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والتي بينتها آيات القرآن الحكيم حوت على تعاليم لجميع أبعاد الحياة البشرية، فلم تكتفِ بجانبٍ دون آخر، ولم يكن الإهتمام بجانب على حساب جانب ثان، فإنك تجد الإهتمام بالبعد العاطفي في أعلى درجاته في تعاليم الدين الحنيف وفي الوقت ذاته فإنه يدفع الإنسان في البعد العقلي إلى أسمى المراتب، الأمر الذي لا تجده في سائر الأديان وحتى السماوية منها – التي حرّفت فيما بعد – إذ تجدها إما مفرطة أو مفرّطة، فهي إما تهمل العقل أو تهمل العاطفة.

وكما هو الدين، كذلك ممثلوا الدين الحنيف، وسيرتهم كانت متوازنة بين جانبي العاطفة والعقل، فأمير المؤمنين عليه السلام الذي كانت حياته مليئة بالحماسة والعواطف و.. هو نفسه صاحب نهج البلاغة الكتاب الذي لا ينفاسه أي كتابٍ آخر من كتب البشر، وقد اعترف لي أحدهم وهو يشغل منصب مستشار لرئيس أحدى الدول الأروبية أنه منبهر بشخصية أمير المؤمنين عليه السلام الذي تحدث بحقائق قبل أكثر من اربعة عشر قرن حيث كان الاوروبيون يعيشون كالحيوانات والوحوش – حسب قوله -، ولم يصل إلى ادراكها الناس إلا في العصر الحديث.

ثانياً: أمر الله سبحانه المؤمنين بأن لا يغتموا كثيراً بكفر بعض الناس وضلالتهم، فالدنيا أرادها الله سبحانه دار امتحان، ويفلح فيها قومٌ ويخسر آخرون، وسينال كلٌ جزاء عمله، ف بالرغم من وجود واجب الدعوة والتبليغ، إلا انه ينتهي دوره عند ذلك لا ينبغي عليه أن يتأثر كثيراً بكفر من كفر.

ونتيجةً للضغط النفسي الذي يعانيه المؤمن تراه ينزوي عن المجتمع ويبتعد عن الناس، وهذه الحالة حالة خاطئة منع عنها الإسلام، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له عثمان بن مظعون:

إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالسِّيَاحَةِ وَأَنْ أَلْحَقَ بِالْجِبَالِ.

فقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم يَا عُثْمَانُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي‏ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ “[1].

كما حارب الإسلام الرهبانية التي كانت منتشرة في النصارى، قال الله تعالى:

{وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها }[2].

وفي مقابل هذه الحالة الخاطئة هي الحالة الخاطئة الأخرى التي تتمثل في فرض الدين على الناس وقهرهم على الإلتزام به، فقد قال الله سبحانه: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنين‏}[3].

بلى؛ على الحكومات والمجتمعات الإسلامية أن تضع قوانين معينة للحفاظ على المجتمع الإسلامي ولكن لا يجوز فرض العقيدة على الناس وتفتيش عقائدهم ونواياهم.

وبالنتيجة سيحصد كل امرء ما زرعه في الدنيا من عقيدة وعمل، وهذه الحقيقة من البديهيات الواضحة ولكن لابد أن تتحول إلى بصيرة للإنسان في الحياة ليرى بها عاقبة الأفعال، حتى يصل – بتنمية هذه البصيرة – إلى مرحلة يمكنه أن يعرف عواقب أمور الأفعال وان لم يعرف بالدليل حرمة الفعل او حليته، وقد نقل عن آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة، أنه ذهب إلى بستانٍ مع بعض طلبته، وقد قدّم له العامل عنباً طازجاً فامتنع الشيخ عن مد يده إليه، حتى جاء صاحب البستان وعرف عدم أكل الشيخ من ذلك العنب، فسأل العامل عن مصدر العنب، وقال العامل له أنه جاء بالعنب من البستان المجاور لعدم جودة عنب البستان، فأمره الرجل بأن يأتي بثمار بستانه الخاص، وحينها اكل الشيخ الحائري من ذلك العنب.

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}

كل عمل يقوم به الإنسان، انما يقومه لنفسه لا لغيره، فهو الذي سيلقى جزاء عمله، فما يقدمه للناس من صدقات وخدمات، وما يفعله من إحسان للآخرين، فهو المستفيد قبل غيره، وإلى هذه الحقيقة أشار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه: ” أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا فُقَرَاءُ الْمَدِينَةِ فَجَاءُوا وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم وَكَانَ يُعْطِيهِمْ فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا رَقَبَتُهَا.

فَسَأَلَ عَنْ عَائِشَةَ مَا بَقِيَ مِنْهَا فَقَالَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا رَقَبَتُهَا.

فَقَالَ صلى الله عليه وآله” قُولِي بَقِيَ كُلُّهَا إِلَّا رَقَبَتَهَا”[4].

ومن هنا لا ينبغي لمن يقدم بعض المال للأعمال الخيرية أو المؤسسات الدينية أن يعتبر إنفاقه مغرماً وخسارةً أو إغناءاً للغير، بل هو مالٌ يقدمه لنفسه ونفقةٌ يقرضها لغيره ليسترجعها يوم القيامة، وكان الإمام زين العابدين عليه السلام يستقبل من يسأله الحاجة بقوله: “مَرْحَباً بِمَنْ يَحْمِلُ لِي زَادِي‏ إِلَى الْآخِرَةِ”[5].

{وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهْا}

وفي المقابل فإن اسائة المرء تعود إليه في نهاية المطاف، وإن بدا في الوهلة الأولى انه منتفع أو يتضرر بالفعل غيره، ولكن الإسائة لا تعود إلا الى فاعلها.

والجزاء يكون على نوعين، منه ما يرجع إلى الفاعل في الدنيا، ومنه ما يلقاه الإنسان في الآخرة، ويبدو أن اغلب أعمال الإنسان سيجازى عليها ويعرف عاقبتها في الدنيا قبل الآخرة، خصوصاً إذا كان العمل هو عمل أمة ومجتمع.

فعلى سبيل المثال، حين يتضرع المؤمنون إلى ربهم ويسألون الله أن يلم بظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه شعثهم ويشعب به صدعهم ويرتق به فتقهم و.. ثم ينطلقون من الدعاء – باعتباره منهاجاً للمجتمع الاسلامي الذي يعيش تحت راية الإمام المنتظرعليه السلام -، ويسعون لتهيئة مقدماته ليصلوا إلى مجتمع الكرامة، فإنهم سيحصدون النتائج وان لم تكن كلية.

وبالرغم من أن النموذج الأكمل والأشمل سيكون بحكومة الإمام عليه السلام، لأنها حكومة إلهية عالمية، الا ان العمل والسعي سينتج الحصول على نتائج في حدود معينة.

{ثمُ‏ إِلىَ‏ رَبِّكمُ‏ تُرْجَعُونَ}

والعاقبة هي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة والجزاء الأوفى هناك، حيث لا يظلم ربك أحداً.

وكمثال على حصول المجتمع على جزاء عمله يذكر لنا القرآن الكريم قصة بني اسرائيل:

{ َولَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ}

وتكررت قصة بني اسرائيل أكثر من سبعين مرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، للتشابه الكبير بين الأمة الاسلامية وبين بني اسرائيل، وكما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ؟”[6].

وقد أعطاهم الله مجموعة كبيرة من النعم، ولكنهم بالرغم من كل ذلك لم يؤدوا حقها، فما الذي آتاهم الله سبحانه؟

{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ الْكِتَابَ}

 

اولاً: الكتاب

وهو التوراة، الذي قال عنه سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداء}[7]، فالتوراة كتابٌ إلهي فيه هدى ونور ورحمة، اما تحريفه من قبل اليهود أو نسخه بالكتب اللاحقة فذلك كان لاحقاً.

{وَالحْكمْ‏}

 

ثانياً: الحكم

وللحكم معنيان:

الأول: بمعنى القضاء وفضل النزاعات، أي العلم الذي به يتم الحكم في الخلافات.

الثاني: بمعنى السلطة والحكومة.

وقد أعطى الله سبحانه بني اسرائيل الحكم بكلا المعنيين، فأعطاهم ما به يحكمون في أمورهم ونزاعاتهم، كما منحهم الحكم في مصر ومن ثم في فلسطين.

{وَالنُّبُوَّةَ}

 

ثالثاً: الأنبياء

فقد بعث الله منهم وإليهم الكثير من الأنبياء والرسل، ولم يكن ذلك عبثاً واعتباطاً، وانما كان لحكمة إلهية وبسبب صبرهم على الحق وصمودهم أمام قهر فرعون وظلمه.

{وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}

 

رابعاً: النعم المادية

مضافاً إلى النعم المعنوية كالكتاب والنبوة، رزقهم الله سبحانه من الطيبات، والتي يبدو لي لم تكن مقتصرة على المن والسلوى و..، بل تشمل كل النعم المادية التي رزقهم الله بها.

{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلىَ الْعَالَمِينَ}

 

خامساً: التفضيل

وقد فضّل الله تلك الأمة على أهل عالمهم، ومن تجليات التفضيل هو كثرة بعثة الرسل منهم، من امثال انبياء الله داوود وسليمان وعيسى ويحيى عليهم السلام وكذلك بوجود نساء مثل السيدة مريم عليها السلام من بني اسرائيل.

{وَءَاتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ}

 

سادسا: بينات من الأمر

ما هو المقصود ببيناتٍ من الأمر؟

لتوضيح ذلك نقول: للدين خطان، احدهما ثابت يرتبط بأصل الدين ومنها العبادات، فالصلاة ثابتة منذ تشريعها وإلى يوم القيامة ولا تتبدل، أما الخط الثاني فهو البعد المتغير والذي يتطور بحسب الزمان والمكان، مثل أمور الحرب والسلم والإقتصاد والثقافة و.. والتي تتغير بتغير الزمان والمكان والتي تحتاج إلى رؤية الدين في الظروف المستجدة، ويبدو أن المقصود بالبينات هو ما يرتبط بالجانب الثاني للدين، ببيان الوظيفة العملية الحوادث الواقعة، قال الله سبحانه:

{وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَليلا}[8].

وقد رسم الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف منهجاً لحل المشاكل المستجدة برؤية دينية صافية، حيث قال عليه السلام : “وَأَمَّا الْحَوَادِثُ‏ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ”[9]، والمراد برواة الحديث هم العلماء بها والعارفين بدرايتها، فـ : “حَدِيثٌ‏ تَدْرِيهِ‏ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ “[10]، كما قال الإمام الصادق عليه السلام.

وبهذا نعرف أن الله فضّل أتباع اهل البيت عليهم السلام على سائر الأديان والمذاهب في معرفة الحوادث الواقعة، وهو باب الإجتهاد الذي كان من فضل الائمة الطاهرين على هذه الأمة، لأنهم يسيرون على هدى الائمة ونالوا من نورهم عليهم السلام ببركة كلماته النورانية.

 

عاقبة بني اسرائيل

{فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضىِ بَيْنهَمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كاَنُواْ فِيهِ يخَتَلِفُونَ}

وفي نهاية المطاف تمزقوا بسبب الإختلافات، والتي لم تكن بسبب الجهل او عدم وجود الحكم والبينات، لأن الله منحهم كل ذلك، بل كان اختلافهم انطلاقاً من البغي بغية تسلط البعض على البعض، ولتكون أمةٌ هي أربى من أمة.

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلىَ‏ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ}

وبعد قصة بني اسرائيل واختلافهم، يخاطب الرب نبيه بأنه جعله على شريعة من الأمر، فما معنى الشريعة؟

الشريعة هو الطريق الموصل إلى الماء، وبكثرة الاستعمال صارت تستعمل لطريق العلم، تشبيهاً للعلم بالماء، والشريعة هي الطريقة الواضحة، فقد جعل الله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الطريق الحق والدين الواضح.

{فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}

ومادام الله جعل نبيه على الطريقة الواضحة والدرب اللاحب، يأمره الله سبحانه بإتباعها، وينهاه عن أتباع اهواء الناس الصادرة من جهلهم.

فلا يجوز أن يترك الإنسان علمه من أجل اهواء الناس، بل عليه أن يتبع علمه، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ‏ جَهْلًا وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا”[11].

وخصوصاً فيما يرتبط بأمور الدين والرسالة، فلا شورى في حكم الله وأمره، ولا يحق لأحد أن يتدخل في هذه الشأن، والشورى مختصة بالمسائل اليومية ومقيدة رغم ذلك بأمر النبي والائمة وبتبعهم الفقهاء.

وقد انتشرت مؤخراً حالة يطالب المكلّف الفقيه أن يغيّر من حكم الله سبحانه او يتساهل فيه، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الشرعية، ناسين أن الفقيه لا يجوز له أن يغير أو يبدل حكم الله قيد أنملة، ولا يعرّض نفسه للنار لينجو هذا المكلف، مثلما كان يقول جدنا المرجع الديني اية الله العظمى ميرزا مهدي الشيرازي لمن يطالبه بأمثال هذه الأمور: إن رقبتي رقيقة ولا تتحمل أن تُمَد على النار لتعبر أنت عليها إلى الجنة.

وما يقال عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهل بعض أمور الدين مثل الأذان وراح يسأل المسلمين عنه و.. كل ذلك حطّ من مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واستهانة بشخصيته العظيمة التي كانت تطبق أوامر الله سبحانه وتعالى بحذافيرها.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تهذيب الأحكام : ج6، ص 122

[2]  سورة الحديد : الاية 27

[3]  سورة يونس : الاية 99

[4]  مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل : ج7، ص 266

[5]  كشف الغمة في معرفة الائمة : ج2،ص 74

[6]  نهج الحق وكشف الصدق : ص 317

[7]  سورة المائدة : الآية 44

[8]  سورة النساء : الآية 83

[9]  كمال الدين وتمام النعمة : ج2،ص 484

[10] معاني الأخبار : ص 2

[11]  نهج البلاغة : ص 524 الحكمة 280