آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثامن)

14/07/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنحَيَا وَمَا يهُلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  وَمَا لهَم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ  إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلىَ‏ عَلَيهْمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كاَنَ حُجَّتهَمْ إِلَّا أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَائنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يحُيِيكمُ‏ ثمُ‏ يُمِيتُكمُ‏ ثمُ‏ يجَمَعُكمُ‏ إِلىَ‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَاكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يخَسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)}

صدق الله العلي العظيم

 

يمتلك الإنسان وسائل عدة للوصول إلى وعي أية حقيقة، فقد منحه الله العين ليبصر بها والأذن ليسمع والجوارح لتلمس والعقل ليكشف ما وراء ذلك و..، فإذا أراد أن يصل إلى الحقيقة فليس أمامه إلا الاستفادة من الجارحة أو الجانحة المتناسبة مع نوع الحقيقة ليدركها، أما إذا اراد الإنسان أن لا يصل إلى الحقيقة فليس أمامه الا أن يعطل الوسائل هذه ويعيش في ظلمات الجهل.

فمثلاً، لو رأى أحدنا سواداً في ظلمة الليل فأمامه أن يقترب منه ويمعن النظر فيه، بعد إشعال الضوء او الإنصات لصوته، سيصل بعد إعمال الفكر بماهيته، أما لو اغلق كل تلك الوسائل وتخيّله شيئاً ما او قال بالظن، فإنه سيعتبر تخرصاً ومجانبةً للواقع، ويقاس على هذا المثال سائر الحقائق في الحياة، اذ لابد أن يسلك المرء سلسلة من المراتب لكي يصل إليها.

وفي هذا المجال نقول، أنا نفتخر بإنتسابنا الى مكتب أهل البيت عليهم السلام، الذي رسم مناهج في غاية الدقة والتحديد للوصول إلى الحقائق، فقد فصّلت الآيات والروايات هذا المنهج بشكل مذهل، مثل الحديث عن العقل وتنميته والجهل وسبل دحضه و..،  وهذا لا يرتبط بالجانب الدينية فقط، بل في الجوانب الأخرى الحياتية.

وكمثال على الدقة المتناهية للمناهج العلمية لدى أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، هو ما نراه لدى فقهائنا الكرام في مختلف العلوم، وخصوصاً الفقهية منها حيث ترى العمق والدقة والموضوعية المتناهية.

فمن أراد الوصول إلى إدراك الحقائق فعليه إستعمال الأدوات، اما من لم يشأ ذلك فلا يعمل منها شيئاً، وبذلك يتبع هواه، وبعبارة أخرى يتبع ما ترغب به نفسه، فيرى الأمور بما ترغبه نفسه لا بما هي أمور واقعية، وهوى الإنسان ليس ميزاناً للحق والباطل.

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ}

إتباع الشيء يعني عبادته، وكما في الحديث عن الهادي عليه السلام:

“مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ‏ فَقَدْ عَبَدَهُ‏ فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللهَ وَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ”[1].

فليست العبادة في هذه الآية بمعنى الركوع والسجود، بل بمعنى إتباع الهوى، والهوى يعني الحب الشديد تجاه شيء.

ومن عبد الهوى  وترك الحق، فمصيره إلى الهلاك لا محالة، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“إِنَّ مَنْ لَمْ‏ يَنْفَعْهُ‏ الْحَقُ‏ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى يَرِدُهُ الضَّلَالُ “[2].

 

منطق متبعي الهوى

{وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنحَيَا}

بضلالتهم واتباعهم للهوى راحوا يحيكون التخيلات الباطلة، حول الحياة والموت، حيث اعتبروا الدنيا هي نهاية المطاف.

ولا ينطلقون في مقولتهم هذه من مصدر علمي أو عقلي بتاتاً، فلو سألتهم عن الدليل لتعتعوا في الجواب، مثلما حصل مع ذلك الزنديق الذي أنكر وجود الله سبحانه بحجة عدم رؤيته له، بعد أن سأله الإمام الصادق عليه السلام عن ذهابه إلى السماء وبحثه عن الله في بطن الأرض أو شرقها وغربها.

ولكن ماذا عنوا بقولهم: نموت ونحيا؟

بيّن المفسرون عدة إحتمالات اولاها ان مرادهم هو أننا أحياء بعد الموت، او كنا عدماً فصرنا الى الوجود، وثانيها أنهم كانوا يذهبون إلى نظرية التناسخ، بمعنى حلول روح الميت في جسد إنسان آخر والذي يقال عنه “نسخ” أو حلولها في حجر والذي يقال عنه “رسخ”، وثالثها أنهم يحسبون حياتهم في حياة أبنائهم بعد موتهم.

وعلى الإحتمالات الثلاثة فإنهم على باطل، فعلى الإحتمال الأول نسألهم عن كيفية تحوّلهم من العدم إلى الوجود، ومن قام به ولماذا ومتى و..؟

وعلى الأحتمال الثاني، فإن نظرية التناسخ واضحة الفساد، وأوضح دليل على فسادها هو عدم معرفة الجسد الجديد الحياة السابقة لروحه، أوليست الروح واحدة ؟ فلمَ لا يعرف أحدٌ من مليارات البشر كيفية حياته السابقة.

أما الإحتمال الثالث فيرد بأنه ليس حياةً للآباء بل هي حياةٌ مستقلة للأبناء.

{وَمَا يهُلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}

يعبر بالدهر عن كل مدّة كثيرة، وتطاول الليل والنهار دهر، ونسب هؤلاء الهلاك للدهر، مثل قال تعالى:

{هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُورا}[3].

فما هو شأن الدهر بالإيجاد والإعدام ؟ وما هي بداية الدهر وإلى أين منتهاه؟

واليوم ينسب الماديون كل شيء للطبيعة، كالخلقة والتدبير والتغيرات و.. ويضاهئون به قول من نسب الأمور إلى الدهر، ولكن ترى على أي شيءٍ يستند هؤلاء؟

يقول الله سبحانه:

{وَمَا لهَم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}

منطلقهم في قولهم ذلك هو الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً.

سابقاً كان يجهل الإنسان البدائي سبب الموت، ولذلك كانوا يتوهمون أسباباً للموت ويقومون بربطه بأحداث غريبة، مثل طيران الغراب أو نعقه أو العاصفة أو.. فحيث لم يكونوا يعرفوا الأسباب والمسببات، كانوا يبنون معارفهم على أسس الخيال والخرص والظن، وشيئاً فشيئاً راح يكتسب العلم ويتخلص من آراءه السخيفة المسبقة.

والذي ينسب الهلاك وقبله الإيجاد إلى الدهر هو الآخر جاهلٌ ولا يملك نصيباً من العلم، وبالتالي يعتمدون على الظن والوهم إتباعاً للهوى.

{وَإِذَا تُتْلىَ‏ عَلَيهْمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}

في ساعة المواجهة العلمية، إذ تتلى عليهم الآيات البينات على فساد نظريتهم، مثل محدودية ومحكومية الدهر هو الآخر كمحدودية الإنسان، فأنهم لا يملكون سوى الإصرار على الإنحراف، كيف؟

{مَّا كاَنَ حُجَّتهَمْ إِلَّا أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَائنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}

الحجة في مقابل الحجة، ولكن لايملك هؤلاء الحجة، لأنهم وبعد حيرتهم على الجواب، وامتناعهم عن قبول الآيات البينة، يطالبون – إحتجاجاً وتهرباً عن الواقع – بإحياء آبائهم الميتين، جاعلين ذلك شرطاً لصحة الآيات.

ولكن مطالبتهم تلك ليست بحثاً عن الحقيقة، لأن الآيات بدورها بينة وكافية لمن طلب الحق، ولو افترض إحياء الآباء والإتيان بهم لرفضوا الخضوع أيضاً، وادّعوا أنهم مسحورين و..، وكما يقول الله سبحانه عن هذا النمط من البشر: {وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فيهِ يَعْرُجُون‏ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُون‏}[4]، فالمعاند لا يخضع للحق ولو أتيت إليه بألف دليلٍ ودليل، كما كان الأمر مع قوم فرعون الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي موسى عليه السلام رغم إتيانه بالآيات البينات كالعصا واليد و..

ومن الآيات البينات هو خلقة الله المتقنة وصنعه الدقيق لكل شيء، أفلا يكفهم ذلك إيماناً بأنه لا يغفل الإنسان؟

{قُلِ اللَّهُ يحُيِيكمُ‏ ثمُ‏ يُمِيتُكمُ‏}

والتأمل بالمخلوقات الإلهية يعرف الإنسان أنه هو المحيي والمميت، حتى وإن لم يكن يراه الإنسان أو يؤمن به، فهل عدم رؤية راكب الطائرة لقائدها يعني أن الطائرة لا يقودها أحد؟ كلا؛ بل يعترف بوجوده وإن لم يره بعينه لمعرفته بإستحالة طيران الطائرة دون قائد.

إنهم قدموا الموت على الحياة، ولكن الله قدم الحياة على الموت، فهو الذي يحيي الإنسان ويأتي به إلى الدنيا، وهو الذي يميته بعد حياته.

{ثمُ‏ يجَمَعُكمُ‏ إِلىَ‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}

لا تنتهي القصة عند الموت – كما خالوا إتباعاً للهوى – بل يأتي الله بالناس جميعاً يوم القيامة، ومن أسماء يوم القيامة هو يوم الجمع، إذ يجمع الله سبحانه الأولين والآخرين في موقفٍ واحد.

{لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَاكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}

لا ريب في يوم القيامة، فهو يومٌ واقع لا محالة،  فأما الذي يبحث عن الحق لا يرتاب بها، وأما المتبع لهواه فهو لا يعلم بوجود القيامة، وبالتالي هو الآخر لا يشك بالآخرة لعدم علمه بها، وعدم علمه بها لا يغيّر من واقعه شيئاً.

{وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

لكل شيءٍ في الوجود مالك، وبوجدانه يعلم الإنسان أنه ليس مالكاً فيما حوله من كائنات ومخلوقات، رغم انه  يستطيع أن يسخر بعضها بصورة جزئية ومحددة .

فالبيت الصغير يحتاج إلى مدير وحاكم، ولو فقد لاختل نظامه، فهل يمكن لهذه الكائنات أن تسير في مجاريها دون وجود حاكمٍ ومدير لها؟

كلا؛ فالله سبحانه هو الخالق لكل شيء، فهو إذاً المالك لها، المحيط بها علما، والمتصرف بها كيف يشاء، سبحانه وتعالى.

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يخَسَرُ الْمُبْطِلُونَ}

الأنسان حرٌ في الدنيا أيَّ طريق يسلك، ولكن الآية تحذره من سلوك السبيل الخاطئ، فحين تقوم الساعة مصير المبطل الذي راح يحوك الظنون بالأوهام إتباعاً للشهوات هو الخسران.

وفي الآية السابقة ساق الرب الحديث عن القيامة، ولكن في هذه الآية حديثٌ عن قيام الساعة، فما هو المراد بالساعة؟

الساعة هي لحظة إنتهاء كل شيء، فلكل شيءٍ حادث مبدأ، وكل ما له بداية له نهاية، وعالم الخلقة حادثٌ كان له بداية قبل ملايين السنين، وله نهاية، ونهايته هي الساعة، وكذلك فالساعة موعد إنتهاء مفعول الأنظمة والقوانين الحاكمة على الدنيا.

فالشمس تجري لمستقرٍ لها، ومستقرها هو الساعة، والجاذبية تحكم الأرض وبه رست الجبال على الأرض، فإذا جاء وعد انتهاءه صارت الجبال كالعهن المنفوش:{وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش‏}[5]، وأبصار الناس في الدنيا محدودة بمسافة معينة، ولكن بقيام الساعة ينتهي التحديد وتكون أبصار الخلائق حديد، قال الله سبحانه:

{لَقَدْ كُنْتَ في‏ غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد}[6]،

وهذا النظام الحاكم بانتهاء كل شيء هو الساعة.

فبقيام الساعة يخسر المبطل، ولا سبيل للعودة وتصحيح ما أفسده، فلا يرجعون ولا يمهلون إلى أجلٍ قريب ليقوموا بأعمالٍ صالحة.

ومن هنا أوصي الاخوة بإستغلال فرص الخير وعدم التسويف في العمل الصالح، فإذا رأيت فقيرين بباب المسجد فتصدق على أولهما ولا تؤجل التصدق إلى الثاني لأنك لا تظمن بقاءً بينهما، وأكثر ما يشتكي منه أهل النار هو”سوف” لأنهم كانوا يؤجلون تصحيح أعمالهم وكسب الحسنات فباغتهم الأجل.

وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام رفض تأجيل توزيع خراج إصفهان الذي كان قد وصل الكوفة ليلاً إلى الصباح، لأنه لا يضمن لنفسه البقاء إلى غداة غد فقام بقسمة الخراج بين المسلمين في الليلة ذاتها.

 

نسأل الله سبحانه أن يبصّرنا بالحقائق وأن يوفقنا للعمل الصالح قبل إنتهاء الأجل، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تحف العقول : ص 456

[2] إرشاد القلوب الى الصواب : ج1،ص 34

[3]  سورة الإنسان : الآية 1

[4]  سورة الحجر : الآية 15

[5]  سورة القارعة : الآية 5

[6]  سورة ق : 22