المرجع المدرسي في بيان الأربعين: الإمام الحسين سفينة نجاة كيف نركبها؟

13/11/2016 نشر في: الاخبار الثقافية، البيانات

أصدر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله، بيان الأربعين “السنوي” بالتزامن مع توافد الحشود المؤمنة إلى مرقد السبط الشهيد، وفي ما يلي النص الكامل للبيان:

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام الحسين مصباح هدى
كيف نستضيء به؟
الإمام الحسين سفينة نجاة
كيف نركبها؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق وسيد المرسلين المصطفى محمد وآله الهداة المرضيين.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، عليه وعليهم سلام الله أبداً.
السلام عليكم يا من أنَخْتُم بباب سيد الشهداء، واتبعتم نهجه، وزرتم مرقده الشريف.
أيها الإخوة؛ حينما بشَّرنا رسول الرحمة، صلى الله عليه وآله، وقال: “إِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [عن الحسين عليه السلام] مِصْبَاحُ‏ هُدًى‏ وَسَفِينَةُ نَجَاةٍ” ، فقد بشَّر بأنَّ ألوف الملايين من البشر قد هداهم الرب بهذا المصباح وأنجاهم بتلك السفينة.
وأنا وأنت منهم إن شاء الله. أَوَ لسنا نود أن نستضيء بهذا المصباح المنير ونركب سفينة النجاة؟ ولماذا لا؟
إننا حين نشهد هذه الأيام ملايين البشر من الموالين يتدفقون كالسيل الميمون إلى مرقد الإمام المظلوم ويهتفون بملء أفواههم:
(لبيك داعي الله، لبيك يا حسين)
نعرف مدى وهج هذا المصباح الحسيني المبارك، ومدى سعة سفينته السريعة الواسعة.
وأنتَ يا زائر مرقده الشريف ترجو بكل تأكيد أن تكون من هؤلاء الناجين بالحسين عليه السلام من النار وراكبي سفينته إلى الجنة بإذن الله.
الله أكبر، كم هو عظيم هذا التوفيق؟ وكم نحن بحاجة إلى شكر هذه النعمة؟
بلى، ولكن لابد لك لكي تحظى بأفضل موقع في سفينة النجاة أن تسعى جاهداً لكي تتشرف بصبغة الحسين عليه السلام، فلا ترجع من الزيارة إلا وأنت قد تعطرتَ بمسك أبي عبد الله، واستضاء قلبك بنوره، وامتاز خلقك بما اكتسبته من خلقه العظيم، كيف؟ الوصايا التالية ترشدنا بإذن ربنا إلى ذلك:
1- قبس من عرفان سيد الشهداء عليه السلام
لقد أشرق نور الرب في فؤاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام حتى أصبح ذلك المصباح المنير الذي قال عنه تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فيها مِصْباح‏) .
وإذا أردت أن تكون حسينياً حقاً فاسع لكي تكون متميزاً في العرفان الإلهي. إن الإيمان بالله سبحانه ومعرفة أسمائه الحسنى هو المعراج إلى كل فضيلة، ألم تقرأ دعاء السبط الشهيد في وادي عرفات؟ بلى يكاد قلب المؤمن يذوب في بحر معرفة الله حينما يقرأ مناجاة سيد الشهداء حين يقول: “إِلَهِي تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ يُوجِبُ‏ بُعْدَ الْمَزَارِ، فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ. كيف يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟ أَ يَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ؟ مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ ومَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟ عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيباً” .
فأنت يا زائر مرقده، هنا حيث يُستجاب فيه الدعاء، إسع بكل جهدك لكي تحصل على قبس من هذه المعرفة، إسأل ذلك من الله سبحانه واجعل الإمام شفيعاً، ثم أجعل من منهجك الإستزادة من معرفة الله بكل وسيلة ممكنة، وذلك عبر النظر إلى آيات الله في الآفاق وفي نفسك، وبتلاوة كتاب الله والتدبر في تجليات الرب فيه، وكذلك بالصلاة الخاشعة، وهكذا بالإخلاص في كل عمل صالح تقوم به.
2- حب النبي والمودة في القربى
حينما انبعث نجل سيد الشهداء سيدنا علي الأكبر عليه السلام إلى ميدان الشهادة نعاه والده بأنه كان أشبه الناس برسول الله وقال: ” اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ‏ غُلَامٌ‏ أَشْبَهُ‏ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِرَسُولِكَ صلى الله عليه وآله، وكُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ” ، إننا نستفيد من هذه الكلمات مدى حب الإمام الحسين عليه السلام لجده المصطفى صلى الله عليه وآله، وكان جده كذلك يبادله الحب الكبير حين قال: “حُسَيْنٌ‏ مِنِّي‏ وأَنَا مِنْ‏ حُسَيْنٍ.‏ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً. حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ” .
إننا سوف لا نحظى بدرجات الإيمان المتعالية إلا إذا تسامينا في حب سيد الأنبياء والمودة في القربى. إنَّ النبي وآله صلوات الله عليهم هم الوسيلة إلى ربنا، ومن أراد الزلفى من الله تعالى توسّل بهم، فهم الشفعاء المرضيون، وقد قال ربنا: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وجاهِدُوا في‏ سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) .
إننا نودّهم ونستمع إلى كلامهم، فإنَّ كلامهم نور، وأمرهم رشد، ووصيتهم التقوى، ونقرأ سيرة حياتهم لنقتدي بهداهم، ونستضيء بنورهم، ونحيي شعائرهم، أو لم يقولوا: “إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا واخْتَارَ لَنَا شِيعَةً يَنْصُرُونَنَا، ويَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا، ويَحْزَنُونَ‏ لِحُزْنِنَا” .
وهكذا تجد اليوم الملايين من شيعة النبي وأهل بيته يحيون ذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام، ويواسون بطلة الطف زينب عليها السلام، التي حملت راية الكرامة بعد شهادة أخيها. بلى إن ذلك من شعائر الله التي من عظَّمها فإنها من تقوى القلوب.
3- الصلاة عمود الدين
أيها المؤمنون؛ إنَّ إقامة الصلاة بحدودها عنوان المجتمع الموالي، إنها تنظم كل أبعاد حياتنا في الإتجاه الصحيح، إنها صبغة الله، إنها عنوان كل خير، وقربان كل تقي، ومعراج كل مؤمن.
ألا ترى كيف فرضها الله على كل حال، وحتى في وسط المعركة قام سيد الشهداء بإقامتها وقدم شهيدين من أبرّ أصحابه في سبيل إقامتها.
4- إيتاء الزكاة
وإيتاء الزكاة بأوسع معانيها، لأنها بعد الصلاة تطهير للقلوب، وتنمية للمال، وحفظ الأعزة، ووسيلة السعادة في الدنيا والآخرة .
والزكاة واجبة لكل نعمة، فزكاة المال إنفاقه سواءً عبر الحقوق الشرعية الواجبة أو عبر الصدقات المستحبة وبالإطعام والإيواء.
أما زكاة العلم فنشره بين الناس عبر الدعوة إلى الله، والتواصي بالحق وبالصبر، والتواصي بالمرحمة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وزكاة البدن الصيام، واجبه ومندوبه، وزكاة الجاه الشفاعة في الخير وإصلاح ذات البين.
إنَّ النبي وأهل بيته عليهم السلام كانوا الأسوة المثلى في كل زكاة ونحن نتبعهم، وها هي مواكب الأربعين آية عطاء الموالين وعلائم الكرم والجود، نسأل الله أن يتقبلها ويجعلها ذخيرة لنا إلى يوم النشور حيث لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
5- الجهاد حصن الأمة
والجهاد بكل معانيه حصن الأمة، إنه السور العالي الذي يحفظ أرضنا وعرضنا وقيمنا وأبناءَنا من كل معتد أثيم وكل طاغية جبار، ولولا الجهاد لضاعت الأمة، ولولا الجهاد لم يبق جامع يُعبد الله فيه، ولا مرقد يُزار، ولا مدرسة، ولا حسينية.
أيها المؤمنون؛ إنَّ المجاهدين هم الذين لبّوا _ بصدق _ دعوة سيد الشهداء عليه السلام حيث قال: “هل من ناصر ينصر الذرية الأطهار؟” وأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه حين لبّوا لداعي الله وقالوا (لبيك يا حسين) وحين قالوا لشهداء الطف (فيا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً).
إنَّ المجاهدين هم الذين تصدوا على إمتداد التاريخ للطغاة وللقوى الأجنبية، واليوم حيث لا تزال القوى المعادية تحاول غزو بلادنا عبر التكفيريين أو عبر الغزو الثقافي والسياسي، فإن المجاهدين لا يزالون ذلك السور العظيم لكل القيم والمقدسات، وإنَّ ذلك كله بفضل الولاية لسيد الشهداء عليه السلام.
وإنَّ الجهاد عنوان عريض يشمل كل الأنشطة الدينية، فالجهاد يكون بالمال، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبالتصدي الثقافي ضد الذين يبثون السموم الفكرية في مجتمعنا. إنما ذروة الجهاد تتمثل في القتال في سبيل الله والذي نرى أبناءَنا الأبطال مبادرين فيه في هذه الأيام والحمد لله.
كل ذلك بفضل مودتنا للنبي وآله وولايتنا لهم وتقربنا إلى الله سبحانه باتباعهم.
وسوف نمضي قدماً في هذا السبيل ابتغاء مرضاة الله وابتغاء شفاعة أهل البيت عليهم السلام ولكي نحظى بركوب سفينة النجاة المتمثلة في الإمام الحسين عليه السلام.
6- الخلق العظيم
حقاً إنَّ ولاءَنا لأبي عبد الله الحسين عليه السلام جعل الكثير منا متميزاً في كل جوانب حياته، فهو الوقور والصبور، وهو الشجاع المقدام في سوح الوغى، وهو الكريم الجواد الذي لا يخشى الفقر، وهو المتوكل على الله، لا وهن يعتريه بسبب الظروف المعاكسة ولا شك يساوره في الإنتصار.
إن الإمام الحسين عليه السلام كان توكله على الله وعرفانه بربه في كل المواقف هو الذي جعل منه قدوة العالمين في الصبر، ألا ترى كيف بقي رابط الجأش عند فقد أنصاره وأهل بيته حتى عندما ذُبِحَ رضيعه في حجره قال: “هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نزَلَ بِي أَنَّهُ‏ بِعَيْنِ‏ اللَّهِ‏.” .
وعندما ضعف عن القتال واثخنت الجراحات جسده الشريف وهوى على الأرض، قال: “بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله”.
لقد علَّمنا سيد الشهداء الصمود في كل المواقف، كما علَّمتنا أخته زينب التي قالت للشامتين لها بما أصابها وأهل بيتها وكيف رأتها، قالت: “مَا رَأَيْتُ‏ إِلَّا جَمِيلا” ، ثم قالت: “هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وتُخَاصَمُ فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ” .
وأما حامل رايته المقدام أبو الفضل العباس، عليه السلام فإنه حيث قطعت يداه قال كلمته الصاعقة:
“يا نفس لا تخشي من الكفار ** وأبشري برحمة الجبار”.
وإنَّ مثلنا كمثل الذي يتعرَّض للشمس لكي يستفيد منها دفئاً وضياء، كذلك فإننا كلما التصقنا بنهج سيد الشهداء تعالينا في أخلاقنا، وتميزت شخصياتنا، وتكاملت حياتنا، وأصبحنا وكأننا نولد من جديد.
إنَّ المؤمن هو الذي يستمدُّ قوّته وعزّته من ربه، فتراه يمد أبداً إلى الناس يد الإحسان، وينظر إلى الآخرين نظرة إيجابية، إنه متفائل دوماً، وإنه شاكر لأنعم الله عليه، وهكذا تراه محبوباً عند الله وعند الناس، ذلك لأنه يتجنّب الحقد والحسد، ويتجافى عن حب الدنيا والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإنما همّه أبداً في درجات الآخرة، كما أن سعيه الدائب في خدمة دين الله وعباده.
7- زيارة الأربعين
وأنتم يا من وفَّقكم الربُّ بمنِّه لزيارة سيد الشهداء في مناسبة الأربعين طوبى لكم، لقد أخذتم من مصباح الحسين عليه السلام قبساً واقتربتم من سفينته الأوسع للنجاة من النار والفوز بالجنة والرضوان، بلى إنكم دخلتم في بحره المبارك لتغسلوا الذنوب من أنفسكم وتتطهروا من السيئات.
إننا نأتي إلى قبر السبط الشهيد ثقالاً بالأوزار، ونعود بفضل الله خفافاً طاهرين، لذلك ترانا نتزوَّد بالعزم الراسخ والنية الوافرة حتى لا يغرّنا الشيطان مرة أخرى. إنَّ دعاءنا الذي نرجو أن يُستجاب تحت قبته في طف كربلاء، كما وعدنا الرب، إنَّ دعاءنا هو أن نحظى بصبغة الحسين، وأولاد الحسين، وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام. صبغة الحسين هي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، صبغته التقوى والجهاد، إنها صبغة القرآن والدعاء والصلاة، صبغة الخلق العظيم.
أيها الإخوة ؛ لقد خَلَقَنَا الله في أحسن تقويم، ولكن بسبب ذنوبنا ردَّنا إلى أسفل سافلين، وعلينا أن ندعو الله بأن يعيدنا إلى حيث كنا بأحسن تقويم، بفضل زيارة سيد شباب أهل الجنة عليه السلام.
ويومئذ نستضيء بمصباح الهدى ونركب سفينة النجاة والله المستعان.