آخر اخبار المرجعية

علينا العمل بواجباتنا الدينية قبل المطالبة بإصلاح الآخرين

10/03/2011 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2011

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿٢٦﴾ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴿٢٧ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٢٨ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٢٩

(سورة ص المباركة)

علينا العمل بواجباتنا الدينية قبل المطالبة بإصلاح الآخرين

.
من اعظم الدروس التي نستوحيها من القرآن الكريم والتي نفهمها ونعيها من خلال نظرتنا الى الخليقة من حولنا، ومن خلال السير في مختلف العلوم التي تكشف لنا حقائق الاشياء، هي ان الكون الذي نحن نعيش فيه ذات انظمة دقيقة، لايمكن اختراقها أو تغييرها ولا يمكن الاصطدام معها. ومن يصطدم مع الانظمة التي وضعت للخليقة من حولنا فلا يلومن الا نفسه.
إن الانظمة المحيطة بنا والتي تدخل في أدق الاجزاء في حياتنا وتشمل ايضا كل شيء في الطبيعة، تعود الى كلمة واحدة ركز عليها القران الكريم وهي (الحق) الذي يعني الشيء الثابت الذي لايمكن تجاوزه أو انكاره.
لنأت بنظام الجاذبية مثالاً… فالمعروف ان حركة الكواكب والنجوم والاقمار المحيطة بنا، محكومة بنظام الجاذبية، وهذا النظام هو الذي جعل هذه الاجرام الكبيرة التي بعضها اكبر من شمسنا بملايين المرات والشمس اكبر من ارضنا بملايين الاضعاف والارض اكبر منا بملايين الاضعاف، تكون معلقة بالسماء، “فلا اقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم”، بمعنى أننا اذا حملنا الشمس من مكانها و وضعناها في مكان آخر، فان نظام الكون برمته سيختلّ. وستتعرض كل الانجم والشموس والاقمار للاضطراب والفوضى و يصطدم بعضها ببعض، لأن المسافة بين الشمس والارض وبين الارض والشمس وبينها وبين الكواكب محسوبة بدقة متناهية، ولا مجال للتغير قيد أنملة، وإلا لانتهى كل شيء في الكون والحياة.
هذا النظام الدقيق الموجود في الكون موجود ايضا في جسم الانسان، مثلاً؛ هنالك غدد مسؤولة عن تنظيم عمل الجهاز الهضمي، وهنالك حلايا تنظم بشكل دقيق عملية تحويل الطعام المهضوم الى طاقة وتوزعها على اعضاء الجسم بشكل دقيق وعادل، وهذا تجسيد واضح للنظام وللحق وللسنن الالهية التي تحكم الحياة. ولذا لا نجد أحداً يجهل حقيقة أنه اذا ألقى بنفسه من شاهق فانه سيرتطم بالارض وتتهشم عظامه تطبيقاً لنظام الجاهلية. لكن هنالك من يقول: (لايهمني) أو (لا أتأثر) ويأكل ما يريد حتى وأن كان الطعام غير سليم، لكن عندما تستلمه المعدة فانه سيصطدم بالجهاز الهضمي وتبدأ الاوجاع والاسقام، وربما يستفحل المرض حتى يؤدي بصاحبه الى الموت. وهذا ما ينهانا عنه الاسلام حيث تقول الآية المباركة: “ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة”. إذن؛ لا مجال للخطأ او الخلل في نظام الخليقة، وهذا ما اراد ان يثبته العالم الانجليزي تشارلز دارون عندما زعم بوجود حلقات مفقودة في نظام الخليقة، وحاول – بزعمه- ايجاد الربط بينهما، لكن مع ذلك، ثبت أن لا وجود لهذا الفراغ الذي يدعيه دارون، فكل شيء متكامل وموجود في هذه الحياة، وليس هنالك من شيء على باطل.
وفي النداء الالهي الى النبي داود يبين ربنا تعالى هذه الحقيقة في (سورة ص) حيث يؤكد بانه انما جعل داود خليفة له تعالى بشرط واحد، هو ان لا يصطدم مع النظام الكوني اي لا يصطدم مع الحق: “وما خلقنا السموات والارض وما بينهما باطلا”، وبعد هذه الحقيقة، هل يجوز للانسان الذي يعيش تحت هذه السماء وعلى سطح هذه الارض الفسيحة، أن يعمل باطلاً…؟ واذا افترضنا انه فعل ذلك، فهل معنى ذلك ان كل شيء انتهى؟ كلا… إنما المتضرر الوحيد سيكون الانسان الذي اصطدم مع سنن الله واصطدم مع الحق فتكون عاقبته الموت .
جاء رجل ذات يوم الى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ائذن لي بالمعصية…! فقال له: قد ائذن لك ولكن بثلاثة شروط: أن تخرج من مملكة الرب وان تقاوم الموت وان لا تأكل من رزق الله ثم اعصي الله…. قال الرجل: ليس لي الى ذلك سبيلا، فقال صلى الله عليه وآله: اذن لا تعصي ربك.
من هنا يأتي الخطاب الإلهي في هذه السورة الى نبيه داود عليه السلام: “يا داود” إن الخلافة التي تملكها في الارض ليست من صنع نفسك، وليس بوسعك أن تقول (كوّنت نفسي)! كما يردد ذلك البعض من الناس، إنما مصدر هذا الملك والقدرة هو صاحب الملك والقدرة اللامتناهية. “يا داود انا جعلناك خليفة في الارض” لكن ماهو الهدف؟ “فاحكم بين الناس بالحق”، إن كلمة الحق تتجلى في الآية اللاحقة: “وماخلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا”، بمعنى انه لابد من ان تكون الحكومة بالحق، لأن نظام الكون والخليقة بأسره قائم على الحق وليس على الباطل، أما اذا خضع الحكم للاهواء لفسدت الارض، لذا يقول تعالى: “ولا تتبع الهوى”، هذا الهوى هو الذي يجعلنا نبتعد عن الحق، وهو بمعنى الحب والشهوات والغضب ويعني ايضا المصالح والحزبيات والعصبيات وكل ما يتصل بغير الحق مما يضغط على الانسان باتجاه معين. إذن؛ من اجل ان تستقيم على الحق، لا بد ان تتجنب الهوى بكل تفاصيله، فالذي يخضع الى الهوى بمقدار 10% لا يخضع الى الحق.
ويحذرنا القرآن الكريم من مغبة الانزلاق نحو الهوى، لأن ذلك سيبعدنا عن الله تعالى، “ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”، و سبيل الله هو الحق، فاذا اتبعت الهوى تكون مثل انسان يسير على حافة وادي سحيق ثم تضربه رياح عاتية فتحرفه عن الطريق ليقع في الوادي. لكن ماذا بعد الضلال…؟ “ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”. ان الله تعالى يقول: (اعطيناكم فرصة لتوافقون انفسكم مع الحق) وهي تجربة وامتحان في هذه الدنيا، ثم ورائكم الحساب، فالانسان الذي يريد ان يحكم بين الناس لابد ان يتبع الحق وان لا يتبع الهوى ويفكر دائما ان هناك حساباً. في الحديث الشريف (يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل ان يغفر للعالم ذنب واحد).
كان الامام زين العابدين (ع) يرفع سوطه وهو على دابته متوجهاً الى مكة وكان البعير يتلكأ في تلك الايام، وقبل ان ينزل السوط على البعير يقول: (لولا خشية يوم الحساب)، وكان هذا ديدنه طوال خمسة وعشرين مرة ذهب فيها الى حج بيت الله الحرام ولم يضرب بعيره ولا مرة واحدة.
هذا النظام الكوني اذا انعكس على وجودنا وحياتنا، نكون حقاً بخير، ونعرف أن كل شيء بميزان، لندخل – مثلاً- الى مبنى ونعرف أنها مزودة بكاميرات مراقبة سرية، فهل سيكون سلوكنا وتحركاتنا كما لو لم تكن هنالك أية كاميرا مراقبة؟ وهذا ما تجلّى في موقف نبي الله يوسف مع زوجة العزيز (زليخا)، وحينما روادته عن نفسه قامت وغطت صنماً من حجر كان قريباً منها: فقال لها يوسف: لماذا فعلتي هذا؟ قالت: اني لاستحي منه! فقال لها: أ تستحين من هذا الصنم ولا تستحين من الله؟
هذا المستوى من الدقة في التعامل مع سنن وأنظمة الحياة، ليس بالضرورة مقتصرة على الانبياء والحكام ومن يملكون التاج والصولجان، إنما قد يكون المعني موظفاً بسيطاً او عاملاً او مزارعاً او فرد في المجتمع، أن يقرأ هذا الآية الكريمة: “ياداود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى”، فنحن يجب ان نسعى من اجل الوصول الى هذه المرحلة. بعض الناس يحاول ان يلقي بالمسؤولية على الاخرين، وأنهم يجب ان يكونوا على الحق ويحققوا له ما يريده، فان وجد حكومة يجعل المسؤولية على كاهل الحكومة، وان وجد مجتمع يحمله المسؤولية ايضاً، أما هو فلا مسؤولية عليه سوى أن يلقي باللوم على هذا الطرف أو ذاك، ويبقى هو بعيد عن اللوم وعن المساءلة، كما لو ان الخطأ والباطل يصدر من الآخرين دائماً. وهذه ثقافة غير صحيحة، فلابد ان نبدأ بانفسنا، ثم نتحرك على الأهل والأسرة ثم العشيرة وبعد ذلك المجتمع، مع عدم تبرئة المقصرين من المسؤولين ومن بيدهم الحل والعقد، ولا أن يسكت الانسان عن الباطل، لكن لا يجب ان تكون مقارعة هذا الباطل من خلال التنصّل عن المسؤولية، وتعظيم أخطاء الاخرين. لنفترض هنالك فساد مالي واداري، فما هو دور من يتكلم عن هذا الفساد؟ هل سيسلك نفس الطريق ويقوم بما يفعله الاخرون؟
في ظل الحراك السياسي في مختلف البلاد، والذي أؤمن به، على الناس ان يقولوا كلمة الحق ويدافعوا عن حقهم وعن حقوق الاخرين، وأن يقاوموا الظلم والباطل، لكن لا يجب ان يكون هذا التحرك في نهاية المطاف وسيلة لتبرير تقاعس وجهل البعض عن دورهم الحقيقي. إن المجتمع حينما يكون نظيفاً وفاعلاً ويعمل بواجباته ويقول الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فان هذا المجتمع يكون صالحاً وسيقيّض الله تعالى له قادة صالحين. ولكن حينما يكون العكس فحتى الصالح لا يستطيع ان يحكمهم بما يريد. وقد قالها الامام امير المؤمنين عليه السلام: (ويلكم…! افسدتم عليّ رأيي).
حصل أن أحد قادة جيش الامام عليه السلام ألقي عليه القبض وهو يرتكب معصية (شرب الخمر) فجاؤوا بالشهود عليه ثم أمر الامام بأن يقام عليه الحد امام الناس، وبعد أن أكملوا حد الجلد عليه، قام وقال للإمام عليه السلام: يا امير المؤمنين… البقاء معك ذل والخروج من عندك كفر، فقال له الامام عليه السلام: بل هذا هو العز. أي ان يطبق القانون على الانسان العادي وايضاً على الضابط او المسؤول الكبير. لذا نعرف أن المجتمع في عهد أمير المؤمنين لم يكن يتحمل علي بن ابي طالب عليه السلام،…! لذلك قال عليه السلام: (ملئتم قلبي قيحا).
ونحن ايضاً يجب ان لا نهمل جانبا على حساب جانب آخر، ويجب على المجتمعات ان تهتم بنفسها وبتربية ابنائها، وأن تجعل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في سلّم أولوياتها، وفي نفس الوقت تتحدث عن الحكومات. لا أن يكون هنالك من يسرف في استخدام الماء أو في الكهرباء ثم يقول: لماذا الخدمات قليلة؟! إن هذا الذي يقول هذا الكلام هو أحد افراد الشعب الذي من حقه الماء والكهرباء والطرق وغيرها، ويجب عليه ان يعمل بواجبه في المحافظة على هذه الخدمات، إذن، عندما نقوم جميعاً بواجباتنا الشرعية نستطيع حينئذ بالمطالبة والاحتجاج، بمعنى أن نردف المطالبة بحقوقنا مع العمل بواجباتنا، ولذا يقول تعالى في سياق الآيات المذكورة آنفاً: “ام نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار”. ثم يبين تعالى هذه السنة الالهية الدائمة: “كتاب انزلناه”، و الكتاب بمعنى الشيء الثابت، إنه القرآن الكريم الذي لا يتغير منذ نزوله على صدر النبي الأكرم قبل اكثر من الف واربعئمة سنة،ويبقى مصوناً الى يوم القيامة. “كتاب انزلناه اليك مبارك”. بمعنى اذا اتبعتم هذا الكتاب تتنزل عليكم البركات، منها البركة في العمر، وفي النعم الالهية، فعندما يجعل الله تعالى البركة في في الانسان نراه يستفيد من نعم الله التي اسبغها عليه. “كتاب انزلناه عليك مبارك ليدبروا اياته”، أي يتفكروا في آياته ويطبقوها على المحيط الذي يعيشونه.
من هنا علينا ان نتفهم مسؤولياتنا في الحياة، وان نطبق القرآن الكريم بالشكل الصحيح، وأن نوحد صفوفنا على أعدائنا بالتوكل على الله تعالى.

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 04/ ربيع الآخر/ 1432 هـ ، الموافق 10/ آذار – مارس/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.