آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الحادي والعشرون)

17/06/2017 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحیم

{ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)وَ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)}

صدق الله العلي العظيم

ليكون توحيد الإنسان بالله سبحانه صحيحاً، عليه أن ينقيه من شوائب الشرك، ومشكلة الكثيرين أنهم كلما أبعدوا هذه الآفات عن الإحاطة بإيمانهم بالله تنمو مجدداً،ومن هنا کان على المرء أن يبحث عن جذور الشرك ليقتلعها كما يقتلع المزارع الآفات المحيطة بالزهور من الجذور.

لماذا يشرك البشر، وبأي سبب تراه يتبع الجن تارةً ويعبد الحجر أخرى ويطيع الطغاة ثالثة، وفي كلها يترك الله سبحانه؟

إنه يظن أن تلك الأشياء أو الأشخاص شركاء لرب العزة في الخلقة، فيقولون في أنفسهم لنعبدهم ونطيعهم مع الله سبحانه، أو يعبد البعض الشيطان لأنهم يعتبرونه مصدر الشر في مقابل الله مصدر الخير، وحيث لا يأتي من الله إلا الرحمة – حسب زعمهم- فلنخضع لإبليس كيلا نصاب بشروره.

والحال أن النفع والضرر بيد الله سبحانه، ولا يقدر أحدٌ على الإضرار بالإنسان إذا لم يشأ الله سبحانه ذلك.

ولكي يقتلع الرب هذه جذور الشرك من قلب الإنسان ينبه الإنسان على أن هؤلاء الذين تعبدها من دون الله سبحانه، لم يكونوا شركاء لله في خلق الخليقة ولم يستعن بهم الرب في أمره، هم – كما أنتم- مخلوقون مربوبون، غاية الأمر أن بعضهم غوى وأتبعهم الغاوون.

فليسو شركاء في الخليقة لأنهم خلقوا بعد خلق السماوات والأرض فأنى لهم بخلق ما خلقوا بعده؟ مضافاً إلى أنهم لا يقدرون  على السيطرة على أنفسهم أو حفظها من الموت أو دفع الأشرار عنها، فكيف لهم أن يحفظوكم أنتم من أمر الله سبحانه؟

هل قدر نمرود على أن يحفظ نفسه من حشرة صغيرة تدخل أنفه فتصل إلى مخه وتبدأ بأكله حتى مات؟ أم قدر فرعون الذي ادعى الربوبية على حفظ نفسه – فضلاً عن جنده وأتباعه- من الغرق؟

كلا؛ الأمر كله بيد الله سبحانه، حتى أن مشيئته اقتضت أن ينجي فرعون ببدنه – دون سائر المغرقين- ليمر بجسده على إمرأة كانت قد لاقت الظلم من فرعون وقومه قبل أربعين سنة حتى شكت أمرها إلى الله قائلةً: أتهملنا يا رب؟

.. يمرّ بها جسد فرعون وتسمع نداءاً : ( إن الله يمهل ولا يهمل).

فالطغاة والسلاطين بشرٌ كسائر البشر، ولا يجوز أن يرفعوا أعلى من شأنهم، لا كما فعل ذلك الشاعر مع أحد الحكام العباسيين حيث أنشده ( ما شئت لا ما شائت الأقدار** فأحكم فأنت الواحد القهار) جاعلاً الحاكم إلهاً من دون الله، والحال أن الحاكم كان منشغلاً بذبابة تزعجه يذبها عنه فتعود، وليحظى الشاعر على الجائزة راح يكرر المصرع الأخير والحاكم مشغولٌ عنه بالذبابة حتى سقط من كرسيه على الأرض، ضعف الطالب والمطلوب.

{ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ }

ليسوا لله شركاء في الخلق، بل حتى لم يشهدهم الله سبحانه خلق السماوات والأرض كي يدعي مدعٍ شركهم.

{وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)}

ولو فرض حاجة الرب إلى من يعضده – سبحانه- فلا يتخذ الرب أعوان مضلين، ولا يستعين بأعدائه، وهذه قضية طبيعية في أن العدو لا يمكن أن يكون عوناً وعضداً.

فولي الله هو من كان في طريق الله وداعياً إلى الله – لا إلى نفسه -، كما هم الأنبياء والأوصياء والعلماء، فالأنبياء يدعون الناس لعبادة الله ولا يدعونهم إلى أن يتخذونهم أرباباً من دون الله، كما قال الله سبحانه: { ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لي‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُون‏}[1].

وكذلك العلماء الربانيون لا يتحدثون عن أنفسهم، بل يبينون رأي الدين والشرع المقدس، وبالتالي يدعون الناس إلى الله سبحانه لا إلى ذواتهم وأنفسهم، وكما في الحديث قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجُلَسَاءِ خَيْرٌ قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ رُؤْيَتُهُ، وَ زَادَكُمْ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَ ذَكَّرَكُمْ بِالْآخِرَةِ عَمَلُهُ[2]، وهكذا هم علمائنا من يزيدون الناس علماً ويذكرونهم بالله سبحانه ويزهدوهم في الدنيا بأعمالهم وسلوكياتهم.

وبوعي هذه الحقيقة جيداً تزول كل شبهة شركٍ عند المرء ، فالله لم يشهد أحداً على خلق السماوات والأرض ليكون شريكاً، كما أنه لم يستعن بالمضلين أبداً.

هذا في معالجة الشرك من ناحية المبدأ، أما معالجتها من حيث العاقبة والنتيجة فيقول الله سبحانه:

{وَ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذينَ زَعَمْتُمْ }

يوم القيامة يطالب الله المشركون أن ينادوا من زعموا أنهم شركاء لله فعبدوهم وأطاعوهم، لينقذوهم من مخمصتهم، أوليسوا أشركوا بهم لينقذوهم ساعة العسرة؟

{فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)}

يدعوهم لينقذوهم ولكن دون جدوى، فلا يستجيب الشريك المزعوم، فهو مشتغل بورطته، ومنها إشتغاله بالحرب المستمرة مع قرينه من الشياطين.

ولو فرض استجابتهم لهم فبين الشركاء و المشركين هوة سحيقة و مهلكة، يسميها القرآن بالموبق و هيالفجوة العميقة الفاصلة بين شيئين.

{وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها }

من ألوان عذاب المجرمين أنهم يعرضون على النار ويرونها بأم أعينهم قبل أن يعذبوا بها، وهم يعلمون أنها مصيرهم، وكلمة الظن هنا تعني أنهم يتصورون حالتهم في النار وهم مواقعوها أي تكون النار من تحتهم ومن فوقهم فتكون محيطة بهم.

{وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)}

ولا منقذ أو مصرف عن النار حينئذٍ أبداً.

بالتأمل في هذه الحقائق بين الماضي والمستقبل يقتلع المرء جذور الشرك من قبله فيرسخ التوحيد في قلبه ولا يزيله شيء، حتى تراه لا يهاب العالم كله ولا ينصاع لهم، كما حصل مع سحرة فرعون الذين آمنوا بالنبي موسى عليه السلام وهارون، وحين هددهم بالقتل بتلك الصورة البشعة أجابوه كما ينقل القرآن الكريم عنهم: { قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى‏ ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضي‏ هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏}[3].

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]سورة آل عمران: الآية 79

[2]الأمالی ( للطوسي) : ص 157

[3]سورة طه : الآية 72-73