آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثاني والعشرون)

20/06/2017 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ لَقَدْ صَرَّفْنا في‏ هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً (54)وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)}

صدق الله العلي العظيم

 

في الأية الأولى بصائر ترتبط بالثقافة الإلهية نذكر بعضها:

الأولى: القرآن الكريم وبيان الحقائق

القرآن الكريم ظاهره حكم وباطنه علم، ففي الظاهر يأمر وينهى ولكنه في باطنه ينبئ عن الحقائق والعلوم، وبناءاً على ذلك فإن القرآن يحوي في طياته جميع المعارف الإلهية التي تحتاجها البشرية.

وربما يقال أننا لم نجد آيةً تتحدث عن الطب أو الكيمياء أو غير ذلك، فيقال في الجواب على ذلك أن العلوم تنقسم إلى كليات وقوانين مطلقة وعامة وإلى جزئيات وتطبيقات لتلك القوانين العامة، ففي النحو مثلاً تنطبق قاعدة ( الفاعل مرفوع) على ملايين الجمل وكذا الأمر في سائر العلوم، والقرآن الكريم يبين تلك الحقائق الكلية والقوانين العامة، ففيما يرتبط بالطب مثلاً يكفينا قوله سبحانه: { وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين‏}[1]في مجال صحة البدن وسلامته من الآفات والأمراض.

الثانية: القرآن وتصريف الأمثال

ولكن السؤال عن كيفية بيان القرآن الكريم لتلك الكليات؟

إنما ذلك يتم عبر المثال، وقد بينا في حديث سابق أن المثال يعني الجزء الواضح والبيّن من الحقيقة الذي يوضح سائر الأجزاء أيضاً، إذ يضرب الرب مثلاً بقوم نوح وقوم عاد وثمود للأقوام الهالكة في الأمم السابقة لكي تتبين حقيقة هلاك الظالمين، وحيث كانت أقوام النبي نوح وقوم صالح وقوم هود عليهم السلام مجتمعات كبيرة فإن هلاكهم أمرٌ واضح وبيّن يبيّن هلاك الآخرين، ومن هنا قيل في المثل ( ضرب المثل) لأنه يؤثر ويعلن عن الحقائق المشابهة.

والقرآن الكريم يبين القواعد الكلية والسنن العامة في قوالب الأمثلة والقصص التاريخية والحقائق التي يعاينها الإنسان في حياته.

الثالثة: القرآن الكريم مفتاح المعارف

وبذلك يكون القرآن الكريم مفتاحاً للمعارف، ولا ينبغي الإكتفاء بإمتلاك المفتاح بل لابد من فتح مغاليق المعارف به، وهذا ما يأمر به القرآن ذاته حيث يأمر بالسير في الأرض لمشاهدة ما يقوله القرآن دون الإكتفاء بالموجود في الكتاب العزيز، قال الله سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبين‏}[2].

ومشكلة المسلمين أنهم أكتفوا بإمتلاك المفتاح دونما سعيٍ للبحث عن الأقفال التي يفتحوها بتلك المفاتح، بينما سبقهم غيرهم في بعض المجالات، الأمر الذي حذّر منه أمير المؤمنين عليه السلام في آخر وصاياه للأمة حيث قال عليه السلام: ” اللَّه اللَّه في القرآن و لا يسبقنكم إلى العمل به غيركم”[3].

وبجمع هذه الآية ( الآية الرابعة والخمسين) التي تدل أن الله بين كل الحقائق في كتابه بصورة أمثلة، مع قوله سبحانه: { أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها}[4]، لاستفدنا ضرورة التدبر لإستخراج تلك الكنوز والحقائق من الآيات الشريفة.

{ وَ لَقَدْ صَرَّفْنا في‏ هذَا الْقُرْآنِ في هذه الآية وردت عبارة ( تصريف) الأمثال، بينما تعبّر الآيات الآخرى بـ( ضرب الأمثال) فما الفرق بين التعبيرين؟

صرفنا من التصريف، وهو التقليب والتحريك، كما يقال للصراف صرافاً لأنه يحول المال من جنسٍ إلى آخر، فتصريف الأمثلة في القرآن الكريم يعني ضربنا مثالاً تلو مثال، لكي تتضح الحقيقة بالمثال الثاني إن لم تتضح للبعض عبر المثال الأول، وهكذا ترى قصص الأنبياء ترد لبيان مطلبٍ واحد في حين يمكن الإكتفاء بمثالٍ واحد.

والتعبير بـ ( في هذا القرآن) للدلالة على أن تصريف الأمثال في هذا الكتاب، إذ لو كان التعبير بالكتاب، لكان يستفاد منه اللوح المحفوظ مثلاً، ولكن جاءت الآية بهذا التعبير للتأكيد على أنها في هذا القرآن.

{لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ }

تصريف الأمثال إنما هو للناس جميعا، فلا يقال أننا لا نفهم القرآن وليس يفهمه سوى الكمّلين من العلماء، كلا؛ فكل إنسانٍ يستفيد من القرآن الكريم لكن بحسب مستواه هو، وقد قال الله سبحانه :{ فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها}[5].

وهذا لا يعني عدم الحاجة إلى الراسخين في العلم، فالرجوع إليهم ضرورة، ولكن الأمر بالرجوع إليهم لا يعني إقفال الفهم عن إدراك ما في الكتاب من الحقائق.

وفي القرآن من كل مثلٍ شيئاً أي لكل حقيقةٍ مثال، فليس ثمة حقيقة لم يبينها القرآن الكريم بصيغةٍ أو بأخرى، وقد أمر الإمام الصادق عليه السلام أصحابه أن يسألوه عن أي شيءٍ يقوله في القرآن الكريم.

{وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً}

لفظ الناس يدل على الجميع، بينما الإنسان يعني فرد فرد هذا المجموع، أي طبيعة الإنسان وماهيته، فماهية الإنسان وطبيعته أنه أكثر شيءٍ جدلاً، ولم يقل الرب سبحانه أنه أكثر حيٍ جدلاً بل عبّر بالشيء الذي هو أعم لفظٍ في اللغة العربية، فما هو الجدل؟

لكي تتضح دلالة الكلمة نضرب مثلاً بأنواع الرياخ المخالفة، فهناك نوعان منها هما العاصفة والإعصار، فالعاصفة تهب بإتجاه واحد، بينما الإعصار يدور في إتجاهات مختلفة، والجدل هو شبيه بالإعصار، كيف؟

خلق الله الإنسان من مواد مختلفة ومن جهات مختلفة، ففيه النورية وفيه النارية، فيه جانب الجنة وفيه جانب النار، فيه الملائكية وفيه الحيوانية، ولذلك فإن تمايلات البشر مختلفة بل ومتناقضة، فهو من جهة ميّالٌ إلى الشهوات والماديات فيصير لله سبحانه خصيماً مبيناً، ومن جهة أخرى تراه يميل إلى كل خير.

من جهة يستشعر الذل والصغر أمام الله سبحانه، ومن جهة أخرى يتكبر فيدعي الألوهية وكما قيل ” كل نفس أضمرت ما أظهره فرعون” ، وتبقى هذه الصراعات قائمة في الإنسان حتى آخر لحظة من لحظات حياته ولابد أن يرجح كفة النور على كفة النار ليكون من الفائزين.

وما أخسر الإنسان إن لم يستطع الإنتفاع برحمة الله سبحانه الواسعة والشاملة لتغليب جانب الخير ودحر الشيطان والمساوئ في نفسه، خصوصاً وأن الله سبحانه قد جعل لرحمته محطات مختلفة مثل ليالي القدر ومواسم الزيارات لكي يتزود عزيمة وإرادة في معركته مع النفس والشيطان.

نسأل الله سبحانه أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]سورة الأعراف: الآية 31

[2]سورة آل عمران : الآية 137

[3] الوافي: ج2 ،ض 330

[4]سورة محمد :الآية 24

[5]سورة الرعد: الآية17