آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثالث والعشرون)

20/06/2017 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ إِلاَّ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ وَ يُجادِلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَ اتَّخَذُوا آياتي‏ وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً (56)}

صدق الله العلي العظيم

يعيش البشر بين قطبين ضاغطتين، فمن جهة يكمن قطب العقل والفطرة وتوفيق الله سبحانه، ومن جهة أخرى تجد قطب الجهل والشهوة وفتن الدنيا تجرّ الإنسان نحوها، ويعتصران البشر بصورة مستمرة، وكلما زادت الضغوط والإبتلاءات نقى جوهر الإنسان – إن نجح فيها- كما ينقى الذهب كلما زيد في إفتتانه بالنار، ومن هنا كان الإبتلاء للأنبياء والأوصياء ثم الأمثل فالأمثل – كما في النصوص-، فالبئر والسجن والحوت والتهجير والتقتيل، كلها كانت نصيب رسل الله وأنبياءه.

ولكل قطب من القطبين ما يجرّ الإنسان نحوه ، فالقطب السلبي يجذب الإنسان بالدنيا والأرض والتراب، أوليس البشر يحبّ التراب فيحن إليه، فيبني الدور ويعمر القصور ويحب شراء الأراضي والمزارع و..؟

أما القطب اللآخر فلا علاقة له بالأرض ومتعلقاتها بل يدعوا الإنسان إلى الإهتمام بالآخرة، تلك الدار التي ينتقل إليها بخروجه من الدنيا، وتلك الدار التي لا ينال فيها إلا بالعمل والسعي والجد.

ولكي يخلص المرء نفسه من جواذب القطب الدنيوي وتأثيراته عليه أن يعمل إرادته بشدة، لأن الأمر يقتضي بطولة وشجاعة كافية للتغلب على النفس والهوى وجواذب الدنيا، فقد روي  عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بقوم يربعون (أي يرفعون) حجرا فقال: ما هذا؟ فقالوا: نعرف بذلك أشدنا و أقوانا فقال صلى الله عليه و آله و سلم:الشديد من غلب نفسه‏”[1].

ولا يكون ذلك إلا عبر إحداث تحوّل حقيقي في داخله ويبني روحه لتتحول من حالٍ إلى خير حال، ويخطىء من يتصور أن إسترساله مع الحياة ومنعطفاته يوصله إلى حيث يريد، ودليل ذلك اولئك الذين أرادوا المعالي وسألوا الله –حتى- دون أن يعقدوا العزم ويصرفوا مثقال خردلٍ من الإرادة لم يصلوا ولن يصلوا إلى شيء، فالقيمة الأساسية هي لمن أراد وسعى، قال الله سبحانه: {  وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورا}[2].

والمشركون والكفار وكثيرٌ غيرهم ينتظرون تحريك الآخرين لهم سواءً الرب أو المحيط والبيئة، ومن ذلك توقعهم –الخاطئ- بأن يجبرهم الرب على الإيمان والهدى، في حين أن الله سبحانه لا يكره أحداً على الهدى، وإنما يبعث الرسل مبشرين ومنذرين، لأن تقدير الرب سبحانه كان في ترك الإنسان حراً ليختار بمحض إرادته طريق الهدى ومن ثم يأخذ بيده ويعينه على التحديات الضاغطة عليه من نفسٍ ومحيطٍ معاكس و..

فما نجده من وجود مؤمنين أعانهم الله على أمرهم وآخرين لا حظّ لهم من ذلك هو بسبب قيام المؤمن بالخطوة الأولى وهي الإختيار الصواب والإرادة للتحرك نحو الهدى.

{ وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ}

ترى؛ ما الذي منع الناس أن يؤمنوا بالحق الذي يحكم به عقلهم ووجدانهم وتثبته كل الأدلة والبراهين؟ وبعد الإيمان بالحق يستغفروا ربهم على ماضيهم؟

{ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)}

العذاب نوعان:

الأول : عذاب الإستئصال الذي لا يبقي أحداً من الكفار، كما كان في قوم نوح وقوم عادٍ وثمود.

الثاني: العذاب المستمر والمتتالي، قال الله سبحانه عن نوعي العذاب: { قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون‏}[3].

الذي منع الناس من الإذعان للحق، توقعهم الخاطئ بوجود قوة تقهرهم على الإيمان وتحملهم على الهدى، فينتظرون سنة الأولين ، أي العذاب الذي جاء على من كان قبلهم من الأمم الكافرة بالله، حتى يضطرهم ذلك إلى الإذعان بالحق ولكن دون أن يكون ذلك الإذعان قيمة ساعة العذاب، أو تتابع الوان العذاب عليهم ( قبلاً) كي يذعنوا بالحق.

الأمة الإسلامية والعذاب

وبالرغم من أن الأمة الإسلامية لا يعذبها الله بعذاب الإستئصال – كما تدل على ذلك بعض الروايات- إلا أنها ليست بمأمن من الوان العذاب الأخرى، حيث نجد اليوم إبتلاءها بالعذاب الذي قال الله عنه { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}، إذ تصرف مليارات الدولارات التي لابد أن تعمّر بها البلدان في مجال القتل والتخريب والتدمير، قتل من؟ قتل المسلمين من ابناء الأمة.

{وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ إِلاَّ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ }

إقتضت حكمة الله سبحانه أن لا يرسل الرسل وبيدهم مقامع من حديد يكرهوا الناس على الإيمان، بل يرسلهم بالبشارة والإنذار، تاركاً أمر الإيمان وعدمه إلى الإنسان نفسه.

{وَ يُجادِلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ }

بإدعاءتهم الباطلة وإظهارهم للباطل يسعى الكفار أن يبطلوا الحق ويخفوه، والدحض في اللغة هو الزلق الشديد المؤدي إلى الزوال.

 

{وَ اتَّخَذُوا آياتي‏ وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً (56)}

وحيث لا ينفعهم سلاح خلط الحق بالباطل، يتخذوا سلاحاً أخطر وهو سلاح الإستهزاء بآيات الله وبإنذار الرسل.

فالكفر بالحق شيء، والإستهزاء به شيء آخر وهو من أسوء مزالق أتباع الباطل، والذي قد يستتبع ختم الله على قلب المستهزء فلا هداية بعده أبداً، كما فعل أبو سفيان حين استهزء بآية طعام اهل النار ( الزقوم) حيث جاء بتمرٍ وزبد ودعا من حوله بأكل الزقوم.

ونشهد اليوم البعض يستهزء بالحق وبالنصوص الشرعية وبالعلماء، وهذه ظاهرة خطيرة تودي بصاحبها إلى الهلاك.

وبكلمة

مشكلة الكثير من الناس لا يملكون حسا مرهفاً يستشعروا بالخطر ويأتمروا بأوامر الرب سبحانه في إتباع الحق،بل يريدو أن يكونوا كالعبيد المقهورين على أمرهم، بينما هناك من الناس من أرواحهم حساسة للمواعظ فيتأثرون بكلمة الحق ويغيرون مسير حياتهم بالإنذار.

نسأل الله أن نكون منهم لنعقد العزم على إتباع الهدى، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ج13، ص 10

[2]سورة الإسراء: الآية 19

[3]سورة الأنعام : الآية 65