آخر اخبار المرجعية

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الرابع والعشرون)

20/06/2017 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ في‏ آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58)}

صدق الله العلي العظيم

أوليست فرص البشر متساوية فيما يرتبط بالهداية؟ أو لم يجعل الله سبحانه للجميع فرصة الوصول إلى الهدى؟ فإذاً لمَ يختم الله على قلب البعض بالضلالة وتعمى بصائر قلوبهم وتصم آذان أرواحهم فلا يهتدون أبدا؟

قبل الإجابة على ذلك نضرب مثالاً يسهم في فهم السبب، كما يساعد في معالجة حالات قسوة القلب لدى الكثير منا، لو حفظت حديثاً من أحاديث أهل البيت عليهم السلام كقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ” مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ”[1]. وأردت نشره بين الناسفصادفك شخصٌ خارجٌ من المسجد بعد الصلاة والدعاء وذكرت له الحديث، ستراه يتأثر ويعزم على أن يقلل من نومه لكي لا تنقض عزائمه.

وصادفت شخصاً آخر كان في نزهةٍ محلله وذكرت له النص ذاته، ستكون ردة فعله بصورة مختلفة، حيث سيقول –ربما- أن هذا الحديث ينفع الذين ينامون في أول الوقت ولا ينفعنا نحن، أو يقول ربما اطبق ما في النص لاحقاً.

وإذا لقيت ثالثاً كان على معصيةٍ وعملٍ محرم، وذكرت له الحديث نفسه، فإنه سيرد الحديث من البداية وربما يسيء الكلام عليك.

فهذه ردود أفعال مختلفة لحديثٍ واحد ، الأول مذعن، والثاني متردد، والثالث رافض للقبول، وإختلاف هذه الردود ناتجٌ من إختلاف حالاتهم، فالأول كان قلبه متصلاً بالله سبحانه ومتنوراً بالصلاة والقيام في المسجد، والثاني كان بين وبين، أما الثالث فكان بعيد عن الله سبحانه.

ومن هنا نعرف أن عمل الإنسان وسلوكه يؤثر على روحه وقلبه شاء أم أبى، فالمصلي الصائم العابد يختلف عن الآخرين في مدى تفاعله مع الحق.

وختم الله سبحانه على قلب البعض إنما هو نتيجةً لظلمهم وسلوكهم الخاطئ.

أنواع الظلم

والظلم أنواع، فمنه ما يكون ظلماً واحداً، كما يظلم الشخص زوجته بضربها، ومنه ما يكون الظلم الواحد مضاعفاً، كما يظلم الشخص زوجته الحامل حيث تتوجه الظلامة عليها وعلى جنينها.

والقرآن الكريم يعتبر الإعراض عن الحق أشد أنواع الظلم، لماذا؟

لأنه تجاوزٌ لعدة حقوق، أولها حق الله سبحانه الخالق للإنسان وربه، وثانيها ظلمه للداعي الذي ذكّره بالحق سواء كان نبياً أو وصياً أو عالماً ربانيأً، وتجاوز حق الداعي ظلمٌ له، وثالثها ظلم النفس، وبظلم النفس تبدأ سلسلة المظالم على الناس، وذلك لأن الذي يتجاوز آيات الله سبحانه سيهون عليه ظلم الآخرين.

{ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها }

ليس هناك أظلم ممن ذكر بآيات الله سبحانه ، سواء آياته في الكتاب أو المبثوثة في الخليقة أو الأفراد الذين هم آيات الله سبحانه.

فالإعراض عن التذكير بأيٍ من هذه الآيات يؤدي بالمرء أن يكون أظلم الناس.

{وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ }

والسبب في إعراضه يكمن في ما جنته يداه من المعاصي، بينما هو لا يدري سبب إعراضه وعدم تأثره بالموعظة، فهو قد نسي ظلمه للناس وأكله للمال بالباطل والآن هو يعرض عن الحق، كما قال الإمام الحسين عليه السلام لأعدائه حين أبوا أن ينصتوا لنصحه: ” وَيْلَكُمْ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْصِتُوا إِلَيَّ فَتَسْمَعُوا قَوْلِي وَ إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ فَمَنْ أَطَاعَنِي كَانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَ مَنْ عَصَانِي كَانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَ كُلُّكُمْ عَاصٍ لِأَمْرِي غَيْرُ مُسْتَمِعٍ قَوْلِي فَقَدْ مُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُمْ”[2].

وهكذا نستفيد من الآية بصيرة هامة أن سلوكيات الإنسان الخاطئة تؤثر في توفيقاته للأعمال الصالحة، حيث يسلب الرب توفيق المذنب من الأعمال الصالحة التي تكسبه الأجر، كما روي عن عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي لَا أَقْوَى عَلَى الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ فَقَالَ لَا تَعْصِ اللَّهَ بِالنَّهَارِ .وَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ حُرِمْتُ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ قَيَّدَتْكَ ذُنُوبُكَ”[3].

فإذا ما حرم أحدنا توفيقاً ما فعليه أن يراجع نفسه ويحاسبها على ما اقترفه من ذنوب، نعم ذلك لا يعني أن كل عدم توفيقٍ ناتجٌ من المعاصي، بل المراد من ذلك أن الفارغ السليم الذي هيئت له ظروف العمل الصالح لو لم يوفق له فإن ذلك بسبب معاصيه.

{إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ في‏ آذانِهِمْ وَقْراً }

الكن هو الغطاء الذي يجعل على الشيء وجمعه أكنة، وقد جعل الله سبحانه على قلوب هؤلاء – بسبب فعلهم وإعراضهم- أكنةً أن ينتفعوا بالتذكير، وفي آذان قلوبهم ثقل ( وقر) يمنعهم من الإستماع إليها.

{وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)}

ومن كان حال قلبه الإنغلاق وعمى البصيرة وصمم الآذان، فلن يهتدي مهما سعى الداعية ( النبي أو الوصي أو أتباعهما) إلى دعوته إلى الهدى، وهذه أسوء عاقبة يمكن أن يصل إليها الإنسان.

{وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ }

ولكن لا يقنط الرب أحداً من عباده، فهو الغفور ذو الرحمة يعفو ويصفح، فالقنوط من رحمة الله سبحانه أعظم من كل الذنوب الأخرى.

والدليل على أن الرب غفورٌ ذو رحمةٍ واسعة أنه لا يستعجل العاصين بالأخذ بذنوبهم.

{لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ }

العالم اليوم مليء بالمعاصي والذنوب والمظالم، فالذنوب التي ترتبك جهاراً وتحدياً لله ليست قليلة، كم من دمٍ حرام يهرق يومياً على هذه الأرض؟ كم من المظالم تقع كل لحظة ؟

لو لم يكن الله سبحانه غفوراً رحيماً لأخذ أهل المعاصي بالعذاب ، ولكن عدم أخذه الآن لا يعني إهمالهم وتركهم:

{بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58)}

فالموعد الذي جعله الله سبحانه لا مفر لهم منه ولا ملجأ.

وعلى الإنسان أن ينتفع بالمهلة التي جعلها الله له سبحانه ليتوب إليه متاباً من ذنوبه ومعاصيه.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]عيون الحكم والمواعظ: ص 481

[2]بحار الأنوار: ج 45، ص 8

[3]التوحيد ( للصدوق) : ص 97