آخر اخبار المرجعية

دبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثامن والعشرون)

24/06/2017 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{ فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فيها جِداراً يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77) قالَ هذا فِراقُ بَيْني‏ وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78) أَمَّا السَّفينَةُ فَكانَتْ لِمَساكينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصْباً (79) وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً (80) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (81) وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِي الْمَدينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذلِكَ تَأْويلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)}

 صدق الله العلي العظيم

كما خلق الله في عالم التكوين له أبعاد مختلفة، كذلك وحيه سبحانه في عالم التشريع له أبعاد مختلفة، وبأخذ آيةٍ واحدة نظر التأمل والتدبر نستفيد منها مطالب عدة،وكلها مرتبطة ببعضها البعض أيضاً  فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

ومما نستفيده من هذه الآيات الشريفة أمورٌ عدة نحاول تسليط الضوء على بعضها :

قيمة الصبر

أكد القرآن الكريم في أكثر من موضع على قيمة الصبر ، فقال سبحانه في سياق جعل الأئمة: { وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُون‏}[1]، وقال أيضاً: { وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور}[2]، فما هو الصبر وما هو جذره؟ وما دوره في المجال التربوي والتعليمي؟

الصبر في حقيقته هو تغليب العقل على الهوى، كيف؟

لأن أهواء الإنسان تضغط عليه باتجاه الإستجابة لها فيما يرتبط بالحاضر فهي وليدة الساعة الحاضرة، بينما العقل يتشرف المستقبل وينظر نحو الأمد البعيد، ارأيت كيف أن أكلةً مضرةً يشتهيها الإنسان ربما تمنعه من أكلات كثيرة في المستقبل كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ” كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ”[3]، وهكذا هي غفلة ساعة تجر للإنسان ندماً طويلاً.

وبتغليب العقل على الهوى يضعف الهوى وبضعف الهوى يتقوى العقل شيئاً فشيئاً حتى يكون هو المسيطر في الإنسان، ومن هنا كان الصبر أحد دعائم الإيمان الأربع التي بينها أمير المؤمنين عليه السلام، وله مكانة عظيمة من الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:” الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ”[4].

وللصبر دورٌ محوري فيما يرتبط بمسألة التربية والتعليم، إذ العلم في حقيقته أمرٌ لا يتأتى بسهولة وفي فترة قصيرة، بل إكتساب العلم بحاجة إلى زمنٍ طويل والزمن بحاجة إلى الصبر بصورة طبيعية.

ومن هذه الجهة يحتاج المرء إلى عقد العزم على الصبر والمداومة في تغليب العقل على الهوى ليصل إلى المقامات العلمية العالية، بينما الواقع يحكي خلاف ذلك، فالكثير من الشباب يبدأون مسيرتهم العلمية بجدية ولكن ما أن يواجهوا بعض المشاكل تراهم يتراجعوا عن طلب العلم والإرتقاء في المجال العلمي بحجة معالجة تلكم المشاكل، كما هو الغالب عند من يتزوجون فيفقدون الجدية في المواصلة، والحال أن لا منافاة بين العمل والزواج والعلاقات الإجتماعية و.. وبين طلب العلم، خصوصاً في عصرنا الراهن حيث يمكن للإنسان الوصول إلى العلم من خلال الأجهزة المختلفة وبصورة سهلة.

ومما ينبغي ذكره في هذا المجال أيضاً، أن مجرد التقدم العلمي لا يعد ميزةً للإنسان أو المجتمع، بل الإمتياز الحقيقي هو بالعطاء العلمي، فالأخذ لا قيمة له إن لم يتبدل إلى عطاءٍ جديدٍ متقدم، وهكذا كان المعيار الأساس لتقدم مجتمعٍ ما، هو المقالات العلمية والعطاءات المعرفية الجديدة وليس شيء آخر، وبالتطور العلمي يتطور المجتمع في سائر مجالاته.

وعوداً على موضوع الصبر، نجد أن العالم ( الخضر عليه السلام) أعاد على موسى عليه السلام عدم إمكانه الصبر معه ثلاث مرات، وفي الموقف الأخير قال له هذا فراقٌ بيني ويبنك، وقبل الحديث عن الموقف الثالث نكمل ما بدأناه سابقاً عن موضوع القتل.

سبب القتل

ذكرنا أن مسوغ القتل أحد أمرين ، الإفساد والقصاص ، ولكن لماذا قتل العالم الغلام ولم يبدر منه في الظاهر أياً منهما؟

الذي يبدو للبال أن المقتول لم يكن طفلاً وإلا لعبّر عنه القرآن بالصبي، ولكنه كان غلاماً أي الشاب في بداية شبابه، وبعبارة أخرى كان قد بلغ الحلم، ويحتمل قوياً أنه كان مفسداً في عمله ، ولكيلا ينتقل إفساده وإجرامه إلى أبويه المؤمنين، وليحفظهما الله سبحانه من شروره قتله العالم.

فهو كان مستحقاً للقتل بحد ذاته، لا أن يكون القتل لأجل أبويه فقط، وبذلك يرتفع الإشكال الوارد على قتله وهو بريء.

حق الوالدين

موردان من الموارد الثلاث يرتبطان بحقوق الوالدين، الأول في أمر الله سبحانه بقتل الغلام لكيلا يبتلى الوالدان المؤمنان، لأن الله سبحانه أعلى مقام الأبوين الصالحين، وحتى أنه سبحانه لا يخلق من الصالح إلا صالحين أجيالاً متعاقبة تقديراً له،ونحن نرى هذا الأمر جلياً في سلالات الصالحين في التاريخ.

ومن أهداف المؤمن الصالح أن يلحق الله سبحانه به ذريته في الجنة فيستجيب الله له ذلك وإن لم يكونوا في مقامه ، كما قال سبحانه: { وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهين‏}[5].

كنز اليتيمين

والمورد الثاني هو في قصة الكنز الذي حفظه العالم من التلف، ومختصر القول في القصة أن النبيين عليهما السلام وصلا إلى قريةٍ وهما في حالة تعبٍ وجوع، فطلبا من أهلها أن يضيفاهما بطعامٍ وشراب، ولكن أهل القرية أبوا ذلك بخلاً، فهما بالخروج من القرية.

وفي طريق الخروج رأيا جداراً آيلٌ للسقوط فأقامه العالم، ولا يدرى هل أقامه بالبناء بالصورة الطبيعية – كما يبدو من السياق – أم بصورة إعجازية، وكيف كان إعترض موسى عليه السلام في هذا الموقف أيضاً، وإنتهت فرصته الثالثة.

وكان تحت الجدار – كما تبين الآية- كنزٌ ليتمين أبوهما صالحاً، ولو كان ينهد الجدار لربما تلف أو عثر عليه غيرهما، فأراد الله ببناءه حفظه لهما ليعثرا عليه حين يكبرا، ولكن ماذا كان الكنز؟

قيل أن الكنز – بطبعه- هو الذهب والفضة، وهكذا كان كنز الغلامين كذلك شيئاً مادياً، ولكن ما تدل عليه الروايات الشريفة أنه لم يكن ذهباً أو فضة بل كان مجموعة كلمات كما روي عن ٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما فَقَالَ :أَمَا إِنَّهُ مَا كَانَ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً وَ إِنَّمَا كَانَ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَضْحَكْ سِنُّهُ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَفْرَحْ قَلْبُهُ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ”[6].

فكيف تكون الكلمات كنزاً؟

قبل الإجابة نذكر حادثةً تاريخية هامة : بعد إستشهاد الإمام الحسين عليه السلام نهض أولاد علي وفاطمة عليهم السلام في كل بقاع العالم الإسلامي بحركات مختلفة، واستشهد كثيرٌ منهم في سبيل نهضتهم ضد بني أمية، ومن هنا إجتمعوا وقرروا تأسيس حركة سرية منتشرة في البلدان الإسلامية ليتمكنوا من إقتلاع جذور الشجرة الخبيثة.

وبالفعل بدأوا بعملٍ منظم في مختلف المناطق وأسسوا شبكة واسعة ومخفية وكانت خيوطها جميعاً تجتمع عند شخصٍ واحد – وكان هذا من أخطائهم- وفي إحدى سفراته بين الشام والمدينة مرض الرابط فلم يجد سيداً هاشمياً من ولد علي وفاطمة عليهما السلام ليعطيه الأسماء والمناطق و..، بل وجد شخصاً من بني العباس فأعطى أسراره كلها له، وبذلك إنتقلت النهضة من بني فاطمة إلى بني العباس، وكان ذلك من المنعطفات التاريخية الصعبة.

ومن هنا ربما كان الأب الصالح رجلاً مصلحاً وقائماً في سبيل الله سبحانه، فربما كانت لديه أسرار وأدعية وحكم – كما الحديث- فأخفاها لأولاده ليعثروا عليها ويستفيدوا منها حين يكبروا.

إعتراض موسى والفراق

ولكن النبي موسى عليه السلام إعترض ثالثاً ولكن هذه المرة بكل أدب وبصيغة سؤال: { قالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77)}

وههنا إنتهى عهدهما ، فأجابه العالم : { قالَ هذا فِراقُ بَيْني‏ وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}.

وقد روي أن موسى عليه السلام سئل عن أصعب موقف له في حياته – رغم كثرة المواقف الصعبة – فأجابه أن أصعبها هو لحظة فراقه للعالم.

وبالفعل فإن أصعب الأمور واشدها على المؤمن التفريق بينه وبين أولياء الصالحين، بل إن من آلم ألوان العذاب في القيامة هو ذلك.

نسأل الله سبحانه أن لا يفرق بيننا وبين أئمتنا وسادتنا في الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة السجدة : الآية 24

[2] سورة الشورى: الآية 43

[3] وسائل الشيعة: ج15، ص 221

[4] الكافي: ج2 ،ص 88

[5] سورة الطور: الآية 21

[6] الكافي: ج2 ،ص 58