آخر اخبار المرجعية

دبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس التاسع والعشرون)

01/07/2017 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً (80) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (81) وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِي الْمَدينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذلِكَ تَأْويلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)}

صدق الله العلي العظيم

 

ماذا كان الإختلاف بين النبيين العظيمين موسى عليه السلام الذي كان من أولي العزم والخضر عليه السلام، وما هي حكمة بيان هذه القصة بهذا التفصيل في كتاب الله وما الذي نستفيده منها؟

في هذا المجال نذكر بعض النقاط:

الأول: سنة الإختلاف

لا يجوز لنا أن نسرع الحكم على الآخرين لما نراه من بعض الأعمال الصادرة منهم دون أن نعرف الخلفية وراء الفعل والسلوك المعين، والكثير من مشاكل البشر إنما هي لهذه الحالة في الإنسان، والحال أن الرب سبحانه جعل لكلٍ شرعةً ومنهاجاً ولا يجلّي الحكم النهائي بين الحق والباطل إلا يوم القيامة.

أما أن يحكم كلٌ على الآخر فهو خاطئ، وذلك لأن الإختلاف من سنن الله في الخليقة فهو جعل الناس مختلفين في كثير من شؤونهم، حتى ترى الأخوَين التوأمين في بيئة واحدة يمتلك كلٌ منهما فوارق تميزه عن الآخر.

ومن الحكم وراء هذا الإختلاف هو التكامل والتعاون، فما في الخليقة من مخلوقات مختلفة يكمل بعضها الآخر ويفتقر بعضها إلى البعض، ولو فرض فقدان بعض حلقات هذه السلسلة لدمرت الحياة، ولا يختص ذلك في الحيوانات فقط بل حتى في النباتات والأحجار، أرأيت كيف أن تأثير عمل الإنسان على جزءٍ من أجزاء الطبيعة ظهر في الأجزاء الأخرى، فإنبعاث الغازات مثلاً حين زاد عن حده أثرّ في البيئة ولكنه لم يقتصر على تلويثها ، بل أضر بالغلاف الجوي وبالتالي في كل الطبيعة.

ومن هنا؛ على الإنسان أن يقبل الآخرين على إختلافاتهم، ويترك الخلافات الجزئية ، نعم في الإختلافات المبدئية والمبنائية لابد من المناقشة وإظهار الحق ولكن عبر النقاشات الموضوعية والهادفة، وقد نهى الإمام الصادق عليه السلام بعض أصحابه حين أمره بأن يدعوا أهل البادية لزيارة الحسين عليه السلام، نهاه أن يتبرأ منهم لضعف إلتزامهم بالدين، وحذّره من أن ينظر إليه الإمام بنفس النظرة التي ينظر إليهم بها.

وقد كنت في زيارة أحد المراجع العظام فتكلم أولاده على بعض الجيران في ضعف إلتزامهم بأمر الطهارة، فنهرهم المرجع و قال أنهم أفضل منكم، فهم أهل نخوة ويجيرون المستجير بهم، وراح يمدح بهم في مقابل ذم الأولاد لهم.

وفي قصة النبي موسى عليه السلام والعالم ( الخضر) عليه السلام نجد أن الزاوية التي كان النبي موسى ينظر منها الواقع تختلف عن الزاوية التي يرى بها الخضر الأمور، وكان كلاً منهما على حق.

بين الولاية التشريعية والتكوينية

يبدو أن جزءاً من تصرفات العالم كانت ترتبط بولايته، فالولاية على قسمين، تشريعية وتكوينية.

وفي إعتقادنا أن للأئمة عليهم السلام ولاية تكوينية، وذلك بأن الله سبحانه فوض إليهم الأمر، لا بمعنى أنه ترك الأمر كلياً ولا هيمنة له، بل أنه بهيمنته وسلطانه فوض إليهم الأمر، فلا منافاة بين الولاية التكوينية والولاية الحقيقية لله سبحانه وتعالى.

فأمير المؤمنين عليه السلام آية الله سبحانه ووسيلةٌ للوصول إليه فبه عرف الله عزوجل، فلا يصح تأليهه كما لا يصح إنكار فضائله ومقاماته التي يعرفها العلماء الربانيون.

علي بن جعفر إبن المعصوم وأخ المعصوم ، وكان فقيهاً عظيماً في زمانه وكان يحضر درس حفيد أخيه الإمام موسى الكاظم أي الإمام الجواد عليهما السلام، ويقبل رأس الإمام الجواد على صغر سنه، فلما سئل عن ذلك أجاب أن الله لم ير في شيبته صلاحية الإمامة ورأى في هذا الصبي تلك الأهلية فجعله الحجة علينا.

وكانت للنبي خضر عليه السلام ولاية، إما تشريعية أو تكوينية، والولاية التشريعية تعني إدارة الولي الأمور ونظمها، فلا بأس بأن يكتسب أحد أبناء المجتمع الثروة، ولكن إن أضرت هذه الثروة على الآخرين منعه من الولي الفقيه من الإثراء، فهو يمنعه من ذلك بالعنوان الثانوي لا الأولي.

وهكذا لم يكن الخضر عليه السلام يفعل ما يفعله بالعنوان الأولي، بل كان بالعنوان الثانوي الذي يكون مردّه إليه من جهة الولاية.

الحياة المباركة

وصف الله سبحانه نبيه عيسى عليه وعلى أمه الصديقة مريم السلام بأنه مباركٌ وكما قال سبحانه: { وَ جَعَلَني‏ مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ}[1]، وهكذا هم بعض الناس يعيشون حياةً ملؤها البركة ويجري على يديهم الخير للجميع، حتى تجده يفكّر في الخير للآخرين وإن لم تترجمه أعضاؤه إلى سلوك.

وهكذا يدعونا سلوك العالم عليه السلام في بناء الجدار أن يكون هدفنا إيصال النفع إلى الناس وإماطة الأذى عنهم، فقد أكدت نصوصنا الشريفة على أن إماطة الأذى من الطريق صدقة، والصدقة بدورها تسبب رفع البلاء عن الإنسان، فلا ضير إذاً في أن يكون الشخص منبع الخيرات للآخرين ؟ ومن ذلك قيامه ببناء جدارٍ يريد أن ينقض؟

صحيح أن إعتراض النبي موسى عليه السلام كان في محله بعدم إستحقاق أهل القرية لهذا الخير الذي يقدمه الخضر عليه السلام لهم.

ويبدو من السياق أن اليتيمين لم يكونا في نفس القرية، لأن التعبير القرآني عن القرية يقصد به المجتمع الفاقد للقيم الربانية وإن كبر، ولذلك قال عمن لم يطعموهما أنهم في قرية، بينما عبّر عن محل تواجد اليتيمين بالمدينة، فالمدينة تحوي المدنية والحضارة والجوانب الإيجابية.

وأينما كان محل تواجدهم، فقد أمر الله نبيه ببناء الجدار لحفظ كنز أبيهم، والذي يبدو من النصوص أنه كان جدهم وليس والدهم.

القتل بسبب الفساد

ذكرنا أن لقتل أي شخص لابد من وجود أحد مبررين هما فساد المقتول أو الإقتصاص منه، وإلا كان القتل ظلماً.

وفيما يرتبط بقتل الغلام رجحنا كون الغلام بنفسه مفسداً ويؤدي فساده إلى ضلالة أبويه، كما كان من أمر عبد الله بن الزبير الذي سبب هلاك أبيه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ” ما زال الزبير منّا حتّى نشأ ابنه عبد اللّه‏”[2]، فقد أمر الله الخضر بقتل الغلام كي يبدل الله أبويه خيراً منه، قال الله سبحانه: { فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً}.

والتعبير بالزكاة إشارة إلى فساد الغلام فأبدلهما الله خيراً منه زكاةً بكونه صالحاً وأقرب رحماً من صلة الرحم.

وتشير النصوص إلى أن الله رزقهما بالفعل فتاةً كانت أما ًلأنبياء الله، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: ” أبدلهما اللّه- عزّ و جلّ- مكان الابن ابنة، فولد منها سبعون نبيّا”[3].

وهكذا قد تكون الفتاة منشأ الخير والبركات للإنسان، فلا يجوز أن يحزن المرء على رزق الله له بالفتيات –كما يفعل البعض- بل عليه شكر النعمة الإلهية عليه.

أمر الله سبحانه

لم تكن أفعال الخضر عليه السلام ناشئة هوى أو غضب أو جهل، بل كانت كلها إمتثالاً للأمر الإلهي، قال الله سبحانه : { وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري }، سواء كان الأمر الإلهي بصورة مباشرة بالوحي كما يحتمل، أم عبر العلم الذي أعطاه الله سبحانه له.

الخضر عليه السلام

أما الخضر عليه السلام فهو نبيٌ عظيم أبقاه الله سبحانه حياً لحكمته وربما بسبب شربه لماء الحياة، وسمي بالخضر في اللغة العربية لإخضرار موضع قدمه.

وفي حياة الخضر عليه السلام دليلٌ على إمكان بقاء شخصٍ آلاف السنين حياً، وهو قولنا في إمام زماننا عجل الله فرجه الشريف، حيث أبقى الله إمامنا لحفظ دينه، كما أبقى الخضر منذ زمن موسى عليه السلام وإلى يومنا هذا، وتشهد النصوص على لقاءه بأمير المؤمنين في أكثر من موضع وكذا زيارته لقبر أمير المؤمنين عليه السلام بعد شهادته حيث كان أول زائر للإمام عليه السلام.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة مريم : الآية 31

[2] سفينة البحار: ج6 ص 66

[3] تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب: ج8، ص 128