لنبحث عن هويتنا الحضارية خلال أداء مناسك ”الحج“

29/09/2011 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2011

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴿١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٩

(سورة الحج المباركة)

.

لنبحث عن هويتنا الحضارية خلال أداء مناسك الحج

إعداد / بشير عباس

للامة الاسلامية ميزات فريدة. كما ان الرسالات الالهية التي ختمت برسالة النبي الاكرم (ص) اكتملت بها، وتجمعت فيها واصبحت الرسالة المحمدية هي المهيمنة على سائر الرسالات. كذلك الامة الاسلامية اصبحت خير أمة اخرجت للناس.. واذا اردنا اختصار الميزات الاساسية للامة الاسلامية فهي كما يلي:

أولا: الحالة الوسطية
والوسطية بمعنى ان هذه الامة ليست متشددة ولا متميعة، أي لا هي شرقية ولا غربية. لا هي متوغلة في الماديات ولا هي متوغلة في الروحانيات. تقول الآية الكريمة: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ” (البقرة /143)، ولانها أمة الوسط فهي شاهدة على سائر الامم، لانها النمرقة الوسطى أو المحجة البيضاء، وهي بالحقيقة، التي تأخذ العدل في حياتها في كل شيء وتلتزم به، وهذه الصفة في الامة تتصل بالصفات الاخرى، فالامة الاسلامية أمة ورثت كل مكارم الامم السابقة وأضافت عليها، فهي أمة الجهاد، وهو ليس من اجل الدفاع عن نفسها وحسب، وانما من اجل الدفاع عن قيمها وعن البشرية جمعاء، فمن واجبات الامة الاسلامية انها تدافع عن المستضعفين في الارض. ومن ميزاتها ان دينها يُسر لا عسر فيه، وربنا يقول: “يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” (البقرة /185)، ويقول ربنا في آية أخرى وهي الاية التي تحدد معالم الامة الاسلامية: “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ” (الحج /78)، وهي أمة اصيلة ومنفتحة تتصل بالنبي ابراهيم عليه السلام، الذي سُمى الناس الذين يتبعون هذه الامة بالمسلمين، وهي من جهة اخرى أمة تنفتح على الظروف وتنفتح على المعاني الموجودة في الحياة، فهي امة عصرية واصيلة.
هذه الامة، مع كل المواصفات والميزات الآنفة الذكر، تتعرض اليوم لظروف قاسية تستهدف هويتها وشخصيتها وتستهدف ميزاتها ايضاً، لكن كيف ذلك؟ وفي ظل أية ظروف؟

اولا: هناك من يتربص الدوائر بهذه الامة، فالصهيونية العالمية لا تزال تخطط من اجل النيل من هذه الامة، وتخطط من اجل ضرب ركائزها، والصليبية من جانبها تقوم بما تملك من قدرات وامكانيات لالحاق الأذى بالمسلمين، وكذلك القوى الالحادية في العالم هي الاخرى تقوم بدورها التآمري، بمعنى ان الامة اليوم تتعرض لسلسلة من الهجمات على الأصعدة الاقتصادية و السياسية والعسكرية، ولكن اخطرها هو الهجوم الثقافي، لماذا؟ لانه اذا كانت الامة متمسكة بهدى ربها وسنة نبيها وتاريخ اوليائها وائمتها، فانها تستطيع ان تدافع عن نفسها، فهي تمتلك من المكونات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية وغيرها ما يجعلها تدافع عن نفسها وبقوة، وعندها نظرية الجهاد، و قيمة الشهادة، فالذي يقتل منها يعد شهيداً ويحظى بمكانة سامية، و ربنا تعالى يعتبر الشهداء أحياء عنده يرزقون، وتاريخ الامة حافل بمسيرة الشهداء. اذن؛ هذه الامة يمكن أن لا تركع للقوة العسكرية ولا تنخدع بالمؤمرات السياسية ولا تخضع للضغوط الاقتصادية، ولكن اذا سُلبت من هذه الامة ثقافتها وهويتها وعقائدها وقيمها، لن يبق منها شيء، فتتلاشى وتنتهي، لذلك العدو حينما عرف ذلك بدء يركز على هذا الجانب دون الجوانب الاخرى.

ثانيا: لقد اصبح المسلمون اليوم وكأنهم في بيت كبير دون سياج وجدار يحميهم من الاعتداءات والمؤامرات والتأثيرات الخارجية، وهذا يحصل اليوم بوجود وسائل الاتصال السريعة بسرعة البرق، متمثلة بالقنوات الفضائية و(النت)، وهذا يعبر عن مقولة (القرية العالمية)، التي بشر بها الغرب منذ تسعينات القرن الماضي، في اطار الحديث عن (العولمة). لذا نجد كل يوم تتسع العلاقات الاجتماعية والثقافية والعلمية بين ابناء البشر في هذه الكرة الارضية، فقد بات من السهل التعارف والتأثير فيما بين اثنين او اكثر عبر مواقع مثل (فيسبوك) أو (يوتوب) او غيرها من المواقع التي تسمى بـ (التواصل الاجتماعي)، وهي بالحقيقة تشكل أمواج ثقافية ليس من جهة معينة، إنما من قبل كل انسان، بمعنى أي انسان يجلس في بيته وفي اي مكان في العالم يستطيع ان يؤثر في اي انسان اخر في كل العالم ايضاً. هذا نحن نفتقر للحاجز التي يسوّر أمتنا حتى نمنع عنها الامواج الثقافية الخطيرة والمضرّة.

ثانياً: الحج .. الهوية الحضارية
إن ما مرّ يؤكد لنا أهمية ومحورية الثقافة والهوية الثقافية للأمة في ظل الصراع العنيف الذي يشهده العالم فيما يسمى بـ(حرب الافكار)، وإلا اذا كان عندنا تقدم اقتصادي – مثلا- ونصنع كل شيء ونحصل على كل شيء من المنتجات المتطورة ونحظى بالتكنولوجيا الحديثة، لكننا نفتقد هويتنا وشخصيتنا فماذا تنفعنا كل تلك التقنية والتكنولوجيا؟ بمعنى ان إعداء الامة يفكرون اليوم بطريقة من يسلبون العين ثم يعطون لهذا الانسان المكفوف بستاناً جميلاً وكبيراً، فهل يتلذذ به ويستفيد منه؟! لذا علينا ان نفتش في داخل امتنا وفي مؤسساتنا عن ذواتنا وعن شخصيتنا وثقافتنا، ولا ريب ان من هذه المؤسسات و الركائز فريضة الحج.
لقد بدأنا نقترب من موسم الحج الذي لا يوجد له مثيل في أية أمة اخرى، ولا يوجد هكذا اجتماع ولقاء مليوني في العالم وبهذه التفاصيل والطقوس والالتزامات. ان الحج ركيزة اساس لوحدة الامة الاسلامية، لان ابناء الامة الاسلامية من اقصى الارض الى أقصاها يجتمعون حول بيت الله الحرام، وهم يأتون من كل فجٍ عميق. وفي الحديث الشريف: (الله الله في الكعبة المشرفة، فانها اذا هُدمت لن تناظروا)، بمعنى يسلب الله منكم المهلة والنظرة، فالكعبة انشئت من اجل قيام الامة، وقد جعل الله بيته الحرام قياما للناس، بمعنى انه مقوم اساس للامة الاسلامية.

إذن؛ ما بقي من الامة الاسلامية اليوم هو شيء كثير، و بالرغم من كل الهجمات والمؤامرات فان الاسلام اليوم رهين القران الكريم وحج بيت الله الحرام وعوامل اخرى، ولكن اساس ركني القوة في الامة الاسلامية هو الحج والكعبة والقرآن الكريم، وبهما حافظت الامة على وحدتها وتماسكها وقيمها وتبقى تحافظ في المستقبل ايضا. وهذا القران الذي هو في الحقيقة الثقل الاكبر الذي خلفه لنا رسول الله (ص) حينما قال: (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)، اكتمل بنهج اهل البيت عليهم الصلاة والسلام، بمعنى ان اهل البيت هم الذين حملوا القران وحموه وفسروه وطبقوه واصبحوا أمثلة ونماذج عليا للقران الكريم في التاريخ. وهذا هو سبب وحدة و قوة وعنفوان الامة.

لكن هنا سؤال أمام ابناء الامة الاسلامية من اصحاب البصائر والعلماء والخطباء والمفكرين والمجاهدين الرساليين: هل استفدتم من الحج؟ اقول كانت الاستفادة جزئية. نحن في هذه الظروف مع هذه المشاكل الكبرى ومع هذه التحديات الثقافية التي نتعرض لها لا بد ان نقوم باقصى قدر من الاستفادة من الحج، لان نحن في حالة تحدي ومواجهة وحرب، وعندنا سلاح قوي وخطير جدا وهو السلاح الثقافي متثمل بالحج فعلينا الاستفادة منه لمواجهة التحدي الثقافي.

مرض خطير بحاجة الى رصيد كبير

في الحقيقة نحن بحاجة الى ان نذكّر الامة وقياداتها الى اهمية الاستفادة من الحج في هذه الظروف العصيبة، لانها تمثل الرصيد الثقافي العظيم بالنسبة لنا، وحالنا اليوم كالانسان المصاب بمرض خطير وهو يمتلك اموالاً طائلة، فهل يبخل بها على علاج نفسه؟! لذا يجب أن لا نقصر في الاستفادة من هذا الرصيد وهذه النعمة الالهية الكبيرة، لكن كيف السبيل الى ذلك ؟

التوصية الاولى: على الحجاج قبل ان يذهبوا الى الحج ان يتعلموا مناسك الحج ويتعلموا ايضا روح الحج، فهي عبادة جمعية وليست فردية، لان ربنا تعالى في الآيات التي توجنا الحديث بها يقول: “ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (البقرة /199)، وفي آية اخرى: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ” (البقرة /197)، بمعنى ان فريضة الحج لا يؤديها كل انسان لوحده، إنما يجب ان يذهب الناس جميعهم وفي وقت واحد للاحرام، ثم يفوج الحجاج مع الناس ويطوفون حول الكعبة مع الناس ويتوجهون الى عرفة مع الناس وهكذا بقية الاعمال والمناسك، لكن ما هو الهدف هذه الحركة الجماعية في هذه الفريضة؟ ان الحاج يقوم بكل هذه الاعمال العبادية، ثم يسأل: من هؤلاء الناس الذين طاف معهم وأحيى الليالي الى جنبهم؟ وكيف تعامل معهم؟ ان على الحاج ان يعرف مناسك الحج، وايضاً ان يعرف الاهداف الكامنة وراء هذه المناسك، وهي ان يتفاعل مع الاخرين. بدء من هؤلاء الاخرين هؤلاء الذين معاك في الحملة تتفاعل معهم الى ذلك المجتمع الهائل الكبير الذي هو بحر ضخم ..

التوصية الثانية: على العلماء ان ينبهوا الناس سواء كانوا مرشدين في الحج او من الحجاج، وسواء خلال وجودهم في الديار المقدسة، أو حتى قبل التوجه الى هناك، بضرورة ان يصفي الانسان حساباته ويطهر نفسه قبل التوجه الى الحج.

التوصية الثالثة: على المرشدين خلال موسم الحج ان يبينوا للناس الهدف من الحج؟ انه باختصار؛ يؤدي الى إزالة الذنوب والمعاصي بين العبد وربه، وكل الشوائب التي تعلق بالانسان في علاقاته مع الاخرين، من قبيل الخلق السيئ والسلوك غير القويم، وبعبارة؛ يجب ان يكون الحج ولادة جديدة للانسان، وأدعو لاقامة مؤتمرات وندوات تبحث أهداف ومرامي الحج كما بينها لنا القرآن الكريم وسنة أهل البيت صلوات الله عليهم.

طبعاً هنالك ملاحظة جديرة بالالتفات؛ إن السنوات الاخيرة شهدت تولي الحكومات إقامة فريضة الحج، من إعداد قوائم الحجاج وتفويجهم واختيارهم، ثم توفير السكن والاقامة في الديار المقدسة، وحتى مسألة أداء المناسك العبادية هناك. في كل الاحوال لهذا الاشراف والولاية -إن صحّ التعبير- فوائد كل لها أضرار ايضاً، فالحكومات ربما تنجح الى حدٍ ما في تنظيم الشؤون الادارية والخدماتية للحجاج، وهذا ربما نطلق عليه بالجانب المادي، أما ما يتعلق بحركة الحجاج وكيفية أدائهم المناسك ثم الاستفادة الحقيقية من أدائهم هذه الفريضة مع صعوباتها وتحدياتها، فانها ربما تفشل في هذا الجانب، لذا يبرز دور العلماء واصحاب البصائر ليركزوا جهودهم على هذا الجانب.

في هذه الحالة يمكن ان نطمئن الى ركائزنا ودعائمنا من الاستلاب والتحديات الثقافية الماحقة التي نواجهها اليوم، وذلك باعطاء موسم الحج دوره الحقيقي وصورته الناصعة التي تبهر العالم كما كانت على عهد رسول الله حيث جعلت العالم والبشرية كلها تهفو الى الاسلام وتعاليمه وقيمه.

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 01/ ذو القعدة/ 1432 هـ ، الموافق 29/ أيلول – سبتمبر/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.