”الالتزام“ بالشعائر الحسينية والشوط الاخير للتقرب الى الله

15/12/2011 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2011

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿٣٢ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٥

(سورة الحج المباركة)

.

الالتزام بالشعائر الحسينية والشوط الاخير للتقرب الى الله

إعداد / بشير عباس

هنالك العديد من الحقائق الكبرى كالايمان بالله، والايمان بالاخرة و بالرسل وغيرها من الحقائق الثابتة، لابد ان يكتشفها الانسان ببصائر قلبه وليس بنظره وعينه، ولكن لان البشر قد خلق على اساس ان المظاهر هي التي تدله على المخابر وتأخذه الى الحقائق الغيبية، فانه يطالب دائماً بالدليل الملموس او الدليل المادي وليس المعنوي، فعندما يواجه الانسان شخصاً، فانه يبدأ بظاهر وجهه ثم بعينيه ثم بلسانه وشفتيه، ثم يأتي دور الوسائل المعنوية، من قبيل الاخلاق والاداب والسلوك والمنهج، حتى يتعرف عليه بشكل كامل.
هكذا الحال بالنسبة للمظاهر الدينية التي هي ضرورة وحقيقة لا مناص من الاقرار بها، لكن كيف يكون ذلك ؟

الشعائر والتقوى

فاذا تقول الآية الكريمة عن الكعبة المشرفة “وطهّر بيتي للطائفين والركع السجود”، فهل بمعنى ان لله مكان محدد…؟! إنما هو رمز الغاية منه حتى يصل الناس الى حيث عبادة الله تعالى، “فولّ وجهك شطر المسجد الحرام”، وكذلك مسألة الصلاة بإزاء الكعبة المشرفة، وإلا فان القرآن الكريم يصرّح: “فاينما تولوا فثمّ وجه الله”، بمعنى ان وجه الله تعالى ليس في اتجاه معين، وانما هو تعالى في كل مكان، لكن هذا الرمز هو الذي يحملنا الى الحقيقة وهو الذي يُقيمنا ويجعلنا عند الكعبة ندعو الله. كذلك جعل (الصفا والمروة)، “ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم”. كذلك الحال في الوقوف في (جبل عرفات): “فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام”، وكذلك في (المشعر الحرام) و (منى)، كل هذه الشعائر عبارة عن حقائق توصلنا الى الله تعالى، بل ان ربنا تعالى اضاف الى هذه الشعائر شعيرة اخرى وهي المنسك وهي ذبح الانعام قرباناً الى الله تعالى، والله يقول في كتابه: “لن ينال الله دماؤه ولا لحومها ولكن ينال التقوى منكم”. بمعنى ان الحاج الذي يقدم الاضحية لله فان الله لا يريد ان يأكل من لحمها…! – حاشاه- إنما هي شعيرة والحاج مأمور بها، فهي في الحقيقة من مظاهر ايمان وتقوى الحاج في الديار المقدسة. ولذلك في آية كريمة ربنا يقول: “ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له” وفي اية اخرى يقول تعالى: “ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب”. وإذن؛ فان التقوى التي هي في قلبك لابد ان تظهر في اعمالك، واكد ربنا على هذه الحقيقة المرة بعد الاخرى حينما قال: “ولكل امة جعلنا منسكاً”، ولا يوجد دين عرفته البشرية بلا شعيرة وبلا منسك، وحتى الان يواصل الخبراء حفرياتهم بحثاً عن بقايا ديانات سادت ثم بادت، وكلها كانت تحمل شعائر ومناسك للعبادة، حتى تلك التي لم تكن تتصل بالسماء.

الرموز التي تدلنا على الله

في كل الحفريات التي ينقب فيها الخبراء يجدون الى جانب المظاهر المدنية والعمرانية، أماكن للعبادة، فهناك مظاهر للحضارة مثل الاسواق والمسارح والبيوت والمخازن الحمامات وغيرها، وتتميز حضارة عن اخرى بتفاصيل في البناء والعمران، لكن بالمجمل نجد مكان العبادة هو القاسم المشترك لكل المكتشفات من تلكم الحضارات. مما يدل على انه كل المدنيات وكل الحضارات التي سادت كانت ذات منسك ديني، و ربنا يؤكد على ذلك ويقول: “ولكل امة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الانعام”، لكن هذه المناسك والشعائر والحرمات لابد ان تدلنا على الحقائق الصحيحة والسليمة والمستقيمة، بمعنى ان الشعيرة التي تدلنا على غير الله وعلى غير توحيد الله تعالى فهي شعيرة مرفوضة و خاطئة، نحن لا نؤمن بها، إنما لابد ان يكون هدف الشعيرة صحيحاً.
لذلك حينما بعث النبي الاعظم (ص) الامام امير المؤمنين الى اليمن أمره بهدم القبور لان هذه القبور كانت للمشركين، وكان المشركون يقدسون و يعمرون قبور آبائهم او كبارهم الذين كانوا منحرفين عن الدين، والاسلام أتى وأمر بهدم هذه القبور لانها رموز للشرك والفساد وتعظيم لاصحابه.

الآثار.. بين العبرة والعظمة

عندما نبحث وننقب عن آثار الماضين من اهل الأمم السابقة، او نشاهد آثار الحضارات القديمة حالياً مثل الاثار الموجودة في بابل أو في مصر أو في لبنان او فلسطين وحتى في مناطق مختلفة من العالم، فنحن لا نقدسها ولا نحترمها كآثار لها قيمة معنوية لحياتنا، إنما نبحث فيها لكسب المعرفة عن حياة أولئك الماضين، كيف عاشوا؟ وكيف تصرفوا؟ والأهم من كل ذلك لماذا سقطوا في تلك الاخطاء الفادحة التي أودت بحضاراتهم ودمرتهم، مثل آثار قوم ثمود وقوم لوط وآثار الفراعنة، فاذا بقصر مشيد وبناء شاهق وكبير لكنه خرب ومهجور لا يسكنه احد، أو بئر ثري بالماء ولكنه اليوم أجدب لا ماء فيه… واذا بحثنا نجد ان اصحابه عاشوا لكنهم انحرفوا عن سنن الحق فدمرهم الله سبحانه وتعالى، وبالرغم من ضخامة انتاج الفراعنة في مصر، لكن التاريخ لا يمدحهم ابداً، إنما نجد اللعنة تلاحقهم على لسان الاجيال.

كذلك الحال في آثار بني أمية مثل (الجامع الأموي) الموجود في سورية الذي يعده المعنيون من جملة المواقع الاثرية المهمة، لكن حجم التعظيم والتبجيل يمكن ان نلاحظه في اهتمام الناس العاديين منهم و المؤرخين والمثقفين والعلماء بمقام رأس الامام الحسين المجاور للجامع المذكور، وهو عبارة عن مزار صغير لا تتجاوز مساحته الاربعين مترا مربعا، وكذلك الحال بالنسبة لمرقد السيد زينب بنت أمير المؤمنين و السيدة رقية عليهما السلام.
إذن؛ الفرق كبير بين ان تكون الآثار للعبرة من الاقوام السابقة، وبين المعالم الاثرية التي تدخل في حياة الانسان ومنهجه في الحياة، فعندما نقف امام آثار النبي الاعظم صلى الله عليه وآله في المدينة المنورة وفي مكة المكرمة نستذكر حياته وسيرته وكيف واجه كل تلك الصعاب والتحديات من قبل المشركين والقساة والبعيدين عن الاخلاق واللطف، لذا نقف إجلالاً أمام مكان ولادة النبي ونقف اجلالا في (غار حراء)، ونسبح الله تعالى في هذا المكان المقدس، لان الله تعالى عُبد من قبل النبي الاكرم صلى الله عليه وآله لاول مرة في الاسلام، وهنا نزل جبرائيل وهو ملك الوحي سلام الله عليه. واذا ذهبنا الى المدينة المنورة و رأينا قبر النبي الاكرم هناك، نقف اجلالاً لا تعبداً، بل نحن في الحرم النبوي نعبد الله تعالى، ولكننا في الوقت نفسه نحترم النبي لانه دعانا الى الله تعالى.
والمفارقة هنا، اننا نرى علماء الاثار من المؤسسات والمنظمات الدولية، يحترمون الاثار التي تعود الى الاقوام السابقة والتي شهدت الظلم والطغيان والكفر، و تحاول المحافظة عليها، ولكن حينما نأتي الى آثار اولياء الله الذين ضحوا بدمائهم الزكية من اجل الانسانية ومقارعة الظلم والطغيان، وقدموا للبشرية دروساً في الحياة والقيم النبيلة والمبادئ، نجدها تتعرض للهدم والتدمير على يد فرقة ضالة وجاهلة مضلة، بحجج واهية.
أذرع الوهابية في مصر

بعد ان انتهت مهمة الوهابية في السعودية في هدم قبور أئمة المسلمين ورموز وآثار الدين الاسلامي، نجدهم اليوم يتوغلون في الساحة المصرية التي تشهد اليوم حالة مخاض عسير لتجربة ديمقراطية، وبسبب الفوضى العارمة وعدم تبلور الشكل النهائي للنظام الحاكم، رغم وجود المجلس العسكري، تحاول أجنحة الوهابية هناك التعرّض لبعض المشاهد المشرفة من مزارات وأضرحة للاولياء الصالحين مطالبين بهدمها. مع المفارقة الكبيرة في المنهج والتناقض المفضوح في رسالتهم، فهم بالامس كانوا يحرمون مقارعة النظام الحاكم ويعدونه من (أولي الامر)، نجدهم يركبون موجة التغيير والثورة الجماهيرية في مصر، ومن خلالها يكشفون ان نواياهم البغيضة وافكارهم الجاهلية والحاقدة على الاسلام وعلى الرسول الاكرم واهل بيته صلوات الله عليهم.
ان شيعة أهل البيت عليهم السلام إنما يحترمون اهل البيت ويحترمون النبي ويكرمونه و يوقرونه لان ذلك ما امرنا به الله تعالى، وذلك يتم من خلال توقير مراقدهم واثارهم.

زيارة تصلنا بالسماء

بعد ايام تجدون الملايين من المؤمنين يزحفون الى كربلاء مشياً على الاقدام وعلى شفاههم كلمة (لبيك داعي الله يا حسين) لاحياء ذكرى اربعين الامام الحسين عليه السلام، فالزائرون حينما يصلون الى كربلاء أول ما يرون أمامهم مسجداً كبيراً ذو قبة ذهبية وسط منارتين يرتفع منها صوت الاذان وذكر الله ورسوله والأئمة من اهل بيته صلوات الله عليهم، و يذكرهم هذا المسجد والمشهد بالصلاة والصيام وبالعمل الصالح، وهذه هي فلسفة اهتمامنا بالمراقد المقدسة والمشاهد المشرفة، فهنا مهبط ملائكة الله تعالى.

فقد ورد في احاديث اهل البيت عليهم الصلاة والسلام عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله انه بين كل يوم وليلة يستأذن مئة الف ملك الرب تعالى بان ينزلوا الى الارض و يزوروا مرقد الامام الحسين سلام الله عليه و يتبركوا به و يتعطروا بعطره ويتقربوا الى الله به عليه السلام، ثم يرجعون الى السماء وهذه الدورة تستمر حتى يوم القيامة، والذين يهبطون ويزورون لن يعودوا ثانية، لان هناك مئات الالاف غيرهم ينتظرون دورهم ليزوروا فتكون زيارتهم مرة واحدة في مدة حياتهم. ولكنهم سوف يبقون الى يوم القيامة يصلون ويسبحون ويكبرون ويدعون بالمغفرة لزوار الامام الحسين عليه أو لمن صادفهم عند مرقد الامام الحسين عليه السلام. وما يؤكد ذلك ما نقرأه في الزيارة المقولة عن الامام الصادق عليه السلام: (السلام عليكم يا ملائكة الله المحدقين بقبر الحسين عليه السلام).

مواصلة الطريق مع الحسين

ان الاخوة المؤمنين القريبين من الامام الحسين عليه السلام بابدانهم وقلوبهم وإينما كانوا، لاشك انهم قطعوا اشواطاً كثيرة في الرقي والسمو في طريق الله تعالى، وهذا يدعوهم لمواصلة الشوط الاخير وهو ان تتخذوا من الامام الحسين عليه السلام مصباح هدىً، و تستفيدوا من رأيه وفكره وكلماته المضيئة ومن رواياته ومن طريقة حياته وتتخذوا منه ايضا سفينة نجاة، وتتبعوا نهجه لان (الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة).
من هنا فنحن نحترم ابناء شعبنا في العراق لاحترامه للقيم واحترامه للدين واهتمامه بالمبادئ الاساسية لهذه الرسالة الالهية الخاتمة. ولكننا ايضا ندعوهم ونوصيهم بان يكملوا الشوط ويصلوا الى مستوى العمل بما أمره ربهم به من خلال الالتزام بالقرآن الكريم ومن خلال الالتزام بالروايات والسنة الشريفة ومن خلال الامام الحسين عليه السلام.
وعليه، عندما نؤكد وندعو الى تعظيم الشعائر الحسينية فلانها الشعائر التي توحد الله تعالى وتقربنا اليه، و هدفها العمل بما اوجب الله على الانسان في هذه الحياة من التزام التقوى والايمان والعمل الصالح.

.

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 19/ محرم الحرام/ 1433 هـ ، الموافق 15/ كانون الاول – نوفمبر/ 2011 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.