آخر اخبار المرجعية

المرجع المدرسي في بيانه لزيارة الأربعين : الإمام الحسين (ع) نور هدىً ومسيرة إصلاح

31/10/2017 نشر في: البيانات

أصدر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله، بيان الأربعين “السنوي” بالتزامن مع توافد الحشود المؤمنة إلى مرقد السبط الشهيد، وفي ما يلي النص الكامل للبيان:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام الحسين عليه السلام

نور هدىً ومسيرة إصلاح

 

الحمد لله بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها والصلاة على سيد المرسلين المصطفى محمد وآله الهداة المرضيين.

السلام على رسول الله وعلى اهل بيته الكرام.

السلام على الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

السلام على الموالين والزائرين وخدمة المواكب وعلى كل من أحيا أمر سيد الشهداء عليه السلام.

أيها الزائر الكريم، يا من تقطع مسافات شاسعة حتى تصل إلى مرقد إمامك بشوق وعزم وتتخطى الصعاب وتتحدى الإرهاب إنك ومنذ أن خرجت من بيتك مهاجراً إلى الله وإلى داعي الله السبط الشهيد عليه السلام فأنت في رحاب رضوان ربك تحيط بك ملائكة الرحمة.

إنك اليوم تواسي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء وبطلة كربلاء زينب عليهما السلام، وتواسي إمامك زين العابدين عليه السلام حين عادوا إلى كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين عليه السلام.

فجزاك الله خير الجزاء وأعطاك بكل خطوة تخطوها لمرقده الشريف حسنات لا تحصى.

تعال معي لنقرء كتاب ربنا المجيد حين يبين ما لزيارة داعي الله من أجر كريم..

ربنا يقول عن لسان كل مؤمن: { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}[1].

وهكذا فإننا نقول في مسيرتنا الحاشدة نحو مرقد السبط الشهيد عليه السلام:

لبيك يا حسين .. لبيك داعي الله

ونقول – حسبما جاء في زيارته المأثورة: “إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَ لِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي”[2].

بلى إننا نتمنى لو عاد بنا الزمن فنكون في يوم عاشوراء ولا ندعك سيدنا تقتل عطشاناً، وأنت تقول: ” هل من ذابٍ يذب عنا”.

ونحن حين نقول يا ليتنا كنا معك فنفوز معك فوزاً عظيماً نرجو وبهذه الأمنية الشيقة أن نحظى بأجر المشاركة مع أصحاب سيد الشهداء، وبالتدبر في الآية التي سبقت فنحن نرجوا بهذه الزيارة ثلاث غايات مصيرية:

الأولى: غفران الذنوب، إننا نعلم يقيناً أن وزر الذنوب قد أثقل ظهورنا وكاد يفسد ضمائرنا ويذهب بإيماننا وهكذا جئنا لنولد من جديد ولكي نطهر صفحات أعمالنا ولكن إنما يغفر لنا ربنا عبر التوسل إليه بوجه نبيه والأئمة المعصومين من ذرية نبيه عليه وعليهم صلوات الله.. ألم يقل ربنا سبحانه: { وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيما}[3].

إننا نقول: يا ربنا يا سيدنا يا إلهنا أن رسولك الكريم المصطفى محمد عليه أفضل صلواتك قال لنا : “حُسَيْنٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنا”[4]، وها نحن نحضر عنده، أليس الحسين بضعة من رسولك، جئنا هنا لكي يستغفر لنا الإمام الحسنن وجده المصطفى عليهما صلواتك وتحياتك، ألم يقل لنا رسولك العظيم محمد صلى الله عليه وآله عنه : “َ إنه مِصْبَاحُ هُدًى وَ سَفِينَةُ نَجَاةٍ”[5]، جئنا يا رب عند مصباح الهدى لتهدينا، جئنا آملين أن نركب سفينته لكي تنجينا من عذابٍ أليم.

أيها الزائر الكريم: تعال نجعل من كل خطوة نخطوها نحو مرقد سيد الشهداء عليه السلام وسيلة نقترب بقدرها من الجنة ونبتعد عن النار، تعال نغسل هنا قلوبنا لكي نعود طاهرين من كل دنس، إننا نقرء في زيارته : ” أَشْهَدُ أَنَّكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٍ مُطَهَّرٍ طَهُرْتَ- وَ طَهُرَتْ أَرْضٌ أَنْتَ بِهَا وَ طَهُرَ حَرَمُكَ”[6] فمن هذه الطهارة نستفيد طهراً ثم نزداد عزماً على التخلص من وزر الخطايا وآثار الفواحش، ونصوغ شخصياتنا على هدى مصباح الحسين ونركب معاً في سفينة النجاة مع سيد شباب أهل الجنة..

إن عزم إرادتك بترك ذنوبك هي الغاية السامية التي تحدد بإذن الله مصيرك اللاحب وإلى الأبد وتجعلك إن شاء الله مع النبيين والصديقين وحسن اولئك رفيقا، قال الله تعالى: { وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفيقا}[7].

الثانية:  تكفير السيئات

إننا نرجو من الله سبحانه أن يستر علينا عيوبنا فلا أحد منا مهذب من كل نقص ولكن الله سبحانه ستار العيوب، ودعاؤنا إليه ألا يفضحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة على رؤوس الأشهاد.

الثالثة: حسن العاقبة

إننا حين نقول مع سائر المؤمنين يا رب توفنا مع الأبرار فإننا نطلب منه حسن العاقبة، ونستجير إليه من سوءها، أوليس هناك من عاش مؤمناً ومات كافراً أو مشركاً أو منافقاً وحشر إلى جهنم مع أصحاب النار؟

إن هذه الغاية المثلى تجعلنا نستفيد من هذه اللحظات العرفانية المشرقة ونحن في رحاب السبط الشهيد أن نجاهد أنفسنا لتصاغ شخصياتنا من جديد، لنعود فعلاً حسينيين قلباً وقالباً ظاهراً وباطناً، منذ الآن وإلى يوم نحشر مع سيد الشهداء عليه السلام.

إنك أيها الزائر الكريم خلقك الله في أحسن تقويم ولكن الظروف المعاكسة ربما جعلت الواحد منا يرد إلى أسفل السافلين.

وها نحن نأتي إلى كربلاء ونستشفع بالحسين الوجيه عليه السلام إلى ربنا ليجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ،نعود كما خلقنا الرب في أحسن تقويم إنها فرصة ذهبية لكي نتعالى إلى حيث عباد الله الصالحين، والسبيل إلى ذلك أن نستنير بنهج أبي عبد الله، عليه السلام المستقيم، أن نستمع إلى خطبه الحكيمة في أرض الشهادة، أرض عبودية الرب أي كربلاء المطهرة..

هناك كان خطب السبط الشهيد خارطة طريق لنا إلى الجنة، كما أن زياراته المأثورة وزيارات أخيه قمر بني هاشم أبي الفضل العباس عليه السلام كلها ترسم أمامنا خارطة واضحة لطريق التوبة وللتسامي إلى الفضيلة.

كم هي جميلة تلك الحياة التي تتموج فيها أنوار الوحي، فمن تلاوة الكتاب والتدبر في آياته وترويض النفس بها وصياغة الشخصية على هداها إلى قراءة الأدعية التي هي منهج التحدث المباشر مع رب العالمين والإستفاضة من هداه، إن الأدعية حقاً ومضات نور تترى بحكم بالغة وبصائر نافذة.

كذلك ترى الموالي يعايش الإمام الحسين عليه السلام ليل نهاره سواءً كان عند مرقده أو في بلده في البيت أو أثناء العمل.. كل ذلك عبر ذكر السبط الشهيد وقراءة زياراته المأثورة.

أيها الزائر الكريم: إسع سعيك لكي يكون سيد الشهداء رفيق دربك في الدنيا وشفيع ذنوبك في الآخرة وتكون معه عند لقاء ربك ونبيك، كذلك ستكون سعيداً وافر الحظ من خير الدنيا والآخرة ذلك عندما تتواصل مع السبط الشهيد متألقاً بنور الولاية مزداناً بصبغة العبودية لله، ألم تقرء قوله تعالى: { في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصال‏*  رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبصار}[8].

كيف نلحق بمسيرة الحسين الإصلاحية

منذ فجر نهضته العظيمة وعند خروجه من مكة المكرمة أعلنها السبط الشهيد كلمةً تدوي عبر التاريخ: “وَ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَ لَا بَطِراً وَ لَا مُفْسِداً وَ لَا ظَالِماً وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي ص أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَر”[9].

ومنذ ذلك اليوم إنطلقت في الدنيا مسيرة إصلاحية رفرفت عليها راية أبي عبد الله، فهذه المسيرة المليونية وتلك أيام عاشوراء وهذه حشود المجاهدين، وتلك المقاومة الصلبة لكل طاغوت وكل ظالم.. كلها قبسات من نور تلك الكلمة الصاعقة : ” وإنما خرجت لطلب الإصلاح”.

بلى؛ إنها حقاً كما رافد عظيم يتدفق في كل ناحية فيبارك به الرب عباده بإسم الإمام الحسين عليه السلام.. وأنا وأنت وعشرات الملايين ندخل ذلك البحر الموّاج لنتطهر من دنس الشرك والشك ورجس الفواحش ونطهر الأرض من حولنامن كل باطل.

ويستمر ويستمر هذا الدفق الهائل حتى يرفع إبن الإمام الحسين المدخر عند الله لإنقاذ الأرض ولأخذ ثأر جده الحسين حينما يظهر بإذن ربه ويقول : ” ألا يا أهل العالم إن جدّي الحسين قتلوه عطشان، ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحسين عليه السّلام طرحوه عريانا، ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحسين عليه السّلام سحقوه عدوانا”[10].

يومئذ تتساقط حجب النفاق وتندك حواجز الشقاق وينتصر العدل على كل ظلم وتعود شرائع الله سبحانه لتنشر في ربوع الأرض راية الكرامة والعزة والعيش الرغيد.

وللإمام صاحب الزمان الحجة بن الحسن المهدي عجل الله فرجه الشريف ، أنصاره ولعل زائري جده عليه السلام هم بعض اولئك الأنصار.

وهكذا.. فإنك – أيها الزائر الكريم – تستطيع الآن أن تسجل إسمك في قائمة أنصاره فتكون من المنتظرين حقاً له.

ولا شك أن مسيرة الإصلاح الحسينية التي أنت اليوم في خطها الظاهر إنها من علامات إنتظارك للفرج.

العراق ومسيرة الإصلاح الحسينية

ونحن في العراق ومنذ التغيير قبل أكثر من عقد وحتى قبل ذلك نشهد تحولاً إيجابياً في هذه المسيرة وعلينا اليوم أن نكمل مساعينا حتى يسود بلادنا الخير والرحمة والبركة.

أولاً: علينا أن نسعى جميعاً لإصلاح أنفسنا والتسامي بإيماننا وأخلاقنا وسلوكنا إلى حيث يرضي الرب وقد قال سيد الشهداء عليه السلام: ” رضا اللّه رضانا أهل البيت‏”[11].

ثانياً: علينا أن نتخلص من الوزر الكبير الذي خلفه نظام الدكتاتور المقبور ونسعى من أجل إصلاح الأنظمة المرعية التي هي قائمة على أساس النظام الشمولي والتي تخالف الدستور والتي تخالف ثوابت الشريعة السمحاء والتي تتعارض مع مصالح المواطنين.

إن كل قانون فاسد إصر وغل ويؤدي إلى فساد عريض وقد يسخط الرب فينزل عليناً عذاباً أليما وعلينا جميعاً السعي من أجل تغييره بما هو أصلح وأنفع.

ولا شك أن الكثير من الفساد الإداري ومن التخلف الحضاري ومن الكوارث التي تصيبنا ناشئة تلك القوانين الفاسدة التي لا زلنا نجري عليها خلافاً لأحكام الرب ومصالح عباد الله.

ثالثاً: إن علينا أن نراقب سلوك المسؤولين ونسعى لإصلاحهم وتسديدهم ومن ثم نقوم بتأييد الصالحين منهم حتى تسود العدالة ويرتفع الحيف ويختفي الفقر والجهل بإذن الله تعالى.

رابعاً: على كل واحد منا أن يكون داعية إلى الحق وأمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر حتى يسود الصلاح في كل أبعاد حياتنا، هنالك نكون بإذن الله تعالى من أنصار الحجة ومن السائرين في درب سيد الشهداء عليه السلام، والله المستعان.

[1] سورة آل عمران: الآية 193

[2] إقبال الأعمال: ج2 ، ص  712

[3] سورة النساء: الآية 64

[4] كامل الزيارات: ص 52

[5] فرائد السمطين: ص 42

[6] كامل الزيارات: ص 235

[7] سورة النساء: الآية 69

[8] سورة النور: الآية 36-37

[9] بحار الأنوار: ج 44 ، ص 329

[10] إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج2، ص 233

[11] شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار: ج3 ، ص 146