خارطة طريق من 4 ركائز لإقتلاع جذور الارهاب من العراق

08/02/2018 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2018

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 21/ جمادى الاولى/ 1439 هـ ، الموافق  08/ شباط/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ  وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }.

صدق الله العلي العظيم 

( سورة الاعراف المباركة)

نحن سوف نلاحق الإرهابيين اينما وجدوا وتحت أية راية حاربوا، لا ندع لهم مأوى يسكنون فيه ولا جبلا او واديا او غابة او صحراء يأوون أليها، واليوم إخوانكم أبطال القوات الأمنية والحشد الشعبي الجهادي لازالوا يسطرون ملاحم الجهاد بعد أن ظن الاخرين انهم تعبوا، وبعد ان عادوا وتأمروا على شعبنا بتأييد ودعم فلول داعش المهزومة، تحت اسم جديد وبأساليب ماكرة. وكما ساندنا منذ البدء ابناء قواتنا المسلحة والحشد الشعبي ، نحييهم ايضا ونثني على بطولاتهم في ملاحقة فلول التكفيريين اليوم في شرقي طوز خرماتو  وجبال حمرين ، وعلينا ان نكون مستعدين ويقظين دائما، لإن الغفلة عن تنامي المتشددين تكلّف شعبنا الكثير.

 ولكن دعونا نفكر ونتسائل، هل يشغلنا هؤلاء الى الابد عن اهدافنا؟ وان لم يكن الامر كذلك فما هو الحل والعلاج؟.

اقتلاع جذور الارهاب والازمات لا قشورها

 ربنا سبحانه وتعالى عادة مايبين لنا في أكثر من سورة من القرآن الكريم بإن الآيات الإلهية لإولي الألباب، فهل فكرت مرة ماذا تعني كلمة أولي الألباب؟،ماهو اللّب وماهو القشر؟.

 المؤمن الحكيم من اولي الالباب يبحث عن جذور الامور، جذور المشاكل والازمات، لايكتفي بالمظاهر والقشور، وليس فقط يبحث عن الجذور وانما عن اعمق الجذور فيقتلعها .

 ولذا فنحن ينبغي ان نفتش عن اسباب هذه المهزلة التي نجدها في العراق. من هم هؤلاء؟ ما هي حاضنتهم؟ من ورائهم؟ من اين لهم هذه الاموال الطائلة التي يصرفونها على افعالهم المشينة؟ وكيف يكسبون السذج من الشباب لأهدافهم الخبيثة؟.

يبدو لي ان هناك اسباب جذرية عدة لا بد ان تستوقفنا، ونعمل على معالجتها.

ملىء فراغ الوعي الديني

 واحد من هذه الاسباب ان الشعب العراقي حُرم من التعليم والوعي الديني السليم، فهو شعب مؤمن بفطرته، عنده توجه الى  الله  و رسوله،  ولكن حينما حرم هذا الشعب طيلة قرون اصبح كثير منهم في فراغ ذهني وغياب للوعي الديني الصحيح، لذلك قد تجد أن اي دعوة حتى لو كانت سخيفة و مرفوضة في كل مكان في العالم فإنها تنتشر حينما تأتي هنا ، دعوات لا اريد ان أطيل الحديث معكم فيها، فبعض الدعوات غاية في السخف والتهافت لكن بعض الناس يفكر فيها ويلتزم بها ويطبل لها ، مما يدل على الحاجة والمزيد من الحاجة الى ملىء هذا الفراغ ونشر الثقافة والافكار الصحيحة.

صدّ عن القرآن وتضليل بالروايات

ينبغي أن يستفيد ابناء شعبنا مباشرة  من القرآن الحكيم ويكونوا على تلاق وتواصل معه دون حجاب وموانع نفسية وثقافية خاطئة ومغرضة . إن الدعوات الجاهلة و الافكار الخاطئة والمنحرفة تأتي وتتولد اكثرها من مجموعة من الاحاديث قسم منها موضوعة، وقسم اخر  بتفسير خاطىء لها، وقسم منها يمكن ان تكون خاصة بمراحل وظروف معينة، كما ان هناك احاديث لم يوثقها ويؤكدها الرواة الاجلاء.

 من هذه الابواب يدخل اصحاب الدعوات والافكار الهدامة تلك، يفتشوا عن هذا الكتاب وذاك ليجدوا حديثا او اكثر ويحرفونه ويستغلونه لمأربهم،ونشر فهمهم السقيم، ولتنفيذ مخططاتهم ومن يقف خلفهم، والملاحظ أن اكثر هؤلاء اصولهم من خارج العراق، وكثير منهم يدعمون بالاموال ، تأتيهم ملايين الدولارات عبر الحدود، نعرف ذلك ، واهل الخبرة والعلاقة بهذا الجانب يعرفون ذلك جيدا.

إذن؛ لابد من نشر التوعية بالفكر الديني المعتدل، وفي مقدمة التوعية هذه الانفتاح على القرآن الكريم وتدبره، وربنا تعالى يقول:{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ  وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} و يقول سبحانه:{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}؟، ولكن العجيب هنا ايضا اننا حينما ننشر الوعي الصحيح عن الدين ونحاول أن نجعل الناس يفهمون القرآن ويتدبرونه، ستجد أن هناك حواجز تقف امامهم وتمنعهم، فهناك من يقول لهم انتم  اناس عاديون ولاتفهمون القرآن ولستم اهلا للتدبر فيه  وليس من واجبكم ذلك !؟، بينما الله سبحانه هو الذي يقول للناس:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، ويقول تعالى:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }، ويقول{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. ثم انه كتاب انزله تعالى {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} ، وليس بلسان اعجمي حتى نتذرع بعدم القدرة على قراءته وتدبره، {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ  وَعَرَبِيٌّ}. ويقول تعالى ايضا : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، ويقول سبحانه:{وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ}.

القرآن يجب ان يكون محور الثقافة، قرآة ،تدبرا، تذاكرا، فمع الاسف الشديد قيل لي أن في منطقة معينة وهي حاضرة علمية، كثير من الناس يخطئون حتى في قرآة  متن الآيات، فكيف ولماذا انحسر توجهنا وانفتاحنا على للقرآن الكريم واهتمامنا به الى هذه الدرجة؟!، الى أن يخطأ الناس حتى في مجرد قرآته ؟! وهل تتصورون أن من يهجر القرآن سيجد نورا آخر يهديه؟ اوليس ربنا تعالى يقول: { يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} وفي آية اخرى {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ }. فهو سبحانه نور السموات والأرض، وَمَن لَم يَجعل اللَّهُ لَهُ نُورًا {فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}. 

إذن؛ في عملية معرفة وتشخيص الاسباب الجذرية،التي علينا العمل على معالجتها، تبرز اسباب عدة منها:

اولا: الجهل وغياب او قلة الوعي الديني الصحيح، والابتعاد عن القرآن الكريم وتكريس الحواجز والموانع امام فهم وتدبر اياته من قبل الناس.

مواجهة الارهاب بنشر الوعي والاعتدال

فعلينا ان ننطلق من هذه النقطة المركزية، وهي اننا  ينبغي ان نكرس التربية الدينية المعتدلة ومنذ السنين الاولى من حياة أبنائنا، منذ الطفولة يجب ان يحفظوا ويتعلموا القرآن، لماذا تركنا تقاليدنا التي كانت لدينا سابقا ، حيث كان المُلّة او المُلاّية في المنطقة ، يدرسان القرآن وتحفظيه للاطفال البنين والبنات. ثم في المدارس ايضا يجب ان يكون القرآن محورا، حفظا وتلاوة وتدبرا ،وهكذا وصولا الى  الحوزات و الجامعات، وكذلك في الوسائل الاعلامية و التعليمية والثقافية الاخرى.

فنحن كلما استطعنا ان نوّعي ولو  انسانا واحد كلما ابعدنا هذا الانسان عن الفكر المتشدد المنحرف. فمنذ البداية وبدلا من تركه يسقط في فخ التشدد ويذهب للقتال والالتحاق برايات الضلال المختلفة ثم نضطر لقتله، علينا بدلا من ذلك أن نوعيه قبل ان يقع في تلك الشراك الشيطانية. ولذا ايضا نحن لدينا عتب كبير على مؤسسات الاوقاف في العراق، اين هي و ماهو عملها في هذا الجانب طوال هذه السنوات  ومع كل هذه الميزانيات الضخمة المخصصة لها و المساجد والمراكز؟ لماذا لم يقوموا بدور فاعل في تثقيف الناس ونشر الوعي؟.

 إن هذا الجانب محوري وتمس الحاجة اليه، وللحوزات العلمية ومؤسسات الاوقاف واجب ودور هام فيه، فنحن امامنا عدو لدود خبيث، مزود بأمكانيات وبمن وراءه من الفاجرين وشياطين الجن والانس، لابد ان نحاربهم ونواجههم وكل واحد منا مسؤول .

غياب التخطيط.. فساد و فقر في بلد غني !

ثانيا: الى جانب الجهل وغياب الوعي والفهم السليم للدين، هناك معضلة الفقر . وقد جاء في الاحاديث :”كاد الفقر ان يكون كفرا “، و”إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك”، وقال الإمام علي عليه السلام: “لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته”. ففي سعينا جاهدين لإقتلاع جذور الإرهاب من بلادنا، وإلى جانب نشر الوعي،لابد من تحسين ظروف المعيشة لأبناء الشعب ووضع خطة شاملة وطموحة للنهضة بالبلاد إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً وسياسا.

كيف ولماذا ومامعنى الفقر في العراق وقد وصل دخله خلال 14 سنة الى حدود ترليون دولار؟! . اين ذهبت كل هذه الاموال الهائلة؟. صحيح أن من المهم والمطلوب محاربة الفاسدين، ولكن الحديث ليس فقط عن عدد من هولاء الفاسدين الذين سرقوا، بل حديث عن غياب التخطيط اصلا، اين البرامج والتخطيط الحقيقي والعملي الذي يقضي على الفقر في ارض الواقع وليس بالشعارات؟.

 اين التخطيط الذي ينمي الزراعة في العراق الذي هو في الاساس  بلد زراعي؟ اين التخطيط لمواجهة ازمة المياه؟.  احد الذين  يدّعون الفهم دائما وفي كل شيىء قال ــ وكأن قوله فكرة يجب ان تكتب بماء الذهب ــ ان الفلاحين تضرروا من قلة الامطار هذا العام !، قلت لا بأس، وهل هذا سر من الاسرار؟! فمن الطبيعي انهم وغيرهم تضرروا من قلة المطر، بل الضرر لحق حتى بالهواء وتلوثه، والبيئة عموما.

ثم اذا كانت لدينا شحة امطار، فاننا نسأل ايضا  الم تكن لدينا بالمقابل نعمة من الله تعالى متمثلة بوفرة مياه الفرات ودجلة طوال هذه السنين،فلماذا لم نستغل هذه النعمة التي تأتي وتذهب سدى؟!  فنحن بين افراط وتفريط، إما اننا  لم نستثمرها ونستفد منها، او اننا نسرف ونبذر فيها، ولا نعرف المكننة الحديثة في الزراعة، فأين هم المسؤلون  وماهو عملهم؟!.

الفقر نافذة للارهاب

يجب ان نقضي على أفة الفقر، فما معنى ان يكون هناك ولو  انسان واحد فقير لايملك مالا في بلد غني كالعراق ، فيأتي احد او جهة ما من هنا او هناك، في الداخل  او من الخارج، ويحاول ان يستغله ويستغل  فقره؟! . انظروا ايها المسؤولون والمعنيون وادرسوا، لماذا بعض الناس ينتمون الى هذه الرايات الجاهلية، تمعنوا وادرسوا وعالجوا… اين الزراعة و الصناعة و التجارة و السياحة، اين برامجكم وخططكم؟!.

خارطة طريق وخطة تنموية شاملة

 إن العراق بحاجة الى خارطة طريق شاملة، خطة تنموية طموحة ، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا ، وهذه الخطة يجب أن تبدء بها الحكومة وترسم ابعادها وتساهم فيها وفي تحقيقها عمليا، وثم كل ابناء الشعب يجب ان يشاركوا الحكومة في تطبيقها.

الى متى نبقى اذلاء ويدنا ممدودة الى هذه الدولة وتلك ؟!. لقد نمت وتقدمت دول اخرى لاتمتلك ولو بعضا من امكانيات وثروات العراق ومؤهلات وطاقات شعبه، تقدمت زراعيا وصناعيا وتجاريا وتعليما وصحة وفي كل المجالات،  وبعض من الدول التي  كانت رمال متحركة وهواء حار بدأت تبعث اقمارا صناعية الى الفضاء، فأين انتم؟ وماذا بكم؟ اليس فيكم عرق ينبض بالكرامة والعزة؟ ادرسوا تجارب الدول الاخرى واطلعوا ، الا تسمعون وتقرؤون وتشاهدون؟ ، فقط الواحد منكم يذهب ليتسوق من دبي او غيرها او ليضع امواله هناك ثم يعود!، لماذا لاترون واقع بلدكم ..؟!.

الفساد منزلق نحو الهلاك

في الايات الكريمة التي بدأنا الحديث بها، وما بعدها، من سورة الاعراف، يبين ربنا سبحانه وتعالى من اين  يأتي الفقر للإنسان، ذلك حينما يعرض عن الله تعالى،عن ذكره سبحانه، عن واجباته الشرعية .{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }. وفي سورة طه يقول تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}.

وهؤلاء الذين يقولون لك لا تقرأ القرآن او انك لست اهلا لفهمه، فلكي تبقى جاهلا، وحتى لا تفهم ماهو مبين في ايات القرآن التي  توضح ان السرقة والنهب والفساد بانواعه، الاخلاقي والاقتصادي والسياسي والمالي والاداري، كل هذا الفساد سبب لأن ترتفع البركات ويمنع قطر السماء.

الايمان و التقوى طريق النجاة

 إن هذا المصير ليس ضرورة حتمية ، بل حقائق تاريخية باستطاعة البشر تغييرها عن طريق الايمان و التقوى ، فان الايمان ضمانة ايديولوجية و ثقافية و اجتماعية لبقاء عوامل الحضارة ، و التقوى ضمانة تشريعية سياسية و اقتصادية و سلوكية لبقاء إطارات الحضارة . وهلاك الأمم ليس قدرا محتوما عليها ، إنما هو بسبب كفرهم و عدم التزامهم بالأوامر و التوجيهات ، فاذا آمنوا و اتقوا الله فتح الله عليهم بركات السماء { و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض } ربما تكون البركات هي كل ما يكمل حياة البشر و يطورها للافضل . {و لكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } إذ أن الظروف القاسية التي تصيب البشر تأتي بسبب تكذيبه للحقائق ، و اكتسابه للمنكرات.

تراكم السيئات ومصير الزوال المفاجىء

ورفع البركات ومنع المطر ومن ثم  هذا القحط ، ماهو الا بداية وانذار وتحذير، فهناك ماهو اسوء ، الا وهو الهلاك والتدمير، و لإن هلاك المجتمعات الفاسدة يكون فجائيا بعد تراكم السيئات ، و إحاطتها بالذين يكتسبونها ، فان علينا أن نترقب بأس ربنا في كل لحظة ، ليلا و نهارا ، في حالة النوم أو في حالة الغفلة، يقول تعالى: { أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } فبما كسبت ايديهم يأتيهم البلاء، بالقحط ثم البأس،  بالزلزال او الاعاصير او الحروب، ، والعذاب من انواع مختلفة.

ثم يقول تعالى: { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }. الذي يأمن مكر الله يخسر حياته ويخسر مستقبله. و المدنية القائمة على الظلم أو الطغيان، و المجتمع القائم على الاستغلال و الطبقية ، و الثقافة القائمة على المصالح الذاتية كل ذلك مهدد بالزوال في كل لحظة و بصورة مفاجئة. فوراء الرخاء الظاهر قد يكمن مكر الله الخفي الذي ينبغي ألا يُؤمن، و الذي يأتي ليلا في حالة النوم ، أو نهارا في حالة اللعب و الغفلة ، و أنما يخسر البشر حين يأمن مكر الله وما تخبؤه الأيام من شدة و مكروه .

لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.. التوبة الجماعية الى الله

 اخواني، لنعد الى الله تعالى الذي يأمرنا ويقول في سورة النور:{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. فلنتب الى الله وندعو ونتضرع اليه سبحانه . الى متى نبقى على هذا الحال؟ وهل هو امر طبيعي لدينا أن نكون ومنذ عدة عقود في العراق من حرب الى حرب؟!، ضحايا، شهداء وأيتام و أرامل، الى متى؟ وهذه دول اخرى معنا وموجودة في ذات المنطقة، مستقرة، فلماذا نحن فقط بهذا الحال منذ اكثر من 30 عاما ؟. هناك مشكله و ازمة يجب ان  ندرسها ونعالجها. ولانكونن من الخاسرين الذين يأمنون مكر الله سبحانه،{فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون}. لنتوب الى الله وندعوه ونتضرع اليه سبحانه كبارا وصغارا، ونسأله بان يدفع عنا هذه الغائلة. يقول تعالى في سورة الأنعام : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.

وفي سورة الاعراف التي افتتحنا الحديث بايات منها، يقول تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} ومن قبل ذلك وفي الآيتين 55 و56 من ذات السورة يقول تعالى:{ دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.

  نستورد كل شيىء ونصدر العقول والكفاءات !؟

ثالثا:  من الاسباب والعوامل ايضا والتي اشير اليها بايجاز شديد ، هو أن العراق بات مجرد مستهلك ويستورد كل شيء من الخارج. دلوني على شيىء ما لم نعد نستورده؟!، حتى طعامنا وملبسنا، بل و التمور و الماء الذي نشربه اصبحنا نستورده !؟.

وبالمقابل؛ ما الذي يصدره العراق وبسخاء غير النفط ؟!، انه العقول والكوادر والطاقات والكفاءات في مختلف الاختصاصات والحقول، والتي تهرب وتتسرب من بلدنا الى بلدان العالم. واذا استمر الحال على ماهو عليه نخشى أن نحتاج غدا اكثر واكثر الى ان نمد ايدينا الى بنكلادش او الهند او غيرهما حتى نأتي بإطباء منها، وفي باقي الاختصاصات والمجالات ايضا، لإن العقول والكفاءات العراقية ما أن ترتب اوضاعها شيئا ما وإذ ابها  هاجرت لهذه الدولة وتلك .اين الأخصائيين ، اين كوادرنا ؟.

افعال وقرارات بريمر مقدمة الارهاب

ثم كيف ولماذا نحن في العراق لدينا اكبر عدد من المتقاعدين نسبة الى عدد نفوس شعبنا؟!. لإن لدينا متقاعدين بسبب عامل الزمن، واخرين كثر بسبب طردهم او تسريحهم لأي سبب من الاسباب، منها قضية الاجتثاث وحل القوات الامنية والعسكرية، وشخصيا كان لدي  بعض الإشكالات على هذا الامر ، فهو بالنهاية كان مقدمة للارهاب ومن ثم لداعش، بريمر جاء وفعل مافعل حته يصل الى هذا، لكي يورطونا وحتى يأتون لنا بداعش، الجيش والقوات المسلحة  ما كانت كلها لصدام وأمثاله،بل للعراق، وانظروا كيف أن قسم من ضباطنا حين اعيدوا اثبتوا يطولاتهم بوجه الارهاب ولاسيما داعش.

العقول والخبرات.. ثروة العراق المهدورة

وعلى أي حال، ماجرى قد جرى، و صار لدينا جيش من المتقاعدين، من الناس الذين لاعمل لهم، وكثير منهم ذوي اختصاصات وخبرات، وهولاء  بالامكان استياعبهم، فاذا لم تكن لدينا دوائر كافية يمكن استيعابهم بمراكز بحوث، مراكز استشارية، ونحن بحاجة الى طاقاتهم وخبرتهم المُعَطَّلَة، والتي اكتسبها وحصل عليها على مدى عشرات السنين من الدراسة والبحث والعمل، من الابتدائية وصولا الى الجامعة ونيل شهادة الماجستير و الدكتوراء ، ثم فترة عمل وحصول الى التجربة ، وهي خبرة وتجربة ملك لهذا الشعب يجب أن نستفيد منها، بعيدا عن الافكار الاحادية التي ليس لها فائدة ولا دليل عليها ابدا، لا شرعا ولا عقلا ولا وجدانا، سوى صاحبها  يريد ان يستأثر بالامكانات والحكم وكل شيىء، ليكون وحده حامل وصاحب المسؤولية، هذا  امر خاطىء وسيىء، اذن تحمل انت وحدك مسؤلية ماحدث ويحدث!؟، تحمل مسؤولية هذه الدماء التي اريقت لاسباب عدة غير خافية ، ولكن من بينها ايضا هذه النظرة الضيقة  والطريقة الخاطئة في التعاطي مع الامور.

فساد مالي وانتخابي.. أيةُ ديمقراطية هذه ؟!

إءتوا بإناس معكم، سواء ممن يخالفكم او ممن يوافقكم، نظام ديمقراطي لايعني  ديمقراطية بطريقة خاصة استئثارية وفئوية، فهذه ليست ديمقراطية، الديمقراطية تعني أن يكون دور لكل ابناء  الشعب ، كل انسان يكون له دور، اما أن تقول وتتصرف تجاه الاخرين حسب مصلحتك ومزاجك، فهذا فلان شكله كذا ، طويل وذاك عريض، هذا معي وذاك ضدي، وتستأثرون بالامكانات وبالوظائف وحدكم مع كل مع جماعته واتباعه ودائرته الضيقة ،فهذه ليست ديمقراطية اسموها أي اسم تريدون، بدوقراطية، اعرابقراطية  حزب اقراطية، وغير ذلك، الاّ أن تسمى ديمقراطية، أي ديمقراطية شكلية هذه ؟، وبها ومعها سرقت الاموال ، ثم منها تعطى للناس على صورة هدايا ورشاوى وهبات لكي ينتخبوا هذا و ذاك، لتفوز وتصعد نفس الوجوه التي كانت موجودة سلفا ويشكو منها الشعب ومن فشلها وفسادها، وكما يقول المصل العراقي(نفس الطاس يا عباس)، فالى متى هكذا من دورة انتخابية الى اخرى تأتي ورائها؟!، الى ان بات كثير من الناس عازفين عن المشاركة اصلا في الانتخابات.

نحن لا نحرم او نعارض الانتخابات ، فهي  ضرورية ويجب أن تكون ، ولكن نريد ان نكملها ونصححها، بانتخاب الاصلح والأكفأ.  يجب ان نبحث عن الاكفاء والنزيهين  ونأتي بهم  بالقوة والضغط ليكونوا في مجالس المحافظات والبرلمان والحكومة، او في مجالس وبرلمان وحكومة رديقة ، برلمان وحكومة ومجلس ظل كما يسمى، وهكذا في اللجان الاستشارية، في  الجامعات، وفي كل الحقول والمؤسسات، فثروت العراق بإنسانه، لانخسره ولاندعه يذهب هنا وهناك ، لا نكن زاهدين بالبشر.

الحكم بهذا الاسلوب فاشل ومأزوم  

 ربنا تعالى يبين في القران الكريم، في سورة الحجرات، بكل وضوح ويقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

فلنترك هذه الطريقة السيئة والمعيبة في العلاقات وادارة الامور، وهذه المهاترات وتقاذف الاتهامات والتسقيط، بمجرد ان فلان  لايعجبني فليطرد ويبعد .. هذه الطريقة اوصلتنا الى القاع، ادرسوا حياة النبي (ص) و الامام علي (ع)،ادرسوا كلمات اهل البيت(ع) ادرسوا القران، تعلموا كيف هي طريقة التعامل مع الاخر ، هذه سورة الحجرات اقرأوها و انظروا ماذا يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ* يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }.

هذا النظام الاسلامي ، نظام المحبة والرحمة ، وان كل الناس لهم وجودهم المحترم ودورهم…، فهذا الذي تهينه انت وتضرب دوره ووجوده من المؤكد انه سيصيح ويشكو، ، يذهب الى فيسبوك وغيره وينشر كلمات كلها دجل، ويتجه الى هذه الرايات الجاهلية وينضم لها ويتحول الى حاقد وعدو.

  انا اقول لك بصراحة أن هذا الاسلوب في الحكم  لا ينجح، لا اليوم ولا غدا، يبقى يدور في دوامة من  الازمات الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا لا نعلم ماهو.

الخُلاصة:

نحن نحارب الارهاب ميدانيا وبكل قوة وعزم ،بقواتنا المسلحة، بالمجهادين من هذا الشعب، لكن في نفس الوقت ايضا ع علينا أن نسعى جاهدين لإقتلاع جذوره من بلادنا من خلال:

 أولاً: بنشر وتكريس التوعية بالثقافة والفكر الديني المعتدل، لكي يتم نبذ كل لون من ألوان التشدد أنّى كان مصدره.

 ثانيا: بتحسين ظروف المعيشة لأبناء الشعب عبر خطة شاملة وطموحة للنهضة بالبلاد إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً وسياساً. والقيام بهذه النهضة مسؤولية كل واحد من أبناء الشعب طالما هي وسيلة إرتقاء الجميع وسعادتهم ، ولكن وضع الخطة لذلك وإدراتها هي من اهم  مسؤوليات الدولة. يجب ان نقتلع جذور الفقر في هذه البلاد، يجب ان يسود الناس، أن تكون لديهم الامكانيات ، أن ينالوا حقوقهم، وعلى اقل تقدير تعالوا واجعلوا العراق مثل البلاد المجاورة، لا نريد اكثر من هذا.

ثالثا: العمل على تصحيح آليات ومسار الإنتخابات و أن نبحث ونختار الأكثر إخلاصا وكفاءة، وعلى كل من يجد نفسه صالحا لمثل هذه المهمة العظيمة أن لا يتوانى للتصدي لها مخلصاً لوجه الله سبحانه وتعالى ولخدمة الوطن، ومن المؤسف ما نراه من عزوف البعض عن أداء هذا الواجب لبعض الإعتبارات التي قد تكون صحيحة ولكنّها ليست كافية وغير مبرئة للذمة.

رابعا:  الطاقات والكفاءاات يجب الحفاظ عليها، ههذه ثروتنا بطريقة او بأخرى، والاستئثار بالامكانيات والمناصب لا يجوز…، لإن هذه الكفاءات ثروة هذا الوطن والشعب لا ثروتك وثروتي  ، والزهد في الكفاءات هذا من اخطر ما يكون، و الآخرون في بعض البلدان لديهم جواسيس واساليب معينة ومنظمات تسحب وتلتقط العقول والكفاءات و تسحبها اليهم  بطريقة و بأخرى، وهذه مجرد اشارة وإلا فالحديث في هذا المجال طويل .