تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثالث)

28/02/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)}

 صدق الله العلي العظيم

بالتأمل في هذه الآيات نستفيد بصيرة هامة تفتح لنا بها آفاق معرفية واسعة، فما هي تلك البصيرة؟

قد يجرب أحدنا في حياته شيئاً فيستفيد علماً مستئنفاً، وقد يلاحظ تجارب الآخرين أمامه فينتفع منها العلم والعبرة، ولكن ذلك لا يشكل إلا جزءاً بسيطاً من منظومته المعرفية، إذ أن أغلب مواقفنا وآرائنا وتوجهاتنا تقوم على أساس ما نتلقاه بأسماعنا من الآخرين، سواءاً الآباء أوالأساتذة أو سائر الناس، وإن لم تكن لدينا معايير واضحة لتقييم ما نسمعه ومعرفة نسبة الصواب والخطأ فيه فسوف تجرنا أفكار الآخرين إلى ضلالات تبدأ ولا تنتهي.

وليس هذا الأمر مقتصراً على فردٍ أو إثنين بل هذا حال غالب الناس حيث يسترسلون مع الأفكار الباطلة وهم لا يشعرون.

ولعل القرآن الكريم في هذه المجموعة من الآيات من السورة المسماة بالأنبياء الذين تقوم رسالاتهم على أساس هداية الناس، يبين لنا جانباً من هذا الأمر، أعني سبل تقييم القول وذلك عبر مقارنات:

بين السحر والآية

ما هو السحر وما هي الآية؟

كل واحدٍ منا يعترف –بالرجوع إلى نفسه وإستكناهها- بوجود قوى هائلة في نفسه ومنها قوة الخيال، وهذه القوة ذات آفاق واسعة يثيرها الفنانون والأدباء وكل من يحاول التأثير في الإنسان، وفي عصرنا الراهن يستثمر أهل السينما الخيال في التأثير بالمتلقي مع علم الطرفين بكذب ما في الأفلام وانها ليست سوى أداة لإثارة المشاعر.

وهذا هو مبنى السحر أيضاً، فهو يريد إثارة مشاعر المتلقي، وقد إستبدلت البشرية اليوم السحر بما يسمى بالسرك، حيث يتم إثارة أحاسيسهم إعتماداً على جهلهم بالأمور من جهة ومحاولة المتلقي الإبتعاد من الواقع من جهة أخرى، كما أن الساحر بسحره يهدف تجهيل المقابل وتعميته.

أما الآيات فهي بالعكس تماماً، إذ تحمل متلقيها إلى رحاب الحقيقة عبر إثارة عقله ومحاكاة ضميرة وإيقاظ وجدانه، ونتيجة الآيات بناء حضارة، حيث بنيت الحضارة الإسلامية في أقل من خمسة وعشرين عاماً ونشرت الخير للبشرية، بالعكس تماماً من السحر الذي لا يهدف سوى الهرب من الحقائق.

بين أضغاث الأحلامو آيات القرآن

المفارقة الأخرى في هذا المجال، هي المفارقة بين أضغاث الأحلام وآيات الكتاب العزيز، فما تعني أضغاث الأحلام؟

الضغث هو القبضة من عشب المختلط، والحلم هو يراه النائم وقد يكون في حالة اليقظة، كما كان في قصة صاحبي النبي يوسف عليه السلام في السجن، حيث نقلا له رؤيا، كان أحدهما قد رآى في المنام أنه يعصر لسيده والآخر لا، بل كان حلماً من أحلام اليقظة، ولذلك فسّر النبي يوسف عليه السلام كلا الحلمين.

ودعوى الكفّار بأن القرآن أضغاث أحلام كان يهدف إتهام النبي صلى الله عليه وآله فيما أتى به، بأنه كلامٌ لا معنى له ومختلط، كما يقال لمن يغلب عليه المرض أو النوم بأنه يهجر ولا معنى لقوله، الذي هو حال الكثير من كلمات وسائل الثقافة والإعلام في بلداننا اليوم، حيث تراه كلاماً غير متناسق بل ويناقض بعضه بعضاً.

بين الإفتراء والصدق

وهناك نوعٌ آخر من الكلام، هو الإفتراء الذي يقابل الصدق، ولكن ليس الإفتراء كأضغاث الأحلام متناقضاً ومبعثراً، بل هو الكذب المحبوك، كما يفعله اليوم مراكز صناعة الفكر والثقافة في البلدان المتقدمة.

ولكن بالرغم من أن الإفتراء كذبٌ منظم ومحبوك إلا أنه لا يخلو من فجوات تنخر في كيانه.

بين الشعر والحق

الشاعر يشبه الساحر في حركته، وإن إختلف معه في الوسائل، فإن كان الساحر يسحر العيون بحركاته، فالشاعر يسحرهم بكلماته، وقد إشتهر قولهم ( إن من الشعر لسحرا).

وكما يعلم الساحر ومتلقيه أنه خيالٌ لا واقع فيه، كذلك يعلم الشاعر والمتأثر بشعره أنه مجرد كلمات لا تصنع واقعاً، ولذلك يبقى كوسيلة للتشتيت والإلهاء فقط، فإنك لا ترى متأثراً بالشعراء يراجعهم إذا مرض ليعالجوه، أو ليبنوا له داراً.

ولكن قول الحق، هو الذي يصنع الواقع ويغير الفاسد منه.

سبيل التقييم

ترى، كيف نقيّم الكلام ونحدد نوعه بين الأنواع السابقة، هل هو سحرٌ أم من أضغاث الأحلام، أم هو إفتراء أم هو كلام حقٍ وصدق؟

إنما يتم تقيم القول بنور العقل عند الإنسان، وبيان ذلك بما يلي:

قد يكذب عليك شخصٌ أو يخطئ في فعله، ولكي يخفي خطأه يأتي بكمٍ من التبريرات المتتالية في محاولة منه لإشغال ذهنك بكثرتها كي لا تستطيع التفكير في صدق قوله، ومن يحشر معلومات كثيرة وغير مترابطة في كلامه فإنه يحاول إخفاء كذبه، بينما كلمة الصدق بسيطة وواضحة ولا خفاء فيها.

وإذا توقف الإنسان عند كل كلمة يحوكها أمثال هؤلاء ويتأملها على حدة فإنه سيكتشف التناقضات والأكاذيب الموجودة فيه.

ولكن هذا الأمر لا يكون مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله، فإنه كلامٌ منظم وليس مبعثراً، وهو متكامل لا تناقض فيه، وكل كلمةٍ فيه تعكس إثارة من عقل المتلقي، وكل عبارةٍ منه تلقى تصديقاً في وجدان المستمع، فكل معنىً من معاني كلمات الوحي تصنع واقعاً وتؤثر فيه.

  • { الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

إتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله بالسحر، ولكنا لم نر ساحراً يغير واقعاً أو يبني حضارة كالحضارة الإسلامية.

  • { قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4)}

سنتعرض للتدبر في هذه الآية لاحقاً ولكن الآية التالية تتحدث عن سائر التهم التي وجهت لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله:

  • { بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)

فكما قال قائلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه يهجر في أواخر حياته، قال الكافرون أن أقواله أضغاث أحلام، ولكنهم حيث لاحظوا إرتباط بعضه ببعض وتناسقه ودقته، قالوا أنه إفتراء، ولكن حيث كان النبي صادقاً وكان ما أتى به هو الصدق والحق، قالوا أنه شاعر.

ولما رجعوا إلى أنفسهم ولاحظوا أن قوله صلى الله عليه وآله ليس قول شاعر طالبوا بآيةٍ معجزة كما هي آيات السابقين من الأنبياء كعصا موسى عليه السلام أو ناقة صالح عليه السلام، والحال أن القرآن الكريم كان هو الآية المعجزة، وهي الآية المهيمنة على كل الآيات الأخرى، إذ كانت تلك المعاجز مؤقتة بإطار زمني خاص، والحال أن القرآن يبقى معجزاً في كل عصرٍ ومكان.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ