تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع)

05/03/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

صدق الله العلي العظيم

 

يتأرجح البشر بين الهوى والهدى، فالنفس والشيطان يسولان له جانب الهوى أبداً، بينما عقله وضميره وأهل الذكر من حوله يدعونه إلى الهدى.

فإذا إتبع هوى نفسه فإنه سيرى كل شيء في الحياة، من نافذة الهوى ويقيس كل شيء بحسب ما ينفعه أو يضره، بينما إذا إتبع الهوى كان له نظرة واقعية وموضوعية لكل شيء.

ومن هنا، إذا إتبع المرء هواه فإنه لا يرى لأحدٍ أو لشيءٍ حقاً إلا ذاته أو ما إرتبط بها، ومن ثم سيدخل في إطار الظلم للآخرين، فإذا رأى لأبيه أو أمه أو من حوله حقاً ما، فذلك من زاية نفسه وذاته، لأنه يرى نفسه المحور في الوجود، ترى كيف يمكن الخلاص من هذه الحالة؟ ولماذا أسرّ الظالمون النجوى ولم يصرحوا بما لديهم من مخالفات للرسالة؟

أسرّوا قولهم لأنه ليس حقاً، فكانوا يريدون إستقطاب الآخرين معهم، إذ قد يريد البعض عمل عملٍ ما في بعض الأحيان دون أن يتحمل مسؤوليته، فيسعى لطرقٍ ملتوية تخلصه من ذلك.

ومن هنا فإن الإنسان مطالب بأن لا يرى الأمور من نافذة العواطف والمصالح والمسبقات الذهنية، ولذلك فإنا كلفنا بأن نطلب من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، لأن النفس الأمارة بالسوء لا تتركنا لحظة واحدة، كأمواج البحر التي ترمي المركب بعيداً عن الشاطئ.

وهكذا كان لزاماً البحث عن مقياس يعرف به الإنسان الحق والباطل، فما هو ذلك المقياس؟

المقياس هو الله سبحانه، فمن خلال الرجوع إليه عبر الوسائل يمكن التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والهوى، إذ لكل ميزانٍ في العالم أصلٌ يرجع إليه، كما في ميزان الوزن والوقت حيث يرجع إلى الأصل إذا حصل الخلاف فيها، وأصل الحق الذي يرجع إليه إذا إختلف فيه هو الله سبحانه، ومن هنا قال الله سبحانه:

  • {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ}

يعلمه، ويحدد الحق منه عن الباطل، كما أنه سبحانه يعلم نجوى الذين أسروه.

  • { وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ}

سميعٌ بما يقول الناس وعليمٌ بدوافعهم.

عقبات الهدى

سورة الأنبياء وردت للإيمان بهم عليهم السلام، وفي البدء لابد من التمهيد لذلك عبر بيان العقبات وسبل ومواجهتها، ومن تلك العقبات المسبقات الذهنية، التي هي أخطر ما لدى الإنسان من موانع في طريق الإيمان، فهي تخلق الثقافة الباطلة والمهيمنة على الإنسان، وحينذ فلابد أن يحكّم الإنسان عقله على نفسه دوماً لكيلا تؤثر فيه مسبقاته، والسبيل إلى ذلك هو ذكر الله سبحانه دوماً قال الله سبحانه:{ ُوَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَ قُلْ عَسىأَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدا}[1].

 

الآية المبصرة

  • { فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}

بعد تلك التهم، طالبوا النبي صلى الله عليه وآله بأن يسأل ربه بتسيير جبال تهامة لكي يتسنى لهما الزراعة في مكة كآيةٍ ليؤمنوا به، وحين سأل النبي صلى الله عليه وآله ربه ذلك فأوحى إليه الله أنه يفعل ما يريدون ولكن إن لم يؤمنوا بعدئذٍ سيعذبهم عذاباً شديداً، ولكن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه أن لا يفعل ذلك رحمةً بهم.

وكل آيةٍ مبصرةٍ أرسلها الله سبحانه على قومٍ في التاريخ، إنتهت بدمار الذين لم يؤمنوا بها، كآيات موسى عليه السلام التسع، حيث إنتهى المطاف بإغراق قوم فرعون وإدخالهم النار، وكذا ناقة النبي صالح عليه السلام، وقوم ثمود الذين عقرواها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها.

ومن هنا، إذا سأل أحدنا حاجةً من ربه فأستجاب له عليه أن يؤدي شكر تلك النعمة بالقول والعمل، وإلا سيكون مصيرها إلى الزوال أولأً، وربما إنقلاب الحال إلى الأسوء ثانياً.

  • { ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) }

كما قريش، طلب الأقوام السابقة من أنبيائهم أن يأتوا بآية مبصرة، ولكنهم حين لم يؤمنوا بها أهلكهم الله سبحانه، فإذا كفر هؤلاء فسيكون مصيرهم ذات المصير.

  • {وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

في الآية الثالثة من السورة، ذكر الرب سبحانه إعتراض الكفار على كون المرسل بشراً كما هم، والحال أن إرادة الرب سبحانه تقتضي ذلك، حيث يرسل إلى البشر من هو منهم وقريب إليهم، فلا وجه للإعتراض، خصوصاً أن العرب كانوا يعرفون برسالات الأنبياء السابقين، وأنهم – الأنبياء- لم يكونوا من الملائكة أو الجان، بل كانوا بشراً أيضاً.

ولفظ ” الرجال” لا يعنى منه صفة الذكورية فقط، بل يراد منه توفر كل صفات الرجولة في النبي المرسل، فالنبي تتوفر فيه صفتان:

الأولى: صفة ذاتية، فهو مختارٌ من أفضل الناس.

والثانية: الوحي الذي يعتبر صفةً موضوعية للنبي.

  • فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

سؤال أهل الذكر سبيل للوصول إلى الحقيقة تكلمةً للمنجهية التي ذكرناها سابقاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الكهف: الآية 24