تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الخامس)

05/03/2018 نشر في: سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

صدق الله العلي العظيم 

 

حين يبحث الواحد منا عن مهندسٍ فإنه لا يهتم بالمظهر الخارجي للفرد بقدر إهتمامه بعلمه بالهندسة، وكذا حين مراجعة الطبيب سوف لا يجعل المريض الوسامة وحسن الهندام معياراً للطبيب، بل علمه بالطب ومدى تشخيصه للمرض.

ومشكلة البشر أنهم –وعبر التاريخ- خدعوا بالمظاهر وتركوا وعي الحقائق، فأعترضوا على الأنبياء مثلاً لعدم إمتلاك النبي أموالاً طائلة أو كنوزاً أو موقعية إجتماعية مرموقة، إذ ليس المطلوب من النبي هذه الأمور ليكون فقدانها عيباً فيه، نعم ربما هي مطلوبة للسلطان والحاكم ولكنها غير معتبرة في نبوة النبي، إذ المطلوب منه تزكية نفوس البشر وهدايتهم نحو الحق وتوجيههم إلى طريق الجنة، المطلوب منه أن يعلم البشرية ما يوصلهم إلى رضوان الله سبحانه.

بلى، هناك آية يستدل على صدق نبوة الأنبياء وهي آية عظيمة تتلخص في ” خواتيم الأمور”، حيث جعل الله سبحانه العاقبة للمتقين –وهم الأنبياء والأولياء- مهما كانت الظروف معاكسة، حيث تجد أن نبياً يواجه أعتى طاغوتٍ في عصره، وليس على بدنه سوى ثوب راعٍ وبيده عصى، ولكن النصر يكتب له في نهاية المطاف، فلم تكن الأموال ولا المظاهر معياراً لصدقه –كما طال وأن إنخدع الناس بهما – بل كان الإنتصار النهائي على الأرض، كما قال الله سبحانه: { وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرين‏}[1].

فالنبي صلى الله عليه وآله، كان يثق بربه – كما كان سائر الأنبياء- ولذلك تراه يقدم أهل بيته وأقرب الناس إليه في مباهلته مع نصارى نجران، وقد فطنوا أولئك لهذه الحقيقة أيضاً حيث قال قائلهم : أنظروا فإن جائكم محمد صلى الله عليه وآله بأصحابه فباهلوه ، ولكن إن جائكم بأهل بيته فلا تباهلوه فتهلكوا”، وحين شاهدوا النبي صلى الله علي وآله مقبلٌ ومعه عليٌ وفاطمة والحسنان عليهما السلام تراجعا عن المباهلة ودفعوا الجزية.

  • { وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

فليست الإمكانيات المادية معياراً، بل الرسل رجالٌ يوحي إليهم الرب لتبليغ رسالته وهذا هو الهدف من بعثتهم وهو الأساس.

  • {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}

من جملة ما تصلحه آيات سورة الأنبياء، أنها تصلح منهجنا في الحياة ومن ذلك منهجنا في التفكير، فالسؤال من أجل التعلم ليس عيباً، فمن يتحاشى السؤال كي لا يعيش في ذله ساعة، سيبقى في ذل الجهل دهراً.

والسؤال وحده ليس نافعاً إن لم يكن حسناً، وإن لم يوجّه لأهل، فلا ينبغي سؤال الجاهل، بل لابد من توجيه السؤال إلى العالم، فرجوع الجاهل إلى العالم أمرٌ فطر عليه الإنسان.

والعالم وحده لا يكفي، بل لابد من البحث عن عالمٍ عاملٍ بعلمه، نفعه علمه، لأنك لا تأخذ بنصح من لا يعمل بما يقول، كما العالم يرغبك في الآخرة وهو متشبث بالدنيا، والعالم العامل هو من أهل الذكر الذين يدعون إلى الله وحده لا إلى الذات أو الحزب.

وقد قال بعض المفسرين بأن المراد من ” أهل الذكر” أهل القرآن لأن القرآن الكريم هو الذكر، وبالرغم من صحة هذا التفسير إلا أنه يبدو لي أن أهله ليس كل من قرأه، بل من وعى القرآن بقلبه وطبقه في سلوكه.

وهكذا كان على المرء أن يحاول في إكتساب العلم بنفسه مهما أمكنه، فإذا وصل إلى ما لا يقدر على وعيه عليه أن يتوجه بالسؤال في النقاط الصعبة.

  • {وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8)}

الغاية التي جاء من أجلها الرسل هي الدعوة إلى الله سبحانه، فما ضيره بعدئذٍ أكل أو لم يأكل، وما الفرق حينئذٍ بين أن يكون خالداً أو لا يكون.

  • { ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ}

في نهاية المطاف صدق الله رسله وعده، فنصرهم على أعدائهم، وهكذا نصر الله سبحانه نبيه في مواقف كثيرة، بل حمله من إنتصارٍ إلى إنتصار.

والنظر إلى النهاية من أبسط المناهج وأشهرها في معرفة صحة أو خطأ الدعوة، فالذي يوصلك إلى الماء بدلالته تعلم صدقه فتتبعه في غيرها من القضايا، كذلك حين أنقذ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله العرب في أكثر من موقف لابد أن يثقوا بأنه لم يأت إلا لصلاحهم، وإحدى تلك المواقف حين أنقذ صلى الله عليه وآله أهل المدينة من الإنقراض، لأنهم كانوا محاطين بثلاثة أمور تهدد وجودهم:

الأول: اليهود الذين كانوا ينهشون بهم إقتصادياً.

الثاني: المعارك الدامية بين الأوس والخزرج.

الثالث: الأمراض القاتلة مثل الملاريا بسبب إنتشار المياه الأسنة فيها.

وقد جاء النبي صلى الله عليه وآله فصالح بين الأوس والخزرج، وملأ المستنقعات بالتراب وزرع مكانها النعناع، وطرد اليهود من المدينة أخيراً، فتحولت ” يثرب” إلى ” طيبة” لسيادة النقاء والمحبة بينهم.

  • {فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

فوعد الله سبحانه كان إنجاء النبي وكل من صدّق به، وفي المقابل إهلاك المسرفين، وفي عبارة ” أهلكنا المسرفين” إنذارٌ لكل من يبتعد عن الحق لأن مصيره هوالهلاك والدمار لا محالة.

ونستفيد هنا بصيرة هامة في حياتنا، بجعل الأهداف نصب أعيننا، دون أن نشغل ذهننا بالحواشي والمسائل الثانوية.

فإذا كان الهدف من الدرس التعلم، فلابد من البحث عن عالمٍ يعلمك جيداً، وإن كان هدفك القرب من الله فأبحث عمن يقربك إلى الله بقوله وفعله وإن لم يكن لديه المؤهلات المادية التي قد تخالها أساساً لما تروم إليه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة يونس: الآية 20