فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف  | بحث
كيف وجدتم اسلوب تفسير من هدى القرآن ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
بينات من الايات
[ 2] اليتيم هو أضعف الحلقات الاجتماعية ، و الولي عليه ( الوصي ) هو أقوى الحلقات في قدرته على أكل أمواله من دون رادع إجتماعي ، لذلك حذر القرآن الاولياء من ظلم اليتيم ظاهرا أو خفيا ، و الظلم الخفي هو تبديل أموال اليتامى بالتي هي أسوأ لحساب الولي عليهم .

ومن يأكل أموال اليتامى يتعود على التبذير ، لأنه يجد أمامه مالا لا تعب فيه فيلتهمه بدون تدبير ، فإذا انتهت أموال اليتيم دفعته عادة التبذير الى تبديد أمواله الخاصــة بذات الكيفية السابقة ، فإذّا به يخسر ماله الحلال أيضا . من هنا قال الله تعالى :


[ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم ]أي أنكم تبدأون باكل أموال اليتيم وتنتهون بأكل أموالكم :

[ أنه كان حوبا كبيرا ]

انه ظلم عظيم .


علاج اليتم :

[ 3] لحل مشكلة اليتم وضع الاسلام حلا أجتماعيا هو الزواج بالارملة " صاحبة الأيتام " .

ومن هنا نعرف ان فلسفة تعدد الزوجات هي حل لبعض المشاكل الاجتماعية .

ذلك أنه لا يوجد شاب يقدم على الزواج ابتداءا من أرملة عجوز الا اذا جعلها زوجته الثانية لكي يسترها ويحافظ على حقوقها و حقوق أبنائها ، لان الزواج من الام يعطي الزوج دافعا نفسيا الى المحافظة على حقوق أولادها ( اليتامى ) باعتبار أنهم سوف يصبحون كأولادهبالنسب ، وسوف ينفعونه عند الكبر ، و يرفعون أسمه عند الناس وهكذا .

من هنا ربط القرآن بين الخوف من ظلم اليتيم وبين تعدد الزوجات فقال :

[ وان خفــتم الا تقــسطوا فــي اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع ]ثــم عــاد و حـذر من الزواج بنية سيئة ، أو مع عدم القدرة على الوفاء بحقوق الزوجية فقال :


[ فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة ]

و عدم العدالة قد يكون بالاهتمام بزوجة وترك الاخريات كالمعلقات لا يحظين بحقوق الزوجية الجنسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، ولا هن مطلقات حتى يتزوجن غيره .

ومن الناس من يتزوج أرملة بهدف إلتهام أموالها ثم يتركها تعاني الامرين ، و لقد حذر القرآن من ذلك وأمر هؤلاء بالأقتصادر على زوجة واحدة .

[ أو ما ملكت إيمانكم ]

أي التسري بالاماء بهدف تفريغ الشهوة الجنسية ، و الامتناع عن الفساد ، وهذا جانب من واقعية التشريع الاسلامي الذي يمنع بشدة الفوضى الجنسية ، ومن جانب آخر يفتح طريق اللذة الحلال بالزواج أو الملك .

[ ذلك أدنى الا تعولوا ]

فالاكتفــاء بزوجة واحدة ، أو بالتسري بالاماء ، يمنع الميل عن الحق الى الباطل ، بينما تعدد الزوجات قد يتسبب في الظلم و الفقر و المسكنة .


المهر حق المرأة :

[ 4] بعد الحديث عن اليتيم جاء دور حقوق المرأة ، و أبرزها المهر ، لأنه مال ثابت تمتلكه أغلب النساء . فأمر الاسلام بأعطاء المهر للنساء ، وبين بذلك ان المرأة تمتلك تماما كالرجل ، سواء كانت متزوجة أم عانسا ، و قد كانت الانظمة البشرية تنفي حق المرأة فيالامتلاك خصوصا المتزوجة ، وقريبا جدا استطاعت المرأة الغربية ان تحافظ على حريتها في التملك بعد الزواج ، بالرغم من انالاسلام أعطاها هذا الحق منذ اليوم الاول .

و الواقع ان الجاهلية لا تستطيع إلا ان تظلم الضعفاء ، و المرأة هي العضو الضعيف في المجتمع ، ولا يزال العالم الغربي يظلمها في شخصيتها و حقوقها العامة .

و يسمي القرآن المهر صداقا ليبين فلسفته التي هي : المصادقة على عهد الزوجية ، ذلك ان الرجل يغري فتاة بحلم الزواج ، وعندما يقضي وطره منها يتركها للفحشاء ، فكان عليه ان يقدم دليلا على صدق حبه لها ، و حسن نيته في ادعاء الزواج ، و ذلك الدليل هو المهر ، من هنا قال ربنا :

[ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ]النحلة هي : العطاء ، أي قدموا لهن المهر عطاء لا رجعة فيه ، و الهنيء ما يسبب الراحة النفسية ، و المريء ما يسبب الراحة الجسدية .

ولا ريب ان المال الحلال الذي يأكله الانسان براحة نفسية يعطي الجسد راحة جسمية أيضا لطبيعة العلاقة بين النفس و الجسم .


البعد الاجتماعي في الحق المالي :

[ 5] المال حق من حقوق الفرد ، و لكنه ملك لجميع الناس ، و للناس أن يفرضوا الرقابة عليه لئلا يصبح أداة فساد ، و لذلك فإن السفهاء يحرمون من حق التصرف في أموالهم ، لان تلك الاموال هي أموال المجتمع قبل ان تكون للسفهاء .

ولأن المــال وضــع ليؤدي دور المنظم لانشطة المجتمع ، و الحافظ لجهود الناس ،فإذا استغله صاحبه في الفوضى و الفساد و السلبية و السرف فإنه يفقد دوره و يصيب الضرر جميع أبناء المجتمع ، و لنتصور سفيها بدأ يشتري البضاعة بأضعاف ثمنها ، انه سوف ينشر الخلل في موازين السوق ، وبالتالي يصاب الكثيرون من المحتاجين الى تلك البضاعة بالضرر الفادح .

من هنا يخط الاسلام خطا وسطا بين الرأسمالية و الشيوعية ، فيحفظ للفرد حقوقه ، و يعطيه دوافع للانتاج و مجالا للاختيار و التحرك ، كما يحفظ للمجتمع حقوقه في الرقابة على نشاطات الفرد ، و توجيهها حسب مصلحة الجميع و من أجل البناء و الازدهار .

من هنا تجد التعبير القرآني يؤكد على ان المال ملك للجميع بالرغم من ان السفيه مختص به أكثر من غيره ، و بين فلسفة ذلك بقوله :

[ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ]هذا الغني الذي يصرف أموال المجتمع على متعه الخاصة ، بينما كان عليه ان يصرفها في بناء المشاريع العمرانية و الانسانية ، و هذا المستكبر الذي يستثمر ثروته في محاربة الرسالة و مقاومة اصلاحاتها ، و هذا المترف الذي يشجع الفاحشة و يبني دور اللهو و البغاء والمخدرات ، و هذا المفسد الذي يحتكر التجارة لذاته ، و يعمل بطريقة أنانية تضر بمصلحة سائر التجار و الجماهير ، أنهم جميعا يتجاوزون حدهم ، و يتصرفون في أموال المجتمع بما يخالف النظام الذي يستقيم بالمال ، و يضارون بالناس . و هنا عليهم ان يقفوا ضدهم ويحجروا على أموالهم ولا يعني ذلك مصادرة أموالهم حتى لا يعطي ذلك مبررا لبعض المنتفعين بالحكومات ان يتهموا الناس ببعض هذه التهم لمصادرة أموالهم : كلا ... بل يعني وضع أموالهم تحت رقابة هيئة مخلصة تقوم هي باستثمارها في الصالح العام ، و تضع الارباح في


حسابهم ، بعد ان تأخذ من أموالهم قدرا معروفا لقاء أتعابها .

و تقوم الهيئة بتوجيه هؤلاء نفسيا ، و تحاول تربيتهم على الافكار التجارية السليمــة تمهيدا لاصلاحهم ، و اعادة أموالهم اليهم .

لذلك تجد القرآن يستخدم كلمة ( في ) و يقول :

[ و أرزقوهم فيها وأكسوهم ]

بينما كان من المنتظر ان يستعمل كلمة ( من ) وهذا التغيير جاء للدلالة على ضرورة صرف هذه الاموال في مصلحة السفهاء ، و الرزق هو مثل للحاجة الطبيعية بينما الكسوة مثل للحاجة الكمالية ( الاجتماعية ) .

ثم قال ربنا عن الجانب التربوي لهؤلاء :

[ وقولوا لهم قولا معروفا ]

حتى لا تتحطم نفسيتهم ، ولا يعودوا يصلحون للحياة ابدا .

يبقى ان نقول : ان السفيه هو الذي يخالف مصالحه الحقيقية حسب رؤية الشرع ، و مقياس العرف الصالح ، و القيام أستخدم في القرآن بمعنى النظام ، أو ما به استمرار الشيء و بقاؤه .


المراهقة الفكرية جذر السفه ...

[ 6] السفه قد يكون بسبب آفة عقلية أو نفسية تطرأ على صاحبة ، وقد يكون بسبب المراهقة ، وعن هذه الثانية تتحدث الآية :


[ و ابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فأدفعوا اليهم أموالهم ]فإنما يعاد لليتيم أمواله بعد أن يختبر ، ليكشف بلوغه سن النكاح و تمتعه بالرشد الكافي للتصرف في أمواله بما يخدم مصلحته ومصلحة مجتمعه .

ويؤكد القرآن هنا مرة أخرى ضرورة المحافظة على حقوق اليتامى و يقول :

[ ولا تأكلوها اسرافا و بدارا ان يكبروا ]

ذلك ان الذي يأكل أموال اليتيم يسرف فيها ، ويسابق الزمن في التهامها قبل ان يكبر اليتيم فيطالبه بالأموال ، بدارا : أي مبادرة قبل ان يكبر اليتيم .

ولكن مع ذلك يبقى لولي اليتيم الحق في أخذ أجرته في المحافظة عليه و على أمواله ان كان فقيرا أو محتاجا الى ذلك .

[ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم اليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ]أي ان الاهم من الاشهاد هو الوازع النفسي الذي يرى الله عليه حسيبا ، فيمنعه عن أكل مال اليتيم .


الارث لماذا ؟ لمن ؟ كيف ؟

[ 7] من مظاهر الاقتصاد الموجه الذي يؤمن به الاسلام هي حقوق الارث ، و التي تشجع الافراد على العمل و الانتاج باثارة غريزة حب الأبناء لديهم ، حتى إذا كان الفرد غنيا عن المال بالنسبة الى حاجاته الخاصة ، عمل من أجل أسعادابنائه بعد موته .

ثم ان الانسان معرض للموت في أية لحظة ، و قد تراوده فكرة خبيثة فيفكر : لماذا أعمل ولمن ؟

و بالرغم من بعض العادات و الانظمة الجاهلية التي منعت الارث عن النساء ، يؤكد القرآن هنا على مخالفة تلك العادات و الانظمة و يقول :

[ للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الاقربون ، و للنساء نصيب مما ترك الوالدان و الاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ]أي لكل رجل أو امرأة حق مفروض في تركة الميت القريب منهما في الرحم .

[ 8] وللمجتمع حق معلوم في تركة الميت ...

[ وإذا حضر القسمة أولوا القربى ]

ممن لا تربطهم بالميت صلة قرابة تقتضي توريثهم .

[ و اليتامى و المساكين فأرزقوهم منه و قولوا لهم قولا معروفا ]و القول المعروف هنا وفي كل مناسبة تشبه الارث يعني : ضرورة العمل من أجل رفع مستوى الطبقات المحرومة نفسيا و تربويا حتى لا يشعروا بالذل و المهانة ، بل و لكي يساعدهم مستواهم الرفيع على محاربة واقعهم ، و العمل الجاد على اصلاحه و تطويره .

فهذا اليتيم الذي اضطرته الحاجة المؤقتة الى ان يحضر قسمة الارث ، يرمق ببصرة تركة الأموات ، أنه سيصبح غدا شابا قويا قادرا على العمل البناء ، لولمتحطم نفسيته أيام فقره وحاجته ، ولو لم تحطم سمعته أمام الناس وينظر اليه كطبقة هابطة ومنبوذة في المجتمع ، وكذلك المسكين العاطل عن العمل اليوم قد يجد غدا عملا يناسبه ، فيصبح عضوا فعالا في جسم المجتمع ان لم يشعره المجتمع أيام مسكنته بأنه من طبقة منبوذة .


من هنا يركز القرآن على ضرورة اعطاء الطبقات المحرومة جرعات روحية بالاضافة الى توفيــر الحاجات المادية لهم ، لتساعدهم تلك الجرعات على مقاومة واقعهم بانفسهم ، اولا أقل لكي يحظوا بالسعادة من تقدير المجتمع لهم ، وعدم النظر الى وضعهم الاقتصادي المنحط .



كما تدين تدان :

[ 9] وبمناسبة الحديث عن الارث بين القرآن مرة أخرى حكم اليتيم باعتبار ان كثيرا من الاموات يتركون ذرية صغارا من ورائهم و يتعرض هؤلاء لطمع الجشعين ، و أخذ القرآن يحرك فينا خوفنا الفطري من الموت ، و ضياع ذريتنا من ورائنا وقال لو لم يحترم المجتمع حقوق اليتامى فكل فرد مهدد ان تغتصب حقوق يتاماه غدا كما يغتصب هو حق اليتامى اليوم . إذا ... فإن لم يكن لله فلأنفسنا نحافظ على حقوق اليتامى .

[ و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ]إذن فلا يظلمون ذرية الناس ما داموا هم أصحاب ذرية يخشون عليهم لوماتوا ... أفلا يعرفون ان من طرق باب الناس طرق بابه .

[ فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ]


فلا يخالطون في حساب الارث و يقسمونه بحيث يظلمون حق اليتامى .

[ 10] ثم هدد القرآن الحكيم الذين يأكلون أموال اليتامى و قال :

[ ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا ]ما هذه النار التي يأكلونها ؟ هل هي هذه المواد الحرام التي تتحول - بقدرة الله - الى نار لاهبة في يوم القيامة ؟ أم انها الالآم النفسية ومن ثم الجسدية التي تلاحقهم بسبب ظلمهم اليتامى ؟ أم انها الانحرافات الاجتماعية التي سوف تحرق حضارتهم وتخرب عمرانهمعاجلا أم آجلا ؟

المهم انها نار في الدنيا و سعير في الاخرة ... و كفى بذلك رادعا عن الاقتراب من حق الضعفاء .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف