فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف  | بحث
كيف وجدتم اسلوب تفسير من هدى القرآن ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
بينات من الآيات
[ 26] اخطر شــيء يهــدد قدرة الانسان على التفكير السليم هو الاستياء وهو حالة نفسية . تسجن العقل في زنزانة الذات و تصور له ان الفكر الصحيح و الرأي السليم هو ما يصنعه خيال الانسان نفسه ، وان الحياة لا عبرة فيها ولا معرفة . وهناك يستكبر الانسان على تعلم التجارب الجديدة وعلى الاستفادة من تجارب الاخرين او الانفتاح على معارفهم و علومــهم . ولكــي يصور لنا هذه الحالة و اثرها السلبي في قدرة الانسان على التفكر السليم ، يحدثنا عن قصة البعوضة انها صغيرة و متواضعة ولكنها قد تعلمنا اشياء كثيرة .

فاذا استكبرنا وقلنا ما قيمة البعوضة حتى نتعلم منها ، فأننا سوف لا نفهم شيئا الى الابد واذا طرحنا المسألة بشكل اخر و قلنا نحن جهلاء و العلم ينفعنا وما يضرنا لو اخذنا العلم من هذه البعوضة .

ولكن كيف ولماذا يستكبر البعض فيضلون وينحرفون ؟

الجواب .. ان سبب الضلال ، هو الفسق ، فالفاسق الذي لا يراعي حقوق الاخرين بل يحاول عبادة ذاته ، و التطواف حول مصالحه يدور معها اينما دارت ، هذا الفاسق هو الوحيد الذي يستكبر ، لانه لا يستطيع ان يرى الاخرين . لا يرى الا نفسه فقط وكأنها الوحيدة في العالم . فكيف يقدر على الانتفاع بتجارب الاخرين وهو لا يؤمن اساسا بوجودهم .

من هنا يربط منهج القرآن في العلم بين طائفة من الاخلاق وبين العلم - حسبما نشرحها في الآية التالية .

اما هذه الاية فتقول :

[ ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ]فمادام الله يحترم البعوضة ولا يستحي ان يضرب مثلا بها ، لانها تمثل جانبا من الحق ، و الله لا يستحي من الحق . فمادام الله ربنا لا يستحي ، فلماذا نستكبر - نحن البشر - على الاستفادة من البعوضة فما فوقها .

[ فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم ]

لانهم آمنوا ، ولانهم يقدسون الحق انى وجدوه حتى لو وجدوه في البعوضة الصغيرة .

[ وأما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا ]وكأنهم يستهزؤون بالبعوضة و يستصغرون شأنها ، يقول الله : كلا ان هذه البعوضة يمكن ان تكون موضع ابتلاء فتشكل خطا فاصلا بين طائفتين كبيرتين من الناس .

[ يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا ]


الذين يؤمنون يستفيدون من البعوضة لانهم يقدرون الحق و يقدسونه . واما الكافرون فيستكبرون فيتوغلون في الكفر .

[ وما يضل به الا الفاسقين ]

من هم الفاسقون ؟ في الآية التالية شرح لذلك .

[ 27] للفاسقين صفة نفسية واحدة . هي عبادة الذات . ولها مظاهر عملية كثيرة ابرزها ثلاثة :

الف : نقض العهد :

[ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ]

فهم لا يحترمون عهد الله و يضعون انفسهم فوق العهد المقدس .

باء : [ و يقطعون ما امر الله به ان يوصل ]

فلا يؤدون حقوق الناس من القربى و اليتامى و المساكين وغيرهم ، ولا يحترمون حرمات الناس التي يجب ان تراعى ، بل يدوسون عليها سعيا وراء مصالح ذواتهم و شهوات انفسهم .

جيم : [ و يفسدون في الارض ]

فلا يحترمون الحياة ابدا . فقد يحرق حقلا كاملا لكي يتمتع لحظة واحدة بمنظر النار تلتهم رزق الملايين . ان هذه الفئة لا تحترم الله ولا الانسان ولا الطبيعة . لانها لا ترى قدرا يغير ذاتها . وهؤلاء هم الذين يضلهم الله ، لانهم وضعوا انفسهم في معتقل انفسهمفلم يبصروا الا مصالحها . فكيف يمكن ان يفهموا الحياة ، هل يستطيعون ان يخدموا انفسهم بهذه الطريقة كلا ، بل :

[ اولئك هم الخاسرون ]

سرعان ما يلعنهم الله و الناس و تلفظهم الطبيعة لفظا .

[ 28] عبادة الذات خطأ . لانها تؤدي ببساطة الى الجهل و الخسران ، بينما كان يجب ان ينطلق الانسان في تقييمه للحياة ، وفي عمله فيها من نقطة اخرى هي الايمان بالله . لان الله في الواقع هو الذي خلق الذات ، و خلق الحياة ، وهو ربهما الاعلى .

[ كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فأحياكم ]

متى وكيف وبماذا احيانا الله لايهمنا ذلك انما الذي يهمنا الان اننا كنا في التراب الميت . في الماء وفي الهواء فاصبحنا الان احياء .

[ ثم يميتكم ثم يحييكم ]

عند البعث الاكبر .

[ ثم اليه ترجعون ]

للحساب .

[29] ولم يتركنا بعد الحياة عبثا انما شملت رحمته كافة جوانب حياتنا .

[ هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ]

خلقــها و خلقــنا بشكل نستطيع ان نسخرها في خدمتنا . اوجد المعادن في الجبال ، و اعطانا القدرة علــى تحويلــها الى ادوات في سبيل راحتنا . و خلق ينابيع الماء ، و منابع النفط ، و مناجم الفحم ، ومعادن الذهب و النحاس في باطن الارض ، و اعطانا القدرة على استخدامها .. فكيف نعبد انفسنا ولا نعبد الله . دعنا نخرج من ذواتنا ، و نعيش مع ما خلق لنا الله في الارض .

[ ثم استوى الى السماء ]

و توجه اليها بقدراته الواسعة .

[ فسواهن سبع سماوات ]

سماوات عديدة لا نعرف عنها الا قليلا ..

[ وهو بكل شيء عليم ]

فانــه قديــر و عليم ونحن ضعفاء و جهلاء ، دعنا اذا نعبده لنكتسب القدرة و العلم . هذه القدرة و العلم هما الميزتان الرئيسيتان للانسان .

كيف كان ذلك ؟

في الآيات التالية قصة ذلك .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف