فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف  | بحث
كيف وجدتم اسلوب تفسير من هدى القرآن ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
بينات من الآيات
[ 30] لنستمع الى ذلك الحوار الملهم :

[ واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك ] .

ماذا تعني كلمة الخليفة ؟ يبدو ان الارض كانت مسكونة فأبيد سكانها فأراد الله ان يجعل فيها من يسكنها من خلفهم ، اي من بعدهم وكذلك فان الكلمة لا تعني ان الانسان خليفة الله اي نائب الله و وكيله في الارض ، اذ ان الله لم يمت حتى يخلفه احد .

ولكن كيف عرف الملائكة : ان الانسان سيفسد في الارض ، هل عرفوا ذلك بالقياس الى سكان الارض من قبل الانسان ؟ ام لانهم اكتشفوا ذلك بعد ان عرفوا طبيعة الانسان المزودة بالعقل و الشهوات ، لا ندري المهم انهم اعترضوا على الله ، لانهم زعموا ان الله لا يخلق الخلق الا لكي يقدسوه و يسبحوا بحمده . فقال لهم الله : كلا .

[ قال اني اعلم مالا تعلمون ]

[ 31] [ و علم ادم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبؤني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين ][ 32] [ قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم ][ 33] [ قال يا ادم انبئهم بأسمائهم فلما انبأهم بأسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات و الارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ]خلق الله ادم و حمله علما ، فعرف الملائكة ان حكمة الخلق ليست هنا الطاعة وحدها ، بل الطاعة بعلم و وعي فسحبوا اعتراضهم .

ولكــن ما هي الاسماء التي علمها الله لادم ؟ هل هي اسماء مجموعة من الناس ، ام مجموعة من الاشياء ؟ ربما تكون الاسماء في التعبير القرآني هي العلوم ، لان العلم لا يصل الى الحقيقة الاشياء بل يكشف خصائصها و علائمها ( اسمائها ) فقط لذلك عبر القرآن عن العلوم بالاسماء . ولكن لماذا قال الله اسماء هؤلاء ولم يقل اسمائها او اسماء هذه ، اشارة الى اشياء الطبيعة ؟ في بعض النصوص : ان كلمة هؤلاء اشارة الى النبي محمد وآله ، عليه وعليهم صلوات الله و سلامه ، باعتبار ان الرسول و خلفاءه هم الصفوة المختارة من ابناء آدم (ع) وبالتالي موضع تجلي حكمة الله من الخلق . اوليس رسولنا الاكرم آية عظمة الله وهكذا خلفاؤه المعصومون وهناك رأي آخر هو ان الآية تشير الى الملائكة انفسهم - و الملائكة بدورها مهيمنة على قوى الطبيعة - و معرفة اسماء الملائكة تعني العلم بخصائص الاشياء وعلامات قوى الطبيعة .

وحين قال الملائكة سبحانك ، عبروا عن مدى تقديسهم لله وانه وحده الكامل اما هم فضعفاء ولا علم لهم .

ولعل في الآية الآخيرة دلالة على ان الملائكة كانوا قد اضمروا اشياء اخر وراء اعتراضهم . ربما اضمروا نوعا من الحسد - تجسد بعدئذ في ابليس حين استكبر عن السجود - ولذلك قال الله سبحانه :

[ و اعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ]

وفي القصة كلها رمز آخر لابد ان نفصل القول فيه :

ان الملائكة هي المخلوقات الموكلة بالحياة فهناك ملائكة الرحمة وهناك ملائكة الغضب و ملائكة المطر و البحر و السحاب . و سجودهم لآدم ( عليه السلام ) هو رمز تسخير الطبيعة له .

وهناك احاديث تدل على وجود ملائكة موكلين بالطبيعة نذكر فيما يلي طائفة منها :

1 - في المناقب و تفسير القمي يروي صاحب تفسير الصافي عنهما في تفسير هذه الاية " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله " فيقول : من ان يقع في ركي ( ركي : البئر و جمعه ركايا ) او يقع عليه حائط ، او يصيبه شيء حتى اذا جاء القدر خلوا بينه ، و بينه يدفعونه الى المقادير ، وهما ملكان يحفظانه بالليل و ملكان بالنهار يتعقبانه (1)2 - في قوله : " و يسبح الرعد بحمده ( الرعد / 13 ) روي عن النبي (ص) انه سئل عن الرعد ، فقال : " ملك موكل بالسحاب " (2)3 - القمي عن الصادق (ع) : " ان أمير المؤمنين (ع) سئل عن : الذاريات ذروا ، قال : الريح ، وعن الحاملات وقرا ، قال : السحاب ، وعن الجاريات يسرا ، قال : هي السفن ، وعن المقسمات امرا ، قال : الملائكة " (3)4 - عن الرضا (ع) في قوله فالمقسمات امرا ، قال : " الملائكة تقسم ارزاق العباد بين بني آدم ، ما بين طلوع الفجـر الـى طلــوع الشمــس ، فمــن نـام فيــما بينــهما نــام عــن رزقه " (4)5 - عــن أمــير المؤمنين (ع) في حديث طويل يصف الملائكة ويعدد الحجب قال : " كل حجاب منها سبعون الف ملك ، قوة كل ملك قوة الثقلين ، منها ظلمة ، ومنها نور ، و منها نار ، ومنها دخان ، ومنها سحاب ، ومنها برق ، ومنها مطر ، ومنها رعد ، ومنها ضوء ، ومنهــا رمــل ، ومنــها جبــل ، ومنها عجاج ، ومنها ماء ، ومنها انهار .." (5)وهناك احاديث كثيرة تتحدث عن الحفظة ، ملائكة الليل و النهار ، ملك الموت ،(1) تفسير الصافي / ج 3 / ص 61

(2) نفس المصدر / ج 5 / ص 67

(3) المصدر / ج5 / ص 67

(4) المصدر

(5) المصدر


الرسل الذين يرسلون لنصرة المؤمنين ، و انزال السكينة عليهم . وهي تدل على ان الطبيعة وكل بها الملائكة . وهكذا سخر الله الطبيعة للبشر بعد ان زوده بالعلم و اسجد الملائكة لادم عليه السلام بسببه .

[ 34] [ واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ]

السجــود هـنا رمز الخضوع كما كانت الملائكة موكلة بالقوى الطبيعية في الحياة . و امر الطبيعة ان تسخر للانسان فاستجابت كلها ، ولكن بعضها لم يستجب فما هو ذلك البعض يقول الله سبحانه :

[ فسجدوا الا ابليس ابى و استكبر وكان من الكافرين ]من هو ابليس ، ولماذا لم يسجد ، ولماذا استكبر ؟ في الايات التالية اجابة لهذه الاسئلة ولكننا نستبق السياق لنقول : ان لكل جانب من قوى الطبيعة ملكا موكلا به ، و الملائكة كلهم سجدوا لادم ، ومن خلالهم سخرت قوى الطبيعة كلها للانسان ( بالعلم ) ، ولكن هنالك ما وكل بقوة طبيعية لم يسجد للانسان ، وعلى الانسان ان يخضعه و ليضمن سجوده فمن هو ؟ وماذا يمثل من الطبيعة ؟

انه ابليس ، الموكل بطبيعة الانسان ذاته ( النفس الامارة بالسوء ) .

فاذا اخضع الانسان طبيعته التي وكل بها ابليس ، وجعلها تسجد له انئذ استطاع ان يسخر الحياة كلها .

بيد ان اكثر الناس يغفلون عن هذه الحقيقة فتصرعهم طبيعتهم ، ومنهم بالطبع ابونا آدم في قصة الخطيئة الاولى فلننظر كيف صرعته طبيعته ، و خدعه ابليسه ؟

[ 35] [ وقلنا يا ادم اسكن انت و زوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ][ 36] [ فازلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ]ان ابليس ازل أبانا آدم و زوجه ، ولكن بماذا ، بتلك الطبيعة الموجودة عندهما ، فأخرجا من الجنة و ابعدا عن الطبيعة المسخرة لهما . وهكذا سوف يزل ابليس ابناء آدم ، و يبعدهم عن الجنة في الاخرة ، وعما سخر الله للانسان في الحياة من النعم . اذا اطاعوه .


ما هي هذه الشجرة التي نهى الله آدم عن الاقتراب اليها ، هل كانت شجرة التفاح ، ام العنب ، ام كانت الحنطة ، ام ماذا ؟ ليس المهم ان نفهم ذلك بل المهم ان نعرف العبرة من وراء القصة ، وهي : ان في الطبيعة اشياء تضر الانسان وقد نهى الله عنها ، وعلى الانسانان يبتعد عنها حتى يتمكن من الاستمرار في تسخير الحياة . ولكن ابليس يثير النفــس الامــارة بالسوء ، ولا يدع الانسان حتى يدفعه الى تلك الاشياء المنهي عنها الضارة . وهنا يطرح هذا السؤال :

كيف يخرج الانسان من جنة النعم حين يرتكب الخطيئة و يتبع الشيطان و النفس الامارة بالسوء ؟

الجواب هناك طرق شتى : ولكن ابرزها هبوط الانسان الى مستنقع الخلافات البشرية حيث يبدأ الناس بظلم بعضهم البعض .

[ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين ][ 37] وفي مواجهة الصراع بين البشر بعضه مع البعض ، وفي مواجهة الطبيعة الشريرة المدعومة بأبليس في داخل النفس البشرية ، يصاب الانسان بالضعف و الجهل . وهنا تسعفه رسالات الله بالهدى ، فمن تمسك بهذا الهدى نجى ، ومن لم يتمسك ضل ضلالا مبينا .

اما ابونا آدم - عليه السلام - فقد تمسك به جيدا مما يثير بان المطاف سينتهي بانتصار الانسان على طبيعته الشريرة بفضل هدى الرب سبحانه .

[ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم ]ماذا كانت تلك الكلمات لعلها كانت رسالة الله الى آدم حسب حاجاته و حاجات مجتمعه الناشيء ، وفي النصوص المأثورة : انها كانت اسماء النبي محمد (ص) وآله حيث دعا بهم آدم ربه فاستجاب له دعاءه .

[ 38] و اصبحت تلك سنة الله تعالى انه يبعث رسالته الى الناس لينقذهم من طبيعتهم الشريرة ومن صراعهم مع بعضهم ..

[ قلنا اهبطوا منها جميعا فأما يأتينكم مني هدى ]

فعلى الجميع اتباع ذلك الهدى .

[ فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ]

من المستقبل .

[ ولا هم يحزنون ]

للماضي .

[ 39] [ و الذين كفروا و كذبوا بآيتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون ]وهذه هي عبرة القصة كلها .. ان الله سخر للانسان ما في الارض بالعلم ، ثم سلط عليه ابليس ، و المنقذ من ابليس هو هدى الله فمن تبعه نجى ، ومن كفر و كذب به فان مصيره الى النار خالدا فيها . الا ان يتوب الى الله قبل فوات الاوان .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف