المقالة:
|
قبل |
بعد
|
| عناوين المقالات
| عناوين جميع المقالات
|
|
معالجة الإسلام للفقر
|
مشكلة الفقر لا تقل خطورة عن بقية المشاكل التي تهدد كيان المجتمع الإسلامي وتنخر فيه، إذ ان الفقر على ما جاء في تعاليم الدين يهدم الدين ويذهب بالعقل ويشطب على التقوى والفضيلة، ويحمل على الفجور والإثم، فلا يبقى مع هذه التبعات مجال للتقوى والخير اللذان هما حجر الأساس لبناء الصرح الإسلامي الشامخ!
وعلى هذا، فقد تصدى الإسلام للفقر وأولاه اهتماما خاصا، فوضع له الحلول الدقيقة، ليجنب الأفراد ويلاته، فإن البطون إذا جاعت، والحاجة إذا الحت، فقد يخرج الإنسان عن طوره ويصبح كالوحش الكاسر، لا تقف امامه أي عقبة من العقبات.
وقبل الخوض في معالجة الإسلام للفقر، لا بأس بأن نتطرق إلى بعض الحلول التي وضعها المفكرون لمعالجة هذه المشكلة، واهمها -الرأسمالية والماركسية- فقد وضعتا فعلا في مرحلة الاجراء والعمل في فتراث طويلة من الزمن، وكلا المذهبين يرتكز على نظرة فردية، ويعتمد على الدوافع الذاتية والأنانية.
فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته، فتضمن له حرية الاستغلال والنشاط في مختلف الميادين، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حين وظلم نتيجة لتلك الحرية التي أطلقتها لذلك الفرد مادام الآخرون يتمتعون بالحرية مبدئيا، كما يتمتع بها الفرد المستغل.
وعلى أرض الواقع، فإن الرأسمالية قد طرحت برامج لحل مشكلة الفقر في العالم وأسست بذلك المنظمات المختلفة من قبيل الصليب الأحمر الدولي، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، والمنابع المالية المنبثقة عن الأمم المتحدة والتي تهدف إلى ايصال المعونات الاقتصادية والغذائية إلى الشعوب الفقيرة، ولكن هذه البرامج يمكن مشاهدة نواقص كثيرة فيها منها:
أ- البرامج المطروحة قليلة جدا ولا تتناسب مع نسبة الفقر في العالم، ولهذا فإنها لم تقض على مشكلة الفقر بشكل جذري ونهائي.
ب- المساعدات التي تمنح للدول والشعوب عادة ما يكون لأغراض سياسية وليست إنسانية، فإنها تمنح للدول الفقيرة شريطة ان تصب لصالح الدول الممولة لهذه المؤسسات، وفي غير هذه الصورة، فإنهم يمتنعون عن المساعدة.
وتنحو الماركسية منحى آخر في تكريس الدوافع الذاتية، فتركز دعوتها على أساس إثارة الدوافع الذاتية والأنانية في الشعوب الرازخة تحت نير سلطتها وتؤكد على ضرورة اشباعها، وتسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية هذه الدوافع بوصفها القوة التي يستخدمها التاريخ في تطوير نفسه، حتى تتمكن من تفجيرها تفجيرا ثوريا، وتشرح لأولئك الذين تتصل بهم: ان الآخرين يسرقون جهودهم وثروتهم افلا يمكن لهم ان يقروا هذه السرقة بحال، لأنها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص.
والماركسية كانت تعتقد ان المشكلة الرئيسية للفقر تكمن في الملكية الشخصية واذا تم القضاء على هذا المعضل، فإن المشكلة سوف تضمحل وتزول. ومن أجل تنفيذ هذه السياسة فإنهم حكموا الناس الخاضعين لسلطتهم سبعين عاما، وقتلوا ملايين البشر، وارتكبوا الجرائم البشعة، وتحملوا خسائر مادية فادحة، واطلقوا شعارات براقة، وواعدوا البشرية بحياة مرفهة، حتى انهم بشروا بالجنة، وادعوا ان الجنة التي بشر بها الأنبياء ما هي الا حصيلة سياستهم التي فيها خلاص الدنيا من الفقر والفاقة، بيد انهم وبعد مرور سبعين عاما على تجربتهم اعترفوا بالهزيمة، وتبعا لذلك فقد تهاوت عروش الماركسية على رؤوسهم، وان الجماهير التي كانت ترزح تحت سلطتهم قد تنفسوا الصعداء، وتخلصوا من هذا الكابوس المرعب إلى غير رجعة.
وهكذا نجد ان الوقود الذي يعتمد عليه المذهب الماركسي هو نفس الدوافع الذاتية والفردية التي تتبناها الرأسمالية، فكل من المذهبين يتبنى إشباع الدوافع الذاتية وينميها، وانما يختلفان في نوع الأفراد، الذين تتجاوب دوافعهم الذاتية والأنانية مع هذا المذهب أو ذاك.
وعلاوة على ما ذكر ان المال في الأنظمة المادية هو سيد الموقف، وهو مسيطر على كل شيء حتى الأنفس، لأن المال في الاصطلاح الاقتصادي المعاصر وسيلة أو أداة لجلب المال.
أما المذهب الإسلامي فهو المذهب الجماعي الذي يعتمد على قوى غير الأنانية والدوافع الذاتية، ان هذا المذهب الذي يربي في كل فرد شعورا عميقا بالمسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه، ويفرض عليه لذلك ان يتنازل عن شيء من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين، لا لأنه سرق الآخرين وقد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة، بل لأنه يحس بأن ذلك جزء من واجبه، وتعبير عن القيم التي يؤمن بها، حيث ان المذهب الجماعي هو المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين وسعادتهم لا بإثارة دوافعهم الذاتية، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع، وتفجير منابع الخير في نفوسهم.
لقد تناول المشرع الإسلامي مسألة الفقر، فرسم لها الخطوط العريضة واعتمد فيها على الأسس الرصينة، ليخفف بذلك الضغط عن الطبقات الضعيفة، بأن جعل لهم حقا في أموال الأغنياء، ويتمثل هذا الحق بجعل الزكاة والخمس الواجبة والنفقات التطوعية، وبتطبيق هذا القانون لم يبق فقير يعاني ما يخلفه الفقر من مصاعب وحرمان.
فالإسلام يقول أعط الفقير والمستحق ما تسد به حاجته من الطعام واللباس والسكن وغيرها، وأعطه من الزكاة حتى تغنيه، وأعطه حتى يصير مكفي المؤونة لمدة سنة، وأعطه حتى يأكل منه ويشرب ويكتسي ويتزوج ويحج ويتصدق ويسدد دينه، وأعطه حتى يوسع على عياله في طعامهم وكسوتهم حتى يلعقهم بالناس.
والاسلام عندما يقوم بهذه الحملة الإعلامية الواسعة لموضوع الانفاق من خلال الآيات والأخبار الدالة على التشجيع إلى الانفاق، وكذلك التأنيب أو حتى الترهيب على عدم الانفاق يهدف من هذا كله حث المسلمين على التسابق إليه وإسراع الخطى نحوه، انه لا يقصد من وراء ذلك اعطاء الفقير المال وانعاشه ماديا، وتخليصه من ويلات الفقر فحسب، بل انه يرنو إلى ان يجعل من هذه العملية قضية اصلاحية لكلا الطرفين، المعطي والفقير.
المعطي: ليهذب نفسه ويصقلها ويروضها على فعل الخير والشعور بأن ما أعطاه الله من مال ليس له فقط، بل له وللآخرين عبر رصيده وتملكه، فهو يريد من صاحب المال ان يبقى دائما بجانب الآخرين يتحسس آلامهم ويعيش مشكلاتهم، كما لو كانت قد حلت بأسرته وعائلته.
وأما الفقير فليفهم بأن هذا الاهتمام به ليس لسد جوعه، وان يملأ ما في بطنه من فراغ فقط، بل ليشعره بأنه لم يترك في هذه الحياة وحيدا يعاني لوحده الأنواء والهزات التي تعاكس طموحه في العيش في هذه الحياة، بل هناك من يقف إلى جانبه، ويمد له يد الحنو والعطف لينجبه مما هو فيه ويلقي به على ساحل العز والكرامة والمجد.
والذي يفهم من مجموعة التعاليم الإسلامية التي جاءت بصدد تحسين الوضع الاقتصادي للأمة واقتلاع آفة الفقر من أوساطهم، وهناك نقاط نذكر منها:
1- قيام أجهزة الدولة المرئية والمسموعة بنشر فضائل الانفاق لحث الأغنياء في البذل والعطاء.
2- توفير الأمن والهدوء والاستقرار حيث لا يمكن تصور حدوث التنمية الاقتصادية والثقافية والسياسية بدونه.
3- مكافحة بؤر الفساد والفقر والضياع المتمثلة بالاستعمار واذنابه المتكاثرين والطغاة والظالمين والقضاء عليهم.
4- اطلاق حرية الصحافة وابداء الرأي والنقد البناء ضمن الأطر الشرعية، إذ ان الديكتاتورية مرتع خصب لبروز الفقر والرذيلة.
5- الاستثمار في الدول الإسلامية وتقوية العملة المحلية والحد من التضخم والاحتكار.
6- التأمين الاجتماعي والصحي لعامة أبناء المجتمع لاسيما ذوي الدخل المحدود من العمال والموظفين وما شابه ذلك.
7- الضمان الاجتماعي للمقعدين.
8- تهيئة فرص العمل والتحصيل العلمي والتحقيق لجميع قطاعات المجتمع.
9- تحسين الانتاج المحلي والتوزيع العادل للثروة الناتجة من النفط والمعادن والضرائب.
10- التقليل من الروتين الإداري وتقليص الموظفين وزجهم في ميادين الصناعة والزراعة والإنتاج.
11- الاكتفاء بالحياة المقتصدة والاعتدال في الامتلاك لدى الموسرين.
12- التناسب والتقارب في الاستهلاك بين الغني المعطي والفقير الآخذ.
13- اصلاح الأراضي الزراعية وتوسيع شبكات الثروة الحيوانية والسمكية والدواجن.
14- التوزيع العادل للخدمات العامة بين كافة طبقات المجتمع وتقليل الهوة خصوصا بين المدن والأرياف.
|
|
|
المقالة:
|
قبل |
بعد
|
| عناوين المقالات
| عناوين جميع المقالات
|
|