المقالة:
|
قبل |
بعد
|
| عناوين المقالات
| عناوين جميع المقالات
|
|
قراءة في سورة المجادلة آفاق تنمية الوعي الديني في النفس
|
للنفس حرم تنطوي فيه وتتحصن داخله عن بصائر الوحي وضياء العبر والعظات؛ ومالم يخرق الإنسان بعزائم اليقين حجب النفس إلى حرمها، فإنه لن يفلح. ولكن كيف يتم ذلك، وبماذا؟
إنما بمعرفة الرب جل جلاله، وانه سميع بصير. ان وعي شهادة الله على كل شيء كفيلة بتنمية الوعي الديني في النفس، هنالك في تلك الأغوار التي تنضج قراراتها وتتحدد وجهتها ربما بعيدا عن وعي صاحبها، هنالك يصلح الإيمان ما تفسده وساوس الشيطان.
ولعل في سورة المجادلة نورا نافذا إلى ذلك البعد الباطن، إلى ذلك الغور العميق، إلى ذلك الحرم المستور في النفس البشرية؛ وهذا الإطار يجمع بين محاور السورة التي تتراءى بادئ النظر انها متباينة. كيف ذلك؟
1- في فاتحة السورة، وفي بداية الجزء الثامن والعشرين من الذكر الحكيم يتلو علينا الرب كلمة السمع. فالله تعالى سمع قول التي جادلت الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في قصة الظهار، واشتكت إلى الله، وسمع تحاورهما والرسول، وانه سميع بصير.
2- وبعد ان يسوق الذكر أحكام الظهار ويحدد كفارته، يقول: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله)، مما فسر بأنه يعني تنمية روح الإيمان، لأن المفروض أنهم مؤمنون.
فإذن الحكمة من الكفارة تنمية الإيمان في النفس، على ان الظهار يتم في العلاقة الزوجية التي هي من الأمور الشخصية والمستورة عادة، وانه موقف خاص لا يمكن ضبطه الا بالإيمان وبروح التقوى، كما ان كفارته كبيرة، والدافع الجنسي الذي يقف الظهار دونه متصاعد. وضمن هذه الظروف لا ينظم العلاقة سوى الوازع النفسي الذي تصنعه معرفة الإنسان بربه وبأنه سميع بصير.
3- وبعد ان ينذر السياق الذين يتجاوزون حدود الله (ومنها أحكام الشريعة في الظهار) يذكرنا بيوم البعث، حيث ينبيء الله الكافرين بما عملوا، ويبين انه قد أحصى ما لم يحفظوه، وأنه شاهد على كل شيء. وكل هذه البصائر تنمي روح التقوى في النفس، ليس في أبعادها الخارجية، بل في حرمها المستور.
4- وعبر أربع آيات بينات يعالج الذكر الحكيم موضوع النجوى الذي يتصل بتنمية الوعي الإيماني في النفس، مؤكدا -أولا- ان الله سبحانه حاضر عند كل نجوى؛ فما من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم، ولا خمسة الا هو سادسهم. ثم ينذر الذين يتناجون بالإثم والعدوان، ويتحدون عذاب الله، ويكفرون بالنذر، قائلين: لماذا لا يعذبنا الله بعد التناجي؟ حسبهم جهنم. ويرسم القرآن حدود النجوى المسموح بها، وذلك عندما يتم التناجي بالبر والتقوى. وينفي أي أثر لتناجي الكفار، ويأمر المؤمنين بالتوكل على الله.
ومن الواضح ان التقوى هي وحدها التي تضبط النجوى من الانحراف في الإثم والعدوان ومعصية الرسول. وبما ان هدف تناجي الكفار التعالي، يوصي ربنا عزوجل المؤمنين بالتواضع لبعضهم بالتفسح في المجالس، وتركها إذا أمروا بها، ويبين ان الله تعالى هو الذي يرفع المؤمنين وأهل العلم درجات (بدرجات إيمانهم وعلمهم)، وانه ليس انتخاب المجالس القريبة من القيادة أو طول المكث عندها سبب التعالي كما يحسب الكفار والمنافقون.
ويأمر المؤمنين بإيتاء الصدقة قبل تناجي الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، (لكي لا يتسابقوا إلى ذلك طلبا للفخر)، ثم يتوب عليهم رعاية لهم لأنهم اشفقوا عن تقديم الصدقات.
5- ويعالج السياق بعدئذ موضوع البراءة من الكفار، الذي يتصل أيضا بالوعي الإيماني، وينذر المنافقين الذين يتولونهم واقعا، ثم يتخذون إيمانهم جنة حيث يحلفون على الكذب أنهم مؤمنون حقا، (كل ذلك طلبا للثروة والقوة، ولا يعلمون انهما لا تنفعانهم شيئا).
ويبين القرآن ان الأموال والأولاد لا تنفع يوم القيامة، حيث يبعثهم الله ليحاسبهم فإذا بهم يحلفون له عبثا، كما يحلفون للمؤمنين في الدنيا.
6- وما يفرق بين المؤمن والمنافق ليس تلك المظاهر (مناجاة الرسول، والتقرب المكاني منه، والتأكيد على صدق الإيمان بالحلف الكاذب)، إنما هي تلك الحقائق (التحسس بشهادة الله، والكفارة عند الظهار، ومراعاة حدود الله وأحكامه، والتواضع لأولياء الله، والبراءة من أعداء الله)؛ وبها يتميز حزب الشيطان عن حزب الله، فإن حزب الشيطان هم الخاسرون، وهم الذين يتجاوزون حدود الله (ويتولون أعداء الله). ولقد كتب الله بغلبة رسله، وأكد ان المؤمنين حقا لا يتولون من حاد الله حتى ولو كانوا من ذوي قرباهم، لأن الله تعالى قد ثبت قلوبهم على الإيمان، وأيدهم بروح منه، وأعد لهم جنات خالدين فيها، وقد رضي عنهم ورضوا عنه، واعتبرهم من حزبه، الا ان حزب الله هم المفلحون.
|
|
|
المقالة:
|
قبل |
بعد
|
| عناوين المقالات
| عناوين جميع المقالات
|
|