المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
ما هو تقييمكم للمقالة ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
المجتمع الإنساني
مقومات الوجود وعلائم الحياة الحقيقية
يفسر علماء الاجتماع كلمة (المجتمع) بأنها تعني تجمعا إنسانيا يلتقي على قواسم مشتركة كالعادات المتماثلة والقوانين الاجتماعية الواحدة إضافة إلى المصالح المشتركة التي تجعل من تجمعهم أمرا مصيريا قائما على دوافع واقعية وجدية راسخة.
ويضيف أولئك العلماء إلى تلك القواسم المشتركة شرطا آخر يتمثل بالاستعداد للتغير والتطور ويرون ان مثل هذا الأمر لا يمكن ان يتحقق بدون التعامل المسؤول والواعي مع عامل الزمن فالتجمعات الإنسانية التي لا تستجيب لحركة الزمن والتي ليس بمقدورها التعبير الميداني والحضاري عن تلك الإستجابة لا يمكن ان يدلل وجودها وحضورها الاجتماعي على كلمة المجتمع بالطريقة العلمية والمنطقية.
ولو أخذنا على سبيل المثال المجتمعات البدائية وهي المجتمعات المعروفة بجمودها وعجزها عن الإستجابة لمنطق التطوير والتغيير سنجد أنها أي هذه المجتمعات تمثل مرحلة إنسانية تتحجر الصفات الاجتماعية فيها وتتوقف قدرتها على التجديد إلى الدرجة التي ينعدم في حياتها التأثير الحقيقي للزمن وتبدو تلك الحياة وكأنها مقاطع متناسخة ومتكررة حتى وان كان الفارق بينها ركاما هائلا من الزمن. ولعل مثل هذه الحقائق تبدو أكثر وضوحا إذا عرفنا ان طبيعة التغيير في حياة الأمم والشعوب انما هو حصيلة حاصل لتوجهها الثقافي وفاعليتها الفكرية ومن هنا فإن أي غياب لذلك التغيير والتطوير سيعني بالتأكيد غياب التوجه الثقافي والفاعلية الفكرية وبالتالي فإنه يعني خروج الجماعة الإنسانية من الإطار التكاملي والواقعي لكلمة (المجتمع).
ومن هنا يمكننا القول ان المجتمع هو (الجماعة الإنسانية التي تتطور إبتداء من نقطة يمكن ان نطلق عليها مصطلح (ميلاد)). ولاشك ان كلمة ميلاد هنا تعني بالضرورة وجود الحياة الحية والفاعلة والقادرة على التفاعل مع الزمن من خلال الاستجابة القوية لتأثيراته وتبدلاته والتكيف مع قوانين النمو والتطور والملاحظ ان القرآن الكريم يجمل في عدد من آياته التفاصيل المترتبة على العلاقات الإنسانية داخل المجتمع الواحد بكلمة (امة) في الوقت الذي تقترن فيه هذه الكلمة بشخص واحد باعتباره يجسد في شخصه صورة المستقبل القائمة على التجديد والتغيير كما في قوله تعالى: (ان إبراهيم كان أمة) وهي إشارة إلى تماثل عناصر الابداع المتصورة في وجود أمة بشخص النبي القادر على حمل رسالة التغيير والتعامل مع الحياة والزمن بطريقة متقدمة. فالزمن هنا يأخذ موقعا مهما في معادلة التغيير المطلوبة وذلك ما لا يمكن الإحاطة به والقدرة على استيعابه بمعزل عن الجوانب النفسية والاجتماعية في طريقة التفاعل والتعامل معه (ومن هذا الوجه يصبح المجتمع هو: الجماعة التي تغير دائما خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير، مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير).
ان الفهم السطحي لمصطلح (المجتمع) وافراغه من محتواه الحقيقي يعني التفريط الخطير بالمقومات الأساسية والتهميش الواضح لدوره كقوة حية قادرة على التفاعل والتأثير ولذا فإن المجتمع لا يعني المفهوم الكمي المنغلق والوجود العددي المجرد من أبعاده النوعية الحيوية بمعنى آخر هو تنظيم إضافة إلى كونه مجموعة من الأفراد فضلا عن كونه تنظيم قائم على الحركة الهادفة والغائية المتسامية وبناء على ذلك يمكننا القول ان الأمة المؤهلة للدخول في إطار هذا المصطلح هي الأمة الحية المتضامنة والمتوافقة على حركة غنية قادرة على العطاء والإنتاج فضلا عن كونها تتحرك وفقا لمضامين حضارية ذات أهداف وغايات محددة.
وفي ضوء ذلك يصبح بإمكاننا الوقوف على حقيقة الرأي الإسلامي القائل بإقتران العهد التاريخي الإنساني بظاهرة وجود النبوات في المجتمع البشري ذلك ان مثل هذه الحقيقة تكشف بوضوح عن أهمية حركة الأمم وفاعليتها في التدليل على هويتها والتأكيد على دورها التاريخي والحضاري خاصة وان النبوات كما هو معروف هي التي تقود مجتمعاتها نحو حياة أفضل ووجود إنساني أكمل وعلى ذلك فإن مرحلة الفراغ في حياة الإنسانية أو مرحلة ما قبل التاريخ كما يصطلح عليه علماء الاجتماع والتاريخ هي المرحلة التي سبقت عهد النبوات وكانت البشرية فيها تعيش واقعا بليدا وجامدا يفتقر إلى الوعي والقدرة على التفاعل والاستجابة لقوانين الحياة والوجود.
(فلم تكن لدى الإنسانية في فترة ما قبل التاريخ هذه تجارب ومعاناة يعود عرضها بالفائدة التعليمية والتربوية لمجتمع متحضر تام التكوين، على درجة عالية من التعقيد، يفترض فيه انه يبنى على هدى خاتمة الرسالات وخلاصة النبوات وهو مجتمع الأمة الإسلامية).
والى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم بقوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).
ويشير بعض المفسرين إلى تفسير هذه الآية ان قوله تعالى (كان الناس امة واحدة) أي الإنسان ما قبل التاريخ أو (ما قبل عهد النبوات) حيث كان يعيش حياة بدائية بسيطة تتميز بالسكون والخمود وذلك نظرا لانعدام دواعي الصراع وغياب التحديات المحفزة للحركة والابداع. ثم يأخذ مصطلح (المجتمع) أبعادا أخرى بعد ان تكون حكمة الله ورحمته سبحانه وتعالى قضت بإرسال الأنبياء المكلفين ببناء الإنسان وتوعيته وإنتشاله من مرحلة المتاه والفراغ إلى مرحلة منطق النظام ومرجعية القانون وبذلك يكون (المجتمع) في هذه المرحلة قد أبدى استعدادا كبيرا للتحول والتطور وأصبح بإمكانه الاستجابة لتعاليم السماء وحركة الأنبياء حتى تمكن من الانتقال من واقعه الغرائزي المتخلف إلى الواقع العقلي المبدع وبهذا تكون النبوات قد اختطت البداية الأولى للوعي الإنساني وصار بإمكان الإنسان ان يكون مع أخيه الإنسان مجتمعا قادرا على الحركة والإبداع فضلا عن كونه قادرا على بناء نفسه وفقا لأسس التوجيه التربوي والأخلاقي ومن هنا فقد أصبحت أمام الإنسان الكثير من المبررات للنهضة والتفاعل مع دواعي اليقظة والإنطلاق ومن بين هذه المبررات الاستجابة لداعي السماء والالتقاء على قواسم تربوية وإيمانية مشتركة لتأخذ العلاقات الاجتماعية أبعادا تسمو كثيرا على المسميات المادية الهابطة وترقى عاليا إلى مصاف القيم والمفاهيم السامية والنبيلة وبذلك تكون الحياة الإنسانية بفضل رسالات السماء ومبعث الأنبياء عرفت لأول مرة فلسفة الحركة وضرورة عقلنتها وتوجيهها وفقا للغايات والأهداف البناءة.
مانشيت: يفسر علماء الاجتماع كلمة (المجتمع) بأنها تعني تجمعا إنسانيا يلتقي على قواسم مشتركة كالعادات المتماثلة والقوانين الاجتماعية الواحدة إضافة إلى المصالح المشتركة التي تجعل من تجمعهم أمرا مصيريا قائما على دوافع واقعية وجدية راسخة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات