بصائر حسينية .. التواصي وشحذ ارادة الاصلاح في المجتمع

17/09/2019 نشر في: 1441 ه، محرم وصفر


بصائر حسينية لسماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)التي القاها يوم الاثنين 02/محرم الحرام/1441هـ  الموافق 09/02 /2019م  بمناسبة  استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }

امنا بالله

صدق الله العلي العظيم

كيف نقوّي الارادة والعزيمة؟

اعظم ما في الانسان بعد العقل الارادة، ولعل الارادة جزء من العقل،

 فالانسان اذا ضعفت ارادته، لا ينفعه شيء، وان قوي ارادته لا يضره

 شيء، وفي الحديث الشريف: { ما ضعفَ بدنٌ عما قويت عليه النية} وفي

حديث اخر (انّما الاعمالُ بالنيات) ، لكن هذه الارادة، لابد ان تجبر، وهناك عشرات من السنن الالهية، التي تقوي الارادة، ومن اهمل تلك السنن، فأنما اهمل شيء عظيماً في حياته،  فيتورط بضعف في ارادته، عبر سلسلة من الاخطاء والجرائم، ومما يجعل ارادة الامة قوية، وتتحدى الاعاصير، جُعلت سنّة التواصي بين المؤمنين، لان لكل انسان قدراً من الارادة، هذا القدر اذا استطاع ان يقوي به ارادة غيره، تتكون في الامة ارادة جمعية ،هذه الارادة الجمعية تتحدى، الصعاب، ربنا سبحانه وتعالى يجعل التواصي بالحق وبالصبر، شرطاً اساسياً لحياة الانسان وربحه،وهل هناك من لا يريد ان يربح الحياة؟  وهل يريد ان تخسرها ؟

 {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }.

  كيف يستطيع الانسان ان يكون على الحق، مع علمه بمروّرته؟

 انما ذلك يكون بالتواصي، فإذا كنت في احدى ليلة من ليالي القدر، الشريفة،  ودخلت مسجداً، ورأيت الناس يقدمون على الدعاء والانابة والصلاة، في مثل هذه الحالة تجد نفسك ايضاً تتحرك نحو الصلاة والطاعة، بل تكاد لا تستطيع ان  ترى شيئا آخر، وهذه الروح الجمعية، تدفعك في هذا الاتجاه.

من سمات المجتمع الاسلامي ( التواصي)

المجتمع الاسلامي، مجتمعٌ فيه التواصي، وهذا المجتمع يحيط به، التوجه الى القيم التي تصبح في المجتمع الاسلامي، حقيقة لا يمكن تجاوزها، لان الروح الجمعية من اقوى المؤثرات في البشر وعلى الانسان كفرد ، حتى بعضهم جعل هذه الروح لا يمكن تجاوزها،الا في ظروف معينة، ولكن هذه الروح الجمعية اذا كانت باتجاه القيم وباتجاه المباني الصحيحة، فألانسان لماذا يتجاوزها، ولهذا لابد للانسان ان ينساب معها ويتحرك وفقها، الى  ان يحصل على نتائج المطلوبة، وهذا انما يكون بالتواصي.

ما هو التواصي؟ التواصي يدخل في ضمن منظومة من الواجبات كالاتي:

 اولا: الدعوة الى الله من التواصي

ثانيا :الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

ثالثا: الكلمة الطيبة

 فحينما يكون الانسان في جمع ويقول الكلمة الطيبة، فإن لذلك اثره، الا انه يوجد  عناصرسلبين في المجتمع، فكلماتهم كلمات تدعو الى الخذلان، وتدعو الى الهزيمة،و الجريمة، وبسبب هذه العناصر،قد يجد المؤمنون في هذا المجتمع  صعوبة في العمل عليه ، واما اذا كان المجتمع يقلّ فيه هؤلاء تكون النتائج جيدة وفي الاتجاه الصحيح، ولهذا ورد الحديث الشريف : {الدال على الخير كفاعله} ، مما يدل على ان الانسان اذا لم يستطع، فعل الخير، فإن بامكانه ان يدل عليه بالكلام ،  وهذا جزء من التواصي، لانه – التواصي-  المشورة الصحيحة، فيحنما يُسأل احدهم عن فعل خير في المجتمع، كبناء مسجد، أو حسينية، عليه ان ينتبه من الشيطان، لان لا يوسوس في هذه الحالة ،ويحاول ان يثير الحسد والحمية والحزبية، وكل الصفات الرذيلة، حتى يجرك الى النطق بكلمة سلبية، و بكلمة لا تدعو الى الخير، الإمام علي (ع)، نَهَرَ ذلك الرجل الذي حاول منعه من اعطاء ذلك الفقير ،وقال له الامام :{ لا كثر الله مثلك في المسلمين } المجتمع الاسلامي بعيد عن هذه الروح السلبية، التي تدعو الى البخل، والصد عن سبيل الله،  لان هذا المجتمع روحه ايجابية،روح القيم، والدعوة الى الله.

ربنا سبحانه وتعالى عبر ايات متقاربة، يبين فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول :((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) كيف اصبحت امة جائت بعد الامم، وجاءت في ارض قاحلة، هي الجزيرة العربية، و هذه الارض تعج بالموباقات ،و الافكار السلبية، وعند مراجعة الاشعار العربية، تجدها تنضح بالفساد، والميوعة، واثارة الشهوات، والحميات الباطلة،والعصبيات، و كل ما يخالف العقل، في مثل هذه البيئة كيف اصبحت هذه الامة خير الامة؟

 ربنا يقول { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} هذه الصفة التي جعل هذه الامة خير امة اخرجت للناس، لان  الروح الجمعية في هذه الامة روح ايجابية، روح القيم المثلى، هكذا كانت نهضة ابا عبد الله الحسين (ع).

نهضته كانت في هذه الاتجاه كما بين- عليه السلام- في بداية حركته من مكة المكرمة، قال: {ولآمر بالمعروف وانهى عن المنكر} فقد جعل الامام هاتين الفريضتين الاساسيتين، نقطة انطلاقه ، {لإمر بالمعروف} هذه النهضة الكبرى النهضة التي كانت لها امتدادات، ولا تزال في العالم، هذه النهضة كانت تيار من الخير.

الدعوة الى التواصي سبيل المؤمنين

 اليوم هناك عشرات الالوف من المنابر الحسينية، تدعو الى الخير وتآمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ومن قال  هذه المقولة{ الاسلام محمدي الصدور حسيني البقاء} صدق فعلا،، لان روح هذه النهضة روح التواصي، كيف كانت روح التواصي، هذه المجموعة الصغيرة، في كربلاء تشبه الاعصار القوي، في ذلك المجتمع، الخامد، الخامل، والخاسر، كان دوافعهم نحو المعركة تتصاعد، بسبب التواصي، فتلك الام تخاطب ابنها: لن ارضَ عنك حتى اراك شهيدا!، واخرى تلبس ابنها اليافع، لآمة الحرب، وتوصيه: أن دافع عن هذا الغريب، وزهير ابن القين، قبل ان يأتيه رسول الحسين ع، قالت له زوجته:

زهير لماذا لا تجيب ابن رسول الله وهو يدعوك؟

هذا مثالٌ آخر للمرأة الصالحة، التي تكون مبعثاً للخير،  فهي توصي بالمعروف، وهذا التواصي من شيم الامة الاسلامية، ومن سننها.

بالنظر الى كلمة مولانا علي الاكبر سلام الله عليه، لأبيه الحسين (ع) حينما كان يسيرون الى كربلاء ، حينما غفا غفوة فكبر

 فقال علي الاكبر: لما كبرتَ يا ابي؟

 قال: رأيت منادياً ؛ يقول: القوم يسيرون، والمناية تسير معهم.

فقال علي الاكبر : اولسنا على الحق يا أبي؟

فقال الامام الحسين: بلى 

فقال الاكبر: لا نبالي اوقعنا على الموت او وقع الموت علينا.

  هذه الكلمة جزء من التواصي، من ابنه علي الاكبر، الذي نطق بهذه الكلمة الايجابية.

 وكلمة، ابن عوسجة لحبيب بن مظاهر، وهو في حالة الاحتضار، وجرحه ينزف، ولم يبق بينه،و بين الاخرة الا لحظات،ومع كل ذلك يقول له حبيب اذا كان لديك وصية فأوصني؟

في تلك الحظة، مسلم بن عوسجة كان في اواخر لحظاته حياته، وقال بصوت هافت: عليك بهذا وأشار الى الامام الحسين ،هذه الاشارة من التواصي.

 الارجوزات التي نقرؤها في عزاء الامام الحسين ، نحن الان بعد مئات السنين من تلك الواقعة، وعشرات الحوادث الكبرى وقعت في هذا العالم،وهذه الامراض والحروب، في بلداننا، لكنّ كلمات العباس – سلام الله عليه-، لا زالت بذلك الزخم، الذي تمنحنا القوة،وهذه القوة انما كان اثرها علينا، لانها اقترنت بالدماء، وقُرنت بالمصائب.

{والله وان قطعتوا يميني اني احامي ابدا عن ديني، وعن امام صادق اليقين} ، ، هذا هو الايمان الصحيح، هذه الكلمات هي التواصي، فهناك   انسان قد يكون في اخر حياته،و في لحظة معينة قبل اعدامه، و قبل شهادته، تكون كلمته الاخيرة التي يطلقها ، ترسم خارطة طريق لمن ياتي بعده في الايمان والتصدي.

اما دور زينب، يقف الانسان حقيقةً حائراً امام هذه الارادة الصلبة ، امام هذا الايمان، زينب  هي بنت فاطمة،وكفى بذلك دليلاً على عظمتها وعلى سيرتها، وسلوكها سلام الله عليه، فهي  شجعت الحر، وشجعت حبيب ليلة عاشوراء، و اكثر من ذلك شجعت اخاها العباس، الذي كان يعتبر نفسه، يد اخيه الحسين سلام الله عليه، طول حياته  منذ ان كان صغيرا، الى ان كبر، هكذا ربته امه،ام البنين سلام الله عليه.

 ليلة عاشوراء كان العباس يحوم حول الخيم، فقال :

 ما هذا السواد؟

 قالت انا اختك زينب جئت احدثك،  بحديث،

 ومع ان العباس كان ذاك الجبل الاشم، لكنه كان يبحث عمن يشجعه، فحدثت زينب عن امها فاطمة، وعن حالة وفاتها،

 فقالت زينب: يا عباس اليوم يومك.

فقال  العباس : قال اوتشجعيني يا اختاه..

 مع ان العباس عليه السلام، لم يكن يحتاج الى مثل هذا الكلام،لانه كان ناذرا نفسه من اول ، وكانت مواقفه – سلام الله عليه- المثل الاعلى في الوفاء والشجاعة والايثار، و الصبر، والاستقامة، ونحن حينما نقرأ سيرة الحسين (ع)، توقفنا هذه اللحظات الحاسمة، في ان التواصي في الامة الاسلامية، كانت قيمة اساسية ، ووسيلة لرقي هذه الامة واستقامة الناس وانتصارتهم.