بصائر حسينية .. رسالة مدرسة عاشوراء للفرد والأمة

17/09/2019 نشر في: 1441 ه، محرم وصفر
بصائر حسينية لسماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)التي القاها يوم الاربعاء 04/محرم الحرام/1441هـ  الموافق 09/04 /2019م  بمناسبة  استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}

امنا بالله

صدق الله العلي العظيم

اذا كانت سورة الفجر تأويلها في ملحمة عاشوراء، فأن الحديث في بدايتها، وافتتاحها يعطينا الامل بأن الظالمين سوف ينتهون، كما انتهت الامم الظالمة الطاغية السابقة، كعاد وثمود وفرعون، ولكن ختام السورة تنتهي بالنفس المطمئنة،

فما هي علاقات المطمئنة بملحمة عاشوراء ؟

 ولماذا تأويل هذه السورة في ابي عبد الله الحسين وفي اهل بيته واصحابه وشيعته؟

 و ما هي النفس المطمئنة؟

وهل يمكن للأنسان مثلي ومثلك ان نتخذ من مدرسة عاشوراء وسيلة ووصول الى هذه القمة السامقة؟

  لمدرسة عاشوراء رسالتين:

الرسالة الاولى: الى الامة.

 الرسالة الثانية: الى كل فرد من ابناء الامة.

 الاسرة باعتبارها تجمعا انسانيا، فإن عليها مسؤوليات، ، وعلى كل واحد من ابنائها ان يقوم بدور،وهذا ليس معناه انه ليس عليك مسؤولية خاصة ، كل واحد ايضاً مسؤولية تخصه، وكذلك الامة، نحن بصفتنا اعضاء في امة هي الامة الايمانية ،و الامة الاسلامية ، علينا مسؤوليات ، والمسؤوليات يقول عنها ربنا تعالى كما جاء في سورة الاسراء: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}  هذه مسؤولية اجتماعية، وحينما تترك  الامة المسؤولية الاجتماعية، فعندما  لا يتواصون بالحق، ولا يتواصون بالصبر، ولا يتحدون الطاغوت ،ويتركون الظلمة يعيثون في الارض فسادا، فالله عز وجل يعذبهم جميعاً، {  فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} ، وتبقى هناك مسؤوليات شخصية، ويقول الله في آية اخرى { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} ،

 { وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا } { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } 

{ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.

هذه آيات متفرقة، في مواطن مختلفة، من القران ولكنها تحملنا مسؤوليات شخصية، و كما يقول الامام الحسن المجتبى،ع، تعليقا  على المثل الشائع والخاطئ{ حشر مع الناس عيد}، الذي لا يزال كثير من الناس يرددونه ، ويعتقدون به،فيقول الامام المجتبى (ع) رداً على ذلك المثل:  { او حشر الى النار مع الناس عيد}  فهل يكون الان مع الناس حتى الى النار!.

عوامل القوة في الامة الاسلامية

 في بداية السورة ربنا بصرنا بما ينبغي ان نعمله في مواجهة التحديات، وفي نهاية السورة،بين في ما يرتبط بالشخص، الامام الحسين (ع) مدرسته ذات رسالة للامةكيف ذلك ؟

 ان لمدرسة عاشوراء رسالتين:

الرسالة الاولى: الى الامة

 الامة الاسلامة هي خير امة اخرجت للناس، وهي خاتمة الرسالات لله على الارض،وهي التي لابد ان يظهرها على الدين كله، هذه الامة  بحاجة قوة دفع داخلية، تحافظ عليها، بحاجة الى من يصلّب عودها، بان يعطيها الصلابة، ولابد ان تتحول الامة الى صخرة صماء على شاطئ تتكسر عليها الامواج ولا تنكسر، وهذا فعل الامام الحسين (ع)، بنهضته وبشهادته ، وبالتموجات الكبرى بشهادته ،وبما قامت به زينب سلام الله عليها ، وما قام به الامام زين العابدين ، كل ذلك  جعل من الامة الاسلامية رقما صعبا في العالم، اصبحت الامة  تتحدى الاعاصير، ولا تتأثر في القواصف والعواصف،و اصبحت خير امة اخرجت للناس، فكانت ولا زالت وسوف تبقى هكذا، وبالرغم من كل الشرذمة والمشاكل ولكن الامة بقت .

الرسالة الثانية: الى كل فرد من افراد الامة:

 فانا وانت ندخل هذه المدرسة – مدرسة عاشوراء- ، مدرسة مفتوحة فيها الكثير الكثير من العِبر،و الدروس، والتزكية، و الحكمة، ومن كل ما يحتاجه الانسان.

فيكف ندخل في مدرسة عاشوراء ؟

بإعتبار هذه السورة الكريمة مؤولة في الامام الحسين، وفي ملحمة عاشوراء ،و في النفس المطمئنة،  فما هي النفس؟

 وكيف نحصل عليها؟

 ربنا يقول عن هذه النفس{ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} ، النفس راضية، فكيف تحصل على نفس راضية؟

 وهل هناك الفرصة لنا ان نصبح كذلك؟

 هناك عاملان رئيسيان يجعل الانسان راضياً  في كل الاحالات وفي كل الظروف هما :

 العامل الاول :هو معرفة الرب، كما يقول امامنا الامام علي (ع) { عظم الخالق في انفسهم؛ فصغر ما دونه في اعينهم } ، في حياة المؤمن الذي عرف الله، ووصل الى قربه ، ويناجيه،  ويتحدث معه، ويتوكل عليه، هذا الانسان لا يرى شيئاً اخر، فهو يرى الاشياء الاخرى، ولكن لا يرى شيئاً مذكوراً الا الله، واذا اردنا يمكن ان يوفقنا الله ان نصل الى هذه النقطة، لا نرضى بربنا بدلاً، لان هو الذي خلقنا، و هو الذي رزقنا ، وهو ربنا الان وهو الذي  اليه مصيرنا ،وهو الذي اذا توكلنا عليه اعطانا القوة ،واذا وثقنا به اعطانا النصر، واذا عملنا له زادنا من فضله.

 الامام الحسين (ع) هو وشيعته، حين وقفوا على جبل عرفات قبل شهاداته بمدة قليلة ، وقرأوا معه دعاء يوم العرفة ، هذا الدعاء بيبن كيف ان الامام  كان ينظر الى ربه، ينظر الى ربه مصدر كل خير، وبالتالي يحبه، ويسترضيه ويستغفره، ويتقرب له، فالامام الحسين في القسم الاول من الدعاء يعرّف الرب، ويتحدث مع معه، و في القسم الثاني اللهي اجعلني اخشاك كاني اراك ، واسعدني بتقواك ، في هذا القسم الثاني من الدعاء فيه  نوع من التحبب والاستئناس الى الله ،  و كأنه وصل الى الله.

 ولتوضيح الفكرة ،يقول الله  عن موسى بن عمران،  النبي العظيم سلام الله عليه، وهو نبي عارف،  وصفاته في القرآن قمة في الانسانية ، ربنا يقول { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}  ، فهناك مراحل ، ففي البداية ناداه الله و جذبه بأن قربناه ، ثم اصبح نجيا لله، النجوى حديث القلب ، وليس حديث اللسان فقط.

كذلك الامام الحسين (ع)، فالقسم الاول من الدعاء ، تقرب الى الله ، و تسامي عبر درجات المعرفة، و بيان صفات الله واسمائه والآئه، و الثناء عليه جل شأنه، أما في القسم الثاني، فقد  وصل، واصبح يتحدث مع الله، بكلام النجي والجليس و الانيس، وبهذا اصبح الامام الحسين راضيا، فكيف  اصبح  – الامام – راضيا ؟

كيف نحصل على النفس المطمئنة؟

  النبي ابراهيم – عليه  السلام – وضع  على المنجنيق، وكانت هناك نار ملتهبة، فكانت تحرق الطير الذي يكون من مسافات بعيدة، فتم وضع النبي الخليل، وكان هناك عادات ضمن مراسيم معينة يلقونه في النار، فضجت الملائكة الى الله الملائكة، فمن صفاتهم المثلى ان يدعون الى المؤمنين،  ويستغفرون لهم، فقالت الملائكة: ألهي هذا عبد الوحيد ، هذا امة واحدة في الارض يعبدك، والنار تحرقه؟

 فقال الله : انزلوا عليه ، وانظروا ماذا يريد؟

فنزل جبرئيل، و نزل  معه ملك الرياح و  ملك البحار..

فقالوا لابراهيم:  الك حاجة يا ابراهيم؟

فقال ابراهيم: اما اليك فلا،

فقالوا له : اذا حاجتك عند الله، فادعه!

فقال الخليل: علمه بحالي غني عن سؤالي .

هذا الرضى الذي وصل إليه ابراهيم (ع)، حكمة الله في تلك اللحظة حفظت النبي ابراهيم، وذلك عاد بالفائدة على الامة الاسلامية، لنشر الرسالة،  ومثال آخر، حين امره الله قال له:

 اذبح ابنك.

فاجاب الى ذلك، { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ، في هذه اللحظة يصبح قتل النفس اهون من قتل الابن، ومع هذا فقد أسلم ابراهيم لامر الله، مع أن اسماعيل لم يلد الا متأخراً.

الامام الحسين في عصر عاشوراء، بعد شهادة الكثيرين من اهل بيته واصحابه، و رفرف النصر على رأسه، فقد أتت الملائكة ، ويبدو أن الملائكة ضجت، وما يجري في الملكوت الاعلى، الله اعلم به ، و  حسب ما نقرأ الادعية خصوصاً زيارة ائمة المؤمنين، فيه كثير من هذه الحقائق ، كبكاء  الحور العين  في الجنة، وبكاء الملائكة، بكاء الارض ،  ويبدو( لي) ان الله قد  اذن بالنصر ان ينزل عليه، وخُيّر بين النصر والشهادة، واختار الشهادة، و اختياره للشهادة ، هو  ما اختاره الله له من الازل، ان يكون ذبيح الله،  {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }  هذا نفس راضية، لماذا راضية؟

 لانها عرفت الله، والانسان المؤمن تتجلى له الاخرة، فيحبها ويحب الوصول اليها،  وتتضاءل الدنيا عنده، بحيث لا يرى في لحظة من اللحظات شيء من الدنيا، وهذا يجعله يرضى ، بالقتل و بالشهادة،  و يرضى بكل شيء، ولا { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}  يوصل هذا الانسان الى هذه المرحلة ، يوصل الى الاخرة ،لانها اعظم من الدنيا ، لانه يراها كذلك، هذا النفس المطمئنة ترجع الى الله سبحانه وتعالى.

الامام الحسين (ع) منذ خروجه من مكة ،جاء اليه البعض وقالوا  له :

الى اين انت ذاهب؟

 فقال الامام:  انا ذاهب الى الشهادة، فقد  شاء الله ان يراني قتيلا

فقال له : واهلك اين تذهب بهم ؟

فقال عليه السلام: شاء الله ان يراهن سبايا، كان هذا في خطبته في مكة المكرمة، وكانت هذه الخطبة جماهيرية، لان مكة منطقة ضيقة،  وجماهير الحجاج كانوا في تلك السنة  متواجدين بكثرة.

   المسلمون في مكة كانوا يحلمون ان يحجوا بحج ابن رسول الله، ولكن ها هو  اليوم يغادر، فقال لهم :

 أيها الناس انا ذاهب الى الشهادة ،{ خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى‏ أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَ خُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ‏ ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ فَيَمْلَأَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَ أَجْرِبَةً سُغْباً لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَحْمَةٌ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَ يُنَجَّزُ لَهُمْ‏ وَعْدُهُ، مَنْ‏ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ‏  نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً، إِنْ شَاءَ للَّهُ }

 هذا  مشروع شهادة، و مشروع القتل، فالتحق جماعة بالامام ، يحبون الشهادة والقتل، وعند وصوله منطقة زرود، اتى الخبر الى الامام الحسين انقلاب اهل الكوفة، وقصة قتل  مسلم، في هذه الاثناء، قال الامام لمن التحق به :

انا ذاهب الى الشهادة، فمن اراد البقاء قليبقَ، ومن اراد الرحيل فليرحل.

و في ليلة عاشوراء جمعهم، وخيّرهم بين البقاء معهم او الانصراف ، وقال لهم :

 { هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم انما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري}

  البعض  تركوا الامام ، لكن من بقي معه، بقيَ من أجل الشهادة، بعدها اخذهم ليلة العاشر، واراهم منازلهم وقصورهم في الجنة، ومنزلتهم بين اهل الجنة،  ، فلذلك اصبحت ارواحهم خفيفة، حتى ان حبيب سلام الله عليه اخذ يتكلم بالمزاح ..

فقال له البعض: أهي ليلة مزاح ؟

فقال حبيب : ما ان نلتقيهم، فيضربونا ونضربهم، ونذهب الى الجنة.

كثير من الشهداء ينتقلوا الى عالم الآخرة قبل شهادهم، كعابس وعلي الاكبر.

 ان مدرسة عاشوراء جعلت عود الامة صلبا، وجعلت الامة تتحدى كل الاعاصير، وهذا الحسين (ع)، ونحن نسال الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا في هذه المدرسة المباركة وصلى الله على محمد واله الطاهرين.