تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الخامس عشر)

13/05/2020 نشر في: سورة إبراهيم

بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً

بسم الله الرحمن الرحيم


((أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (28)جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ))

الإيمان ليس مجرّد معرفة وإنّما هو تصديق، يعني ذلك أن يعيش الإنسان بكلّ وجوده حقيقة الإيمان، ويجعل سلوكه وثقافته ورؤيته إلهية، فمجرّد الايمان اللفظي أو الاعتقاد بوجود الرب سبحانه وتعالى دون أن يعترف بحاكميته وتدبيره وتقديره لا يكفي، وذلك لا يكون الّا بطاعة الأنبياء، لماذا؟


لأنّ الرب سبحانه وتعالى فوّض اليهم الأمر وأمرنا بطاعتهم، وأنّى يمكن للإنسان أن يروّض نفسه للطاعة دون أن يطهّر قلبه من الكِبر والأنانية والحسد، وهكذا نجد الأمم تكفر بالرسل لوجود هذه الأغلال والعقبات.


للوصول الى حقيقة الايمان لابدّ أن تتجلّى ولاية الله عند الانسان، و لابدّ أن يتجاوز هذه العقبات والأمراض ويسلّم للأنبياء، ثمّ يُطبّق هذه الطاعة على كلّ حياته، إذ لولا طاعة الأنبياء لا يعرف الانسان ما فيه صلاحه وينفعه وما يضرّه، وبالتالي لا يصل الى السعادة.


يقول ربّنا سبحانه في سورة المائدة:
[يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ‏ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرينَ]
لأنّ محور الدين الولاية، ومن لا يقبل بالولاية نعته الرب سبحانه بالكفر، والايمان بالولاية هو الصراط الذي ندعو ربّنا سبحانه كلّ يوم أن يهدينا إيّاه حيث يقول ربّنا:
[وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيماً]


فالنبي واسطة الفيض، والرحمة تنزل للعباد عبر النبي صلّى الله عليه وآله، وهكذا التسليم للنبي صلّى الله عليه وآله حيث أنّ الايمان منوط بذلك، يقول ربّنا:
[فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في‏ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْليماً]
وهكذا الطاعة للنبي في السلم والحرب، كلّ ذلك هو الصراط المستقيم حيث يقول ربّنا:
[وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ‏ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً]


في سورة ابراهيم يقول ربّنا تعالى:
[أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً]
أظهر امثلة نعمة اللّه هي نعمة الرسالة التي كفروا بها، فيكفروا بالنبي صلّى الله عليه وآله ويتّبعون أسيادهم، كذلك من ترك أوصياءه بالحق واتّبعوا غيرهم.


عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ [أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً] قَالَ نَزَلَتْ فِي الْأَفْجَرَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَ أَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ- ثُمَّ قَالَ وَ نَحْنُ وَ اللَّهِ نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ- وَ بِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ»


فمن ابو سفيان الى معاوية ويزيد، هل يُمكن أن يُقاسوا بأهل بيت الذين أذهب الله عنهم الرجز وطهّرهم تطهيراً، ومن لم يُسلّم لولاية الله تجده يُسلّم الى أمثال معاوية، و أي مصير أسود تبتلي به الأمّة حينما تتّبع الفسّاق.
[وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ]


و هؤلاء يجعلون قومهم في منزل الهلاك بسبب كفرهم بالنعم، فيقودون الضعفاء في حرب ضد أصحاب الرسالة، فمصيرهم في الدنيا البوار أمّا في الآخرة فإنّ مصيرهم جميعاً
[جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ].