تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة فاطر الدرس: 28

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصيراً (45)

  تأخير العقاب في الدنيا

 سنّ الله عزوجل سنناً لخليقته ، ومن يخالفها في حياته ، سيقابل بأخذ الله العزيز ، ذلك لأن الرب سنّ السنن بحكته وقنن القوانين الحاكمة على الخليقة ، لتطبق على ارض الواقع ، وان لم تحوّل تلك السنن الى سلوكيات عملية لتحولت الى امور عبثية ، وسبحان الله الحكيم ان يصدر منه امر عبث ، ومن هنا فمن سار خلاف الاتجاه السليم هلك، مهما حاول او اجتهد.

ففي الطبيعة التي يلحظها الانسان ، يجد ان لكل فعلٍ من الافعال ردة فعل معينة ، ايجابية كانت او سلبية ، متوافقة الاتجاه او معاكسة ، وما علوم الفيزياء والكيمياء ، الا لبحث ردود الفعل لأي فعل يحدث فيها ، وهذا الامر ينطبق على كل شيء في هذا الوجود ، سوى الانسان.

فالانسان حمّل امانة الحرية ، وبها يكون امتحانه ، ولذلك فان أفعاله تختلف – في ردود الافعال الحاصلة-  مع سائر الخليقة ، فهو مخلوقٌ وهبه الرب نعمة الحرية ، فلا جبر يحتم عليه فعل شيء او ترك اخر ، وبذا يكون عالي الدرجات ان اختار الخير والهدى ، ومتسافل الدركات ان فضل الهوى والشهوات. ارأيت كيف ان الطائرة العملاقة مجبرة على حركتها ، فهل تُشكَر الطائرة على نقلها للركاب من هنا الى هناك ؟ كلا، ذلك لأنها مسخرةٌ لذلك ولا تستحق الشكر والتقدير ، بلى ، ان قائد الطائرة يستحق الشكر والتقدير، اذ انه يمتلك ارادةً تجعله قادراً على اختيار افضل طرق القيادة.

وآخر أية في سورة فاطر ، تهدف فتح بصيرة الانسان امام هذه السنة الالهية ، وتذكيره بأن افعاله جميعاً – خيراً او شراً ، سراً او علانية – في اطار علم الله سبحانه وتعالى ، ولذنوبه اثار مباشرة ، لابد ان تتحقق بمجرد ان ترتكب ، الا ان الله سبحانه وتعالى يؤجلها بفضله وجوده ، فلا يعجل عليهم بالعذاب.

وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا }

ان الله سبحانه ، لا يظهر الاثار المباشرة لذنوب العباد ، لأن في ذلك مخالفة لحكمة الابتلاء ، ارأيت كيف لو ان احداً كذب على صاحبه فظل وجهه مسوداً ، او يتحول مال اليتيم المأكول ظلماً – وهو نارٌ في الواقع – الى نار ظاهرية بصورة مباشرة ، هل ستبقى صورة للامتحان للتمييز بين المصدق والمكذب؟ ، حينذاك لن يكون هناك فرقٌ بين المؤمن والمنافق ، لأن الجميع سيبتعد عن المعاصي ، لا لأمر الله ، بل للاثار الظاهرية الدنيوية المباشرة.

و قد ذكرت الاية لفظ ( يؤاخذ) دون ( اخذ) ، فالاولى صيغة (المفاعلة) ، دون الثانية التي هي مصدر ، حيث ان الصيغة هذه تدل على وجود الفعل من جهتين ، مثل ( يجادل ، يحاور ، يعاون ) ، فهل المؤاخذة هنا تكون من الطرفين؟

كلا ، بل هنا تعني الصيغة ، وجود المؤاخذة من القوي ، ومحاولة الهرب من الضعيف ( الانسان ) ، مثل ( يجاهد ) الذي يعني تارة الجهاد المتقابل ، وتارة الاقدام من طرف والفرار من الثاني ، مع ادراك الاول للثاني.

فبالرغم من محاولة الانسان الهرب من العذاب الالهي ، وتذرعه بشتى التبريرات و الاعذار ، الا انه لا يقدر على التخلص من العذاب المحتوم.

ولا يؤاخذ الله العباد ، الا على ما كسبوا بأيديهم ، وبارادتهم التامة ، من افعال الشر التي استحقوا بها المؤاخذة والعذاب.

ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ }

ان كان ابن ادم هو من يعصي ، فما ذنب الدواب في الارض ، ليستحقوا الابادة التامة ؟

ان الله سبحانه وتعالى قد سخّر ما في الارض لهذا الانسان ، وان اساء الانسان الاستفادة منها ، فسيكون الفساد في الارض ، فالعقاب هو للانسان ، ويشمل كل ما سخره الله له ، ارأيت كيف ان انبعاث الغازات السامة من مصانع الانسان ، تؤدي الى اتلاف الكثير من الاحياء ، بل وحتى التأثير في الغلاف الجوي الواقي ؟ اليس ذلك كله بفعل الانسنا ، قال تعالى : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون‏)[1].

وقد يكون الانسان سبباً في غفلة الدواب عن ذكر الله سبحانه ، فيكون في ذلك هلاكهم ، وقد جرى حوارٌ بين النبي سليمان عليه السلام ، وتلك النملة ، حول سبب تحذيرها النمل ودعوتهم الدخول في مساكنها ، لئلا يحطمنهم سليمان عليه السلام وجنوده ، بالرغم من ان النبي سليمان عليه السلام كان على بساط الريح ، لا الارض ، و الحوار يرويه لنا الامام الرضا عليه السلام عن اباءه عن الامام الصادق عليه السلام : لَمَّا قَالَتِ النَّمْلَةُ ( يا أَيُّهَا النَّمْلُ‏ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ‏ لا يَحْطِمَنَّكُمْ‏ سُلَيْمانُ‏ وَ جُنُودُهُ‏ وَ هُمْ‏ لا يَشْعُرُونَ)‏ حَمَلَتِ الرِّيحُ صَوْتَ النَّمْلَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ عليه السلام وَ هُوَ مَارٌّ فِي الْهَوَاءِ وَ الرِّيحُ قَدْ حَمَلَتْهُ فَوَقَفَ وَ قَالَ عَلَيَّ بِالنَّمْلَةِ فَلَمَّا أُتِيَ بِهَا قَالَ سُلَيْمَانُ يَا أَيُّهَا النَّمْلَةُ أَ مَا عَلِمْتِ أَنِّي نَبِيُّ اللَّهِ وَ أَنِّي لَا أَظْلِمُ أَحَداً قَالَتِ النَّمْلَةُ بَلَى قَالَ سُلَيْمَانُ ع فَلِمَ حَذَّرْتِهِمْ ظُلْمِي فَقُلْتِ‏ يا أَيُّهَا النَّمْلُ‏ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ‏ قَالَتِ النَّمْلَةُ خَشِيتُ أَنْ ينظر [يَنْظُرُوا] إِلَى زِينَتِكَ فَيَفْتَتِنُوا بِهَا فَيَبْعُدُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى‏.[2]

هذا عن البهائم التي لا تعقل ، فماذا عمن لم يعص الله ، هل سيكون مشمولاً بالعذاب ؟ حيث يظهر من الاية ان لا بقاء لأحد على الارض ، وان كان كذلك فما هو ذنب هؤلاء؟

ان سنة الله سبحانه وتعالى تقتضي محاربة الفساد ، فمن لم يقم بمحاربة الفساد عبر النهي عن المنكر ، سيكون هو الاخر مشمولاً بالنتائج الضارة ، ارأيت كيف لو ان مجنوناً حاول خرق سفينة فيها العشرات ، فإن لم يمنعوه ، اصيبوا كلهم بالغرق؟ اما الاصلاح ومحاربة الفساد فيظمن سلامة المجتمع من الرذائل ، وسلامة الانسان من أخذ الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى : (وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُون‏)[3] ، وبخلاف حالة الاصلاح ، فإن اهل الصلاح يشملوا بالعذاب والابادة ، ففي الحديث عن الامام الباقر عليه السلام ، قال : (َ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ ص أَنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ أَرْبَعِينَ أَلْفاً مِنْ شِرَارِهِمْ وَ سِتِّينَ أَلْفاً مِنْ خِيَارِهِمْ فَقَالَ عليه السلام:  يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ‏ الْأَخْيَارِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي)[4].

وتشمل لفظة الدابة ، الانسان والحيوان على السواء ، فكل يدب على الارض.

وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى }

صحيحٌ ان الله لا يؤاخذ الناس بذنوبهم آناً بأن ، ولكن لا يعني ذلك ان لا أثر لاعمال الانسان في الحياة ، بل ان الله سبحانه وتعالى يؤخر الأخذ الى وقت معلوم ، فليس التأخير تأخيراً بلا حد ، بل له اجلٌ معين عند الله سبحانه وتعالى.

فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصيراً}

وليس التأخير تأخير عجز ضعف ، سبحانه ، بل يؤخرهم ليتوبوا من ذنوبهم ، وينيبوا اليه ، قبل ان تنتهي فرصة الاجل ، ويفهم ذلك من خلال تبدل صيغة الكلام ، حيث ورد قوله تعالى ( فان الله كان بعباده بصيراً ) بعد الشرط ( فاذا جاء اجلهم ) ، والحال ان المتوقع ان يكون جواب الشرط هو ( اخذهم و عذبهم ).

فقوله سبحانه ( فان الله كان بعباده بصيراً ) دليلاً على احاطة علمه بخفايا الانسان ، ومكنون سره ، فيعرف انابته و ندمه على ما بدر منه في معصية الله سبحانه ، فيغفر له .


[1]  الروم : 41

[2] عيون اخبار الرضا عليه السلام  : ج2 ، ص 78

[3]  هود : 117

[4]  الكافي : ج5 ، ص 55