نحو ثقافة السعي

كلمة المتلفزة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس،27/صفر/ 1442 هـ ، الموافق 09/15/ 2020 م ، في كربلاء المقدسة

نحو ثقافة السعي

[وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى, وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى]

(أنفَعُ الدواءِ تَركُ المنى).

أن يكون الإنسان مخدوعاً بالأماني، وأن تمنعه التمنيات عن السعي، تلك اخطر حالة تمر على مجتمع من المجتمعات البشرية. فكم ضلَّ الناسُ طريقهم في الحياة و حصدوا الندامةَ والفشل بسبب اتكالّهم على التمنيات والاهواء؟ وكم ربح الرابحون حين تركوا ذلك واعتمدوا على هدى الله القائل: [وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى, وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى, ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى].

فهناك ثقافتان متضادتان، ثقافة الوحي التي تركز على مسؤولية الانسان عن مستقبله، وأن هذا المستقبل لا يُحاز الا بالسعي والاجتهاد؛ وثقافة الهوى التي تستبدل ذلك بالأماني الفارغة والأحلام الوردية.

فالوحي يقول لنا، لابد لنا ومن اجل تحقيق أي هدفٍ في الحياة، أن نبذل سعياً يتناسب معها، وإلا فمن يزرع (اذا) لا يحصل الا (يا ليت)! وكما يقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني              ولكن تؤخد الدنيا غلاباً

فبمقدار ما يسعى الإنسان، ويكون سعيه في الاتجاه الصحيح، فإنَّه يحصل على النتائج المطلوبة، اما من يريد النتائج من دون ذلك، فكمن يريد الشفاء من دون دواء، والنجاحَ من دون عَناء. يكون مثله كمن يستبدل السعي بالدعاء والطلب متناسياً ان الدعاء يأتي بعد السعي، وأنه (يكفي من الدعاءُ مع البِّر ما يكفي من الملح مع الطعام) كما يقول الرسول (ص).

فلو كانت الحياة بالتمنيات، وكان يُغني ذلك عن العمل، كيف التمييز بين صاحب النية الحقيقية والاخرى المزيفة؟ كيف التمييز بين الاهداف الحقيقية وبين الشعارات الفارغة؟ كيف  لنا ان نعرف من هو على هدى ممن هو في ضلالٍ مبين؟

ولذا فإن السعي الحقيقي هو الذي يكشف لنا عن الادعاءات الفارغة والاماني المزيفة. فقد جاء في الحديث الشريف: (تدارك ما بقي من عُمرك ولا تقل غداً او بعد غد، فإنما هلك من كان قبلك باقامتهم على الاماني والتسويف حتى اتاهم امر الله بغتة وهم غافلون)

وربنا سبحانه يؤكد على الصلة الوثيقة بين الإنسان وواقعه مرتين, مرة عن طريق العوامل المادية الظاهرة التي تربط بين السعي والنتيجة, فهو إذا سعى وناضل وصل الى أهدافه, فالصحة بعد المرض والغنى بعد الفقر والأمن بعد الخوف, كل ذلك رهين سعيه في السبيل القويم الذي جعله الله.. وهذا ما يؤكده القرآن في هذه الآيات: [وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى], وقوله: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه].

ومرة عبر العوامل الغيبية غير الظاهرة, حيث يؤكد الاسلام ان أي عمل يقوم به الإنسان ينعكس على واقعه شاء أم أبى, وليس بالضرورة أن يكتشف البشر كيفية ذلك, بل كثيراً ما تكون العلاقة بين العمل والعاقبة غير معروفة ومثيرة للتساؤلات, بين صلة الرحم وزيادة العمر, وانتشار الزنا وموت الفجأة, وهكذا.

ومن هنا فإن الله تعالى يبين العلاقة بين واقع الإنسان وعمله فيقول: [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ], أياً كان نوع هذه المصيبة وطبيعتها [وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ], ولو لم يكن الله رحيماً بعباده لانتهت بهم أعمالهم الى الهلاك, لأنهم يكسبون كل يوم ما يستوجب غضبه سبحانه. جاء في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام: (أما إنه ليس من عِرقٍ يضرب ولا نكبة ولا صداع ولما مرض الا بذنب). فلكي لا تصيبك ألوان العذاب تجنب الذنوب, هكذا أوصانا أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: (توقوا الذنوب, فما من بلية ولا نقص رزق الا بذنب حتى الخدش والكبوة والمصيبة, ثم قرأ: [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ]).

وبهذه الرؤية العميقة والواقعية للحياة يتقدم الإسلام خطوة على المادية, وخطوتين على القدرية, فالقدرية تعتقد بانعدام العلاقة بين سعي الإنسان وواقعه, منكرة بذلك عقلائية الأنظمة الحاكمة على الكائنات, أما المادية العمياء فتعتقد بأن نظام الكون عقلائي, ولكنها لا تعترف الا بالعلاقات الظاهرة في هذا النظام, منكرة العلاقات الخفية التي كشفها الغيب.

بينما الاسلام بواقعيته يؤمن بعلاقة أكيدة بين سعي الإنسان وواقعه, مرة عن طريق العوامل المادية الظاهرة, وأخرى عن طريق العوامل الغيبية, وذلك انطلاقاً من الاعتقاد بأن كل ما يجري على الإنسان, بل كل ما يجري في الحياة, إنما هو بعلم الله وبإذنه, وهو لا يمنع أو يأذن إلا بحكمة بالغة يعلمها عز وجل, وهو القائل: [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ].

حاجتنا الى ثقافة السعي

ولكي نعالج ما نحن فيه من مشاكل، ونتجاوز ما يمر بنا من ازمات، فإننا بحاجة الى التغيير الثقافي، ومن جملة ذلك هو ان نغيِّر ثقافة الكسل والتواكل، الى ثقافة السعي والاجتهاد والانتاج والتوكل. وأن نستبدل ثقافة العطاءِ بثقافة الاخذ. فبعد كل عمل بدل ان نفكر بكمية مكاسبنا منه، نفكر بمقدار العطاء الذي قدمناه والانتاج الذي انتجناه. وهذا التغيّر يستطيع ان يحوّل الانسان الى كتلة كبيرة من النشاط والحيوية والعمل بعيداً عن التفكير بالذاتيات والمصالح الشخصية.

وقد شاءت ارادة الله، أن يُكتب الاطمئنان والارتياح لمن غلب بناءُه هدمَه، وانتاجُهُ استهلاكه، وعطاءُه اخذَه. اي حينما يكون المجتمع مُنتِجاً فإنه يتقدم كل يوم خطوةً الى الأمام.

فمن جهة نحن بحاجة الى ترسيخ ثقافة المسؤولية، أي مسؤولية الانسان عن واقعه، تلك التي بيَّنها القرآن الكريم بقوله: (إن احسنتم احسنتم لأنفسكم)، ومن جهة اخرى اشاعة ثقافة السعي والاجتهاد والنشاط والحيوية والتوكل على الله سبحانه.

وبدوري أنا أشير إلى مجموعة من التوصيات والنصائح التي تصب في تغيير واقعنا جذرياً وبالذات الإداري والاقتصادي:

التوصية الأولى:

الاعتماد المتزايد على الكوادر الشابة المفعمة بالطاقة، اذ لابد من العمل وفق آلية معينة على استبدال الكوادر القديمة باخرى شابة، خصوصاً ان نسبة الشباب في مجتمعنا كبير جدا، فلابد من اعطائهم الفرصة المناسبة والكافية. ومن جهة اخرى فإن استمرار الموظف لفترة طويلة في نفس الموقعية يُتعبه و يخفض من مستوى ادائه الوظيفي، فينبغي ايجاد فرصة اخرى له تتناسب مع قدراته وتكون محترمة ومتناسبة مع الخدمات التي قدَّمها في سنين حياته. ومن تلك الامور مثلاً انشاء مؤسسات اقتصادية رديفة و ايجاد فرص العمل الحر بتأييد الدولة.

التوصية الثانية:

تخفيف العبء عن الدولة، لأن امكانيات الدولة محدودة، والتضخم في جهاز الدولة يؤدي الى امتصاص جميع وارداتها.

 فاولى أولويات الإصلاح الاقتصادي ينبغي أن تكون في الخصخصة، فليس بالضرورة أن تقوم الدولة بكل شيء، بل لابد أن يُحدث توازناً بين الدولة وبين القطاع الخاص. ويمكن ان يسري ذلك حتى على بعض الامور التي تؤديها الدولة كالمكاتب الخاصة باصدار الجوازات والوثائق الرسمية بالتنسيق مع الدولة نفسها، لكي يتجاوز المواطن حالات الزحام وتأخير الامور في دوائر الدولة. ولكن بشرط ان لا يؤدي ذلك الى تنصُّل الدولة عن واجباتها تجاه المواطنين.

التوصية الثالثة

الاعتماد المتزايد على التقنية الرقمية، والحكومة الالكترونية. ففي وقت يشهد العالم تطوراً كبيراً في الاعتماد على التقنيات الحديثة لازلنا نعتمد الاساليب القديمة.

ومن ذلك مسألة التعليم الالكتروني والمتبع منذ سنوات طويلة في دول العالم، والتي شاهد العالم كله اهميتها في جائحة كورونا.

التوصية الرابعة:  

تعديل القوانين، فحينما تكون القوانين قديمة ومعقدة، يتسبب ذلك في زيادة المشاكل والضغط على المواطن من جهة، ومن جهة أخرى تكون سبباً في زيادة الفساد و تكريس التخلف في البلد.

ومع انَّ تغيير القوانين امرٌ صعبٌ ومعقد جدا، ولكن لابد من البدء بذلك. فينبغي تشكيل العشرات من مراكز الدراسات يعتمد عليها البرلمان، وكذلك وجود لجان مختصة في الوزارات لمعرفة القوانين التي تعرقل النمو والنهضة بالواقع المعاش. كما يمكن ان تستعين السلطات الثلاث بجامعاتنا وتستشيرهم في معرفة مواطن الخلل في القوانين المتبعة.

وفي الختام؛ نحن اليوم أمام مشاكل عديدة لابد من إيجاد الحلول الكافية لها, والحكيم من اتعظ بالتجارب, والاعتماد الكلي على بيع النفط أمر في غاية الخطورة، وما هبوط أسعار البترول وما شاكل ذلك من ضغط اقتصادي علينا الا انذارٌ لنا لنفكر بصورة جادة في تنويع مصادر الدخل و تحديث اساليب العمل، وتحويل نظام الدولة الى حال تكون فيها أصغر حجماً وأكثر عطاءً إن شاء الله.