كيف نحوّل الأزمة الى فرصة؟

كلمة المتلفزة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس،02/ ذي الحجة/ 1441 هـ ، الموافق 07/23/ 2020 م ، في كربلاء المقدسة

[أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ]

ما إن يخرج الإنسان إلى هذه الدنيا ويعي وجوده فيها حتى تبدأ رحلته مع الابتلاءات والفتن, وبمختلف أنواعها وأشكالها, صغيرة وكبيرة, أمراض ومصائب, فقر وظلم, مشاكل وأزمات, وعلى مستوى الفرد مرة وأخرى على مستوى المجتمع أو العالم.

فما هي حقيقة الفتن والابتلاء؟ وما هو الموقف الصحيح الذي ينبغي للإنسان أن يتخذه تجاهها؟

للإجابة نقول؛ على الإنسان ان تكون له اطلالتان على الطبيعة من حوله:

الأولى: إطلالة علمية, وهي أن تكون له معرفة خاصة بالحقائق, فيتعرّف على ما ينفعه, وما يضره, وكيفية التعامل مع كل شيء من حوله, وقد جعل الله سبحانه في الانسان قدرة هائلة على كشف الحقائق والتعرف عليها، وهذه المعرفة والكشف للحقائق هو معنى العلم.

الثانية: الإطلالة الحِكَمية أو الفلسفية, وهي النظرة العامة إلى الأنظمة الحاكمة, وعلى النفس, وعلى الطبيعة.

والفرق بين الإطلالتين, أن الإطلالة العلمية تهتم بالتعرف على الجزئيات, بينما تهتم الإطلالة الفلسفة بالأطر العامة والقوانين الكلية.

فمن مشاكل البشرية اليوم أنهم توغلوا في التخصصات العلمية ومعرفة الجزئيات بدرجة كبيرة، حتى صارت حجاباً و حاجزاً عن معرفة الحقائق الكبرى. فانشغل البشر بمعرفة تلك الجزئيات عن معرفة الغايات والاهداف الكبرى. فصار مثله كمن يفكر في تفاصيل سيارةٍ يركبها، ولا يفكِّر في الاتجاه الذي ينبغي ان تسير فيه السيارة، او كمن يفكر في أمور حياته يوماً بيوم، دون أن يعرف غايته في هذه الحياة أصلاً.

فالبشرية اليوم تتحرك مسرعة نحو تقوية الاقتصاد وايجاد التنمية في بلدانها، أي من اجل الحصول على اقتصاد قوي ومستقر، لكن اذا سألتهم ثم ماذا؟ يحيرون في ذلك جواباً. وكذلك في غيرها من القضايا الكبرى.

فالبشرية اليوم أحوج ما تكون إلى الحكمة، والى معرفة الغايات والاهداف الكبرى، والتعرف على فلسفة الحياة واهدافها. لكن أين يمكن أن تجد ذلك؟

القرآن الكريم ينبوع الحكمة

تتجلى الحكمة بأبهى صورها في كتاب الله المجيد، اذ ان الله سبحانه وتعالى ارشدنا الى تلك الحقائق وبيّنها لنا في كتابه، ولذلك تجد المؤمنين حين ينفتحون على كتاب ربهم يستوحون منه الحقائق المختلفة, ومن ثم يتعرفون من خلال ذلك على حقائق الكون، فيبصرون حقائق الحياة ويفهمون فلسفتها، ولذلك تراهم يدركون الحكمة وراء الفتن والابتلاءات.

إذاً ما هي الحكمة من وراء الفتن والأزمات؟

فما هي حكمة الفتنة والابتلاء؟

أهم ما في الابتلاء انه يستخرج جوهر الانسان، ويُظهر معدنه الكامن. فلولا الإبتلاءات لعاش الانسان حياة بسيطة، من دون تفكير في اصلاح نواقصه و بناء شخصيته. فحين تهجم الفتنة على الانسان يبدأ رحلته اما بتحديها فيتكامل ويسمو، واما يستسلم لها فينهار ويسقط.

وقد نشأت أولى الحضارات البشرية حين واجهت القبائل البدائية ظروفاً صعبة، فتحدت تلك الظروف وابدعت في وسائلها، ولذا فقد قال فلاسفة التاريخ (ان الحضارات تبدأ بالتحديات).

ولكن السؤال الأهم الذي حيّر العلماء وفلاسفة التاريخ: ما الذي يدفع شعباً الى التحدي ويمنع الآخر؟ فقد نجد شعوباً مرّت بابتلاءات مشابهة، فتحدّى بعضها وبنى الحضارات و استسلمت الاخرى ففشلت وانتهت؟

الاجابة لهذا السؤال تكمن في “الثقافة ” فاذا كانت ثقافة الشعب صحيحة، ومبنيةً على المواجهة والتحدي تقاوم وتواجه، واذا كانت فاسدة ومليئة بالافكار الاستسلامية – كالجبرية والقدرية- يضخع الشعب للظروف. ولذلك فإننا لابد ان نأخذ من القرآن الكريم ثقافته النقية والتي تبث في الانسان روح المسؤولية وروح العمل والاجتهاد، وتعلمه كيف يواجه الامتحانات والابتلاءات الكبرى بالتوكل على الله سبحانه.

وهكذا فإن المؤمن الحقيقي يكون متحدياً، والمتحدي وحده من يستطيع أن يحوّل الغصة الى فرصة، والنقمة الى نعمة، ويغيّر المشاكل مشاعل، ويتخذ من الصعوبات معراجاً الى الكمال.

ولكن كيف يفعل المؤمن ذلك في خضم التحديات الكبرى؟

 يكون ذلك بالاعتماد على الله تعالى، فزاد التحدي هو الإتصال بالله؛ فمنه يستلهم العبدُ القوة والعزم والارادة، لأنه يستشعر بوجوده أن المهيمن والمسيطر والمدبر هو الله، وما من شيءٍ الا وهو خاضعٌ له وتحت ارادته. فيزداد المؤمن بالتوكل قوةً وصلابة.

وقد ورد في سيرة الرسول المصطفى (ص) كيف أنّه كان في كل المواقف الصعبة وعند التحديات الكبرى، يصلي لربه ركعتين او يسجد له سجدات ثم يعزم على المواجهة والتحدي.

كورونا فرصةٌ ام غصة؟

ومن الأمثلة المعاصرة في التحديات، هو الأزمة الكبيرة التي يمر بها العالم اليوم متمثلاً بهذه الجائحة، حيث عصفت بالعالم كله وتركت اثارها الكبيرة على الحياة، من توقف عجلة الاقتصاد في كثيرٍ من الدول المتقدمة، الى الاثار الاجتماعية والسياسية المختلفة. واذا عرفنا ان العالم اليوم كقريةٍ صغيرة يؤثر ما يحدث في بعضه على الاخر، فان هذه التأثيرات الاقتصادية ستؤدي – شئنا ام ابينا- الى كسادٍ عالمي يمكن ان تلقي بظلالها على العالم وتدفعه نحو مصاعب اكبر كالحروب والصراعات الدولية.

والأهم من ذلك؛ كيف لابد أن نتعامل مع أزمة كورونا؟

الجواب: عند الأزمات يبقى الكثير من الناس مكتوف الأيدي، فلا يحرك ساكناً, وينتظر مرور الأزمة وعودة المياه الى مجاريها فيتخذ طريق الانطواء والتقوقع والهروب من التحدي.

بينما يكون الحل الصحيح هو في تحدي الظروف اما بايجاد حلول لها، او بتغييرات في الحياة حتى لا توقف تلك الازمة عجلة الحياة. وقد رأينا خلال هذه الجائحة اولئك الذين استفادوا من ظروفها الخاصة، وحوّلوا فترة الحجر المنزلي من غصة الى فرصة، فانفتحوا على عوائلهم و عملوا على تقوية الاواصر البينية لتكون اكثر تماسكا، كما تقربوا الى ربهم بالعبادة والذكر فازدادوا ايماناً وتقوى، فصاروا اكثر خشوعاً في صلواتهم وتضرعا في ادعيتهم ونشاطاً في طاعاتهم. ونظر اخرون في هذه الفترة الى ماضي حياتهم فاعادوا النظر في بعض جوانبها، وخططوا لمستقبلهم.

أما على مستوى الشعوب، فقد كشفت أزمة كورونا  أهم الثغرات في عمل الدول المختلفة، ولذا شكلت فيها المزيد من مراكز الدراسات لبحث مواضع النقص التي كشفتها هذه الجائحة وكيفية مواجهتها, فقديماً كانوا يقولون أن الحروب قاطرة الحضارات, أي أن الكثير من الصناعات تكونت أثناء الحروب وبعدها, لأن المنهزم يبحث عن أسباب هزيمته, فيكتشفها ويعالجها فيتقدم.

كذلك نحن اليوم، حين اغلقت علينا ابواب الاستيراد – بسبب القيود الموجودة في ظل الجائحة- فلابد ان نسعى وراء تطوير الزراعة والصناعة.  كذلك كشفت لنا هذه الجائحة الفوارق الطبقية الفاحشة في مجتمعنا، فلا ينبغي ان يعيش قسم من المجتمع اشد انواع الحرمان، في وقتٍ يتفنن الاخرون في هدر الاموال، وهم ابناء بلدٍ واحد ومجتمعٍ واحد. 

كذلك كشفت هذه الجائحة عن الايجابيات الكامنة في الفضاء الرقمي، والذي يمكن ان يكون بديلاً عن بعض الامور في بلادنا.

وختاماً، لابد ان نتعامل مع هذه الأزمات على أنّها فرصة، فرصة لتطوير بلادنا والذي ينبغي ان يكون على مستويين، على الجانب الفردي  من جهة، وعلى مستوى البلد كله من جهة اخرى، وذلك لكي نخرج من هذه الظروف العسيرة التي تمر بنا، ونكون اكثر استعداداً وقوة لكل ما يمر بنا من فتن وابتلاءات، ان شاء الله.