نحو نهضة حقيقة في الواقع التعليمي

كلمة المتلفزة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 17/ ربيع الاخر / 1442 هـ ، الموافق 12/03/ 2020 م ، في كربلاء المقدسة.

[فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ].

تبسَّم النبي سليمان (ع) حين سمع نداء النملة قائلة: (يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) تبسّم لأنه انتبه الى عظم الحضارة الالهية التي انعم الله عليه بها، ولعلمه لأنها لا تدوم الا بالشكر، ولأن الشكر لا يكون باللسان فقط بل لابد من تحويله الى عمل لوصية الله له (اعملوا آل داوود شكرا)؛ لذلك كله طلب من الله تعالى ان يعينه على شكرها، ذلك الشكر الذي يكون بتهيئة وسائل ديمومة النعمة واستمرارها، فقال الله تعالى على لسانه:

(رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ)

وهذه السنة الالهية نريد ان نطبقها اليوم على الواقع التعليمي في بلادنا. ذلك لأن اي شعبٍ لا يمتلك القدر اللازم من المؤسسات التعليمية والمعرفية الناجحة، فإنه محكوم بالفشل وضياع مستقبله عاجلاً او آجلا. ويتأكد ذلك في البلدان التي تعاني من تراكمات طويلة لآثار التخلف وسلبياته، فإنها لا تستطيع ان تنهض من دون الاهتمام الكافي بتلك المؤسسات. اما البلد الذي يهتم الجميع فيه بالجانب التعليمي، وترى الاهتمام الكافي ينصب عليه من قبل ابناء الشعب والمسؤولين سواء، فهذه البلدان تملك مقوماً من مقومات التقدم.

ولأننا نتطلع الى التقدم، ونطمح الى العلوّ في الارض، وان نكون من الامم المتقدمة حضارياً ونساهم بتطوير الحضارة البشرية ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجه العالم، فإننا بحاجة الى المزيد من الاهتمام بالتعليم بكافة اتجاهاته.

ونحن اليوم حين نعيش بداية العام الدراسي الجديد، وخصوصاً مع الخشية من تراجع المستوى العلمي والمعرفي بسبب الظروف الاستثنائية التي نمر بها، لنا مجموعة من التوصيات التي نأمل ان تساهم في تطوير شعبنا حضارياً وترسم خارطة طريقٍ لكل سالكٍ او عاملٍ على طريق العلم.

اولاً: العلم لا المعلومات

ليس العلم حشواً للمعلومات وتراكماً للمحفوظات، وإنما العلم الحقيقي هو التحول والتطور الحقيقي في الإنسان, عبر إنهاض العقل وإثارته وتفعيل دوره في اكتشاف الحقائق. ولذلك تجد الكثير من منا يعاني من كثرة المعلومات وقلة العلم، فلا تورث معلوماته له عقلاً ولا تساهم في انهاضه وتنميته. فهو كثير المعلومات، لكنه قليلاً ما يستفيد منها في الواقع العملي وعموم الحياة.

ولا ننسى أن عمق التخلف الذي نحن فيه لا يمكن أن نتجاوزه من دون أن نتقدم في تحصيل المزيد من العلم والعلماء في مختلف الأبعاد العلمية والمعرفية.

ونحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يتخرّج فيه أبنائنا من الجامعات ليجلسوا ويشكلوا العديد من المراكز البحوث والدراسات, وعبر جهودهم المتواصلة وأبحاثهم الإبداعية يستطيعون أن يغيّروا ويصلحوا وضع أمتنا.

ثانياً:  الهدف المقدس

أن يحمل هدفاً مقدساً بدراسته، ويبتعد عن الاهداف التي تحقق طموحات ومصالح ذاتية. فينبغي ان يوجَّه هذا الجهد في اتجاه مرضاة الله [وأن أعمل صالحاً ترضاه]. ,

ومن ذلك أن يُخلصوا نياتهم لله تعالى، لأن (من اصعد الى الله خالص عبادته، اهْبَطَ اليه افضل مصلحته) كما تقول الصديقة فاطمة الزهراء (ع).

فالطالب الذي يدخل مدرسته أو جامعته وهو يردد: (بسم الله وعلى الله أتوكل, وفي سبيله أقضي هذه الساعات), فإنه سيتوجه في الدراسة نحو الاتجاه الصحيح وسيعينه الله – ان شاء- على امره. و قد تعلمنا منذ الصغر, أن نقرأ حين دخول الدرس: (اللهم إني أعوذ بك من أن أجهل أو يُجهل عليّ),.

فنحن اليوم بحاجة إلى الإخلاص. فالعلماء – في علوم الدين او الدنيا- اما خيارين: يمكن ان يكون عالماً مخلصاً يخدم شعبه و اهله، ويساهم في تطورهم وتقدمهم، ويمنع عنهم الانحراف والاخطار؛ بل يمكنه ان يغيّر وجه الارض ومسار التاريخ بفعله.

ومن جهة اخرى يمكنه ايضاً ان يبيع علمه بثمنٍ بخس، ويستغل علمه في سبيل الشر والباطل، ويكون من اولئك الذين ارتكبوا افعالاً تندى لها جبين الانسانية، ويصبح خادماً وسلاحاً بيد السلاطين واصحاب الهوى والشهوات. فلنفكر من اي الفئتين نريد ان نكون.

ثالثاً: تزكية النفس

علينا أن نعمل على تزكية أنفسنا, لأن العلم قوة عظيمة وطاقة هائلة, فإذا كان الإنسان عالماً ولم يكن مزكياً لنفسه وضابطاً لشهواته, فإنه يشكل خطراً وضرراً على البشرية, فلابد أن يسبق العلم تهذيب النفس وتطهيرها, ولذلك نجد أن القرآن الكريم قد أشار إلى هذه الحقيقة قائلاً: [هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين],

وهذه التزكية ليست من وظائف الطالب نفسه فقط، بل على الأساتذة والمربين أن يهتموا بخُلق تلامذتهم وطلابهم، وبالذات في المراحل المتقدمة من الدراسة الابتدائية والمتوسطة, ذلك لأن الطالب الذي يستطيع أن يتقدم في العلم والمعرفة هو من استطاع أن يطهّر نفسه من الشهوات والأهواء, وكل ما يعكّر صفو النفس وطهرها.

رابعا: مساندة اهل العلم

 علينا كشعب ومواطنين أن نساعد ونسدد الذين يهتمون بالتعليم ويشاركون فيه، من المعلمين والأساتذة والتربويين. كما وعلى المسؤولين أن يوفروا لهم الحاجات الضرورية لحياتهم, لكي يتفرّغوا للتعليم وتربية الأجيال الواعدة. وعلى الآباء الاهتمام بأبنائهم وتشجيعهم وتحفيزهم ومتابعتهم في دراستهم ليتقدموا فيها.

خامساً: الوفاء بحق الآباء

ينبغي لكل طالب وفي أي مرحلة دراسية أن يشكر والديه اولاً،  ثم شكر كل من سانده وقدم له العون والنصيحة. فربنا سبحانه وتعالى يقول (أنِ اشكر لي ولوالديكَ اليّ المصير) وبعد ذلك لابد أن يسعى بجهده الحثيث أن يكون أمل الأمة الواعد.

فمن اجل مستقبل واعد، ومن اجل نهضة حقيقة نحو حياة كريمة، لابد أن نجنّد جميعاً كل الطاقات الممكنة لتطوير البُعد العلمي في المجتمع؛ من بناء المدارس والجامعات الحكومية، وتطوير القطاع الخاص الذي لا يهدف الى الحصول على المال وانما يبتغي توسيع رقعة التعليم وتطويره كماً وكيفاً؛ وهذه مسؤولية مشتركة بيننا والتي تزداد اهميتها يوماً بعد يوم وخصوصاً في التحديات الكبرى التي نواجها ويواجهها المجتمع اليوم.