مسؤوليات الأحزاب السياسية للنهوض بواقع العراق

كلمة المتلفزة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 24/ ربيع الاخر / 1442 هـ ، الموافق 12/10/ 2020 م ، في كربلاء المقدسة.

[وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ].

خلق الله الخلق بأحسن تقدير, فجعله بعيداً عن النقص, ثم خلقنا نحن البشر لنتكيّف مع خلقه ونهذّب أنفسنا وسلوكنا وأعمالنا وفق سننه الجارية في الطبيعة.

ولكي نحظى بالعيش السعيد لابد لنا من معرفة أنظمة الله الحاكمة في الخليقة, وأنظمته الحاكمة في المجتمعات, ثم كيفية التعامل مع بعضنا البعض, وكيفية التعامل مع الطبيعة, تلك الأنظمة التي يسميها الله تعالى بالسنن, والذي أخبر بأنها ثابتة لا تتغير أو تتحوّل. وإن معرفتها ليس أمراً سهلاً, وإنما يتطلب جهداً وتوجهاً حقيقياً. ولكي نعرفها ينبغي علينا أن نسلك مسارين أساسيين: مسار العقل ومسار الوحي.

فالوحي يحدد لنا الخطوط العريضة التي تهدينا إلى التعامل مع الطبيعة, ومن بعده العقل الذي يهدينا الى العلم والمعرفة والتجارب النافعة, والتي تنفعنا في تحديد المصاديق الجزئية, وهذا ما سعت إليه العلوم البشرية منذ أن بدأ الإنسان بالبحث والتجربة وحتى هذه اللحظة, فهي تهدف إلى سعادة الإنسان عبر التكيف مع السنن الالهية, التي ان تجاهلها الإنسان ستؤثر سلباً على حياته شاء ذلك أم أبى, ولا يكون نصيبه إلا الحرمان والفتن والابتلاءات من أمراض وكوارث وموت الفجأة وغيرها.

 ذلك فيما يرتبط بسائر النعم الإلهية والقوانين الطبيعية, وقد تجلت تلك الحقائق واضحة في بلادنا من خيرات ونعم وإمكانات وعلى مر التاريخ, فاستحق العراق لقب (أرض السواد) بجدارة, لما تمتع بوفرة الزراعة من النخيل والأشجار, وقيل أن وزيراً عمل عملاً حسناً للخليفة, فأراد الخليفة أن يكرمه فقال له اطلب شيئاً: فقال الوزير: أريد أرضاً بوار في العراق..! فبحثوا فما وجدوا أرضاً بلا زرع..! وهذه واحدة من عشرات الخيرات والمميزات التي خص الله بها هذه البلاد وسكانها, من عقول نيرة ومتميزة, وأخلاق فاضلة وعالية, لا سيما أنها مهد الحضارات والرسالات, وبلد المقدسات والأئمة الأطهار عليهم السلام, وأن مراقد عترة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله لهي أكبر دلالة على مدى اتصال الشعب العراقي بأولياء الله واستمدادهم من قيم الوحي وتفاعلهم معها وتربيهم على نهجها.

ولكن: هل يستطيع أبناء العراق أن يعيدوا مجدهم فيكونوا أصحاب العزة والكرامة..؟

نعم؛ إننا قادرون على ذلك, ولكن من أين تبدأ المسؤولية..؟

لا شك أن المسؤولية لا تقع على عاتق شخص واحد, وإنما تقع على كاهل الجميع, فاليوم ونحن على أبواب انتخابات مبكرة, يجب أن نطرح السؤال التالي:

ما هي مسؤولية المؤسسات السياسية بجميع أصنافها؟

 أولاً: مراعاة مصلحة وحدة العراق, ليس الوحدة السياسية فقط, وإنما الوحدة المجتمعية أيضاً, والتي لا تقل أهمية عن الأولى.

لأننا اليوم في العراق أحوج ما نكون إلى السِلم المجتمعي, وبالأخص أننا نمر بخروقات وانتهاكات عديدة لمعنى الحرية في استخدام الإعلام من قبل البعض من أبناء هذا الشعب, مما تؤدي الى زيادة البغضاء والتمزق بين أبناء بلدنا, وبالأخص أننا نجد سوء استغلال الحرية.

ومن هنا فإننا نطالب السياسيين أن يكون لهم برنامج يوحد الشعب ويهدف تحقيق السلام المجتمعي, عبر البرلمان المستقبلي, كما وينبغي أن يتم تأسيس برامج متعددة ومتنوعة, تهدف تحقيق آمال الشعب العراقي وطموحاته وقيمه وآراءه.

 وهكذا لكي يكون البرلمان بوتقة تنصهر فيها كل الخلافات, وتتكامل فيها جميع الآراء والنظريات, على عكس ما هو موجود اليوم من صراع وخلاف محتدم بين الأطراف, فليس من سنن الدين ولا من شيم الشعب العراقي أن يجلسوا في مجلس ليفرّقوا ويتفرّقوا, وهذا كتاب الله الحكيم يحدثنا عن المهاجرين والأنصار, فعلى الرغم من بعد المسافة فيما بينهم فإنه تعالى ضمهم إلى المسلمين وقال عنهم [فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ], وآيات أخرى عديدة تحفّز فينا روح الوحدة وتوحيد الصف, وفي سورة الحجرات يقول الله عز وجل: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ], فهل هناك تعبير أفضل من هذا نعبّر به لبيان ضرورة وحدتنا؟!

وإن توحيد الصف والوصول إلى الأهداف المشتركة يتم عبر الاستفادة من جميع الخبرات والآراء والطموحات لأبناء هذا الوطن, ولا نختلف أن هذه المسؤولية هي الأولى والأساسية, والتي تقع على عاتق كل من له وجود واشتراك في إدارة سياسة هذا البلد – أنى كان موقعه – .

كما ولابد أن يتطلّع كل ذو شأن سياسي, وكل حزب أو جماعة أو حركة سياسية, أن يتطلعوا إلى مرضاة الله أولاً, ومن ثم تحقيق مصالح الشعب بكل فئاتهم, من أدنى جنوبه إلى أعلى شماله, فقرائه وأغنيائه, علمائه وعوامه.

ويوم القيامة لا تزل قدم أحد منكم أيها السياسيون قبل أن تسألوا عن هذه الأهداف, فإن كل ما تفعلوه من تبريرات لأفعالكم وأخطاء في حقوق الناس, وإثارة التفرقة وإراقة الدماء ستوقفون هناك وتسألون: [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ], ففي المحشر سنقف جميعنا للحساب, نحاسب على كل كلمة, على كل نفس تنفسناه, فكما ورد في الحديث الشريف: (من أعان على مؤمن بشطر كلمة حشر يوم القيامة ومكتوب على جبهته آيس من رحمة الله), فكيف بمن يرفع السلاح على أخيه ليقتله بدم بارد..! كما هو اسلوب الصهاينة والمستكبرين, يقتلون الناس ثم يبررون بأتفه التبريرات! فليس ذلك من عادتنا ولا هو من قيمنا, فإن كان لكم أسلحة وشجاعة لابد أن تدافعوا بها عن بلدكم لا أن تقتلوا فيها إخوانكم من الناس الأبرياء.

ثانياً: وعلى السياسيين أن يفهموا أن الوصول إلى الحكم ليس هدفاً بذاته, وإنما قد يكون نقمة وبلية على صاحبه إذا لم يخلص في عمله, ولو كان الوصول إلى الحكم قيمة لكان الطغاة والمستكبرين من أهل الجنة, فالحكم ليس مقياساً وإنما المقياس الإخلاص والعمل الصالح وخدمة الناس.

ثالثاً: إننا نطالب المسؤولين السياسيين الذين يريدون الوصول الى الحكم بأمرين أساسيين:

الأمر الأول: أن يفتشوا بين أبناء شعبهم عن أهل الكفاءة والإخلاص والدين, لكي يؤدوا أدوارهم على أكمل وجه, وبالذات أن أبناء الشعب العراقي فيهم الكثير من العناصر الواعدة التي لها القدرة والرغبة على خدمة بلدهم وبكل تفاني وإخلاص. وهذا ما تقوم به الأحزاب السياسية في جميع دول العالم, ففي البدء يفتشون عن الكفاءات ثم يوفرون لها المسار الصحيح إلى الحكم, سواء على صعيد المسؤوليات الحساسة والهامة, أو التي تقل أهمية منها.

الأمر الثاني: البحث عن المشاريع التي تساهم بتقدم البلد, سواء في البعد السياسي أو  الاقتصادي أو الاجتماعي.

 ولا يمكن تحقيق ذلك إلاَّ ببذل المزيد من الجهد والسعي لاكتشاف أفضل المسارات والمشاريع التي تنهض بتلك الأبعاد, وبالذات أن الهدف الواحد قد تؤدي إليه العشرات من الأساليب والطرق, فينبغي اختيار الأحسن منها والأضمن.

ولكن من أين تبدأ هذه الرحلة؟

1) لابد من جمع كفاءات البلد والاستفادة منها تحت إطار موحّد, ذلك لأن البلد مليء بالكفاءات من علماء الحوزات العلمية, والشهادات العليا في الجامعات, والخبراء من شيوخ العشائر, وكبار التجّار وغيرهم الكثير, وربنا سبحانه من بديع خلقه أنه لم يجعل العقول واحدة, بل جعل لكل واحد من الناس عقلاً مختلفاً عن غيره, وأعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله, ولكي تتكامل العقول مع بعضها لابد من خلق الأطر المناسبة لها كمراكز الدراسات والبحوث, وإن هذه المسؤولية تقع على عاتق السياسيين فينبغي عليهم أن ينشئوا المزيد من مراكز الدراسات, كما ويحفزون الناس على إنشاء المراكز ودعمهم بكل ما يحتاجونه, ثم لابد من بحث أهم القضايا الملحّة في البلاد من كيفية إحياء الصناعة؟ وكيفية تكوين علاقات متينة مع دول الجوار؟ وكيفية توحيد صفوف الشعب وتذويب الخلافات؟ وكيفية الاستفادة من التجارب وتحويلها إلى وقود للتقدم إلى الأمام؟ ولتبقى كل طائفة على مبدئها ودينها, فليست تلك مشكلة, ولكن الأهم أن يعمل الجميع  من أجل الهدف الواحد وتحقيق الطموح الواحد, عبر بوتقة المراكز التي تنصهر فيها جميع الأفكار وتتكامل فيها جميع الطاقات والإمكانات في البلد, كقاعدة انطلاق في مسير التغيير والنهوض بواقع البلد.

ويبدو أن سبب تقدم الغرب كان وراء مراكز الدراسات التي أنشؤوها وأعطوها الاهتمام الكافي, فعلى سبيل المثال في باريس قاموا بتشكيل نادي تحت عنوان (نادي باريس) و(نادي فينا), وغيرها الكثير, ثم اجتمعت فيما بينها لتكون عملاً جماعياً كبيراً من أجل بلورة الرؤية وتوحيدها في جميع المجالات, الفلسفية والسياسية والاجتماعية وغيرها, أما نحن فلا تخلو بلادنا من مراكز الدراسات, ولكنها أما مراكز هزيلة أو قليلة أو لا تعطى من الاهتمام ما يكفي لتكون مثمرة.

2) يجب إنشاء مراكز تهتم بجمع آراء الناس, فلكل مواطن من الشعب له رأيه ونظرته واعتباره, ولا يمكن التهاون به, ذلك لأنه كأي إنسان آخر, وخلق الله الإنسان وجعله مكرماً ومحترماً, فلا يمكن التغافل عن صوته, ثم أن كل شخص يرى الحقيقة من زاوية, وأعلم الناس من جمع علوم الناس إلى علمه.

فعبر الاستفتاءات والاستبيانات والندوات والطرق المختلفة, نستطيع أن نلملم شتات الآراء في الأمة ونحولها إلى قواعد عملية ونستفيد منها في حركتنا السياسية الواعدة.

3) نحن لسنا أول الأمم التي تحاول النهوض بواقعها, وإنما هناك الكثير من الأمم كانت تعيش واقعاً مظلماً ونشدت النهوض واستطاعت أن تغير من واقعها, فدولة الصين كانت ذات يوم من الدول المتخلفة والنامية, بل وكانت مثالاً للفشل والتخلّف, ولكنها اليوم أصبحت من كبار الدول في العالم بل واستطاعت أن تجعل نفسها في مصاف الدول الحضارية, كما وقد شهد التاريخ تحولات سريعة لدى بعض الدول المتخلفة, فبينما هي سنين معدودة وإذا أصبحت في مصاف الدول المتقدمة, أفلا يحق لنا دراسة تجارب تلك الدول؟ واستقدام الخبراء منها؟ بلى؛ إن ذلك ممكناً فالنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله قال: (اطلبوا العلم ولو بالصين), والنبي قال هذه الكلمة في زمن كان الوصول الى الصين يستغرق من الوقت قرابة السنتين, وهكذا فالمؤمن يبحث عن الحكمة ويأخذها أيمنا وجدها.

إذاً علينا أن ندرس التجارب الناجحة في العالم وان نستفيد منها وبالذات الاستفادة من الخبراء والمختصين أينما وجدوا, وبالتالي يجب أن يكون لدى أي تجمع سياسي أو حركة سياسية أو ائتلاف سياسي, يكون لديهم وزير داخلية الظل, ووزير خارجية الظل, ووزير مالية الظل, أي يكون عندهم عناصر مؤهلة لتمسك زمام المناصب في المستقبل, وهذه تجربة حاضرة وناجحة في كل العالم.

فإن أردنا أن نتقدم يجب أن تكون المؤسسات السياسية عندنا بالمستوى المطلوب, ذلك لأنها بمثابة الأعمدة للدولة, فإن هي صلحت, صلحت الدولة, وإن ضعفت أو فسدت, فإن ذلك نذير بفساد الدولة وانهيارها.

وكلمة أخيرة – سجلوها عليَّ إن شئتم -:

إذا لم يقم السياسيون والأحزاب والمنظمات والإعلام الحر بواجبهم, ولم يخلصوا في عملهم, فأبشرهم بتكرار ديكتاتور أسوأ مما سبق..!

تلك هي طبيعة الدنيا, ومن يدرس التاريخ يجد هذه الحقيقة صارخة فيه. فإمامنا أمير المؤمنين عليه السلام سيد البلغاء يقول: (ظالم غشوم خير من فتنة تدوم), ذلك لأن الناس لا يمكنهم أن يعيشوا التمزق والاختلاف والصراعات بشكل دائم, ولا يمكن أن تستمر هذه الأساليب في أي بلد من البلدان, فأينما انتشرت الفوضى فإن احتلالاً يعقبها أو طاغوتاً فيصفق له الناس أملاً منهم به لتخليصهم من الفوضى والتمزّق..!

 ولذلك على السياسيين أن يفكروا بمستقبل بلدهم, لا أن يعتكفوا في غرفهم ظناً منهم أنهم الوحيدون الذين يفهمون كل شيء! كلا؛ فإنهم لا يفهمون من الحقيقة إلا جزءاً, ولا يمكن أن يستكملوا فهمهم إلا بالانفتاح على شعبهم, عبر منهج الاستشارة والاستماع إلى آراء وعقول الناس, فاليوم هو يوم مسؤولية الشعب العراقي جميعه بلا استثناء, وكذلك كل سياسي يتطلع لتحمل المسؤولية بكل صدق وإخلاص, والله سبحانه يؤيدنا جميعاً إن أخلصنا  في عملنا.