كيف تقوم حضارتنا الاسلامية من جديد؟

كلمة المتلفزة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 15/ جماد الاول/ 1442 هـ ، الموافق 12/31/ 2020 م ، في كربلاء المقدسة.

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)

تعليقاً على الاحداث الاخيرة التي جرت في الولايات المتحدة الامريكية، كتب احدهم: (امريكا الى الزوال)، ولكن لماذا؟ اوليس نجد اساطيلها الضخمة وقوتها العسكرية والاقتصادية والصناعية؟

في الحقيقة، كما ان المهندس حين ينظر إلى بناء شامخ فإنه يكون قادراً على تقييمه, فيقول على سبيل المثال أنه بناء قصير العمر, وسينهار مستقبلاً ويبين الأسباب، كذلك يستطيع الخبير ان ينظر الى حدث ومن ثم يحلل انهيار حضارة باكملها من خلال ذلك الحدث، لأنه يرى انه يدل على انهيار في القواعد التي تعتمد عليه الحضارة باكملها.

فما هي القواعد والقيم الأخلاقية التي اعتمدتها أمريكا فاستطاعت عبرها أن تشيد أكبر حضارة في تاريخنا الحديث بعد الحرب العالمية الثانية؟

الجواب:

من القيم التي اعتمدتها أمريكا هي المساواة, وتحكيم القوانين, ومواجهة العنصرية, وكذلك تصحيح وإصلاح الطبقية, والاهتمام بالإنتاج والعمل, وما شابه ذلك, وعلى أساس تلك القيم استطاع شعبها أن يقيموا حضارتهم المنشودة.

ولكنها بعد أن تخطت تلك القيم بدأت بالتسافل والسقوط، ذلك لأن القيم هي التي تشكل قواعد بناء الحضارات, فما إن تتزعزع القيم تتلاشى الحضارة, و لكن متى؟

(لكل اجلٍ كتاب).

ولكن الله سبحانه وتعالى، قبل أن تسقط الحضارات بسبب ابتعادها عن المنهج الالهي، يبعث لها مبشرين ومنذرين لينقذها ويجنبها مسير الدمار، فإن سمعوا وصححوا مسارهم اهتدوا والا هوت بهم ضلالتهم الى وادٍ سحيق.

الم نقرأ قوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ)

فقوم يونس عليه السلام لما أرادت أن تهوي حضارتهم إلى السحيق أنقذهم الله – بعد أن تابوا واصلحوا- ومتعهم إلى حين. وكذلك الأمر بالنسبة الى حضارة العرب, التي قامت على أساس القيم الالهية التي ورثتها من مبادئ الحنفية الابراهيمية، فإنها حين انحرفت و كادت ان تزول بما غلب على طابع اهلها من الفساد والانحراف، بعث الله إليهم نبيه محمد صلى الله عليه وآله فأنقذهم من السقوط والدمار, ومن ثم انبعثت الحضارة فيهم من جديد وبروح الإسلام وقيمه وقواعده الرصينة.

فهذا امير المؤمنين (ع) يؤرّخ لتلك الحقبة التاريخية في خطبته قائلا: (أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَاعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَانْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ وَدِثَارُهَا السَّيْفُ.) (نهج البلاغة، الخطبة 89)

وعند مراجعة التاريخ نجد أن العرب ايام الجاهلية كانوا أذلة خاسئين يخافون أن يختطفهم الناس من حولهم , ولكنهم بعد مجيء النبي المنقذ محمد صلى الله عليه وآله أصبحوا أمة مجيدة يدها الأولى في الصين, والأخرى في بلاد الأندلس, وقدمهم الأولى في قلب أوربا, والأخرى في أواسط أفريقيا, وإذا بهم يتمتعون بتلك الدولة الكبيرة والمسيطرة, حتى أن أحد حكّامها كان يقول للسحب: (أمطري حيث شئتِ وشرقي وغربي فإن خراجك إليّ), واستمرت تلك الحضارة ما يقارب الـ(600 عاماً), ذلك لأنها كانت قائمة على أساس القيم والمبادئ, كقيمة التعاون والاجتهاد والعمل والحفاظ على حقوق الآخرين وغيرها من قيم الإسلام السامية, وبالتأكيد أن تلك الفترة الزمنية الكبيرة لا تخلو من الحكومات الظالمة, ولكن نور القرآن كان يشعُّ على قلوب الناس الملتزمين بتلك القيم الإسلامية, فيزيدهم ثباتاً واستقامة.

وإن بعض ملامح حضارتنا الاسلامية المجيدة كانت تبدو واضحة في موسم الحج, حيث كان المسير الى الحج من أطراف الدولة الاسلامية يستغرق خمسة أعوام ذهاباً وإياباً, والحجاج في مسيرتهم الطويلة كانوا يتمتعون بالرفاهية, فكانوا يمرون على كل مكان من دون قيود أو جوازات أو تمييز بين اللون واللغة, فكانوا أمة واحدة, ولكننا اليوم ولشديد الأسف تخلفنا عن تلك الحضارة فأصبحت حديثاً يروى عن الماضي..!

ولكن هل انتهى الأمر؟ أم يحق لنا أن نعود إلى تاريخنا؟

قبل الإجابة لابد من تساؤل: لماذا تخلفنا؟

إن سبب تخلفنا هو ذات السبب الذي يُذكر عن الولايات المتحدة، التخلُّف عن القيم. فنحن تخلفنا عن حضارتنا الاسلامية لأننا نسينا القيم والقواعد التي اعتمدنا عليها، من العدالة و الكرامة الى التعاون والمحبة والسعي والمسارعة الى الخيرات وغيرها,.

 وربنا سبحانه يقول في كتابه الكريم: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا], أي لتتعاونوا, كما وكان نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله يقول: (لا فرق بين عربي وأعجمي ولا بين أسود وأبيض), وكذلك قال: (الناس من آدم وآدم من تراب)، فكانت هذه المبادئ راسخة في عقول الناس, وكانوا يسيرون عليها كمعيار في حياتهم. ومن يقرأ تاريخ مدينة بغداد يجد أنها كانت ملجأ لجميع الناس ومن كل مكان في العالم, وكانت حاضنة للعلم والعلماء من كل مكان, مع اختلاف لغاتهم, فلما جعلنا تلك القيم وراء ظهورنا حدث الطلاق بيننا وبينها – الحضارة الاسلامية-.

ذلك لأن الحضارات حينما يطول بها العمر, فإن أبنائها الذين يرثونها عادة لا يرون قواعدها وإنما ينظرون إلى ما هو ظاهر منها, فلا يرون القيم وإنما يرون التقدم, فتغيب عنهم أسباب ذلك التقدم, ويعتقدون أن ما يرونه هو ما يبقى إلى الأبد.

بينما الحقيقة ليست كذلك, فلكل شيء سبب, فلماء يجري ما دام متصلاً بنبعٍ معطاء، فاذا اصبح ماؤه غوراً، توقف جريانه,. كذلك الحضارة ما قامت إلا بأسباب وعوامل, واستقامتها مشروطة بالالتزام بها واداء مسؤوليتها، وذلك هو “الشكر”, فالله تبارك وتعالى خاطب أبناء نبيه داوود عليه السلام – الذي أعطاه ملكاً كبيراً – بعد أن تحدث عن حضارتهم، فقال: [إعملوا آل داوود شكراً]، فالقيم والبصائر هي التي تشكل قواعد وركائز قيام الحضارة.

أما اليوم فإننا نشاهد إصراراً شديداً من كثير من أبناء أمتنا الاسلامية على الانسلاخ عن قيمنا التاريخية, والانسلاخ عن مصادر قوتنا وقادتنا وثقافتنا, مدعين بذلك الانسلاخ التقدم, ويستشهدون بتقدم الغرب دليلاً، وهذا قياس مع الفارق الكبير بيننا وبينهم فإن الغربيين ملتزمون بقيمهم, فلماذا نترك قيمنا ونذهب لنلتزم بقيم الآخرين؟

وقد ترك بعض المسلمين -لإغترارهم بمظهر الحضارة الغربية- قيمهم، ولكنَّهم قلّدوا الغرب في مظاهره،  من حلاقة الشعر الى موضات الملابس وصولاً الى طريقة العيش التي لا تشكل ادنى رقم في سجل الحضارة. وبدل ذلك لم نظر هؤلاء الى مراكز بحوثهم و الى مؤسساتهم ومصانعهم ومراكزهم، و لو نظروا الى التاريخ ليعلموا كيف تقدموا، فلو فعلوا ذلك لاستطاعوا ان ينهضوا بواقعهم.

ونصيحتي لمن فقد الطريقين:

أقول لمن ضيّع أصالته أن يعود إلى شعبه, لأن شعبنا يستحيل أن يترك قيمه وأصالته, وإن ما فعله الاتحاد السوفيتي أوضح دليل على صمود هذه الأمة وثباتها على نهجها, فإنه بعد أن استطاع من احتلال عشرة دول اسلامية ولمدة ستين عاماً بالحديد والنار، والمحاولات المستمرة لضرب القيم والمبادئ ولسلخ الشعب من هويته،, فإنه ما إن سقط سرعان ما عاد الناس إلى دينهم بأفضل ما يكون, فالدين لا ينتهي, لأنه منسجم مع فطرة الإنسان, فهو يتسرّب إليه منذ الطفولة المبكرة, ويتفاعل معه ديناميكياً.

و في الحياة المعاصرة خير مثال في النهج الذي انتهجه (ترامب) في امريكا، و (ماكرون) في فرنسا في محاربة الاسلام، ولكنهم – كما فشل من كان قبلهم – سيفشلون.

وحتى في بلادنا يحاولون ذلك، لكن! ليعلم كل من يحاول الانسلاخ من قيمه أو العمل على سلخ المجتمع من قيمه أنه سيفشل، وسوف لا يحصد الا الخزي والهوان في الدنيا. لأن الغرب لا يقبلونه بل ويكون غريباً منبوذاً فيهم, كما وأن شعبه سيلفظونه كما تلفظ النواة.

ثم أننا نأبى أن ننعت من انسلخ من هذا الشعب بعبارات جارحة, لأنهم جزء من مجموعنا, ولكننا نقول لهم: يكفي ما فعلتموه وبإمكانكم أن ترجعوا الى شعبكم وتندمجوا معه كما كنتم من قبل, حيث أصالتكم وعزتكم, وعليكم أن لا تلتفتوا لما يصوّره الإعلام لكم من تصوير زائف ومشوّه للحقائق.

وأنكم مدعوون للعودة إلى شعب وبلد ذو قيم عظيمة تكفينا للنهوض إن أردناه وطلبناه, كما وأن قيم القرآن الكريم الذي بين أيدينا كفيلة بأن تهدينا الى ربوع الحضارة المتقدمة, ثم أننا رأينا كيف تقدمت الدول التي عملت بالإسلام جزئياً وليس كلياً..!  فالدول التي تحكمها الأحزاب الإسلامية من تركيا وإيران وتونس وماليزيا وغيرها, فعلى الرغم من المحاربة العنيفة والشديدة ضدهم من دول الاستكبار استطاعوا أن يتقدموا تقدماً كبيراً.

فالغربيون لا يريدون التقدم لأية دولة اسلامية, ويحافظون دوماً على أن لا تتعلم سر المهنة والسير في طريق الحضارة, حتى وإن انبطحت أمامهم تماماً, وهذا ما فعلوه بنا وبجميع الدول الاسلامية التي لهم نفوذ فيها, فتجدهم قد رسموا لنا الخطوط الحمراء التي تمنعنا من السير صوب طريق الحضارة, وأعدوا البروتوكولات الخاصة فيما بينهم التي تقف حاجزاً بيننا وبين التقدم, وأدلة كثيرة تدل على هذه الحقيقة الخبيثة لمخططات الغرب تجاهنا.  مع أننا لا ننوي الشر لهم, ولسنا متدخلين في شؤونهم..!

والحقيقة أن تقدما ليس متوقفاً عليهم, وإنما على الله والتوكل عليه, فلابد أن نتعاون فيما بيننا لنبني بلدنا, ونمد يد العون لمن أرادنا ونقطعها لمن أراد بنا ضراً.

وختاماً.. نحن نمر بأيام ذكرى شهادة الصديقة الزهراء عليها السلام, التي كانت قمة العفاف والإيمان والجهاد, ونحن اليوم مدعوين للعودة إلى وعيها والسير على نهجها, التي يقول النبي صلى الله عليه وآله عنها: (فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني).

فما الذي يمنعنا اليوم أن نسير على نهج فاطمة سلام الله عليها, فنبني بيوتنا وبلادنا كما كان بيتها؟

فهي على الرغم من وفرة الأموال التي كانت ترد عليها من أرض فدك ولمدة ستة أعوام, كانت تعيش على شظف العيش من ثيابها وطعامها, وهي التي عملت في البيت حتى خشنت وتورّمت يداها،  كما وكانت تعلّم الناس وتدعو لهم في صلاتها.

لذلك علينا أن نتخذها نبراساً لحياتنا, ومصباحاً في بيوتنا، فتعالوا جميعاً نعود إلى تلك الذخيرة العظيمة التي بين أيدينا, رسول الله وأهل بيته عليه وعليهم السلام, فتاريخهم حافل بالقيم وناصع أبيض لا شائبة فيه, فلماذا لا نرجع إليهم لنبني حضارتنا من جديد؟

ألم نكتفي من مدِّ أيادينا لكل قاصٍ ودان؟ فلقد مرت علينا مائة عام ولا زال بعضنا يمد يده ليأكل من فتاتهم وفضلاتهم!  كفى ذلة وخنوعاً. ولنعود إلى أنفسنا ولنبدأ من جديد لبناء بلادنا, وبناء جامعاتنا ومدارسنا وحوزاتنا ومثقفينا, ثم النهضة الشاملة نحو العز والكرامة والتقدم.

والقرآن الكريم بين لنا هذه الحقيقة التي غفلنا عنها فانحرفنا عن الطريق, فيقول: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ], فحينما يخشع القلب فإنه سيذكر الله, ويذكر رسوله وأهل بيته عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام, ويذكر تاريخه وحضارته, كما ويستذكر القيم التي دعي لتطبيقها والسير على نهجها من كتاب الله العزيز, من التعاون والعدل والوحدة وكل القيم التي أمر الله بها, وبذلك يكون مهيئاً للخروج من غفلته والقدرة على تغيير واقعه.