لماذا تنهار الحضارات؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

صدق الله العلي العظيم

لكل شيء اجل، ولكل حدثٍ نهاية، فحتى السماوات والارض والجبال انما خُلقت لأجلٍ مسمى، وحتى الشمس (تجري لمستقرٍّ لها)، اذ ان ذلك كلَّه (تقدير العزيز العليم)، تلك مشيئته وارادته ولا محيص عن يومٍ خُطَّ بالقلم.

فكما كل شيء، كذلك (الحضارات)، فبعد أن تبدأ صغيرة كالأطفال ثم تحبوا وتترعرع حتى يشتد عودها فتتحدى الفتن والأعاصير من حولها، بعد كل ذلك تبدأ بالشيخوخة ومن ثم تسقط مخلفة تاريخاً ورائها تستفيد منه الاجيال القادمة لا أكثر.. وهكذا تدور عجلة التاريخ.

فالحضارات كما تنمو و تصحو، كذلك تمرض و تضعف،وعلامة ضعفها وإندكاكها هو الغرور، والإستكبار، والظلم، والصراعات الداخلية، نتيجة البعد عن الله، فتتردى وتهوي نحو السقوط.

ولكن قبل سقوطها، يُرسل الله سبحانه الأنبياء رحمةً بهم، مبشرين ومنذرين، ومن بعدهم الاوصياء ليرمموا تلك الحضارة المتهالكة الضعيفة، ويعدلّوا مسارها ويعودوا بها الى أوج القوة والعظمة.  فإن استجابوا لرسل الله نجو بحضارتهم وقويت شوكتهم، وهذا ما حصل للمسلمين، فهذه الحضارة قد آلت الى التسافل أيام الجاهلية بسبب الصراعات الداخلية التي كانت تسودهم فضلا عن عبادة الاصنام، ومرورا بالخرافات، لكنها عندما استجابت لنداء الوحي نهضت من سباتها، وفرشت جناحيها لتحلق عاليا في سماء النعيم من جديد.

وحضارة اخرى قد ذاقت نفس ذلك البلاء، وعانت مثل ذلك الجفاء، و لكنها استجابَت و نشطت من عقالها، وهي حضارة النبي يونس(ع)، حيث قال عنهم ربنا سبحانه:

(فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حين‏) (يونس/98)

فحين آمنوا رُفع عنهم العذاب ومُتِّعوا الى حين، فحضارتهم التي كادت أن تذهب ادراج الرياح، قد زهرت عليهم من جديد عندما آمنوا واتقوا.

ولكن ماذا سيحصل لو تعالت الحضارة وترفعت عن منبع الوحي، ولم تستجب لنداء الحكمة ؟

ففي هذه الحالة سيحل عليهم ما حلَّ بقوم نوح ولوطٍ وصالحٍ و عادٍ وثمود. حيث حلَّ بهم البأساء او الضرّاء فهلكوا.

فإذاً، حين تكون الحضارة قائمة على القيم، سائرة على الدرب الصحيح، ترتفع وترفع الناس معهاً عالياً، ولكنها كلما تخلَّت عن تلك القيم وابتعدت على الصراط القويم، كلما اقتربت الى نهايتها، الى ان تسقط وتتحطم، فيُهلك ملوكُها ويُستخلف اخرون.

وما الفتن، والبلايا الا اماراتٍ وعلائمَ تُنبئ بذلك الانحطاط وبالتالي تخبر عن قيام ساعتها ودنو منيتها. فآل فرعون اخذهم الله بالفتن ونقص من الاموال والاولاد لعلهم يرجعون، فلم يرجعوا، (فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُون)‏.

وهذا ما تؤكده هذه الآية الكريمة:(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) فلا تزال الفتن تصب عليهم من حروب وفتن بشرية، وهو ما يعبر عنه القرآن بـ(البأساء)، او آفات وظلمات طبيعية وهو(الضراء)، حتى يتضرعوا الى الله ويعودوا إلى رشدهم، وإلا إستأصلهم الله بعذاب لا راد له الا هو.

ولا يعني ذلك أن الله يريد العذاب لأحد من خلقه، بل يأتي في البدء تأديباً لهم وتحذيراً لعلهم يرجعون اليه و يصححون مسارهم، والا جاءهم عذاب الاستئصال جزاءً لسوء افعالهم.

كيف نرمم حضارتنا

وأمام كل تلك الحضارات التي سبقتنا، وقد علمنا ماذا صنع الله بها، وكيف حكم قوانيه عليها، وبين لنا ان لا حضارة الا بقيم، فأمام كل تلك الحقائق، نسال هذه الأسئلة المهمة: هل أن الحضارات البشرية اليوم قائمة على القيم والمبادئ؟ وهل تريد تحقيق اهدافٍ عُليا للبشرية؟ وما هي تلك الاهداف؟ وهل هي في طريق صعودها ام انها تقترب من نهايتها؟

بصراحة هناك اكثر من دلالة أن الحضارة البشرية اليوم قد بدأت مرحلة التساقط إن لم تدركها الحكمة، وخير دليل على ذلك الإنذار الالهي الذي ارسل الينا والذي تمثل بـ(جائحة كورونا)، التي ضربت البشرية وكبدتها الخسائر الاقتصادية والبشرية الجسيمة، فضلا عن توقف الحياة، فهذا كله في الحقيقة نفحة من سموم عذاب الله تعالى ليؤدب البشرية وينبهها على طغيانها، وليصحح لها بوصلتها، فالله يقول:(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

فهي مجرد تنبيه لنا فلابد أن يعرف الجميع ان هناك فيروسات كثيرة حوالي أكثر من نصف مليون فيروس موجود في الحيوانات والحشرات، وهي قابلة للتكاثر، فهي بمثابة جنود لله، لو أطلقها أكلت الأخضر واليابس معاً.

والعجيب في هذا الفيروس أنه ركز على تحطيم الدول المستكبرة أيما تحطيم، فأركعها بعد ان كانت تتباهى بمنجزاتها الاقتصادية والعسكرية والعمرانية التي ما أقيمت إلا على جذاذ الدول الفقيرة، وأضحى الطب الذي كان فخراً مغروراً بنفسه، عاجزا عن مواجهته، حتى اعترف رئيسهم أن عدد ضحايا فيروس كورونا في أمريكا أكثر من عدد ضحايا الأميركين في الحربين العالميتين وحرب فيتنام.

العودة الى الله هو الحل

فما هو الحل؟

هناك طريق واحد لا غير، وهو العودة إلى الله سبحانه، والإستغفار، وقبول القيادات الالهية التي تنصح الى الله، ومعنى نعود الى الله أي نقترب من منهجه التشريعي، فالله تعالى يأمر بالعدل والإحسان وإجتناب الفحشاء والمنكر، وهذه الأمور قد أمر بها العقل البشري أيضاً، فمنشورات وبروتكولات الأمم المتحدة التي ملأت الدنيا هي عبارة عن قضايا عقلية يقبلها الشرع.

فهل طريق الله هو في الدفاع عن الشذوذ؟ وهل العودة الى الله تكون برفع راية الشذوذ على أسطح بعض السفارات والقنصليات؟

وهل يا ترى نهج الله في أن يقوم الأغنياء او الدول الغنية  بإستئثار لقاحات فيروس كورونا وترك الفقراء يموتون في دهليز هذه الجائحة المظلم؟

وهل يرضى ربنا بأن نصرف ملايين التلريونات على أسلحة إن أستخدمت دمرت البشرية وان بقيت فهي غباء ينم عن استنزاف جهود الشعوب دون مقابل؟ في حال يموت الملايين سنوياً من الجوع وسوء التغذية.

فهذا ليس النظام الصحيح والكل يعرف ذلك ولكن الكل عاجز لأنهم لم يرجعوا إلى الله، فلابد أن نرجع إلى الله في كل شيء في الإقتصاد والسياسية والاجتماع والأخلاق.

فالله سبحانه أودع في كل إنسان عقل وضمير ووجدان وبين له ماهو الطريق الصحيح. فلنرجع قبل ساعة الندم.

ففي هذه الساعة سوف لن يتوجه الإنسان إلا إلى الله، كمثل ذلك الرجل الذي جاء الى الإمام الصادق عليه السلام فقال له يا ابن رسول الله دلني على ربي، فقال له الإمام: هل ركبت السفية؟ فقال: نعم، فقال: هل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك، قال: نعم فقال:هل تعلق قلبك هناك بشئ؟، فقال نعم: فقال الامام: ذاك هو الله.

فحينما نعيش اللحظات الحاسمة والضيقة في حياتنا، عندها نعرف معنى الرجوع الى الله ونعيشه في داخلنا، مثل طيارة تحترق محركاتها ونحن فيها ويقول الطيار لنا استعدوا الى ملاقات مصيركم، ففي تلك اللحظة نعرف اين يجب ان يتوجه القلب، فهل سيتوجه القلب في تلك اللحظات إلى الحزب الذي ينتمي اليه ام سيتوجه الى أرصدته التي في البنك؟ كلا.. هنالك سيتوجه الى فاطره ومعيده.

 ولكن عندما تنزل الطائرة بسلام ينسى القلب ذلك التوجه، وهذه حجة الله علينا فعلينا أن نستغفر من ذنوبنا و نستغفر من الطبقية، والعنصرية، ومن كل هذا الظلم الشائع، ومن هذا الفساد المنتشر والمستشري في كل مكان.

وكل منا يجب أن يؤدب نفسه في مجتمعه ويعود الى الله، أي يعود إلى كلماته والى وحيه ويعود الى حكمه وأوامره ووصاياه عند ذلك يختلف وضعنا ان شاء الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول:(يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى).