تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثاني)

أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ

بسم الله الرحمن الرحيم

[المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ] (1)

بالتأمّل في آيات سورة رعد المباركة، وتسميتها والآيات المحورية في السورة، نتعرّف على الاطار العام لهذه السورة وهو الاستفادة من آيات الله في الخليقة والاعتبار بها للوصول الى ما ورائها من حقائق، وبالتالي الخروج من محورية الذات والانطوائية الى رحاب الحق.

وهذا هو طريق الوصول الى اليقين، الذي يُمثّل القمّة السامقة  لتكامل البشر، حينها ليس فقط يتجاوز ذاته بل وأيضاً يؤثّر في عالم التكوين.

يقول ربّنا تعالى:

[تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ]

ماذا يعني الحق؟

اولاً: خلق الله السماوات والأرض بالحق، بمعنى أنّها حقائق موجودة، لابدّ للبشر من الاعتراف بها والإذعان بها، ونحن نجد كيف أنّ بعض المدارس المثالية أنكرت الاعتراف بوجود شيء مستقل عن الانسان، وبذلك حجبت نفسها عن الحقائق.

ثانياً: لكلّ مخلوق نظام دقيق يسير عليه، فمن أصغر ذرّة الى اكبر مجرّة كلّها تسير وفق نظام دقيق يسعى البشر دائماً لكشف ذلك النظام، فيدأب العلماء كلٌّ في اختصاصه لدراسة الظواهر والقوانين في مختلف الابعاد، في علم الفيزياء والكيمياء ووظائف الاعضاء (الفسيولوجيا)، علم طبقات الأرض (الجيلوجيا) الى علم الفضاء بل وحتّى علم النفس والاجتماع، كلٌّ منهم يسعى لمعرفة قوانين وسنن يجري عليها النظام.

 ثالثاً: لكلّ نظام هدف يتعّقبه، في كلّ الحقائق حين ننظر نجد نظام وهدف وغاية، ويدلّ على الخالق المُدبّر له.

وبهذا السير المعرفي يُحوّل الانسان نظره الى ما حوله من المخلوقات الى اعتبار و يحوّل حياته الى مدرسة عرفانية يتزوّد منها كلّ يوم، فإذا نظر الى جمال شيء دلّه على جمال الخالق، واذا رأى عظم الخليقة دلّه على عظمة الخالق، يشكر الله فيشكره الله، يذكر الله فيذكره الله.

مشكلة العلم البشري أنّه مبتور، فهو يبحث عن الاسباب والمسببات لكنّه يصل الى نقطة ويتوقّف، فحين الحديث عن الانفجار العظيم الذي كان بداية الكون، يثبتونه دون أن يفّكروا عن الذي أحدث ذلك الانفجار.

 تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ

تجلّت تلك الحقائق في القرآن الكريم، الذي هو مرآة الحق بكلّ ما تعني الكلمة من معنى، فالإيمان به ومعرفته يوصلنا الى معرفة الخلق والحق، ولكن السؤال اذا كان القرآن كتاب الحق، فلماذا لا يؤمن به الناس؟

[وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ]

لم يكتمل ايمانهم ولم تستوِ عقولهم، وینبغي للمؤمن أن لا يجعل المجتمع معياراً للإيمان، فإذا كان القليل من الناس هم فقط من وصلوا الى القمّة لا يعني أن اكثر الناس الذين هم في الوادي هم معيار الحق.