تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثالث)

لعلّكم بلقاء ربكم توقنون

بسم الله الرحمن الرحيم

[اللَّهُ الَّذي رَفَعَ‏ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ] (2)

 أعلى مرتبة يصل اليها البشر في مدارج الكمال وصوله الى اليقين، ولكنّ أنّى يمكن للبشر أن يعرف أنّ وصل بالفِعل الى تلك الدرجة؟ إذ قد يخدع الانسان نفسه بتعظيم الجوانب الخيّرة واغضاءه النظر عن سلبياته، وقد يُصاب بالغرور والتكبّر، وبالتالي قد يُصاب بآفة النِفاق، ومن هنا فمن المهم وجود معايير واضحة للوصول الى درجة اليقين والتمييز بينه وبين الهالة الكاذبة التي هي وليدة النفس ووساوس الشيطان الرجيم، ولذلك تجد المؤمن لا يخرج من حدّ التقصير، واتهام النفس في سبيل السير المتواصل في طريق الاصلاح.

طريق المعرفة

جاء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

[الهي من انتهج بك لمستنير]

الخطوة الاولى: للوصول الى اليقين تبدء من اختيار منهج المعرفة والتفكير، وذلك النهج الربّاني يُنوّر قلب المؤمن، ويزيده بصيرة، ومن هنا تجد المؤمن لا يكتفي بظواهر الأمور بل يفكّر في سلسلة متصلة منتهاها معرفة الخالق المدبّر سبحانه وتعالى.

الخطوة الثانية: تتجلّى معرفة الله بمعرفة اسماءه وآياته، فهو تعالى رحيم، ونُدرك رحمانيته في ملايين النِعم التي نعجز عن عدّها فضلاً عن شُكرها، وهو تعالى عزيز قدير  ونُدرك شيء من عزّته وقدرته بخلقه الكون بها الاشياء وأمره بين الكاف والنون، ونُدرك نظمه وتدبيره من خلال التفكّر في عالم الخِلقة وسننها ونظامها الدقيق.

الخطوة الثالثة: بعد ذلك ينتقل الانسان للنظر الى محيطه متسلّحاً بتلك المعرفة الربّانية فيملك حينئذٍ البصيرة لمعرفة الحقائق وكما جاء في الحديث الشريف: [ المؤمن ينظر بنور الله]

حينها يطمئن قلب الانسان إذ يرتبط بالرب المُتعال ويتوكّل عليه، ليس هذا فحسب بل ويستشرف المستقبل أيضاً إذ يدرك أنّ التدبير وحِكمة الرب تأبى أن يَظلم الظالم ويُظلَم المظلوم ثم ينتهي كلّ شيء بموتهما، فلابدّ من الجزاء والثواب، وهذا المعنى نجده في سورة آل عمران حيث يقول ربّنا تعالى:

[وَ يَتَفَكَّرُونَ‏ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار] [1]

لا يمكننا أن نُدرك أبعاد العدالة والتدبير إذا اقتصر نظرنا الى هذه الحياة، ونحن نجد ملايين البشر يعيشون الاستضعاف ونجد الملايين يموتون بسبب الحروب أو الجوع أو ما شابه، ومن هنا ينتقل العقل مباشرة الى الجزاء ويلجأ الى الباري تعالى للوقاية من عذاب النار.

وهذا هو طريق العروج الى مدارج الكمال والى اليقين بالانتقال من آيات الله الى اسماءه ثم الجزاء المحتوم، يقول ربّنا سبحانه:

[اللَّهُ الَّذي رَفَعَ‏ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ]

جاء في الحديث في تفسير على بن إبراهيم القمي في حديث طويل عن الامام الرضا (ع) عن هذه الآية: قال: فثم عمد و لكن لا ترونها[2] و اللّه اعلم ما هذه العمد.

ربما يكون معنى العمد  هو تعادل قوى الطرد و الجذب بين الكواكب و النجوم، ممّا جعل لكل نجم وكوكب موقعه الخاص‏، فمثلا: ان قوة الطرد الناشئة من دوران الأرض حول الشمس تساوي بالضبط قوة الجذب للشمس، فعلى ذلك تبقى الأرض ملايين السنين في مدار واحد، اما لو تغيرت احدى هاتين القوتين لحدث ما لم يكن في الحسبان فلو زادت قوة الطرد لانفلتت الأرض الى المجهول في خط مستقيم، و لو زادت قوة جذب الشمس للأرض لالتصقت الأرض بالشمس لأنها ستضطر في النهاية لأن تسير في مسار حلزوني.

[ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ]

فذات القدرة التي رفعت السماوات بغير عمد هي حاكمة على الكون. 

فالقدرة هي ذاتها موجودة وربّنا له تدبير، مضافاً للقانون هناك تدبير آخر، وسخّر الشمس والقمر،

[وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى]

فكلّ ما له بداية ومرتبط بزمان  فله أجل ونهاية

[ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ]

ما هو الهدف من تفصيل الآيات؟

هدف تفصيل الآيات هو الوصول الى اليقين

[لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ]

إنّها مرتبة اليقين التي وصل اليها الأنبياء والائمة الاطهار، فكانوا منقطعين الى الله تعالى، 

وهكذا نقرء أن امير المؤمنين عليه السلام حينما جرح في بعض الحروب  كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يصلي، فإذا اشتغل بالصلاة، وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ، ويُروى كذلك أنّ الامام زين العابدين كان منشغلاً في صلاته ومرة وقع حريق في البيت الذي هو فيه وكان ساجداً في صلاته فجعلوا يقولون: يا بن رسول الله النار، النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة.

حينها يصطبغ الانسان بصغبة الله، ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون.


[1] سورة آل عمران، الآية 191.

[2] – تفسير نور الثقلين- ج 2- ص 481