تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ(27)الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ تَطْمَئنِ‏ُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئنِ‏ُّ الْقُلُوبُ

اكبر تحدّيات البشر هو معرفة طريق الحق، ولو فقد ذلك لا يعوّضه شيء، ومن هنا نجد محور سورة الحمد التي هي أمّ الكتاب، محورها قوله تعالى: [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]
والقرآن الكريم يُحدّثنا في آيات عديدة عن مشكلة الهداية بالنسبة للبشر، منها أنّ البشر لا يريدون تحمّل مسؤولية الهداية والوصول للحقيقة، وكأنّهم ينتظرون من الرب اجبارهم على قبول الحق والهداية، والحال أنّ الجبر لا يُحدث إيماناً إنّما الإيمان لابدّ أن ينبع من داخل الإنسان.
وهكذا يأتي البشر بالحُجج الواهية الواحدة تلو الأخرى بمطالباتهم بالآيات والمعاجز كما يشاؤون، والحال أنّ نزول الآيات لا تأتي الّا بِحكمة وتدبير، فعصا موسى تلقف ما يأفكون لأنّ السحر كان وسيلة فرعون لغواية الناس وضلالتهم، وأحيى عيسى بن مريم الموتى لأنّ تطوّر البشر في عهده بالطب كان سبباً كذلك للإنحراف، وجاء القرآن الكريم معجزة خالدة ليبطل الثقافات الجاهلية التي كانت تنشر عبر الشِعر وعجز الكفّار أن يأتوا بسورة من مثله، يقول ربّنا تعالى:
[وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ]
الإنسان الذي يريد النظر يكفيه البصيص من النور، اما الذي لا يريد ان يبصر فضوء الشمس لا يكفيه.
[قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ]
كما الأعمى الذي فقد بصره إذا لم يتفضّل الرب عليه بنعمة البصر فيبقى في تيه، كذلك الانسان بطبعه ضال، وتأتي الهداية من الرب تعالى لمن يستحق وهم من أنابوا اليه، أمّا غيرهم فيخذلهم الله تعالى فيضلّوا الطريق.
وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
مقدّمات الهداية تتوفّر من الانسان بالإنابة إلى الله والتوبة إليه حينها تأتيه الهداية، وللهداية علامات و صفات يُبيّنها القرآن في الآية التالية بقوله:
[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ تَطْمَئنِ‏ُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ]
شرط الإنابة الإيمان، حينما ينعكس على القلب فيجعله مطمئنّاً.
[الا بذكر الله تطمئن القلوب]
علاج الاضطراب الذي يعيشه البشر في العالم، و يعقب الامراض المختلفة، هو الايمان ففي زحمة الحياة و مع تراكم الأعمال، و مع جو الارهاق و العمل، و أثناء القلق النفسي الذي يعصف بالكثيرين تركن النفس و تطمئن لذكر اللّه، و حري بنا ان نعالج مشاكلنا النفسية بذكر اللّه.‏