فهم السنن الآلهية .. الحكمة المغيبة عن العالم وأزماته

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 23/ الربيع الاخر/ 1439 هـ ، الموافق  11/ كانون الثاني/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ }.

صدق الله العلي العظيم 

(سورة البقرة 151/152).

ازمات العالم..بين  الظواهر  و الحقيقة

هل هذه المآسي و الويلات والحروب المدمرة التي تجتاح العالم من شرقه الى غربه، هي سنّة من الله تعالى لا يمكن عنها فكاكا كما تجري الشمس لمستقر لها والقمر يدور والليل والنهار يتناوبان؟، هل هي ايضا ابتلاءات وتقديرات الله كذلك ؟ أم انها من انفسنا ، من افعالنا نحن البشر؟.

ولماذا تبدو البشرية انها تختلف في كل شيْ تقريبا ولكنها تتفق في شي واحد وهو الجهل  والحماقة؟!.

 آلآف المليارات من الدولارات تصرف لصنع الاسلحة الخطيرة التي تدمر كل شيىء، وكل يعلم بان هذه الاسلحة لو استخدمت فلن تبقى حياة على الارض ، فسيخيم عليها ما يسمى بالشتاء النووي.

 ولكن مع كل هذه المخاطر ، لماذا تراهم يزيدون من صناعة الاسلحة الفتاكة ؟  لماذا نراهم لا يخرجون من مشكلة الا ويقعون بمشكلة اخرى جديدة؟ .

  إن حال البشرية كمثل إنسان ابتلي بمرض خبيث، وهو يتنقل  بين الاطباء، من دكتور الى اخر ،من بروفيسور الى لجنه طبية، ولكنهم لا يكتشفون مرضه، انما يحاولون تهدئة وضعه  ببعض  الحبوب المسكنة وبعض التوصيات، لذا فهو لا يعيش طويلا، لانهم لم يعرفوا الداء فكيف يصفون الدواء؟. كذلك حال البشرية ، فهي ـ حسبما يترائى لي ـ تعيش في ازمة او تيار او دوامة الظواهر، سمها ماشئت، يعيشون الظواهر الخارجية و لكنهم عن الحقيقة التي هي سبب هذه الظواهر غافلون، وكما يقول تعالى:{ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} ، لايعرفون ماذا يحدث غدا،لايعرفون العاقبة،هذا هو السبب.

ازمات ومشاكل قصارى ما يعلمون ويعملون بالنسبة لها انهم يحاولون تهدئتها و تسكين الألم الناتج عنها او لملمة الجراح بطريقة او بأخرى، دون ان يمسو الحقيقة كلها، لذلك يعيش العالم أزمات متتالية.

 احدنا ينام  وهو لايدري ماسيحدث غدا، قد يقع   قدر الهي، زلزال مثلا وماشابه، بل و حتى هذه الزلازل التي تقع هنا وهناك قد ترتبط بصورة او بأخرى ببعض اعمال البشر التي ربما يمكن معرفتها بصورة ما ، والتي ربما تكون منها كثرة الذنوب، او بصورة قد لا نعرفها، ومنها ربما بعض استخدامات وتجارب الاسلحة، وفي الغالب نحن  لانعرف مايحدث وماموجود في باطن الارض ، فتفاعل وحمل في مكان قد يؤثر في مكان اخر، لكن هذه الكوارث الطبيعية بالتالي وفي المحصلة قدر نحاول ان نحصن انفسنا منها، نصلي صلاة الآيات ونستغفر الله ونحصن انفسنا وبيوتنا بطريق او بأخرى.

فهم السنن الآلهية .. الحكمة المفقودة في العالم

  لكن ومن غير هذه الكوارث هناك ماهو من صنع البشر ومنه هذا الرعب النووي، فترى احدهم كالمجنون وهو يقول أن لديه زر للقنابل النووية وهو دائما امامه، كما قال في وقت سابق حاكم كوريا الشمالية، فيرد الآخر عليه ( ترامب) أن زر القنابل النووية التي لديه اكبر !؟. لا اعرف من هو العاقل ومن المجنون منهم، ولكن بالتأكيد فأن  هذا ليس كلام عاقل، هذه ليست ادارة عاقلة حكيمة للعالم ، وهكذا الكثير مما يجري هنا وهناك على هذا المنوال.

السبب في ذلك هو عدم ملامسة وتناول العمق في ادارة الامور، وهذا العمق هو الحكمة،  و الحكمة  هي معرفة سنن الله تعالى الذي يدبر ويقدر الامور ، فلو أن  ورقة من اوراق الشجر في غابات الامازون سقطت و في ليلة مظلمة ، فإن هذا  بتقدير الله سبحانه وفي علمه المهيمن.

 و ادارة العالم وتدبيره من قبل الله سبحانه  وتعالى تتم عبر سننه، أي النظام الذي يجريه، وهذا النظام هو الذي يدير العالم كله، ولو أن الناس عرفوا هذا النظام، وبتعبير آخر هذه السنن، فإن يحصلون بذلك على الحكمة، فالحكمة الوصول الى سنن الله تعالى ومعرفتها.

يقال ان رجلا احمقا كان جالس على فرع شجرة وهو ينشراصل هذا الفرع بالمنشار، فقالوا له سوف تقع، ولكنه لم يصدقهم ، فنشر حتى سبب ثقله كسر الفرع ووقوعه.. فظن ان الذي حذره واخبره بإنه سوف يسقط  إمّا نبي او وصي نبي لأنه عرف هذه الحقيقة واخبره بها قبل وقوعها !.

المسؤولية والتغيير.. سنن إلهية جليّة

 كل الحقائق في الكون كهذه، بسيطة واضحة، ولكن يعرفها من يعرفها ويجهلها من يجهلها.  وعلى سبيل المثال فإن ربنا سبحانه  وتعالى يبين سنّة من سننه في الحياة ويقول بكلمة واحدة واضحة صريحة:{ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ، ويقول تعالى:{ذَلِكَ بِأنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ}.  ويقول كذلك بكلمة واحدة واضحة صريحة: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وهل تجد اظهر واوضح من من هذه الكلمة، ومدى انطباقها وتحقهها بخصوص هذا الفساد الذي تجده في العالم؟!.

يقول تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}  ويقول تعالى : { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ}.  

 الزلازل ، وانحباس المطر من السماء ــ وامثال ذلك  من انواع البلاء والنقم ــ  ورد في الاحاديث انها  تصيب الناس نتيجة ارتكاب ذنوب مختلفة،  كالقضاء الباطل والاحكام الجائرة وغيرها من المظالم والمعاصي.

جاء في (الخصال)  للشيخ الصدوق، عن الامام الصادق عليه السلام: ” إذا فشت أربعة ظهرت أربعة : إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل ، وإذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية ، وإذا جار الحاكم في القضاء أمسكت القطر من السماء ، وإذا خفرت الذمة نُصر المشركون على المسلمين “، و في (معاني الاخبار) و( وسائل الشيعة) عن  الامام السجادعليه السلام في الذنوب الّتي تحبس غيث السماء، انها: ” جور الحكّام، وشهاة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة، والمعاونة على الظلم، وقساوة القلب على الفقراء”. ويقول الإمام علي عليه السلام :”مجاهرة الله سبحانه بالمعاصي تعجل النقم”.ويقول عليه السلام: “ما زالت نعمة ولا نضارة عيش إلا بذنوب اجترحوها ، إن الله ليس بظلام للعبيد”.

تضرع وإصلاح فنجاة.. وإلاّ: فساد وظلم فهلاك

يقول ربنا تعالى :{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون}، ويقول سبحانه :{ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}،{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.

 تضرعوا الى الله تعالى، استسقوا، ادعوه سبحانه، اصلحوا القضاء، لماذا الرشاوى؟، ماهذا الفساد الاداري والمالي؟ الى متى؟ .

نحن إمّا نُصلِح {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ  * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}.

 وإمّا نترك وينزل العذاب علينا، هذه طبيعة السنن اذا عرفناها.. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.ويقول تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}.

 والعالم اليوم مليىء بمظاهر ومصاديق الظلم، وكمثال واحد على ذلك، هنالك  الأن  نحو عشرة ملايين طفل في اليمن يعانون الجوع والمرض، قسم كبير منهم مشرف على الموت بين ثانية واخرى، فكيف يتسنى لي ولك أن ينام احدنا مرتاحا؟! يابى الله ذلك.. لايجوز أن لايفكر البشر فيما يجري.. كل جالس في دائر مغلقة ولديه مجموعة مستشارين ــ وبالذات حول الرؤساء والملوك ــ اكثرهم متملقين يزينون لهم افعالهم ويكيلون لهم المديح ويقولون ما يريدونه منهم ــ كما ذاك الشاعر المتزلف الذي اسبغ صفة الالوهية على احد الحكام بقوله له : (ماشئت لا ماشائت الاقدارُ/ فأحكم فأنت الواحد القهار). ولقد حذر  النبي الاعظم سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه واله وسلم من امثال هولاء المتزلفين ـ الذين يحيطون عادة بالحكام والمسؤلين ــ وأمرَ بطردهم، وقال : “احثوا في وجوه المداحين التراب”، وقال صلى الله عليه وآله : “من مدح سلطانا جايرا وتخفف وتضعضع له طمعا فيه كان قرينه إلى النار ، قال الله عزوجل : ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار “. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ” (إذَا مُدَحَ الْفَاجِر اهْتَزَّ الْعَرْشَ، وَغَضَبَ الرَّبِّ”. 

فهولاء الحكام الظلمة والمسؤولين الفاسدين تراهم دوما يجمعون حولهم المداحين والذين يبررون جرائمهم وفسادهم واخطائهم،  وكما يقال في الامثال فإن شبيه الشيء منجذب اليه، وإن الطيور على اشكالها تقعُ.

معرفة  الحِكَم والقِيَم والعمل بها

إذن؛ من مسؤوليتنا كمؤمنين ـ:

 أولا: أن نفهم ونعرف الحكمة ونحلل وندير الامور بها، والحكمة معناها معرفة العمق وليس معرفة ظاهرية سطحية، وهذه الحكمة وهذا العمق الذي يجب ان نصل اليه ونفهمه هي السنن الآلهية الحاكمة على كل هذا النظام القائم في الكون والحياة، والتي يبينها لنا الله تعالى عبر نبيه الاكرم(ص) وفي القرآن الحكيم. يقول تعالى: { يس*وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ*إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ*عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ }.فالقرأن جاء بالحكمة، ونبينا الاكرم(ص) ارسل بالحكمة. يقول ربنا سبحانه وتعالى :{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }، و في هذه آلاية من القرأن الحكيم وفي آيات اخرى مماثلة، يؤكد ربنا تعالى على ان الرسول(ص) يُعلّم الكتاب والحكمة. كتاب، دستور، فيه اقامة الصلاة  و ايتاء الزكاة، الحج ، الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، التولي والتبري، فيه هذه الفرائض والاحكام وغيرها الكثير،و توجد هنالك حكمة وقيمة اساسية وراء كل حكم وأمر، وتلك القيم تعكس السنن الالهية التي تحكم العالم.

 فنحن علينا أن نفهم تلك الحِكم والقيم. ولذلك ايها الاخوة، ولاسيما انتم الشباب بالذات، اذا جلستم مع عالم اسئلوا ، ماهي حكمة الصلاة؟ ما هي  حكمة الصوم؟ ما هي  حكمة الحج؟ ماهي  حكمة الزكاة؟ وهكذا سائر العبادات والاحكام، ولا تكتفوا بمعرفة الظواهر ،  إسأل وأبحث لكي  تفهم الحكمة وتستفيد منها، وهكذا حين تستمع الى خطيب ومتكلم عليك أن لا تكتفي بالسكوت والانصات فقط، بل يجب أن تفكر بما يقال وتفهم وتصل الى العمق، الى الحكمة.

يُروى أن اعرابيا قادما من الصحراء اتي الى النبي صلوات الله عليه واله وسلم و كان جالسا وحوله اصحابه،  فطلب منه أن يعلمه من علمه ويعظه بما انزل الله تعالى من الايات، فتليت عليه سورة الزلزلة، ولما سمع قوله تعالى{  فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى} قال : حسبي، اكتفيت ، ونهض وخرج الى سبيله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه  أن هذا الرجل جاء اعرابيا ورجع فقيها.

 نعم؛ بكلمة ، بآية صار فقيها، تعمق فيها ، طبقها على حياته، على المجتمع، عرف أن الحياة طريق خير وطريق شر، ومن يعمل خيرا يلقى خيرا ومن يعمل شرا يلقى شرا، فهم المعادلة بعمق ، وصل الى الحكمة.

مواجهة التجهيل و التضليل الاعلامي

ثانيا: نحن يجب ان لانستمع ونركن الى كل من هب ودب، ولكل مايقال ويذاع وينشر،وقد ورد في احاديث اهل البيت عليهم السلام: “ من أصغى الى ناطق فقد عبده ، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس فقد عبد ابليس” ، واذا استمعنا أن لا نسترسل مع الاعلام، معظم هذا الاعلام مشبوه ويعمل لتحقيق مخططات واهداف من يقفون وراءه، والدليل على ذلك ماتراه وتسمعه من تناقض وتضارب وتضاد في اخبار وبرامج كل وسائل الاعلام والاتصال من فضائيات واذاعات و موبايل ويوتيوب وتويتر وغير ذلك، فبمجرد أن تضغط على الريمونت وتغير المحطة، او الموقع الذي يعرض ويبث  ويكتب ويتناول ذات الموضوع الذي تشاهده او تقرؤه، سترى أن هذا ينقل ويتكلم بشيىء والآخر بعكسه تماما، وثالث ورابع بعكس اولئك، فلماذا هذا التناقض اذا كانت الحقيقة واحدة؟، كل واحد منهم يقول وينقل شيئا وتفسيرا مختلفا في الامور التي تعرض وتنشر، بل حتى في الخبر الواحد، فكل شخص وجهة، ينظر اليه من زاوية معينة.

لذا؛ إمّا أن لايُستمع لهم، او أنك اذا استمعت او شاهدت أن لا تسترسل وتسلم بما تسمع وتشاهد، بل تفكر وتدقق ،{ فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }، وكيف يتبعون أحسنه؟، يفكرون ويتأملون ويخططون ، لديهم  مقاييس و معايير، فما كل يبث وينشر ويقال هو صحيح..

الإعلام الجاهلي يستخف العقول فهل (نطيع) فراعنته؟!

 وهذا الاسترسال مع الفضائيات وغيرها من مواقع التأثير والتواصل الاجتماعي و الانترنت وغيره،  هذا الاسترسال احد اسباب التضليل والتجهيل والتسطيح، ووسط هذا الكم الهائل منه فأن من لديه علم ربما يضيع ويضيع علمه، واولئك بطبيعة الحال  يتكلمون ويعرضون مايريدون  بطريقة معينة ليست عادية يتفنون فيها لكي يوهموا المتلقي وياثروا عليه ويقنعوه بما يطرحون من اكاذيب وتحريف وتضليل يسطحون ويستخفون بها العقول والنفوس، مثلما استطاع فرعون لعنة الله عليه ان يتجرأ ويقول للناس { يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} وفي آية اخرى: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ }  فكيف قبلوا او سكتوا عنه وايدوه في ادعاءه الباطل هذا؟. القران الكريم وفي آية اخرى يبين الطريقة والسبب: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ }. جعلهم خفافا، أي بلاعقل، سلب عقلهم بطريقة و أخرى و بما أثار فيهم من حب الشهوات الرخيصة ، فأطاعوه .. و هو – شأن كل الطغاة – انحرف عن منطق العقل و العلم و الفطرة الى إثارة العصبيـات ، و التلويــح بالإرهاب و الإغراء ، وبالتالي إزاغة الناس من عقولهم الرصينة الى شهواتهم الخفيفة .

وهذا شأن الإعلام الجاهلي اليوم ايضا الذي يستخدم آخر إنجازات العلم في إثارة الشهوات ، و بث العصبيات ، و التخويف والترغيب، انطلاقا من النزغات الشيطانية. وهكذا يفعل كل الفراعنة واعلامهم نهارا جهارا، يكذبون ويكذبون، بلاحساب، ومن يخدمونهم في هذا من الابواق والاتباع المتزلفين لايخجلون من الكذب والتضليل والتدليس وقلب الحقائق، لإنهم يقبضون ثمن ذلك، فوراء كل كذب اموال كثيرة تصرف على الاعلام والكثير من الاعلاميين المأجورين الذين يمارسون هذا الدور، وكثير من اموال الأمة تصرف على هؤلاء.

ولكن من الذي يتبع دعايات الظالمين ، و يخضع لإعلامهم ؟ إنما هم الفاسقون .{ إنهم كانوا قوما فاسقين }. و يبدو من هذه الآية أن فرعون ليس هو المسؤول الوحيد ، إنما الذين اتبعوه كانوا أيضا مسؤولين ، وإلا لما قال عنهم ربنا : ” فأطاعوه ” ، ولما قال عنهم : ” إنهم كانوا قوما فاسقين ” فقد أطاعوا فرعون في باطله ، لأنهم كانوا فاسقين في واقعهم ، فاستحقوا العذاب باختيارهم السيء .

لماذا وكيف يتحكم بنا المستكبرين وخـَدَمِهم؟!

نعود ونقول: لابد من الحكمة في التعاطي مع الامور، فعلى سبيل المثال، رأيتم ما حدث في بلدان المنطقة خلال السنوات الماضية فيما سمي بالربيع العربي، وقع ماوقع وحدث صِدام،ثم آلت الامور الى ماتعرفونه، ذلك لإن الناس ومن اداروا الامور ليسوا حكماء، ثم أن الاعداء والمناوئين كان لهم دور كبير اجهاض وافشال وحرف تحرك الشعوب، ومن ذلك انهم وفي البداية فصلوا الاحرار عن المجتمع بطريقة او بأخرى، ومن  اساليبهم انهم  يضغطون اولا  اقتصاديا، و بلا رحمة، وفي هذا المجال ومدى تأثير الضغط والحصار الاقتصادي  تعلمون وعايشتم كيف وماذا فعل الحصار الاقتصادي الذي فرض على شعب العراق ــ وليس على نظام الطاغية ــ  وماعاناه الشعب من مأساة بسبب ذلك ولاكثر من عشر سنوات، وكيف مات اطفال العراق  نتيجة نقص الادوية والاجهزة الطبية ونقص الغذاء، لقد  دمروا العراق شر تدمير في حرب عام 1991، ثم حاصروه حصارا شديدا، وهكذا ايضا حاصروا ــ ولايزالون ــ ايران، وحاصروا مصر، وغيرها،  ويقومون بذلك بإعصاب باردة، مجموعة يجتمعون فيما بينهم ويقررون حصار هذا الشعب وذاك البلد،دون أن يأبهوا لأي نتائج مدمرة تنتج عن ذلك، ثم بعد ان يطبقوا الحصار  والضغط الاقتصادي، يثيرون الناس عبر الاعلام، ومن ثم عبر الاعلام ايضا وغيره من الوسائل والطرق يؤيدوا  ويدعموا كل شغب وفوضى تحدث ، ويقوم عملائهم وجواسيسهم بما يلزم، وفي النهاية هذه هي  طريقتهم التي يسقطون بها هذه الحكومة ونظام الحكم او ذاك، ويأتون بأناس بدلاء،وحتى هذا الحاكم او النظام الذي يأتون به فانهم يغدقون عليه في البداية  بالدعم والتأييد واعطاءه الامكانيات، ليكون خادما وتابعا لهم،ثم بعد ذلك تقع  المصيبة وتبدأ الكارثة، الى أن يتم التخلص ممن جاءوا به بعد أن يستنفذوا منه مايريدون.. وهكذا تجارب وممارسات وسياسات، وماهو اسوء منها ايضا، طبقت قديما، ولاتزال، في اكثر من منطقة وبلد في العالم وليس في منطقتنا فقط.

إطّلِعوا واقرؤا مثلا ماكتبه كتاب اجانب من نفس تلك الدول عن حقبة الاستعمار المباشر ومافعلوه من جرائم قتل وابادة واستعباد وتدمير ببلدان وشعوب اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ، وفي امريكا الشمالية وابادة شعبها الاصلي،الهنود الحمر. اقرؤا واعرفوا مافعلوا  في نيوزلندا،  في استراليا، في الصين ، و في الهند..

نفس العقلية  تحكم العالم ، إمّا ان تواجه الحصار والضغوط والحرب و… او  تقبل بهم فيجعلوك تابعا وخادما لهم ،وحتى لو اصبحت خادما لهم ـ كصدام وامثاله من الحكام  ــ فلفترة ومرحلة معينة، يأتون بهم ويدعمونهم ، ثم بعد أن يستفيدوا منهم ويستنفذوا اغراضهم منهم ، يتخلون عنهم ويتخلصوا منهم كالنفايات، ويرمونهم كعقب السجائر.هذه  طريقتهم ، وهكذا فعلوا مع صدام ، استفادوا منه بالحرب على ايران، هم الذين خططوا له ، ودعموه وسلحوه وادخلوه في الحروب، وهكذا فعلوا ويفعلون مع غيره.

يوم  نقود العالم بالحكمة.. أمل يحققه العمل

إذن؛ وفي الخلاصة، نحن  ينبغي أن نفهم،  أن لانسترسل مع كل ما يبث من اخبار وقضايا ونصدق كل يقال في الاخبار، وأن نتدبر لنصل الى عمق الحقائق، الى الحكمة، ثم ــ وهذه المسؤلية الكبرى التي اعتقد اننا سنقوم بها ــ ان ننشر الحكمة في العالم، نجعل العالم يعتقدون بالحكمة، وسيأتي اليوم الذي يقود فيه المؤمنون  العالم بالحكمة ــ بإذن الله وتوفيقه ــ ويديرون الامور بها ووفقها، فنحن يجب ان نلتزم بالحكمة التي ينبغي ان نقود العالم بها.

وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ

ربنا سبحانه وتعالى يقول في الآيات التي افتتحنا بها الحديث: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا }، حكمة الله كلها موجودة في آيات القرأن ، و لكنها بحاجة فقط الى أن يتدبر الانسان فيها حتى يصل الى تلك الحكمة ويفهمها.

 { وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } فالرسول (ص) ومن بعده الإمام (ع) يزكي الناس ويعلمهم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .. ومن ثم نحن الأن نتوجه الى من هم الححج والابواب الى الرسول والائمة(ص) ، نذهب الى العلماء، الى من هو اكبر وافضل وادرى واحكم منّا ،حتى يقوم بتزكيتنا وتوجيهنا بالحكمة.

ثم يقول  ربنا :{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}. فهذه المنة والنعمة تستحق ان نشكر الله تعالى عليها، أن علمنا الحكمة، فهم الحقائق، كيف يجب ان نعيش.

 وفي النهاية هذه العراق وهذه الثروات الكبرى  التي فيه، وهذا الشعب الذي ورث القيم المثلى من النبيين والائمة الاطهار، من العلماء الذين سهروا  ليل نهار من اجل هذه القيم وخدمة الناس.. وهذه هي فرصتنا ان نلتزم بقيمنا ، بالحكمة، نسدد ونؤيد العراق و شعبه ، نزكي انفسنا، نزكي الناس، ونعمل من اجل تغيير وتطوير اوضاعنا، وهكذا لن يكون مستحيلا وبعيدا أن يأتي يوم  ويتوجه العالم الى هذه القيم ، ونقوده ــ ان شاء الله ــ في الاتجاه الصحيح، ويوفقنا ربنا سبحانه وتعالى لهذه المهمة الصعبة…