{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.. خارطة طريق لعلاج ازمات العراق

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 07/ جمادى الاولى/ 1439 هـ ، الموافق  25/ كانون الثاني/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.

صدق الله العلي العظيم

( سورة المائدة /49 )

للشيطان الرجيم طرق وساليب شتى في إضلال البشر، يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم ويسول لهم السيئات ويُحسّنها لهم ، ويعمل بطريقة و إخرى من اجل ان لا يصل الانسان الى مرضاة الرب.
ما لله وما لقيصر .. فصل الدين عن الحياة
ومن أساليبه ايجاد الفجوة في حياة الناس بين الدين و الحياة الدنيا، فبعض من الناس تراه يقول الدين لله، وأما الدنيا فلأهلها ، ما لله لله وما لقيصر لقيصر ، صحيح أن هذه المقولة قالها الاخرون ولكن يطبقها الكثير منا في حياتهم، فيفصل الدين عن شتى مناحي الحياة، يفصله عن السياسة و عن التجارة و عن الاخلاق وعن السلوك الاجتماعي، وبتالي لا يقوم بالعمل في الدنيا حسب ما اراد الله سبحانه وتعالى، و مثل هذا الانسان بالتأكيد لا يحصل على مقاصد وفوائد وثمار الدين، فلو ذهبت الى طبيب وانت تعاني من مرض عضال وأعطاك وصفة للعلاج ثم جلست وقرأتها مرة بعد الاخرى دون ان تطبقها فهل تنتفع منها بشيء؟! .
ازدواجية الأمة : تُرتّل قرآنا مهجورا !؟
كذلك حال المسلمين، يقرأون القرأن المرة بعد الاخرى ويستمعون الى مواعظ الواعظين ولكنهم عندما يدخلون السوق مثلا او يقومون بالتجارة، او يدخلون البرلمان او الوزارة، وهكذا سائر الوظائف والاماكن، تجد أنهم على ابواب الدخول ينسون او يتناسون القرآن وقيم واحكام الدين،كأنها لم تكن شيأ مذكورا ، وهذه هي فاجعتنا الكبرى .
علينا ان نجعل أمورنا كلها طبقا لمرضاة الله سبحانه ومايريده منا، ليس فقط حينما تدخل المسجد، بل في البيت و في تعاملنا مع أهلنا و أولادنا ومع جيراننا، مع بعضنا البعض ، حينما ندخل الى الدائرة ،مع المراجعين و مع المسؤلين فيها، وهكذا سائر العلاقات الاجتماعية، الاقتصادية ، الثقافية والتربوية و السياسية، يجب ان تنتظم ضمن اطار دين الله الصحيح، ذلك الدين القيّم، ومن دون ذلك يكون مثلنا مثل ذلك الذي يكرر قراءة الوصفة الطبية وهو يزعم ان ذلك يكفيه لعلاج مرضه.
المنابر ومسؤولية الكلمة
كل منا مسؤول عن نفسه { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } وكل منا يجب ان يبدأ بنفسه، العالِم والخطيب حينما يرتقي المنبر لا بد ان يفهم ان هذه الاعواد ليست ملكه الخاص ، هذا ميراث النبي(ص) واهل بيته(ع)، ميراث العلماء والخطباء الكبار الاتقياء، وصل لي ولك، فلانتكلم عبرها كيفما اتفق وبهوى النفس او بما يرضي المستمعين والمتلقين علينا.. وإنما بمعرفة وانتهاج سبيل الحكمة، حيث يبينها ربنا سبحانه وتعالى في موارد عدة منها قوله سبحانه :{ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ، فكل منا،كعالم دين اوغيره، يجب ان ندعوا الناس الى ما ينفعهم.
التركيز على السلبيات .. ميزان الاعلام المائل
وهنا أقف قليلا للاشارة الى أن بعض الخطباء وهو يصعد منبر في العراق، لا بأس أن يتكلم وينتقد ، فهذا من حقه ، وهذا المنبر جاء من اجل المحاسبة ، محاسبة النفس، محاسبة الاخرين، ولكن ايضا ينبغي ان نتسائل: هل انه وبعد زوال ذلك الطاغية ونظامه وماكلف ذلك الشعب من أنهر من الدماء و الدموع والأهات والويلات ومئات الألوف من الأرامل واليتامى، لم يحدث أي تغيير؟، ليس هناك أي ايجابية كما يقول البعض؟ .
حينما يتكلم الانسان يجب أن يكون منصفا ويتكلم بتوازن بين الايجاب والسلب، ولكن للاسف الكثيرين ومنهم بعض الخطباء، تراه لايتحدث الا بالسلبيات دائما، فماذا سيكون اثر ذلك حينما يسمع الناس هذا الكلام من عالم دين على منبر ؟ .
إعلام خبيث يروج لعقدة الحقارة
كثير منا يتأثر بالاعلام الخارجي والدعايات التي تحاول ان تنال من بلادنا و نظامنا و مجتمعنا. فكل من يتابع ويلاحظ الاعلام جيدا، يجد ان الأعلام الغربي ومن يتّبعه، لا يحاولوا ان يبينوا أي ايجابية بتاتا لبلاد المسلمين. عندما يتكلمون عن انفسهم يبينوا السلبيات والايجابيات ولكن حينما يتحدثون عنّا فلاشيىء يروجونه الا السلبيات، وهذا ورائه خباثة ومكر، يريدون أن يقولوا: انتم لاتساوون شيئا، وبمعنى آخر ان يكرسوا في انفسنا عقدة الحقارة، أن يكرسوا فينا اللاثقة ،والوسوسة و الشك في انفسنا وقدراتنا. لم نرى ولم نسمع ولو واحدة من تلك الاذاعات والفضائيات والمنابر الاعلامية ، الأجنبية خاصة، ولا نسخها الناطقة بالعربية ، وهي تتحدث ولو لمرة واحدة فقط عن ايجابية ما في بلدنا او اي بلد أسلامي، لايتكلمون الا عن سلبيات فقط ، و لو اشاروا الى أيجابية ما فهم لايرجعونها الا اليهم ،وهذا كذب ودجل، فمن يزور بلدان، امريكا واوربا وغيرها، سيرى ان لديهم ايضا الكثير من السلبيات الى ما شاء الشيطان.. لكنهم لايتحدثون عنها انما يبرزون فقط ايجابياتهم ، لديهم فقر وطبقية وعنصرية و اذلال بعضهم لبعض،واحتكار و…
لافتات لتغطية سلبيات نظامهم الطبقي
هذا مؤتمرهم المسمى دافوس الذي ينعقد الان في سويسرا، تابعوا الاخبار ومايعلن من تقارير ، منها أن هناك في كل ساعتين فقط ينضم ملياردير جديد الى نادي الاثرياء ، ليس من افريقيا ولا من امريكا اللاتينية، بل منهم، فيما هم منذ عهود وعقود طويلة ولغاية الأن يتكلمون عن حقوق الانسان والعدالة وردم الفجوة بين الجنوب و الشمال، و كلام عريض طويل، كله مجرد لافتات وتغطية لسلبيات نظامهم، الطبقي الرأسمالي الذي كان سابقا بين طبقة اخرى داخل اطار مجموعة معينة، وبات الان في العالم كله، حيث يزاداد الاغنياء غنى و الفقراء فقرا.
إذن؛ فأنا الخطيب او العالم الذي ارتقي منبرا واتحدث دوما بالسلبيات فقط، يجب ان انتبه قليلا وافكر مليا بما يتحدث به أولئك عنّا ومايروجونه ويصدرونه عنا من صورة قاتمة، وهم يسيطرون على وسائل التأثير الاعلامي، ويجندون اليوم جيش الانترنت وتكنلوجيا المعلومات والتواصل، وهي وسائل بحد ذاتها يمكن لنا ان نستفيد منها نحن، كما هم يستفيدون منها ويستخدمونها بإمكاناتهم وتخطيطهم ومؤامراتهم في سبيل زرع وتكريس عقدة الحقارة في نفوس شعوبنا، وتصويرها بإنها لانساوي شيئا ولاتستطيع أن تدير بلادها ، لاديمقراطية لديها ولا حرية ولا أي شيىء مهم يذكر، ويستخدمون ــ مع كل الأسف ــ الاصوات والأقلام المأجورة، و همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ،يجلسون ويقضون اغلب وقتهم في الانترنت، يسمع كلام من هذا ومن ذاك.
هدم الاخلاق عبر وسائل الاعلام والتواصل
ومع الاسف الشديد فإن اخلاق التعامل والنشر على الانترنت غائبة ومنحدرة ،اخلاق هذه المجاميع من وسائل الاعلام والاعلان والتواصل التي تزداد يوم بعد آخر، الكثير منها سهام موجهه ضد الاخلاق، تنشر وتذيع تصرفات وكلمات بذيئة و سافلة، فلم يعد هناك من كلام في قاموس البشر لم يكن احد يتجرأ ان يتكلم به الاّ وهو الأن يكتب ويقال من هؤلاء.
تجنيد ونشر وتوظيف الارهاب التكفيري
ونفس هذا الجيش الظلامي ايضا قامت الدوائر الغربية الخبيثة ومن معها من اتباع وعملاء بتجنيد الناس للإرهاب التكفيري، ونحن نعتقد بوضوح ان التكفير ليس أنتاجنا، ليس انتاج بلادنا، فمئات السنين غبر التاريخ كنا نقود فيها العالم ولم يكن لدينا هذه الاسلوب، واذا به يأتينا فجأة وينتشر ، خصوصا بعد ما طرح الرئيس الامريكي السابق ماسمي بمشروع الربيع العربي، وراينا من ثم كيف والى اين انتهى الربيع في سورية وليبيا و مصر .
منذ عشر سنوات مضت خبير حكيم قال لي كلاما اتذكره الأن جيدا ، وهو أن هناك مخططا صهيونيا بأن تتحول سيناء الى مكان يجب أن يبقى الجيش المصري متسمرا ومنشغلا فيه دائما . وربما كما تاه اليهود فيها اربعين سنة ، يريدون أن يبقى الجيش المصري يدور وينشغل في سيناء اريعين سنة.
جماعات الارهاب التكفيري أداة صهيونية
وترون كيف أن تلك الجماعات الارهابية التكفيرية في سيناء رعم انهم هم جيران الكيان الصهويني، الا انهم لاشغل لهم معه ولامشكلة بينهما، وإن اطلقوا عليه احيانا طلقة او اثنتين فلذر الرماد في العيون، فهم يحاربون الجيش المصري، ويشوهون الاسلام بإسم الدين وهذا الفكر المنحرف . وهكذا ايضا تجد مثل تلك الجماعات في الجولان وغيرها من المناطق السورية المحاذية للكيان الصهيوني المغتصب، لايتعرضون له بغذى بل يتلقون منه الدعم والرعاية، و يضربون المسلمين و المؤمنون والمساجد و..، هذه طريقتهم،و السؤال هو: من جاء بهذه الجماعات ودعمها؟ حدث العاقل بما لايعقل..، نحن نعرف من وما وراء القضية، فعليّ وعليك كعالم او خطيب ان ننتبه ولا نقع في شبكهم ومصيدتهم .
دعوا المناكفات وهاتوا برهان إنجازاتكم
فأنت او ذاك ايها الخطيب او الكاتب او… حتى إن كنت تتبع لهذا الحزب او تلك الكتلة والجماعة، او تؤيد هذا النائب والمسؤول او ذاك، زن كلامك حين تتحدث، انتم ومن تؤيدون وتتبعون من هذا البلد، من هذه الارض ، هذه التربة، لا بد ان تلتزموا بقيم هذا البلد، بقيم وآداب دينكم ومجتمعكم، ماهذه المناكفات السياسية؟ لماذا بعضكم يحمل الراية ضد البعض؟، إن كان بكم عزم وصدق هاتوا قائمة بإنجازاتكم، عندك همة قل واثبت انك انجزت كذا وكذا خلال اربع سنوات او اكثر او اقل، قولوا واثبتوا ذلك للناس، دعوهم يفهموا ويعرفوا ويروا ذلك واقعا.
للفاشلين :” الغيبة جهد العاجز”
نعم، فيهم من عمل عملا جيدا لابأس به، ولكن فيهم الكثير ممن فشل فشلا ذريعاً ، وهذا الذي يفشل بدلا من محاسبة ومراجعة نفسه والاعتراف بالفشل او العجز ، ماذا تراه يفعل؟ يلجأ الى التبرير والتسويف والمناكفات واتهام الاخرين، وكما يقول الحديث الشريف فإن:” الغيبة جهد العاجز”، هو بدلا من ان يتكلم ان انتاجه وانجازه تراه ( لعدم وجود هكذا انجاز حقيقي)، ياهجم ويتكلم ضد الاخر. تكلم عن نفسك اولا، ماعملت وانجزت أنت خلال اربع سنوات اواكثر؟، الناس انتخبوك من اجل تحقيق برنامج وهدف، فأين هو الهدف الذي عملت لتحقيقه؟.
لاتدفعوا الشعب الى اليأس
وهكذا السياسي ، الوزير، المدير و المسؤول و الموظف ، كل هؤلاء يجب ان يقدموا قوائم بنتاجهم وليس الهجوم والكلام والاتهام المتبادل بينهم والتسقيط ضد هذا و ذاك، فيدفعون الشعب الى الاحباط و اليأس ، وبالتالي العزوف عن المشاركة في الانتخابات على سبيل المثال. صحيح اننا كنا ولازلنا ندعو الناس دوما الى انتخاب الأصلح.. ولكن عليكم ايها الساسة والاحزاب والكتل والنواب أن تساعدونا في اقناع الناس عبر برامجكم واتجازاتكم لا شعاراتكم ومناكفاتكم، في ان نتكلم بالايجاب ، أن نبني البلد والمجتمع .
رسل الله وكتبه.. بناء وعلاقة تكاملية
بالعودة الى الآية الكريمة من سور ة المائدة والتي افتتحنا بها الحديث، ربنا سبحانه وتعالى وبعد أن يبين في الايات ( 45 ـ 48) من السورة انه تعالى انزل التوراة فيها هدى ونور وأن النبيين والربانيين والاحبار يحكمون بها، و انه سبحانه انزل بعد التوراة الانجيل وفيه ايضا هدى ونور، وأن على اهل الانجيل ان يحكموا به، يقول من بعدها سبحانه:{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ }، القران يصدق لما سيق من الكتب الربانية، ليس هذا فحسب، بل و يهيمن عليه، يكمله، كما انت كانسان، طفل ثم شاب، تدخل مدرسة ابتدإية، ثم متوسطة وثانوية فجامعة ودراسات عليا، هكذا كذلك رفع الله ربنا سبحانه وتعالى مستوى البشرية من مرحلة الى اخرى، من مرحلة النبي ادم ابي البشر بديع خلق الله سبحانه وتعالى وصفوة الله، الى مرحلة ادريس ومن ثم نوح فابراهيم فموسى وعيسى، عليهم السلام، ومن ثم نبينا الاكرم محمد صل الله عليه واله وسلم، البشرية تكاملت ، كل كتاب كمل سابقه، الى ان جاء القرأن اخر كتاب ورسالة الهية انزلت الى البشرية، والذي يبقى مهيمنا على الكتب السابقة ومجتمعاتها، وعلى المجتمعات اللاحقة الى يوم القيامة .
وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ
ثم يقول تعالى: { فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } . ربنا سبحانه لا يقول لا تتبع دينهم، انما: }وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ }، فالاهواء دخلت في الدين، وكما انها تدخل في حياة الانسان كفرد، في جانبه السلبي، كذلك تدخل في حياته كمجتمع،في جانبه السلبي ايضا .
سنّة الاختلافات.. ميدان التنافس وحكمة التكامل
ثم يقول سبحانه:{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }. فوجود التوجهات الدينية عند الطوائف الاخرى ليست مرفوضة، انما ليست كاملة. { وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم}، هذا الخلاف ليس خلافا عبثيا، انما خلاف حكيم ايجابي، لايد ان يكون في المجتمع اختلافات ، من اجل ان يتنافسوا بالحق، فبعد تبيان الاختلاف يقول تعالى :{ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
وفي آية اخرى (في سورة البقرة) يقول تعالى عن هذه المنافسة والمسابقة والمسارعة :{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}،وفي سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }.وقال سبحانه في سورة الحديد: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ }،وفي سورة المطففين: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
دع الناس ترى عملك الصالح فتتبعك
المجتمعات البشرية تختلف عن بعضها البعض، وداخل كل مجتمع منها ايضا هناك اختلافات، والهدف هو ايجاد نوع من المسارعة والتسابق والتنافس الشريف، لكي يصلوا الى الأفضل،{ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.هذه الاختلافات لادخل لكم بها ، لا تتعبوا انفسكم في البحث والجدل، اتعبوا انفسكم بالتنافس في العمل الصالح، اعمل صالحا ودع الناس تراك وترى الحياة الجيدة والطيبة التي اسستها وبنيتها، فيتبعوك، نحن يجب ان نكون قدوة في الخير، ومن وحي وبصائر هذه الآية ومثيلاتها نستفيد ماينفع وضعنا ويضىء عليه ، فاقول الى اخواننا السياسيين والمسؤولين او النواب او الكتل و غيرهم:
اين وماهي خططكم وبرامجكم ؟
أعطوا الى الناس خطط وبرامج عمل ،خارطة طريق، افكار واضحة للمستقبل، اين وماهي خططكم وبرامجكم ؟ .
انت كسياسي وبرلماني ومسؤول، او تكتل او حزب او جماعة ما، تقول للناس لكي ينتخبوك: أنا أفضل واكفأ و.. لابأس، ما مضى من سنوات لن يعود ولا نناقشه هنا الأن، ولكن في الحاضر وللمستقبل هات دليلك على ماتقول وتدّعي .
طرق للدكتاتورية و الفوضى والتخلف
اتركوا هذه الاساليب والطرق السيئة من اثارة الطائفية و الحزبية والفئوية و الأنانية،ومحاولات شراء وكسب التأييد والضمائر والذمم والاصوات، بتوزيع الهدايا والمال و الوعود الزائفة، فهي تضر ولا تنفع ، هذه ليست ديمقراطية ، بل تهاون واستهانة بها وضرب لاسسها ، وبذلك تذهبون بالبلد الى دكتاتورية، او الى الفوضى، الى تكريس التخلف.
بماذا وكيف واين ذهبت أموال النفط؟
بدلا من ذلك على كل منكم أن يأتي ببرنامجه العملي الصادق و الواضح، ويشرح ماذا يريد؟ وكيف سيطبقه وماهي آلياته ومداه.، كيف سيعالج ويحل الازمات والمشاكل؟ كيف سيواجه الفساد ويقضي عليه، واين وكيف تصرف اموال النفط وغيرها؟.هاهي اسعاره وقد ارتفعت مرةاخرى لتصل الى نحو 70 دولارا للبرميل، هذا جيد، انها احدة النعم ، وهي ملك وثروة هذا الشعب، لكن الا نسأل انفسنا: يوم كان سعر برميل النفط اكثر من مئة دولار، ولسنوات عدة، ماذا فعلنا في تلك الاموال الطائلة؟، وكيف واين صرفت وماهو اثرها في الواقع؟ أم انها اهدرت؟ و امتلأت بها الجيوب من الفساد المالي والاداري ؟ .
جاء في احاديث اهل البيت عليهم السلام: “منهومان لا يشبعان:منهوم علم، ومنهوم مال “، و: “مَثَلُ‏ الدنيا كَمَثَلِ ماء البحر كُلَّما شَرِبَ منه العطشان ازدادَ عَطَشاً حتى يقتله”.
فلاتفكروا فقط في كيفية زيادة جني الأموال التي تأتي من النفط، بل فكروا قبل كل شيىء في كيفية الاستفادة منها لبناء البلد وخدمة الشعب،وهذا هو العراق ووضعه كا ترونه الأن ازمات ومشاكل وكأنه بلد وشعب فقير لايملك أي ثروات ومقومات للنهوض والتقدم!؟،هكذا كان ولازال حتى الأن ، هدر في الثروات والفرص وفشل في ادارتها وتوظيفها للنهوض والتقدم.
زراعتنا المتخلفة.. من وفرة المياه الى ندرتها
منذ عقود سابقة كانت هناك ــ مثلا ــ مشكلة الفيضانات في العراق، كان لدينا مشكلة وفرة المياه بكميات كبيرة جدا، لكن زراعتنا كانت متخلفة، والان اصتحنا نعاني من مشكلة معاكسة وهي ندرة المياه، وزراعتنا متخلفة ايضا، لا نعرف متى تكون زراعتنا جيدة؟ ، يوم تكون لدينا وفرة مياه ام يوم تكون لدينا ندرة كما هو حالنا الأن؟!.
لقد كان العراق والى فترة قريبة من بين بلدان العالم التي يمكن أن تكون منتجة بشكل وفير ومتطورة ونامية زراعيا ،وقد اكدت ذلك لجنة من الامم المتحدة أتت الى العراق وناقشت وقدمت تقريرها اواسط خمسينيات القرن الماضي وانا شخصيا كنت قرأت ذاك التقرير، وملخصه أن العراق يجب ان ينمو زراعيا لأن كل اسس ذلك متوفرة، من أراضي خصبة كبيرة، و ماء وفير، وايدي عاملة. فما الشيىء والانجاز الذي الذي استطعنا ان نفعله؟ هل هو انخفاظ عدد النخيل من ثلاثين مليون نخلة الى مادون العشرة ملايين !؟. و قد يأتي تنعدم فيه امكانية الزراعة في العراق ، بل قد نواجه حتى في أمكانية الاستفادة من الماء في سبيل تلبية متطلبات الحاة اليومية ، هذا والحال أن زراعتنا متواضعة جدا، فكيف اذن لو صار العراق بلدا صناعيا؟ كم نحتاج الى الماء؟ فالصناعة ايضا بحاجة الى توفر ماء كثير.
فكروا وواجهوا المشاكل والازمات بخطط وبرامج ودعو الشعارات والوعود والمناكفات. متى وكيف ستعالجون ازمة المياه، و هذه تركيا تنشىء المزيد من السدود الكبيرة فضلا عن السدود السابقة فيها وفي سوريا؟.
تعتقد انت او ذاك وهذه الكتلة او تلك، او تزعم انك تأتي الى البرلمان وتصنع المعجزات بمجرد التمنيات والكلام والشعارات!؟. إن اليأس من جنود ابليس وإن الإغراق في التمنيات الشائقة هي من عادة الكسالى فعلينا أن نرسم خارطة طريق واضحة ونقدمها للشعب ليعرف كل واحد من أبنائه كيف يساهم في تطوير بلده وحل مشاكله ومشاكل الآخرين. قولوا للناس ماذا نفعل لمعالجة مشكلة ازمة الماء ؟،ماهو برنامجكم في الزراعة، في الصناعة، في الأمن، برنامجكم في الاعمار، اعطوا الناس الذين تريدون ان ينتخبوكم برنامجا وخطط لكل ذلك، وكفاكم التسقيط والسب والاتهامات المتبادلة بينكم، عليكم إلتزام الروح الدينية والوطنية بالتقيّد بالأخلاق الحسنة، سواء في الإعلام أو في كل كلمة تصدر منكم تجاه أنفسكم أو الآخرين لتكون المناسبة ( الانتخابات) شريفة، وليكون برنامج الجميع فيها ، وبعدها وقبلها، قوله سبحانه: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّـهُ جَمِيعًا}.
اليوم مسؤولية .. وغدا حساب
وهنا نقول ايضا للعلماء والخطباء والحكماء والأكاديميين: ليس المطلوب ابدا أن يجلس احدنا ويضع رِجلا على الاخرى ويتهم ويسب الأخرين. انت ماذا عملت؟ اين دورك؟ دورك في الاعمار و البناء، في بث الاخلاق الحسنة للأمة، خافوا ربكم، هذه مسؤولية نُحاسب عليها، مسؤولية العلم، مسؤولية المال، مسؤولية الجاه، مسؤولية السلطة ، غدا في يوم القيامة سنقف امام ربنا ونُحاسب حسابا عسيرا، فماهذه الطريقة في التفكير و العمل؟ . على علماء هذا البلد والقادة ورؤساء الأحزاب أن لا يصرفوا طاقاتهم الثمينة في المناكفات، وفي حشر الناس البسطاء حولهم من دون برامج واضحة للسير قدماً بالبلاد نحو المستقبل الذي يطمح اليه الشعب ويستحقه. تعالوا نبحث ونرسم خارطة عمل من اجل التعاون في ما بيننا و نحل مشاكل الناس، هولاء الصبورين الطيبين الذين يستأهلون الخدمة وان ينالوا حقوقهم، وعلى كل من يستطيع أن يقوم بدور.
انت إن كنت نائبا من الطبيعي أن الذي ينتخبه الناس يتوقعون منه أن يكون واسطة خير هنا وهناك،لحل مشاكل او تلبية طلبات ما، ولكن هذا ليس هو دور ومهمة النائب الاساسية والعامة.
دعوا العقول في العراق تأخذ دورها
فلتستشر الخبراء والاكفاء، لتكن لك لجنة من مستشارين يقومون بدور ليس في المسائل الخاصة للناس ، في المسائل العامة للناس وللبلد، وهذا اقتراح قدمته سابقا لرئيس البرلمان والنواب، ان يكون عند كل نائب دائرة خاصة من كبار المستشارين، و العراق يعج بالعقول الكبيرة من العلماء والمفكرين ،الأكاديميين والخبراء والمتقاعدين، هؤلاء يجب ان يكون لهم دور في وضع خطط وبرامج لمعالجة المشاكل ولبناء وتطوير مستقبل العراق، عبر البرلمان فهو من المفترض انه القلب النابض لهذا البلد .
ردم الفجوة بين الدستور والقوانين
ولكن هذا القلب يجب ان يكون سالما معافى، ويجب ان يساهم الجميع في تطوير عمله حتى يقوم بخدمة والشعب وبناء هذا البلد، عبر تشريع القوانين، بتغيير القوانين السابقة ، منظمومة بالية من القوانين المزعجة والمعرقلة للتنمية والتطور. وليس هناك أي تناغم وانسجام بين القوانين والدستور، الدستور يامر ويثبت ويقول شيئا ، والقوانين شيئا آخر تماما!؟ هذه ازمة حقيقة بحاجة لحلول، من اجل مستقبل هذا البلد يجب أن تردم هذه الفجوة بين الدستور والقوانين، أن تصاغ وتشرع قوانين جديدة متطورة وعادلة وميسرة لا معرقلة.
التخلص من ارث التخلف والديكتاتورية
إننا بحاجة الى التخلص من مواريث الديكتاتورية وأبرزها البيروقراطية والقوانين والأنظمة البالية السائدة فيها. فينبغي جعل النظام السياسي والمنظومة القانونية والإدارية للبلاد بحيث تكون كلها منسجمة مع روح الدستور. وهكذا ايضا ، في سبيل التخلص من إرث التخلف، فإن على الشعب والمسؤولين أن يقوموا بنهضة ثقافية وأخلاقية.