المرجع المدرسي: التمسك بثقافة القرآن والإنضمام إلى المؤسسات، ضمانة المجتمع أمام المؤامرات

أكّد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، أن فشل المؤامرات المستمرة التي تحاول النيل من المجتمع الإسلامي، يرجع إلى تحلّي المجتمعات المسلمة بالثقافة القرآنية بصورةٍ عامة، أولاً، وإنتظامها ضمن مؤسسات مختلفة ثانياً، مبيّناً أن وجود ثلّة مؤمنة متمسكة بثقافة القرآن الكريم التي تنهى عن الخضوع للطغاة سياسياً وإقتصادياً، إنه ضمانةٌ لحفظ المجتمع من الإنزلاق وراء المؤامرات المدمرة، كما أن وجود مؤسسات مختلفة في المجتمع تمثل الكهف الحصين للدفاع عن الأفراد، وعلى رأس تلك المؤسسات هي المؤسسة الدينية التي تتمظهر بإنتماء الناس إلى العلماء الربانيين، ومن بعدها المؤسسات العشائرية والحزبية.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية المتلفزة: “إنني أخاطب اولئك الذين يصرفون المليارات من الدولارات ويقومون بدورٍ إعلاميٍ قذر لتمزيق المسلمين، أنكم ستفشلون كما فشلتم من قبل في تمزيق المسلمين طائفياً أو قومياً أو جغرافياً، فحين نادى منادِ الإسلام للدفاع عن القدس إنبرى الجميع وكانت الحصيلة واضحة”.

وبمناسبة ذكرى فتوى الجهاد المباركة للدفاع عن العراق، قال المرجع المدرسي: “إن الماكنة الإعلامية التي تحاول النيل من المجاهدين الذين استجابوا لفتوى المرجعية الدينية وانتظموا ضمن صفوف الحشد الشعبي، ماكنةٌ كبيرة، ولكنها سوف تفشل، ولكن على المجاهدين أن يعلموا ان الشيطان سوف يظل يحاول النيل منهم”.

وشدّد سماحته على ضرورة أن يعرف كل منتمٍ للحشد بأن مؤسسته قد انبثقت من فتوى العلماء أولاً ومن الهبة الجماهيرية ثانياً، وعليه أن لا يحيد عن النهج المستقيم ولا يفسد جهاده وعبادته لله سبحانه بالتأثر بالمغريات المختلفة، وعليه أن يستمر في إتباع نهج العلماء الربانيين، كما على ابناء الحشد أن يحافظوا على إنتمائهم الى الجماهير، فمؤسستهم من الشعب وإلى الشعب وفي خدمة الشعب.

وختم المرجع المدرسي كلمته بدعوة ابناء الحشد وقياداته إلى بذل المزيد من الجهد في تقديم الخدمات للشعب العراقي، عبر تأسيس مؤسسات خدمية وصحية والإهتمام بالطبقات الهشة من المجتمع من أيتام ومحرومين، ويكون كل منتمٍ للحشد الشعبي يقدم خدماته للآخرين من دون أن يتوقع جزاءً ولا شكورا.

المرجع المدرسي يدعو الى تقديم الأهداف العليا للمجتمع على المصالح المرحلية لاسيما في التنافس الانتخابي

دعا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، إلى تقديم المصلحة العليا للمجتمع على المصالح الضيقة والمرحلية، ليس في حلبة الصراع والتنافس في الإنتخابات فحسب، بل في كل المراحل، مبيّناً أن صلاح المجتمع يكون عبر سعيها نحو اهدافها العليا والكلية، إذ الجميع في سفينةٍ واحدة، هي سفينة العراق، ولا يمكن لبعضٍ أن يصل إلى شاطئ السعادة على حساب الآخرين ومن دونهم.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية: “إن السياسة وتعدد الأحزاب قد تسبب اختلافاً بين ابناء المجتمع، ولا بأس بوجود مساحةٍ للإختلاف، شريطة أن يبقى ضمن حدودٍ معيّنة، أما فيما يرتبط بمصلحة المجتمع، فلابد أن تكون أهداف المجتمع، نصب عين كل سياسي، أيّاً كان انتماؤه وتحزبه، ومما يؤسف له أننا نجد _ونحن على أبواب استحقاقٍ إنتخابي_ بعض الساسة لا يلتفتون إلى مجتمعهم وقيمه، فيقومون -_ بدلاً عن ذكر مشاريعهم وإيجابياتهم أنفسهم _ بتسميم الأجواء عبر نشر التهم وذكر سلبيات منافسيهم “.

وبيّن المرجع المدرسي، أن القرآن الكريم يرسم عبر آياته، معايير تنظيم التجمعات والأحزاب والمنظمات، والتي تشكّل بدورها المجتمع وفق القيم الإيمانية والأخلاقية، وكلما اقترب ابناء المجتمع إلى تلك القيم، كالأخوّة الإيمانية، والتواضع وعدم التعالي على الآخرين، وعدم الاستهزاء والتنابز بالألقاب واساءة الظن، كلما كان المجتمع أقرب للتقوى، ومن الضروري تحكيم هذه القيم الأخلاقية، لا سيمّا عند من يدخل في حلبة الإنتخابات.

المرجع المدرسي يشدد على ضرورة معالجة الخلافات عبر الطرق الشرعية والقانونية

استنكر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله، تحوّل التظاهرات المطلبية المكفولة عقلياً ودستورياً، إلى صراعٍ دامٍ يؤدي إلى سفك الدماء في كل مرّة، مشدداً على ضرورة إنهاء هذه الظاهرة البعيدة عن قيم المجتمعات الإيمانية، إذ الضحايا فيها هم ابنائنا في نهاية المطاف، سواءً من جهة المتظاهرين أو القوات الأمنية.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية المتلفزة: “مجتمع الإيمان هو مجتمع الأخوّة، وليس من خلافٍ أو إختلافٍ إلا وبالإمكان تجاوزه وحلّه، سواء عبر التظاهرات السلمية أو الضغوط المختلفة ضمن إطار القانون، أما سفك الدماء أو تحويل الخلافات إلى إثارات ونعرات عصبية أو تخريب للمتلكات العامة والخاصة، فهو أمرٌ مرفوضٌ، كما أنّ هذه الأفعال بعيدةٌ كل البعد عن قيَم الإيمان، وعن شيَم مجتمعنا وتاريخه”.

وأكد المرجع المدرسي، على ضرورة العودة إلى الصفاء الإيماني الذي بُعث به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فحوّل المجتمع العربي في الجزيرة العربية، من قبائل متناثرة ومتناحرة، إلى مجتمعٍ موحّد متآخي يشدّ أزر بعضه البعض في تطبيق القيَم السامية، مبيّناً أن مسؤولية المجتمع العراقي اليوم تكمن في تربية رجالٍ مؤمنين متحدّين في طاعة الله ورسوله، ويتعاونون في مواجهة التحديات والأزمات.

المرجع المدرسي يدعو إلى محاكمة رئيس الكيان المارق، أمام محاكم دولية وبمرآى شعوب العالم

حذّر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، من غضب الرب سبحانه، إذا ما سكتت الشعوب في العالم، ورضيت بالجرائم التي يرتكبها الكيان المارق في فلسطين، مبيناً أن لا مفر من غضب الرب سبحانه إلا بالتوبة إليه والتضرع إليه لكيلا يأخذنا بما يفعل الظالمون في هذا العالم، مؤكداً على أن السكوت عن قتل الأطفال والأسر البريئة أمرٌ مرفوض، كما أن كل مبررٍ لتوجيه هذه الجرائم هو الآخر غير مقبول.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية المتلفزة: “بعد توقف الأعمال العدوانية الغاشمة، لابد أن تتم محاكمة المسؤولين عنها وعلى رأسهم رئيس الكيان المارق، محاكمةً دوليةً على مرآى الناس، لكي يدرك الناس مدى فضاعة جرائم هذه العصابة، وكيف أنهم يفتقدون المبرر على جرائمهم”.

وبيّن المرجع المدرسي، أن الهبة الجماهيرية للشعوب المسلمة، دلّت على أن الحضارة الإسلامية قادمة، لما في الأمة من روحٍ كبيرة أظهرها المسلمون في كل مكان، وشاركهم فيها الأحرار في كل العالم، ولكن رغم ذلك، فهناك عقولٌ عفنة وأقلامٌ مأجورة حاولت _ولا تزال_ الدفاع عن أفعال الصهاينة، مبيّناً أن مصير هؤلاء الخزي في الدنيا قبل الآخرة.

وفي ختام كلمته، أوصى سماحته المسلمين بالإستمرار في الدفاع عن المظلومين في فلسطين، كما أوصى الحكماء بتوجيه هذه الحماسة الجماهيرية نحو البناء ونحو إرساء قواعد العدالة والإعتدال، لكيلا تخرج قوة هذه الحماسة عن إطارها الصحيح.

المرجع المدرسي: الإنتفاضة الفلسطينة قد تبشّر بالحضارة الإسلامية الواعدة

أكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله، على أن الإنتفاضة الفلسطينية في مواجهة العدوان الإسرائيلي على القدس الشريف، دلّت على أنّ الأمة الإسلامية لا تزال على عهدها مع ربها، ولا تزال بخير، مبيّناً أن الإنتفاضة هي فلسطينة، ولكنّ الروح النهضوية التي تتجلى كل يومٍ في بقعةٍ من البقاع الإسلامية، قد تبشّر بالحضارة الإسلامية الواعدة في نهاية المطاف.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية المتلفزة: ” لقد عاشت البشرية ازمات متلاحقة منذ إنحسار التفافها حول الرسالات الإلهية، واليوم باتت لا تثق بالحضارة المادية المتزلزلة، بسبب فشلها في إدراة ازمة فيروس كورونا، وأظكة المناخ، والفساد العريض الذي ظهر في الأرض بسبب انفساخ الحضارة المادية عن القيم، وانتشار الطبقية التي اصبحت سمةً عامةً للبشرية، وكل هذه الأسباب جعلت العالم يبحث عن حضارةٍ أسمى، والتي تتمثل في الحضارة الإسلامية، ولا يعني كونها إسلامية أنها خاصة بالمسلمين، وإنما هي حضارةٌ إلهية تمثّل روح الرسالات السماوية كلها، وتنفع البشرية جميعاً.

وبيّن المرجع المدرسي، أن الحضارة الإسلامية تنطلق من قاعدةٍ رصينة من الإيمان والتقوى، ولكنّها في الوقت ذاته، تعمّر الأرض وتحييها، فالإنطلاق في عمارة الأرض وخدمة البشرية لا يكون من منطلقٍ ماديٍ فحسب، بل من منطلقٍ دينيٍ أيضاً، وهذا ما يحصّن الحضارة من الإنحراف عن خطها؛ مبيّناً أن الروح الكبرى في الحضارة الإسلامية، تستوعب الجانبين المادي والعنوي للإنسان، حيث يربط الإسلام العبادات المعنوية بجوانب الحياة المادية، إذ يجعل الدين روح الصلاة والصيام والحج في خدمة قرب الإنسان الى الله من جهة، وإلى قربه مما ينفع الإنسانية من جهةٍ اخرى، ممثلاً بعيد الفطر، الذي هو عيدٌ معنوي، ولكنّ المسلمين يخرجون فيه زكاة أموالهم للفقراء والمحتاجين.

وفي صعيدٍ متصّل، أكد سماحته على ضرورة عدم نسيان المنطلقات الدينية، في خضمّ الأجواء السياسية، إذ المفروض إخضاع السياسة للدين وقيمه وليس العكس، داعياً الساسة في العراق أن يعيدوا خططهم بحسب معيارية القيم التي آمنوا بها.

كما دعا سماحته إلى وجود عزمةٍ وطنيةٍ شاملةٍ لمواجهة التحديات الكبرى في العراق، وابرزها التحدي المتمثل في ضرورة اللحاق بركب الحضارة وردم الفجوات الحاصلة في العراق بسبب الظروف السابقة، مبيناً أن ذلك لا يكون بعمل بعض الجهات أو الأحزاب فقط، بل لابد أن يكون بعزمٍ وطنيٍ شامل يشارك فيه الجميع، داعياً إلى أن  تكون الإنتخابات المقبلة سبباً لتوحيد الجهود لمواجهة التحديات، لا لتفرقة الأحزاب والناس عن بعضهم البعض.

وختم سماحته بتهنئة المسلمين بعيد الفطر المبارك، سائلاً الله سبحانه أن يمنّ على المسلمين بحياةٍ ملؤها التقدم والراحة والسلام ببركة هذا العيد المبارك.

المرجع المدرسي: استهداف الهزارة في افغانستان بداية لمشروع تحجيم التيار الاسلامي

أدان سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، العملية الجبانة التي طالت مدرسة سيد الشهداء عليه السلام، للبنات في حي (دشت برجي) بكابل في أفغانستان، والتي راح ضحيتها عشرات من الطالبات البريئات.

وقال سماحته في بيانه الصادر اليوم الأحد: “إن هذه العملية بداية مشروع لتحجيم التيار الإسلامي والتيار الديني وبالذات في الطائفة الشيعية في افغنستان”.

وحمّل المرجع المدرسي الصهيونية العالمية مسؤولية العمليات الارهابية في البلاد الاسلامية قائلاً: “إن الصهيونية العالمية تسعى لإثارة النعرات والقلاقل من أجل بقاء اطول فترة ممكنة في فلسطين عبر زعزعة الأمن والإستقرار في العالم الإسلامي”.

وطالب سماحته العالم الاسلامي بادانة مثل هذه العمليات ومن يقف وراءها كما طالب الشعب الافغاني بتوحيد صفوفه لمواجهة خطر الإرهاب المحدق بهم.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثامن عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

طُوبىَ‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مََابٍ

[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبىَ‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مََابٍ(29)كَذَالِكَ أَرْسَلْنَاكَ فىِ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيهِْمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ  قُلْ هُوَ رَبىّ‏ِ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتَابِ](30)

يعيش المؤمن حياة مطمئنة في الدنيا و قلبه مليء بالرضا والايمان،  وبالتالي يعيش الحياة الفضلى، فماذا عن الآخرة؟

تارة يلّخص القرآن الكريم لنا الحقائق بكلمة فيقول:

[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبىَ‏ لَهُمْ]

كما أنّ النِعم في الدنيا درجات، كذلك الحسنات في الآخرة، فكلٌ له درجته في الجنّة، ومن هنا تارة يدعو المؤمن ربّه قائلاً:

[رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَة][1]

وتارة نطلب الحُسنى وهي الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، وهكذا كلمة طوبى تعني الحياة الأعظم طيباً، بالإشارة إلى الدرجات الرفيعة التي ينالها الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

والمعنى الآخر لكلمة طوبى ما ورد في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه و آله حيث قال:

«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يُقَالُ لَهَا طُوبَى مَا فِي الْجَنَّةِ دَارٌ إِلَّا وَ فِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ أَصْلُهَا فِي دَارِي وَ فَرْعُهَا فِي دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.»[2]

وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ 

نبيّنا الأعظم ليس بدعاً من الرُسُل فليس بأوّل نبي بل هو خاتم الأنبياء والامتداد الطبيعي لهم، وسبب امتناع الكفّار من الايمان ليس سوى اللجاجة والعناد ، يقول ربّنا تعالى:

[كَذَالِكَ أَرْسَلْنَاكَ فىِ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيهِْمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ]

الهدف من رسالة الرسول أن يكون معبّراً عن حقيقة الرسالة، و أنّ الرسول مهما تحمل من الجهد فهو مجرد تال لما نزل عليه.‏

[وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ] 

كفّار قريش كانت ثقافتهم مبنّية على الخشونة، ولأنّهم كذلك كانوا يتصوّرون أنّ الرب لابدّ أن يسوقهم بالعذاب والقوّة، بينما الرب سبحانه الرحمن الرحيم، وهكذا نجد تاريخياً كيف أنّ بني اميّة سعوا جاهدين لرفع البسملة من القرآن الكريم لذات السبب.

[قُلْ هُوَ رَبيِّ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ]

هذا هو الرحمن الذي يكفرون به، لا إله غيره، رب الأرباب، لا ندّ له و لا نظير.

[عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتَابِ]

يستمدّ الرسول قوّته منه تعالى، فعليه يتوكّل، واليه ينوب.


[1] سورة البقرة، الآية: 201.

[2] تفسير فرات الكوفي، ص: 208

المرجع المدرسي يحذّر الساسة والإعلاميين من تسميم الأجواء قبيل الإنتخابات

حذّر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، من محاولات تسميم الأجواء، والنفخ في القضايا التي تسبب الإختلاف بين ابناء الأمة الواحدة، كوسيلة لكسب أصوات إنتخابية، قبيل الإنتخابات القادمة، مبيّناً أن هذا الفعل المشين مصداقٌ لإشاعة الفاحشة في الأمة.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية المتلفزة: ” إن إحياء الملايين من المؤمنين ليلة القدر في العراق في مختلف مدنه، كشف عن تلك القاعدة الإيمانية الكبرى والصلبة في البلد، فلماذا نرى البعض يحاول إفساد ضمير الأمة بأقلامٍ جاهلة أوخبيثة؟”.

ودعا المرجع المدرسي، الساسة ممن يريدون التنافس في الإنتخابات القادمة، إلى ترك ما يتنافى مع الأخلاق في التنافس من أجل الوصول إلى البرلمان، من عدم الكذب وعدم إلقاء التهم ضد الآخرين، وعدم إستعمال الأساليب الدعائية الرخيصة والمفضوحة بالأموال الفاسدة، قائلاً: “إذا كان لدى المرشح برنامج لصالح البلد فليبين برنامجه ويكشف عن إيجابياته، ولا يكون ممن يترك ذلك إلى اتهام الآخرين والتكلم بالسلب ضدهم، فيخسر إيمانه كما يفسد ضميره، وتلك خسارةٌ أكبر من ربح مقعدٍ في البرلمان”.

كما دعا سماحته الإعلاميين، إلى الإلتزام التام بشرف المهنة، وأن لا يكونوا أقلاماً مأجورة بيد الدول الإستعمارية أو الأحزاب المرتبطة بهم، ولا يكونوا ممن ينشر الأكاذيب، مبيّناً أننا لسنا مع كمّ الأفواه وكسر الأقلام، ولكن على الإعلاميين أن يلتزموا الرقابة الذاتية بينهم وبين الله سبحانه.

وفي ختام كلمته، أوصى سماحته الشعب إلى أن يكون على مستوى المسؤولية في التعاطي مع وسائل الإعلام، فإذا وجدوا من إعلاميٍ أو جهةٍ إعلامية تبنياً لإشاعة السلبيات فعليهم أن يقاطعوها، كما على كل واحدٍ منهم أن يكون منبراً ووسيلةً لنشر الحقائق.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ(27)الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ تَطْمَئنِ‏ُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئنِ‏ُّ الْقُلُوبُ

اكبر تحدّيات البشر هو معرفة طريق الحق، ولو فقد ذلك لا يعوّضه شيء، ومن هنا نجد محور سورة الحمد التي هي أمّ الكتاب، محورها قوله تعالى: [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]
والقرآن الكريم يُحدّثنا في آيات عديدة عن مشكلة الهداية بالنسبة للبشر، منها أنّ البشر لا يريدون تحمّل مسؤولية الهداية والوصول للحقيقة، وكأنّهم ينتظرون من الرب اجبارهم على قبول الحق والهداية، والحال أنّ الجبر لا يُحدث إيماناً إنّما الإيمان لابدّ أن ينبع من داخل الإنسان.
وهكذا يأتي البشر بالحُجج الواهية الواحدة تلو الأخرى بمطالباتهم بالآيات والمعاجز كما يشاؤون، والحال أنّ نزول الآيات لا تأتي الّا بِحكمة وتدبير، فعصا موسى تلقف ما يأفكون لأنّ السحر كان وسيلة فرعون لغواية الناس وضلالتهم، وأحيى عيسى بن مريم الموتى لأنّ تطوّر البشر في عهده بالطب كان سبباً كذلك للإنحراف، وجاء القرآن الكريم معجزة خالدة ليبطل الثقافات الجاهلية التي كانت تنشر عبر الشِعر وعجز الكفّار أن يأتوا بسورة من مثله، يقول ربّنا تعالى:
[وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ]
الإنسان الذي يريد النظر يكفيه البصيص من النور، اما الذي لا يريد ان يبصر فضوء الشمس لا يكفيه.
[قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ]
كما الأعمى الذي فقد بصره إذا لم يتفضّل الرب عليه بنعمة البصر فيبقى في تيه، كذلك الانسان بطبعه ضال، وتأتي الهداية من الرب تعالى لمن يستحق وهم من أنابوا اليه، أمّا غيرهم فيخذلهم الله تعالى فيضلّوا الطريق.
وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
مقدّمات الهداية تتوفّر من الانسان بالإنابة إلى الله والتوبة إليه حينها تأتيه الهداية، وللهداية علامات و صفات يُبيّنها القرآن في الآية التالية بقوله:
[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ تَطْمَئنِ‏ُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ]
شرط الإنابة الإيمان، حينما ينعكس على القلب فيجعله مطمئنّاً.
[الا بذكر الله تطمئن القلوب]
علاج الاضطراب الذي يعيشه البشر في العالم، و يعقب الامراض المختلفة، هو الايمان ففي زحمة الحياة و مع تراكم الأعمال، و مع جو الارهاق و العمل، و أثناء القلق النفسي الذي يعصف بالكثيرين تركن النفس و تطمئن لذكر اللّه، و حري بنا ان نعالج مشاكلنا النفسية بذكر اللّه.‏

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السادس عشر)

لهَمْ سُوءُ الدَّارِ

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فىِ الْأَرْضِ  أُوْلَئكَ لهَمُ اللَّعْنَةُ وَ لهَمْ سُوءُ الدَّارِ](25)

لا يمكننا فهم النهار وضوء الشمس الّا بعد ادراكنا الليل والظلام، وهكذا ما إن يذكر القرآن الكريم عُقبى الدار ونتيجة أعمال الذين استجابوا لربّهم، حتّى ينتقل للحديث عن الذين لم يستجيبوا لربّهم، و بمعرفة ذلك يجعل الانسان لنفسه ميزاناً لمعرفة نفسه، والمجتمع من حوله، إذ أنّ سلوك اهل الحق مبائنٌ تماماً من اهل الباطل.

يقول ربّنا تعالى:[وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ]

ذلك العهد الذي أُخذ من البشر منذ عالم الذر، بالإقرار بالعبودية، وتجنّب عبادة الشيطان الرجيم وهكذا التوّلي لأولياء الله، وبالتالي نقضوا الميثاق الذي أُخذ عليهم بالميثاق من عالم الذر.

الولاية لله، حيث يقول ربّنا:[اللَّهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ‏ إِلَى النُّورِ]

ومن ثمّ ولاية الأنبياء في طول ولاية الله، حيث يقول ربّنا تعالى: [وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ‏ بِإِذْنِ اللَّه‏]

وهكذا الاطاعة للائمة الاطهار عليهم الصلاة والسلام، ومن هنا على الانسان أن يفي بذلك الميثاق.

[وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ]

وأهمُّ صِلة هي صِلة المؤمن بأهل البيت عليهم السلام كما مرّ ذكره، وتشمل الآية قطع الرحم مع قرابة الانسان أيضاً، فللمؤمن على المؤمن عشرات الحقوق يسعى لتأديتها وبالخصوص حينما يتعلّق الأمر بالأقربين، لكنّ هؤلاء لا يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، لماذا؟

لأنّهم نقضوا حقّ الله، فلا يهمّهم بعدئذٍ حق اولياء الله، ولا حقّ الناس.

 [وَ يُفْسِدُونَ فىِ الْأَرْضِ]

ربّنا سبحانه و تعالى خلق الكون بأفضل وأتمّ صورة لكنّهم وبمخالفتهم لسنن الرب، و بارتكاب الذنوب والمعاصي، إنّهم يفسدون في الأرض، ومن هنا يقول ربّنا تعالى: [وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها][1]

و هناك معنى آخر نستوحيه: إنّهم يفسدون بيئة الأرض، و هذه حالة الكفّار فهم ينتقمون من الطبيعة، و ما الاسلحة الذرّية والميكروبية إلّا دليل على نشر الدمار كما أنّ تلويث البيئة الطبيعية دليل نشر الفساد.

[أُوْلَئكَ لهَمُ اللَّعْنَةُ]

الإفساد في الأرض يستلزم اللعنة.

 [وَ لهَمْ سُوءُ الدَّارِ]

بالإضافة إلى طردهم من رحمة اللّه في الدنيا، فلهم سوء الدار.


[1] سورة الأعراف، الآية 56.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الخامس عشر)

سَلَامٌ عَلَيْكمُ بِمَا صَبرَْتمُ‏ْ 

بسم الله الرحمن الرحيم

[جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونهََا وَ مَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائهِِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتهِِمْ  وَ الْمَلَئكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِْم مِّن كلُ‏ِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكمُ بِمَا صَبرَْتمُ‏ْ  فَنِعْمَ عُقْبىَ الدَّارِ](24)

في سياق الحديث عن جزاء الذين استجابوا لدعوة الأنبياء والرسل، يبيّن ربّنا جزاءهم في الآخرة؛ ذلك أنّ بعض النِعم قد تبقى بعيدة حتّى عن مخيّلة الانسان، بيان تلك النِعم لأجل ايمان البشر بإمكان وصولهم إلى تلك النِعم والشوق لها من جهة، وأيضاً لإستصغار المشاكل وتحدّيات الحياة في قِبال الوصول إلى نعيم الجنة.

و إذ يفهم المؤمن فلسفة الدنيا يبقى صامداً أمام أمواج البلاء، ويتحلّى بصفة الصبر، وقد جاء في الحديث: «الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة وصبر على المعصية.»[1]

عقبى الدار

لأنّ الدنيا ممر وليس فيها مستقر، فكلّ شيء فيها زائل، والمؤمن له عقبى الدار:

[جَنَّاتُ عَدْنٍ]

 کلمة [عَدْنٍ] أي: استقرار و ثبات، و عَدَنَ‏ بمكان كذا: استقرّ، و منه‏ الْمَعْدِنُ‏: لمستقرّ الجواهر.

[يَدْخُلُونهََا وَ مَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائهِِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتهِِمْ] 

لماذا؟

لأنّ أُنس البشر أن يرى أحبّاءه في نعيم على سُرر متقابلين، ولذلك يرفع الله من درجة من صلح من محيطه واسرته ليكونوا معه وفي درجته وذلك من أبعاد الشفاعة التي يهبها الله للمؤمن في الآخرة.

[وَ الْمَلَئكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِْم مِّن كلُ‏ِّ بَابٍ]

ربّما يدخلون من كلّ باب لأنّ المؤمن قد عمل في الدنيا بكلّ أبواب الخير التي أُتيحت أمامه، فالعبادة والصلاة من جهة والجهاد والدعوة إلى الرب كذلك وطلب العلم والتفقّه كذلك والإحسان إلى الناس، وهكذا كلّما وجد المؤمن فرصة للتقرب إلى الله فإنّه يسلكه وذلك يُمثّل أبواب الجنة.

[سَلَامٌ عَلَيْكمُ]

فلا موت ولا مرض ولا فناء ولا شقاء بعد اليوم.

[بِمَا صَبرَْتُمْ] 

بالرغم من أنّ الآيات ذكرت عدّة صفات للمؤمن، منها الوفاء بعهد الله، وعدم نقض الميثاق، واقامة الصلاة والانفاق و..الخ الّا أنّ خلاصة كلّ ذلك جاء في قوله: [بِمَا صَبرَْتُمْ]

لأنّ الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد وكلّ افعال الخير مرتبط بالصبر.

بكلمة: بموقف واستجابة من العبد وتلبيته لدعوة الأنبياء، تتداعى كلّ صفات الخير عنده ويكون جزاءه الفوز بعقبى الدار.


[1] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٦٨ – الصفحة ٧٧

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الرابع عشر)

ُاوْلَئكَ لهَُمْ عُقْبىَ الدَّارِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ(20)وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَ يخَْشَوْنَ رَبهَُّمْ وَ يخََافُونَ سُوءَ الحِْسَابِ(21)وَ الَّذِينَ صَبرَُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبهِِّمْ وَ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَ أَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلَانِيَةً وَ يَدْرَءُونَ بِالحَْسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئكَ لهَُمْ عُقْبىَ الدَّارِ(22))

يتشابه الناس في ظاهرهم فلا فرق كبير في الظاهر بين المؤمن والكافر، ولكن الواقع أنّ اختلافهم شاسعٌ كما اختلاف الجنّة والنار، فالمؤمن ينطلق من بصائر الوحي ونور العقل، ويتجلّى ذلك على سلوكه وسِمات شخصيته، ومنها أنّه يفي بعهده، و لا يعتدي على حقّ الغير، وهكذا تراهم يُقيمون الصلاة بما تُمثّل من صِلة العبد بربّه وآثارها العظيمة على حياته، ويدرؤون بالحسنة السيئة، وجزاء هؤلاء أنّ لهم عقبى الدار.

يقول ربّنا تعالى: [الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ]

ذلك العهد الذي أخذه الرب من البشر بالربوبية منذ عالم الذر اذ قال جلّ من قائل:

[وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني‏ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ قالُوا بَلى‏ِ شَهِدْنا][1]

 وكذلك العهد بتجنّب عبادة إبليس الرجيم كما قال تعالى:

[أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني‏ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ] [2]

أمّا العهد الثالث فهو الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام والائمة الطاهرين.

[وَ لَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ]

الميثاق عقد مؤكد بيمين أو عهد، وصِفة المؤمن أنّهم لا ينقضون المواثيق بينهم، ولو دقّقنا النظر في الكثير من الأزمات و الحروب في التاريخ نجدها نتيجة نقض المواثيق بين البشر.

[وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ]

 فربّنا سبحانه يأمر ببرّ الوالدين، وصِلة الأرحام، وحسن المعاشرة مع الاقربين، والإحسان الى الناس، والمؤمن يصِل ما أمر الله به أن يوصل، وقد جاء في الحديث عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبداللّه (ع):الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏ فقال: «نزلت في رحم آل محمد صلّى اللّه عليه و آله، و قد يكون في قرابتك، ثم قال: فلا تكونن ممّن يقول للشي‏ء أنه في شي‏ء واحد.»[3]

[وَ يخَْشَوْنَ رَبهَُّمْ وَ يخََافُونَ سُوءَ الحِْسَابِ]

لا أحد منّا ينجوا إذا ما حوسب حساباً دقيقاً، ولذلك نحن ندعوا ربّنا دائماً بالقول: «ربنا عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك.»

هؤلاء يعلمون أنّ الاحسان الى الناس والتراحم فيما بينهم يستنزل الرحمة الإلهية و يخفف من الحِساب.

[وَ الَّذِينَ صَبرَُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبهِِّمْ]

الصفة الأخرى للمؤمن أنّه يصبر ابتغاء وجه الله، ويتجلّى ذلك بتحمّله مشقّة الحياة، وصبره على مكاره الدنيا.

[وَ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ]

القيام بالصلاة غير أداء الصلاة، و إقامة الصلاة مشروطة بالعزم و الاهتمام بسائر شروط و مواصفات الصلاة.

[وَ أَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلَانِيَة]

فكلّ نعمة فيها انفاق وزكاة، فزكاة المال انفاقه والافضال وزكاة القدرة الإنصاف وزكاة الجاه بذله وزكاة العلم أن يعلمه اهله.

والإنفاق بالسر ضد الرياء، و الإنفاق في العلن تحدّ لمن لا يريد منك الإنفاق، أو تشجيعا للإنفاق.

 [وَ يَدْرَءُونَ بِالحَْسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئكَ لهَُمْ عُقْبىَ الدَّارِ]

معاملتهم مع الناس ليس معاملة البغض و العداوة، بل معاملة العطاء، فهم لا يصعّدون الصراع مع الناس، بل يحاولون احتواء البغضاء بالحلول الهادئة، و الدرء هو التحصين أي يتحصنون بالحسنة من مضاعفات السيئة و هذا معنى آخر تحمله الآية، من يحمل تلك الصفات لهم عقبى الدار.


[1] سورة الأعراف، الآية 172.

[2] سورة يس، الآية 60.

[3] تفسير الميزان- ج 11- ص 349

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثالث عشر)

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبهِِّمُ

بسم الله الرحمن الرحيم

[لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبهِِّمُ الْحُسْنىَ‏  وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ  أُوْلَئكَ لهَُمْ سُوءُ الحِْسَابِ وَ مَأْوَئهُمْ جَهَنَّمُ  وَ بِئْسَ المِْهَادُ](18)

من أعظم النِعم الإلهية على البشر هي نعمة الهداية، وقد أرسل ربّنا سبحانه وتعالى بفضله ورحمته الرُسُل للدعوة اليه و بالتالي لتوفير فرصة الهداية للبشر، وكما الأرض القاحلة التي تنتظر نزول الغيث، على الانسان أن ينتظر نزول الهداية بواسطة الرُسل والدعاة الى الله، و الواجب عليه حينئذٍ الاستجابة لتلك الدعوة الصادقة.

ومن هنا نقرء في سورة آل عمران قوله تعالى: [رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادي لِلْإيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا][1]

 فطرة الانسان وعقله تدعوه للاستجابة، فهو كمن يمشي في طريق وعر محفوف بالمخاطر ومُعرّض للسقوط كلّ لحظة، و هناك من يحذّره من المخاطر والمهالك، اليس يدعوه عقله للاستجابة؟!

وهكذا كان من اهمّ واجبات المؤمن هو الاستجابة لدعوة الحق كما قال تعالى:

[يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ][2]

والاستجابة إنّما تكون لدعوة الرسول لأنّ الطريق إلى الله واحد، وهو الصراط المستقيم الذي دعانا اليه، والبحث عن طريق آخر غير ذلك وابتداع الطرق للوصول إليه ليس وراءها الّا التيه والضلال.

يقول ربّنا تعالى:

[لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبهِِّمُ الْحُسْنىَ]

يبحث المؤمن عن الحسنى وتشمل الكلمة بمعناها الواسع كلّ خير وسعادة، للدنيا والآخرة، فربّنا تعالى لا يحفيه سائل، ولا حدّ لعطاءه، ولذلك يهب للذين استجابوا الحسنى وبالمقابل فجزاء من لم يستجيبوا بسبب التسويف والتردد هو الندامة والحسرة، يقول جلّ من قائل:

 [‏وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ]

وهكذا على الانسان أن يبادر فوراً ويستجيب لفرصة الهداية دون تردد، ولكنّ هؤلاء بسبب حرصهم وطمعهم في الأموال لا يستجيبون لدعوة الحق، جزاء هؤلاء كما يقول تعالى:

‏  [لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ]

سيأتي يوم يتمنّى الكفّار لو أنّهم أنفقوا ما في الأرض جميعاً للخلاص من العذاب وجزاء اعمالهم.

  [أُوْلَئكَ لهَُمْ سُوءُ الحِْسَابِ]

لأنّهم عملوا بالسيئات ويواجهون نتيجة اعمالهم، ولأنّ ربّنا سبحانه وتعالى بسبب أعمالهم يدّاقهم بالحساب، وقد ورد في الحديث: عن الامام الصادق عليه السّلام انّه قال لرجل: «يا فلان مالك و لأخيك؟» قال: جعلت فداك كان لي عليه حقّ فأستقصيت منه حقّي الى آخره، و عنده سماع الامام لهذا الجواب غضب و جلس ثمّ قال:

«كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسي‏ء اليه! أ رأيت ما حكى اللّه عزّ و جلّ‏ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ أ تراهم يخافون اللّه أن يجور عليهم؟! لا و اللّه ما خافوا الّا الاستقصاء فسمّاه اللّه عزّ و جلّ سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساءه»[3].

 تساهل المؤمن مع اخيه والتخفيف عليه  يُسهّل من حسابه يوم القيامة

 [وَ مَأْوَئهُمْ جَهَنَّمُ  وَ بِئْسَ المِْهَادُ]

وهكذا فالذين لم يستجيبوا لرسالة اللّه لو أن عندهم ما في الأرض و مثله معهم من الزبد لما منع عنهم سوء الحساب و جهنم. نعوذ باللّه منها.


[1] سورة آل عمران، الآية: 193.

[2] سورة الأنفال، الآية 24.

[3] تفسير البرهان، المجلّد الثّاني، صفحة 288.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثاني عشر)

فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
بسم الله الرحمن الرحيم
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ

تشرق الشمس على البحار لتكوّن الأبخرة، وعندما يصل الماء المتبخر إلى ارتفاع تكون فيه درجات الحرارة وضغط الهواء مناسبين، ووفق سُنن دقيقة تتشكّل السِحاب، و الرياح تحمل السِحاب آلاف الأميال، وهكذا ينزل من السماء ماءً فيخرج به من الثمرات المختلفة ويحيي الله الأرض بعد موتها، فأيّ قدرة عظيمة وتدبير دقيق حاكم في الكون.
الآيات المباركات من سورة الرعد ترشدنا الى التفكير في آيات الله والخروج من سجن الذات ويضرب لنا القرآن مثلاً لفهم الحق بقوله:
[أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها]
فالأودية تسيل بقدر قطر المطر، وهكذا الانسان ينزل عليه من الأنوار بقدر ما يحتمله قلبه، وكما قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا.» فلإستقبال الأنوار الإلهية يحتاج البشر الى وعاء كبير.
[فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً]
وبعد امتلاء الأودية يتحرك الماء ليحمل معه المخلّفات والأوساخ الذي يجرفه السيل معه.
[وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ]
كذلك المعادن التي تصهر بالنار لتصنع منها الحلي هي زبد أيضاً، للإشارة الى انشغال الانسان بالظاهر عن هدف الحياة.
[كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ]
الماء هو الجوهر وما حمله من الأوساخ زائل، وهكذا المعادن من الذهب والفضّة وما اشبه هو الثابت وما يُصهر بالنار زائل.
[َأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ]
فالزبد زائل لا محال أمّا ما ينفع الناس من الماء الزلال فهو باقي وثابت.
[كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ]
لأنّ الحقائق كبيرة وعظيمة يصعب ادراكها من البشر لذلك يضرب الله لنا الأمثال، مضافاً إلى أنّ هذه الحقائق علينا أن نستوعبها بوجداننا، فالحق والباطل كما الماء والزبد قد يختلطان للرائي وقد يطغى الزبد أحياناً بما يملك حزب الشيطان من تلبيس الحق وتزيين الباطل، ولكن الواقع فالباطل سريع الزوال، لأنه ضد الطبيعة، و ان الباطل لا يمتلك مؤهلات الوجود ليستمر.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الحادي عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

[قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ] (16)

حينما يغفل الانسان عن خالقه وبارئه فإنّه يسقط في شرك الشيطان، فيغرق في وحل التمنّي و الأوهام الباطلة، وتكتنفه حُجب الظلمات فيجهل نفسه وخالقه والخلق المُحيط به.

ويأتي الوحي مُبيّنا آيات الله تعالى في الآفاق ليثير دفائن العقول ويجلي الفطرة التي اودعها الرب سبحانه في داخل كلّ انسان، فيدعونا الى التفكّير في آيات الله، في السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وفي سائر الخليقة.

وبالنظر الى السماوات ندرك النظام الحاكم فيها والتدبير الدقيق الذي يدلّنا على الخالق المدبّر العظيم، فكلّ ما هو حادث يحتاج الى مُحدث، ويفتقر لاستمرار وجوده اليه تعالى، فهذا الفضاء الرحيب الذي ليس فقط لا ندركه بعلمنا بل لا نصل الى سعته حتّى بخيالنا، هذا الفضاء يتحقق بأمر الله وأمره تعالى بين الكاف والنون أو ما يُصطلح عليه اليوم بزمن الصفر.

[قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ]

فهو تعالى اجلى ظهوراً من كلّ شيء كما قال الامام ابي عبد الله الحسين عليه السلام في دعاء يوم عرفة: ((كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك.))

ولذلك فجاء الجواب عن السؤال سريعاً ودون مكث.

[قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا]

فاذا أذعنتم بذلك فكيف تتخذون من دونه أولياء، هذه الأصنام الحجرية أو البشرية لا تملك النفع لنفسها، و لا دفع الضر عنها، فهل هي قادرة على إعطائك النفع أو دفع الضر عنك؟

 وبالتأمّل في قوله: [من دونه] نفهم أنّ الأولياء من دون الله هم الذين نهى القرآن عن اتباعهم، بالمقابل يقول ربّنا في سورة المائدة: [يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في‏ سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ][1]

 فهم الذين نصبهم الرب وأمر باتباعهم.

[قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ]

تشرق الشمس كلّ يوم لكن اذا فقد الانسان وسيلة الابصار فلن يتمكن من استقبال نور الشمس، وهكذا من لا بصيرة له، أنّى له ادراك تلك الآيات.

[أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ]

قد يكون الواحد قهّارا و قد لا يكون، و لكن اللّه واحد و قهار .. واحد تدل على ذلك آياته، و قهّار غالب على كلّ شي‏ء بقدرته و إرادته، أما عصيان البشر له فليس انحسارا لقهره، بل لأنّه يمهل الكافرين ليزدادوا إثما مع إثمهم.


[1] سورة المائدة الآية: 35.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس العاشر)

لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ‏ِ 

بسم الله الرحمن الرحيم

[لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ‏ِ  وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشىَ‏ْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلىَ الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَ مَا هُوَ بِبَالِغِهِ  وَ مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فىِ ضَلَالٍ]

أليس كلّ الموجودات متساوون في الخِلقة، والرب المُتعال هو الذي خلقها، فلماذا خُصّ البشر بحريّة الانتخاب دون غيره؟ ولماذا يُمهلهم الله رغم طغيانهم وتعدّيهم لحدود الرب؟

 خلق الله البشر في نموذج مختلف، أعطاه من النِعم الوافرة وبذات الوقت أعطاه قدرة على الانتخاب اذا استخدم هذه القدرة بالاتّجاه الصحيح يصبح المخلوق الأفضل الذي فضّله الله على سائر الموجودات وبالمقابل قد يكون وقود النار اذا لم يستخدم النِعم الإلهية بالاتجاه الصحيح.

ومن هنا ربّنا سبحانه بعد الإنذار الشديد الذي وجهه في الآية السابقة وأنّ الله شديد المحال يُبيّن طريق الحق الذي إن تمسّك به البشر نجوا وإن تخلّفوا هلكوا يقول تعالى:

 [لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ]

فهو تعالى حق، ومنهجه كذلك حق، وله دعوة الحق حيث يستجيب لعباده، بالمقابل من يظل طريق الحق وينحرف ويشرك بالله لا يصل الى شيء ولا يستجاب دعاءه، فهو كمن يقف على ضفاف النهر وهو عطشان ولكنّه لا يغترف من الماء، وكلّما يمدّ يده ليشرب منه لم يصل اليه، ويبقى عطشان أبداً، يقول تعالى:

[وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشىَ‏ْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلىَ الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَ مَا هُوَ بِبَالِغِهِ.]

يستطيع البشر  أن يصل إلى الله بعزم ارادة ويردم الفاصلة بينه وبين بحر الرحمة الإلهية لكنّ مشكلة البشر أنّه يترك الصراط المستقيم ويستبدله بالطرق الملتوية، اولئك الذين يستبدلون عبادة الله الأحد بعبادة الاصنام البشرية أو الحجرية لا يستجيبون لهم بشيء.

 [وَ مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فىِ ضَلَال]

لأنّهم يعيشون تمنّيات فلا يزيدون من الهدى الّا بُعداً إذ أنّ عالم الخليقة لم يُبنى على أساس التمنّي بل هو قائمٌ بالحق.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس التاسع)

يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحِمْدِهِ

بسم الله الحرمن الرحيم

هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبرَْقَ خَوْفًا وَ طَمَعًا وَ يُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12)وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحَِمْدِهِ وَ الْمَلَئكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَ هُمْ يجَُدِلُونَ فىِ اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ المِْحَالِ(13)

ماذا معنى التسبيح؟ وماذا يعني قوله تعالى: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ ‏]؟[1]

وقوله تعالى: [كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبيحَه‏ِ]؟[2]

نلخّص الإجابة عن ذلك من خلال عدّة بصائر:

أولاً: من ذات الطريق الذي يصل به الانسان إلى معرفة الله ومعرفة صفاته وأسماءه، يمكنه كذلك الوصول الى القُرب الالهي وينوّر قلبه بضياء نظرها إلى ساحة القدس بحقائق القلوب.

فمن خلال استشعار النقص في المخلوق، نوقن بكمال الخالق، ومن ضعف المخلوق نصل إلى قوّة الخالق وهذا هو جوهر التسبيح وهو طريق القرب من الباري تعالى.

ثانياً: وبتنزيه الرب تعالى من كلّ نقص نلجأ اليه تعالى لسدّ نقصنا وجبر ضعفنا.

ثالثاً: النقص والاحتياج ليس مختصاً بالبشر فحسب، بل كلّ الموجودات مُحتاجة اليه في كل آن، فهو الذي يمدّها بفيض الوجود كل لحظة، وهي تنطق بالتسبيح بلسان الحال، بل وبلسان القال أيضاً إذ كلّ شيء يسبّح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم.

يقول ربّنا تعالى:

[هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبرَْقَ خَوْفًا وَ طَمَعًا وَ يُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ]

فكما أن لله تعالى مُعقبّات يحفظون البشر من الأخطار كذلك تأمين غذاءه أيضاً يتمّ برحمته تعالى حيث يُنشئ السِحاب من جهة ويرينا البرق بما طمعاً لنزول الأمطار من جهة، و[خوفاً] اظهاراً لقدرته حيث الخوف من الصواعق المدمرّة.

[وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحَِمْدِهِ]

سُمّيت هذه السورة على اساس وجود هذه الآية المباركة، والتسبيح هو التنزيه، فهذا الرعد بقوته يخضع الى اللّه سبحانه، و من تخضع له القوة أليس بقوي؟

[وَ الْمَلَئكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ]

هذه الملائكة هي المهيمنة على الطبيعة، آية سلطان هيمنة اللّه علينا تسبح بحمد اللّه خوفا منه لبعض المعرفة بلله.‏

[وَ يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَ هُمْ يجَُدِلُونَ فىِ اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ المِْحَالِ]

ِ ابعد هذه القدرة و الهيمنة يجادلون في اللّه؟ بلى ان اللّه شديد القوّة و المكر،سيصيبهم بما كسبوا قارعة أو يحل قريبا من دارهم البوار.


[1] سورة الاسراء، الآية 44.

[2] سورة النور، الآية 41.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثامن)

معقبات من بين يديه

بسم الله الرحمن الرحيم

[لَهُ مُعَقِّباتٌ‏ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ] (11)

منذ انعقاد نطفة الانسان في رحم أمّه تحيط به رعاية الرب وتستمر تلك الرعاية طوال مسيرة حياته حيث يرعاه الرب ويحفظه من الأخطار، إذ أنّ الانسان يواجه في الحياة اخطاراً شتّى قد تتمثّل بالفايروسات الفتّاكة او الأمراض او الحوادث الطبيعة يحفظ ربّنا تعالى الانسان منها، وقد يصل البشر في أحيان كثيرة إلى حافّة الخطر لكنّ ربّنا تعالى يُنجّيه بفضله ورحمته، لكنّ تبقى مشكلة الإنسان أنّه سريع النسيان فربّما ينسى بعد دقائق معدودة ذلك الخطر الذي كان بالإمكان أن يودي بحياته، و نستفيد من ذلك:

اولاً: أنّ علينا الاعتماد على ربّنا و التوكّل عليه في مختلف الامور لا سيما في التحدّيات والصِعاب.

ثانياً: وحينما يتوكل المؤمن على الله ويستشعر نعم الله عليه حينها لا يُصاب بالغرور بما لديه من النِعم.

يقول ربّنا تعالى:

[لَهُ مُعَقِّباتٌ‏ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه‏]

أي ملائكة يتعاقبون بعضهم بعد بعض ليحفظوا الإنسان من الوقوع في الاخطار.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السابع)

ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى

بسم الله الرحمن الرحيم

[اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ وَ ما تَغيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ] (8)

لو آمن الانسان بحقيقة هامّة وهي أنّ الله تعالى مُحيط به، بعلمه وتدبيره وقدرته، يمكنه بذلك أن يسيطر على نفسه ويتجاوز امتحانات الحياة بشكل سليم، وهذه البصيرة نجدها بشكل متكرر في القرآن الكريم، فمنذ تلك اللحظة التي يأتي الانسان الى الدنيا بل  وحتّى قبل ذلك هو مُحاط بتقدير الرب وتدبيره، يقول ربّنا تعالى:

[اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى]

إنّ علم اللّه أحاط بالجنين هل هو ذكر أم أنثى، و هل سيعيش شقيّا أم سعيدا، و يعلم أثناء الحمل و عند الولادة ما سيحمله الجنين من صفات،  كما انه دبر أمر الإنسان جنينا فأطعمه و سقاه.

ومن هنا على الانسان أن ينظر دائماً بأنّه في محضر الرب المُتعال ويسعى لتجنّب الأخطاء، ويزكّي نفسه ويطهّر قلبه.

[وَ ما تَغيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ]

 و علم اللّه محيط بما تحمل الإناث من الأجنة  أي ما تفيض و تسقط مما لم يكتمل خلقه، «و ما تزداد» سواء كانت الزيادة في العدد أو الزيادة في الأعضاء.

جاء في تفسير العياش عن الامام الصادق (ع): «ما تحمل أنثى: الذكر و الأنثى، و ما تغيض الأرحام: ما كان من دون التسعة و هو غيض، و ما تزداد: ما رأت الدم في حال حملها ازداد به عن التسعة أشهر».

[كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ]

لكل شي‏ء في هذا الكون حدّ محدود، و قدر مكتوب‏، والانسان ليس بمعزل عن ذلك، وإنّما يُعطى حريّة الانتخاب ليستحقّ الثواب أو العقاب، وحين يستحضر المؤمن تلك البصائر فإنّه يجعل حياته برنامج للقُرب من الرب سبحانه، حتّى في الاكل والشرب إذ ينوي القُربة ليقوى على العبادة ويزداد شكراً للنِعمة، وهكذا في سائر تفاصيل حياته.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السادس)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ  وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلىَ‏ ظُلْمِهِمْ  وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ(6)

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ  إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ  وَ لِكلُ‏ِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)

من أعظم القيم التي تدفع البشر للإستقامة وتجنّب المعصية والانحراف هو شعورهم بالمسؤولية، ذلك أنّ البشر حين يعلم مسؤوليته عن جوارحه وجوانحه، و أنّ الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، وهذه الحقيقة الواضحة تتوافق مع فطرة الانسان ووجدانه، لكنّ مشكلة الانسان أنّه يغفل عن تلك الحقائق وقد يُصاب بالعِناد أحياناً ممّا يحجبه عن الحق.

وهكذا يُعرّض الانسان دائماً الى عواصف شتّى من وساوس الشياطين والثقافات الخاطئة تحرف مسيرته، والقرآن الكريم يُبيّن في آيات عديدة تلك الحقيقة لأنّ طبيعة البشر هي ذاتها و تلك الافكار التي تحرف مسيرة الانسان لا تزال تشكّل حاجز امام البشر تمنعهم من الايمان او تحرفهم عنه، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:

[وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ]

حيث أنّ البشر يستعجلون نتائج أعمالهم السيّئة، فحينما يظلم أحد او يسلب حق مسكين، فإنّه لا يرى نتيجة أعماله، ويدعوه ذلك لإنكار الجزاء واستعجال السيئة قبل الحسنة، وفي معرض ردّ تلك الآيات ربّنا بعض البصائر:

اولاً: أنّ البشر يرى نتيجة أعماله بشكل مستمر دون أن يشعر، فالمستشفيات تعجّ بالذين يستهينون ببعض سنن الرب، والسجون من الذين يخلون مسؤوليتهم عن افعالهم، وفي حياة الانسان يرى الكثير من نتائج اعماله.

ثانياً: قوله سبحانه وتعالى:[ وَ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ]

المثلات هم الاقوام السابقة، قومِ عاد وتمود، والمؤتفكات و..الخ، حيث لاقوا نتيجة انحرافهم وغيّهم، أليس ذلك يدلّ على مسؤوليتنا تجاه أعمالنا.

ثالثاً: تبقى الدنيا دار ابتلاء وامتحان لكن البشر يستعجلون بالسيّئة بسبب انحرافهم، ويغفل البشر أن الآخرة هي دار الجزاء الذي يتجلّى فيه عدل الله المطلق.

يقول ربّنا تعالى:

[وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلىَ‏ ظُلْمِهِمْ  وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ]

ان اللّه رحيم بعباده و يقبل التوبة عنهم، و لكنه شديد العقاب لمن استمر في ظلمه، فمغفرته تقف في حدود الحياة اليومية، و لكن إذا عثى الإنسان في الظلم فان جهنم هي المثوى و المصير.

لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَة

الحجّة الأخرى التي يحاول المشركون أن يبرروا بها انحرافهم هو أنّهم يبحثون عن بعض العلامات البيّنة المُبصرة وكأنّهم ينتظرون من الرب أن يجبرهم على الهداية والحال أنّ ربّنا المُتعال لا يجبر أحد على الهداية، ومن هنا تجد البشر يضع دائماً مقاييس خاصّة يجعلها معياراً للحق.

[وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ]

وظيفة الأنبياء هو الانذار و ليس من مسئوليته أن یأتي بالآيات.

[وَ لِكلُ‏ِّ قَوْمٍ هَادٍ]

هناك نوعان من الهداية، الأولى ترتبط بالهداية العامّة التي تتحقق بواسطة الأنبياء بالدرجة الأولى حيث الانذار من بين يدي عذابٍ أليم، أمّا المرحلة الثانية فهي الهداية الخاصّة هي تتكامل الهداية بيد الاوصياء، من هنا فقد ورد أنّ هذه الآية نزلت في رسول اللّه و علي بن أبي طالب (ع) إذ هو الهادي لأمة محمد (ص) بعده،  في دعاء الندبة في حق علي (ع): «إذ كان هو المنذر و لكل قوم هاد»

قد جاء في تفسير العياشي، قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «فينا نزلت هذه الآية» إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ فقال رسول اللّه. (ص)

 «انا المنذر و أنت الهادي يا علي، فهنا الهادي و النجاة و السعادة الى يوم القيامة».

مستقبلاً السفير الدنماركي؛ المرجع المدرسي: العراق يعيش تجربة الحرية الوطنية وجميع الضغوطات عليه هي ثمن هذه التجربة

دعا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، العالم الى الرجوع الى الحكمة لتكون الجناح المعين للعلم للتخلص من أزماتها، مبيّناً أن ثمة تحديات مشتركة لجميع البشرية كالوباء المستشري وكالاحتباس الحراري و مشاكل البيئة، الأمر الذي يتطلب تكاتفاً عالمياً.

جاء ذلك خلال استقباله للسفير الدنماركي و القائم بالأعمال الأسترالي السيد ستيج باولو بيراس، بمكتبه في كربلاء المقدسة.

وأكد المرجع المدرسي خلال اللقاء على أن الشعب العراقي يعيش تجربةً جديدة وفريدة وهي تجربة الحرية؛ ويدفع شعبه ثمن هذه الحرية في مواجهة الإرهاب والضغوط المختلفة، تلك الحرية التي لابد أن تكون بمقاسٍ وطني، ويمكن أن نعبر عنها بالحرية الوطنية التي تنبع من صميم الشعب العراقي مبيّناً أن غالبية الشعب العراقي متديّن ويحترم المقدسات، لما في الدين من حكمة بالغة، أما الذين يستغلون اسم الدين من أجل اثارة الصراعات فليسوا دعاة الدين، بل هم دعاة الفتنة، داعياً دول العالم إلى التقليل من ضغوطها على العراق لينعم بالتقدم والرفاه في ظلّ حريته الوطنية.

وبيّن سماحته أن العراق يمتلك مقوّمات التقدم الحضاري من امكاناتٍ ماديةٍ كبيرة، وشعبٍ معطاء، حيث يقدم الإنسان العراقي عطاءً كبيراً في البلدان التي يهاجر اليها كاستراليا التي تتيح فرصةً مناسبة للمهاجرين، والدنمارك التي كانت حاضنة للمهاجرين ولكن دعوات الكراهية والعنف باتت تنتشر فيها اليوم، ولابد أن تقوم الجهات المسؤولة بمنع حدوث ذلك.

من جانبه قدم السفير الدنماركي والقائم بالأعمال الاسترالي شكره لسماحة المرجع المدرسي على اتاحة الفرصة؛ وعلى توصياته الحكيمة التي لا تقتصر على العراق والمنطقة بل تعم العالم اجمع؛ مؤكدا على مساعي بلاده في منع انتشار دعوات العنف التي انتشرت بعد ظهور داعش.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الخامس)

أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ

بسم الله الرحمن الرحيم 

[وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)وَ إِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلهُُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ  أُوْلَئكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِِّمْ  وَ أُوْلَئكَ الْأَغْلَالُ فىِ أَعْنَاقِهِمْ  وَ أُوْلَئكَ أَصحَْابُ النَّارِ  هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ](5)

طريق تكامل الانسان إلى درجات اليقين ووصوله إلى الحقائق الكبرى، هو أن يدرك المنهج الصحيح من بصائر القرآن الكريم ويعمل بذلك بشكل متواصل، وهكذا ليس المطلوب أن نفهم وندرك البصائر فحسب؛ بل علينا أن نعمل بها، ذلك الوقت الذي يستطيع الإنسان أن يُطبّق المنهج في واقعه يمكنه الاستفادة منها.

في الحديث عن آيات الرب المُتعال في سورة رعد المباركة يُحدّثنا ربّنا عن التنوّع العجيب في الخِلقة ممّا يدعونا الى مزيد من التأمّل والتفكّر في عجائب الخِلقة، فلم يستطع البشر عدّ أنواع الخِلقة فضلاً عن ادراك التنوّع الذي يتناسب و احتياجات البشر.

يقول ربّنا تعالى:

[وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏]

أن الأرض تحتوي على قطع متجاورة يختلف بعضها عن بعض، فبعضها ارض‏ سبخة، و بعضها أرض زراعية، و بعضها صخرية .. و هكذا

 [وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ]

فبالرغم من أنّها تُسقى من ذات الماء وتستمد الغذاء من أرض واحدة لكن تختلف أنواعها وهذا الاختلاف يدلّ عليه سبحانه.

[إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ]

الذين يستفيدون من عقولهم ويرجعون الى فطرتهم يستفيدون من تلك الحقائق.

في خلق جديد

ثم يقول ربّنا:

[وَ إِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلهُُمْ أَ ءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَ ءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ]

إذا كنت تعجب من شي‏ء فهناك شي‏ء أعجب و هو قول الكفار بإنكار البعث بعد الموت.

يقول ربّنا تعالى في سورة يس: [قُلْ يُحْييهَا الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَليمٌ][1]

 ‏فربّنا تعالى الذي خلق الاشياء لا من شيء يمكنه أن يعيد الخلق من جديد وبذلك يقضي العقل بأن يكون هناك يوم يحاسب فيه كل إنسان، و يرجع ليقف امام ظالم فينتصف منه، أو ينتصف هو منه إذا كان ظالما له، و الإنسان الذي يرى عظمة الكون يؤمن بالبعث.‏

لكن هناك عاملان حجبتهم عن الاعتراف بالحقيقة والإذعان بها، يقول تعالى:

اولاً: [أُوْلَئكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِّمْ]

فهم كفروا بربّهم الذي ربّاهم ورعاهم طوراً بعد طور.

ثانياً:[ وَ أُوْلَئكَ الْأَغْلَلُ فىِ أَعْنَاقِهِمْ]

بسبب الضغوط والثقافات الخاطئة والحجب المتعددة يبقى البشر محجوب عن الحقائق، ولذلك تراه لا يستوعب الحقائق، وهكذا لو لم ينجِ الإنسان نفسه من هذه القيود فإنّه ينحرف عن طريق النجاة، فشرط الوصول الى الجنّة هو التسليم للحق الذي لا يمكن ان يتحقق دون التحرر من تلك القيود والحُجُب.

[وَ أُوْلَئكَ أَصحْابُ النَّارِ  هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]

نفهم من ذلك أن ليس لدينا طريق سوى التأمّل في آيات الله وإدرك الحقائق و العمل على خلاص انفسنا من الجهل والتحرر من القيود لنيل رضا الرب المتعال والفوز بجنّته.


[1] سورة يس، الآية 79.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الرابع)

جعل فيها رواسي

بسم الله الرحمن الرحيم

 [وَ هُوَ الَّذي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فيها رَواسِيَ‏ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] (3)

يصنع البشر أدوات لتقوية حواسّه، فتجده يخترع للعين ما يقوّي نظره وكذلك يبتكر اجهزة لتقوية السمع، ومجهر لرؤية الأشياء الدقيقة ومنظار لرؤية الأجرام البعيدة وهكذا، ولكن ما احوج البشر لما يقوّي به جوانحه وحواسّه الباطنية ليمتلك البصيرة في رؤية الحقائق، فينظر بنور الله، و ذلك يتحقق حين يملك منهجاً سليماً لإدراك الحقائق.

وطريق ذلك، اولاً: بالنظر الى ما حولنا من الحقائق والتفكّر فيها. ثانياً: بالانتقال من الخلائق الى الغيب، وذلك حين يتساءل عن الخلقة وهدفها فهو يصل الى معرفة الخالق المُتعال، فيجعل من الظواهر والخلائق طريقاً لمعرفة الخالق، فكلّ  الحقائق مفتقر في وجوده الى الغني الحميد.

 ومن هنا نجد الآيات من سورة رعد المباركة ففي ختام الآية الثانية يقول ربّنا: [ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ‏]

 وفي الآية الثالثة يقول ربّنا: [ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون‏]

وفي الآية الرابعة يقول تعالى: [ِ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏]

فما العلاقة بين اليقين والفكر والتعقل؟

الهدف هو الوصول الى اليقين وطريق ذلك الاستفادة من الآيات عبر التفكّر فيها، بعد ذلك نحتاج الى تعقلها وحِفظها.

و من هنا نجد الحديث عن هذه الحقائق في هذه الآيات حيث يقول ربّنا:

[وَ هُوَ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسىِ‏َ وَ أَنهْارًا ]

فربّنا تعالى بسط الارض تتهيّأ فيه لحياة الإنسان و نمو النباتات و الحيوانات، و ملأ الاودية و المنحدرات الصعبة بالتراب من خلال تفتّت الصخور الجبليّة، و جعل الأرض مسطّحة و قابلة للسكن، بعد ان كانت التضاريس مانعة من سكن الإنسان عليها.

[مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ]

قد يعني الزوجين هو التنوّع التي تشير اليها الآيات، وقد تكون اشارة الى أنّها كائنات حية فيها ذكر وانثى، وفي مختلف الاشياء من الحيوانات والنباتات وحتى الاشياء المتناهية في الصغر منها ذكر ومنها انثى، يقول ربّنا تعالى:

[سُبْحانَ‏ الَّذي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ][1]

کلّ شيء في عالم الخِلقة يتكامل بين شيئين وحِكمة ذلك أنّه ما من مخلوق خلق نفسه، او شارك في خِلقة نفسه، اذا كان البشر قد خلق نفسه كان يخلقها بحيث لا تفتقر الى شيء آخر، بينما نجد الانسان كما سائر المخلوقات يحتاج الى ما يتكامل معه، وذلك يدلّنا على الخالق الغني عن كلّ المخلوقات.

 [يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ]

من مصاديق الزوجية هو اختلاف الليل والنهار، فبعد ضجيج النهار وصخبه يأتي سكون الليل وظلامه، وهكذا  نقرء في دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام:

((يا مَنْ اَرْقَدَني في مِهادِ اَمْنِهِ وَاَمانِهِ وَاَيْقَظَني اِلى ما مَنَحَني بِهِ مِنْ مِنَنِهِ وَاِحْسانِهِ))

[إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]

لكن قليل من البشر يستفيد من هذه الآيات ويفكّر فيها، و يربط بينها وبين واقعه،ليزداد معرفة بعظمة خالقه ويزداد قُرباً منه.


[1] سورة الصافات، الآية: 36.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثالث)

لعلّكم بلقاء ربكم توقنون

بسم الله الرحمن الرحيم

[اللَّهُ الَّذي رَفَعَ‏ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ] (2)

 أعلى مرتبة يصل اليها البشر في مدارج الكمال وصوله الى اليقين، ولكنّ أنّى يمكن للبشر أن يعرف أنّ وصل بالفِعل الى تلك الدرجة؟ إذ قد يخدع الانسان نفسه بتعظيم الجوانب الخيّرة واغضاءه النظر عن سلبياته، وقد يُصاب بالغرور والتكبّر، وبالتالي قد يُصاب بآفة النِفاق، ومن هنا فمن المهم وجود معايير واضحة للوصول الى درجة اليقين والتمييز بينه وبين الهالة الكاذبة التي هي وليدة النفس ووساوس الشيطان الرجيم، ولذلك تجد المؤمن لا يخرج من حدّ التقصير، واتهام النفس في سبيل السير المتواصل في طريق الاصلاح.

طريق المعرفة

جاء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

[الهي من انتهج بك لمستنير]

الخطوة الاولى: للوصول الى اليقين تبدء من اختيار منهج المعرفة والتفكير، وذلك النهج الربّاني يُنوّر قلب المؤمن، ويزيده بصيرة، ومن هنا تجد المؤمن لا يكتفي بظواهر الأمور بل يفكّر في سلسلة متصلة منتهاها معرفة الخالق المدبّر سبحانه وتعالى.

الخطوة الثانية: تتجلّى معرفة الله بمعرفة اسماءه وآياته، فهو تعالى رحيم، ونُدرك رحمانيته في ملايين النِعم التي نعجز عن عدّها فضلاً عن شُكرها، وهو تعالى عزيز قدير  ونُدرك شيء من عزّته وقدرته بخلقه الكون بها الاشياء وأمره بين الكاف والنون، ونُدرك نظمه وتدبيره من خلال التفكّر في عالم الخِلقة وسننها ونظامها الدقيق.

الخطوة الثالثة: بعد ذلك ينتقل الانسان للنظر الى محيطه متسلّحاً بتلك المعرفة الربّانية فيملك حينئذٍ البصيرة لمعرفة الحقائق وكما جاء في الحديث الشريف: [ المؤمن ينظر بنور الله]

حينها يطمئن قلب الانسان إذ يرتبط بالرب المُتعال ويتوكّل عليه، ليس هذا فحسب بل ويستشرف المستقبل أيضاً إذ يدرك أنّ التدبير وحِكمة الرب تأبى أن يَظلم الظالم ويُظلَم المظلوم ثم ينتهي كلّ شيء بموتهما، فلابدّ من الجزاء والثواب، وهذا المعنى نجده في سورة آل عمران حيث يقول ربّنا تعالى:

[وَ يَتَفَكَّرُونَ‏ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار] [1]

لا يمكننا أن نُدرك أبعاد العدالة والتدبير إذا اقتصر نظرنا الى هذه الحياة، ونحن نجد ملايين البشر يعيشون الاستضعاف ونجد الملايين يموتون بسبب الحروب أو الجوع أو ما شابه، ومن هنا ينتقل العقل مباشرة الى الجزاء ويلجأ الى الباري تعالى للوقاية من عذاب النار.

وهذا هو طريق العروج الى مدارج الكمال والى اليقين بالانتقال من آيات الله الى اسماءه ثم الجزاء المحتوم، يقول ربّنا سبحانه:

[اللَّهُ الَّذي رَفَعَ‏ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ]

جاء في الحديث في تفسير على بن إبراهيم القمي في حديث طويل عن الامام الرضا (ع) عن هذه الآية: قال: فثم عمد و لكن لا ترونها[2] و اللّه اعلم ما هذه العمد.

ربما يكون معنى العمد  هو تعادل قوى الطرد و الجذب بين الكواكب و النجوم، ممّا جعل لكل نجم وكوكب موقعه الخاص‏، فمثلا: ان قوة الطرد الناشئة من دوران الأرض حول الشمس تساوي بالضبط قوة الجذب للشمس، فعلى ذلك تبقى الأرض ملايين السنين في مدار واحد، اما لو تغيرت احدى هاتين القوتين لحدث ما لم يكن في الحسبان فلو زادت قوة الطرد لانفلتت الأرض الى المجهول في خط مستقيم، و لو زادت قوة جذب الشمس للأرض لالتصقت الأرض بالشمس لأنها ستضطر في النهاية لأن تسير في مسار حلزوني.

[ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ]

فذات القدرة التي رفعت السماوات بغير عمد هي حاكمة على الكون. 

فالقدرة هي ذاتها موجودة وربّنا له تدبير، مضافاً للقانون هناك تدبير آخر، وسخّر الشمس والقمر،

[وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى]

فكلّ ما له بداية ومرتبط بزمان  فله أجل ونهاية

[ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ]

ما هو الهدف من تفصيل الآيات؟

هدف تفصيل الآيات هو الوصول الى اليقين

[لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ]

إنّها مرتبة اليقين التي وصل اليها الأنبياء والائمة الاطهار، فكانوا منقطعين الى الله تعالى، 

وهكذا نقرء أن امير المؤمنين عليه السلام حينما جرح في بعض الحروب  كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يصلي، فإذا اشتغل بالصلاة، وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ، ويُروى كذلك أنّ الامام زين العابدين كان منشغلاً في صلاته ومرة وقع حريق في البيت الذي هو فيه وكان ساجداً في صلاته فجعلوا يقولون: يا بن رسول الله النار، النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة.

حينها يصطبغ الانسان بصغبة الله، ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون.


[1] سورة آل عمران، الآية 191.

[2] – تفسير نور الثقلين- ج 2- ص 481

المرجع المدرسي: فقدان الحكمة، وراء الأخطاء الكارثية والمتتالية للحضارة المادية

أكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، على دخول البشرية في دوامةٍ لا تعرف المخرج منها بسبب الجائحة الصحية التي كبّدتها خسائر كارثية، مبيّناً أن السبب وراء هذه الكوارث يكمن في انسلاخ الحضارة المادية عن الحكمة التي تعتبر بوصلة المسير في الحياة.

وقال سماحته في كلمته الأسبوعية المتلفزة: “إن الحكمة هي التي ينطوي عليها وجدان كل إنسانٍ سوي من القيم المثلى كالصدق والأمانة والتراحم والمحبة والسعي، وهي التي تحدد مسار الإنسان في الحياة، ليقوم العلم بعدها بتحديد التفاصيل، وقد انسلخت البشرية عن الحكمة وتمسكت بالعلم المجرد ظناً منها أنه سيغنيهم عن الحكمة، فأصبح العلم سلاحاً لا يضبطه هدف ولا تحركه الحكمة”.

وبيّن المرجع المدرسي، أن خارطة طريق الخلاص من هذا الإنحدار الكبير، تكمن في العودة إلى الله سبحانه وإلى رسالاته، والرجوع إلى الحكماء والإستماع إليهم، والخروج من إطار الغرور المحيط بالإنسان.

وفي ختام كلمته قدّم سماحته توصيتين في هذا المجال:

الأولى: لابد من الإستفادة من الدين وما فيه من الحكمة البالغة في سبيل إصلاح الدنيا أيضاً، وعدم حصره في قضايا الآخرة، وعلى طلبة الحوزات العلمية أن يستثمروا المواسم المباركة، في سبيل توجيه الناس إلى إصلاح أنفسهم وإصلاح شؤونهم الإقتصادية والإجتماعية.

الثانية: على كل من يملك قلماً أو منبراً، أن لا يخدع الناس ويغررهم في تصوير السعادة في ترك الدين وتوجيهاته، كما يفعل ذلك بعض السفهاء ممن يهاجمون الدين والكتب الإلهية، إغتراراً بشيءٍ من المعلومات، والحال أن الدين يدعو إلى العلم الذي يهدف إسعاد البشرية، ذلك العلم الذي لم يفقد أصحابه البوصلة.