تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثامن عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

طُوبىَ‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مََابٍ

[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبىَ‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مََابٍ(29)كَذَالِكَ أَرْسَلْنَاكَ فىِ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيهِْمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ  قُلْ هُوَ رَبىّ‏ِ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتَابِ](30)

يعيش المؤمن حياة مطمئنة في الدنيا و قلبه مليء بالرضا والايمان،  وبالتالي يعيش الحياة الفضلى، فماذا عن الآخرة؟

تارة يلّخص القرآن الكريم لنا الحقائق بكلمة فيقول:

[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبىَ‏ لَهُمْ]

كما أنّ النِعم في الدنيا درجات، كذلك الحسنات في الآخرة، فكلٌ له درجته في الجنّة، ومن هنا تارة يدعو المؤمن ربّه قائلاً:

[رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَة][1]

وتارة نطلب الحُسنى وهي الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، وهكذا كلمة طوبى تعني الحياة الأعظم طيباً، بالإشارة إلى الدرجات الرفيعة التي ينالها الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

والمعنى الآخر لكلمة طوبى ما ورد في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه و آله حيث قال:

«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يُقَالُ لَهَا طُوبَى مَا فِي الْجَنَّةِ دَارٌ إِلَّا وَ فِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ أَصْلُهَا فِي دَارِي وَ فَرْعُهَا فِي دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.»[2]

وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ 

نبيّنا الأعظم ليس بدعاً من الرُسُل فليس بأوّل نبي بل هو خاتم الأنبياء والامتداد الطبيعي لهم، وسبب امتناع الكفّار من الايمان ليس سوى اللجاجة والعناد ، يقول ربّنا تعالى:

[كَذَالِكَ أَرْسَلْنَاكَ فىِ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيهِْمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ]

الهدف من رسالة الرسول أن يكون معبّراً عن حقيقة الرسالة، و أنّ الرسول مهما تحمل من الجهد فهو مجرد تال لما نزل عليه.‏

[وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ] 

كفّار قريش كانت ثقافتهم مبنّية على الخشونة، ولأنّهم كذلك كانوا يتصوّرون أنّ الرب لابدّ أن يسوقهم بالعذاب والقوّة، بينما الرب سبحانه الرحمن الرحيم، وهكذا نجد تاريخياً كيف أنّ بني اميّة سعوا جاهدين لرفع البسملة من القرآن الكريم لذات السبب.

[قُلْ هُوَ رَبيِّ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ]

هذا هو الرحمن الذي يكفرون به، لا إله غيره، رب الأرباب، لا ندّ له و لا نظير.

[عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتَابِ]

يستمدّ الرسول قوّته منه تعالى، فعليه يتوكّل، واليه ينوب.


[1] سورة البقرة، الآية: 201.

[2] تفسير فرات الكوفي، ص: 208

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ(27)الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ تَطْمَئنِ‏ُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئنِ‏ُّ الْقُلُوبُ

اكبر تحدّيات البشر هو معرفة طريق الحق، ولو فقد ذلك لا يعوّضه شيء، ومن هنا نجد محور سورة الحمد التي هي أمّ الكتاب، محورها قوله تعالى: [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]
والقرآن الكريم يُحدّثنا في آيات عديدة عن مشكلة الهداية بالنسبة للبشر، منها أنّ البشر لا يريدون تحمّل مسؤولية الهداية والوصول للحقيقة، وكأنّهم ينتظرون من الرب اجبارهم على قبول الحق والهداية، والحال أنّ الجبر لا يُحدث إيماناً إنّما الإيمان لابدّ أن ينبع من داخل الإنسان.
وهكذا يأتي البشر بالحُجج الواهية الواحدة تلو الأخرى بمطالباتهم بالآيات والمعاجز كما يشاؤون، والحال أنّ نزول الآيات لا تأتي الّا بِحكمة وتدبير، فعصا موسى تلقف ما يأفكون لأنّ السحر كان وسيلة فرعون لغواية الناس وضلالتهم، وأحيى عيسى بن مريم الموتى لأنّ تطوّر البشر في عهده بالطب كان سبباً كذلك للإنحراف، وجاء القرآن الكريم معجزة خالدة ليبطل الثقافات الجاهلية التي كانت تنشر عبر الشِعر وعجز الكفّار أن يأتوا بسورة من مثله، يقول ربّنا تعالى:
[وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ]
الإنسان الذي يريد النظر يكفيه البصيص من النور، اما الذي لا يريد ان يبصر فضوء الشمس لا يكفيه.
[قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ]
كما الأعمى الذي فقد بصره إذا لم يتفضّل الرب عليه بنعمة البصر فيبقى في تيه، كذلك الانسان بطبعه ضال، وتأتي الهداية من الرب تعالى لمن يستحق وهم من أنابوا اليه، أمّا غيرهم فيخذلهم الله تعالى فيضلّوا الطريق.
وَ يهَْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
مقدّمات الهداية تتوفّر من الانسان بالإنابة إلى الله والتوبة إليه حينها تأتيه الهداية، وللهداية علامات و صفات يُبيّنها القرآن في الآية التالية بقوله:
[الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ تَطْمَئنِ‏ُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ]
شرط الإنابة الإيمان، حينما ينعكس على القلب فيجعله مطمئنّاً.
[الا بذكر الله تطمئن القلوب]
علاج الاضطراب الذي يعيشه البشر في العالم، و يعقب الامراض المختلفة، هو الايمان ففي زحمة الحياة و مع تراكم الأعمال، و مع جو الارهاق و العمل، و أثناء القلق النفسي الذي يعصف بالكثيرين تركن النفس و تطمئن لذكر اللّه، و حري بنا ان نعالج مشاكلنا النفسية بذكر اللّه.‏

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السادس عشر)

لهَمْ سُوءُ الدَّارِ

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فىِ الْأَرْضِ  أُوْلَئكَ لهَمُ اللَّعْنَةُ وَ لهَمْ سُوءُ الدَّارِ](25)

لا يمكننا فهم النهار وضوء الشمس الّا بعد ادراكنا الليل والظلام، وهكذا ما إن يذكر القرآن الكريم عُقبى الدار ونتيجة أعمال الذين استجابوا لربّهم، حتّى ينتقل للحديث عن الذين لم يستجيبوا لربّهم، و بمعرفة ذلك يجعل الانسان لنفسه ميزاناً لمعرفة نفسه، والمجتمع من حوله، إذ أنّ سلوك اهل الحق مبائنٌ تماماً من اهل الباطل.

يقول ربّنا تعالى:[وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ]

ذلك العهد الذي أُخذ من البشر منذ عالم الذر، بالإقرار بالعبودية، وتجنّب عبادة الشيطان الرجيم وهكذا التوّلي لأولياء الله، وبالتالي نقضوا الميثاق الذي أُخذ عليهم بالميثاق من عالم الذر.

الولاية لله، حيث يقول ربّنا:[اللَّهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ‏ إِلَى النُّورِ]

ومن ثمّ ولاية الأنبياء في طول ولاية الله، حيث يقول ربّنا تعالى: [وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ‏ بِإِذْنِ اللَّه‏]

وهكذا الاطاعة للائمة الاطهار عليهم الصلاة والسلام، ومن هنا على الانسان أن يفي بذلك الميثاق.

[وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ]

وأهمُّ صِلة هي صِلة المؤمن بأهل البيت عليهم السلام كما مرّ ذكره، وتشمل الآية قطع الرحم مع قرابة الانسان أيضاً، فللمؤمن على المؤمن عشرات الحقوق يسعى لتأديتها وبالخصوص حينما يتعلّق الأمر بالأقربين، لكنّ هؤلاء لا يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، لماذا؟

لأنّهم نقضوا حقّ الله، فلا يهمّهم بعدئذٍ حق اولياء الله، ولا حقّ الناس.

 [وَ يُفْسِدُونَ فىِ الْأَرْضِ]

ربّنا سبحانه و تعالى خلق الكون بأفضل وأتمّ صورة لكنّهم وبمخالفتهم لسنن الرب، و بارتكاب الذنوب والمعاصي، إنّهم يفسدون في الأرض، ومن هنا يقول ربّنا تعالى: [وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها][1]

و هناك معنى آخر نستوحيه: إنّهم يفسدون بيئة الأرض، و هذه حالة الكفّار فهم ينتقمون من الطبيعة، و ما الاسلحة الذرّية والميكروبية إلّا دليل على نشر الدمار كما أنّ تلويث البيئة الطبيعية دليل نشر الفساد.

[أُوْلَئكَ لهَمُ اللَّعْنَةُ]

الإفساد في الأرض يستلزم اللعنة.

 [وَ لهَمْ سُوءُ الدَّارِ]

بالإضافة إلى طردهم من رحمة اللّه في الدنيا، فلهم سوء الدار.


[1] سورة الأعراف، الآية 56.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الخامس عشر)

سَلَامٌ عَلَيْكمُ بِمَا صَبرَْتمُ‏ْ 

بسم الله الرحمن الرحيم

[جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونهََا وَ مَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائهِِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتهِِمْ  وَ الْمَلَئكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِْم مِّن كلُ‏ِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكمُ بِمَا صَبرَْتمُ‏ْ  فَنِعْمَ عُقْبىَ الدَّارِ](24)

في سياق الحديث عن جزاء الذين استجابوا لدعوة الأنبياء والرسل، يبيّن ربّنا جزاءهم في الآخرة؛ ذلك أنّ بعض النِعم قد تبقى بعيدة حتّى عن مخيّلة الانسان، بيان تلك النِعم لأجل ايمان البشر بإمكان وصولهم إلى تلك النِعم والشوق لها من جهة، وأيضاً لإستصغار المشاكل وتحدّيات الحياة في قِبال الوصول إلى نعيم الجنة.

و إذ يفهم المؤمن فلسفة الدنيا يبقى صامداً أمام أمواج البلاء، ويتحلّى بصفة الصبر، وقد جاء في الحديث: «الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة وصبر على المعصية.»[1]

عقبى الدار

لأنّ الدنيا ممر وليس فيها مستقر، فكلّ شيء فيها زائل، والمؤمن له عقبى الدار:

[جَنَّاتُ عَدْنٍ]

 کلمة [عَدْنٍ] أي: استقرار و ثبات، و عَدَنَ‏ بمكان كذا: استقرّ، و منه‏ الْمَعْدِنُ‏: لمستقرّ الجواهر.

[يَدْخُلُونهََا وَ مَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائهِِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتهِِمْ] 

لماذا؟

لأنّ أُنس البشر أن يرى أحبّاءه في نعيم على سُرر متقابلين، ولذلك يرفع الله من درجة من صلح من محيطه واسرته ليكونوا معه وفي درجته وذلك من أبعاد الشفاعة التي يهبها الله للمؤمن في الآخرة.

[وَ الْمَلَئكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِْم مِّن كلُ‏ِّ بَابٍ]

ربّما يدخلون من كلّ باب لأنّ المؤمن قد عمل في الدنيا بكلّ أبواب الخير التي أُتيحت أمامه، فالعبادة والصلاة من جهة والجهاد والدعوة إلى الرب كذلك وطلب العلم والتفقّه كذلك والإحسان إلى الناس، وهكذا كلّما وجد المؤمن فرصة للتقرب إلى الله فإنّه يسلكه وذلك يُمثّل أبواب الجنة.

[سَلَامٌ عَلَيْكمُ]

فلا موت ولا مرض ولا فناء ولا شقاء بعد اليوم.

[بِمَا صَبرَْتُمْ] 

بالرغم من أنّ الآيات ذكرت عدّة صفات للمؤمن، منها الوفاء بعهد الله، وعدم نقض الميثاق، واقامة الصلاة والانفاق و..الخ الّا أنّ خلاصة كلّ ذلك جاء في قوله: [بِمَا صَبرَْتُمْ]

لأنّ الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد وكلّ افعال الخير مرتبط بالصبر.

بكلمة: بموقف واستجابة من العبد وتلبيته لدعوة الأنبياء، تتداعى كلّ صفات الخير عنده ويكون جزاءه الفوز بعقبى الدار.


[1] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٦٨ – الصفحة ٧٧

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الرابع عشر)

ُاوْلَئكَ لهَُمْ عُقْبىَ الدَّارِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ(20)وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَ يخَْشَوْنَ رَبهَُّمْ وَ يخََافُونَ سُوءَ الحِْسَابِ(21)وَ الَّذِينَ صَبرَُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبهِِّمْ وَ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَ أَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلَانِيَةً وَ يَدْرَءُونَ بِالحَْسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئكَ لهَُمْ عُقْبىَ الدَّارِ(22))

يتشابه الناس في ظاهرهم فلا فرق كبير في الظاهر بين المؤمن والكافر، ولكن الواقع أنّ اختلافهم شاسعٌ كما اختلاف الجنّة والنار، فالمؤمن ينطلق من بصائر الوحي ونور العقل، ويتجلّى ذلك على سلوكه وسِمات شخصيته، ومنها أنّه يفي بعهده، و لا يعتدي على حقّ الغير، وهكذا تراهم يُقيمون الصلاة بما تُمثّل من صِلة العبد بربّه وآثارها العظيمة على حياته، ويدرؤون بالحسنة السيئة، وجزاء هؤلاء أنّ لهم عقبى الدار.

يقول ربّنا تعالى: [الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ]

ذلك العهد الذي أخذه الرب من البشر بالربوبية منذ عالم الذر اذ قال جلّ من قائل:

[وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني‏ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ قالُوا بَلى‏ِ شَهِدْنا][1]

 وكذلك العهد بتجنّب عبادة إبليس الرجيم كما قال تعالى:

[أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني‏ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ] [2]

أمّا العهد الثالث فهو الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام والائمة الطاهرين.

[وَ لَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ]

الميثاق عقد مؤكد بيمين أو عهد، وصِفة المؤمن أنّهم لا ينقضون المواثيق بينهم، ولو دقّقنا النظر في الكثير من الأزمات و الحروب في التاريخ نجدها نتيجة نقض المواثيق بين البشر.

[وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ]

 فربّنا سبحانه يأمر ببرّ الوالدين، وصِلة الأرحام، وحسن المعاشرة مع الاقربين، والإحسان الى الناس، والمؤمن يصِل ما أمر الله به أن يوصل، وقد جاء في الحديث عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبداللّه (ع):الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏ فقال: «نزلت في رحم آل محمد صلّى اللّه عليه و آله، و قد يكون في قرابتك، ثم قال: فلا تكونن ممّن يقول للشي‏ء أنه في شي‏ء واحد.»[3]

[وَ يخَْشَوْنَ رَبهَُّمْ وَ يخََافُونَ سُوءَ الحِْسَابِ]

لا أحد منّا ينجوا إذا ما حوسب حساباً دقيقاً، ولذلك نحن ندعوا ربّنا دائماً بالقول: «ربنا عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك.»

هؤلاء يعلمون أنّ الاحسان الى الناس والتراحم فيما بينهم يستنزل الرحمة الإلهية و يخفف من الحِساب.

[وَ الَّذِينَ صَبرَُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبهِِّمْ]

الصفة الأخرى للمؤمن أنّه يصبر ابتغاء وجه الله، ويتجلّى ذلك بتحمّله مشقّة الحياة، وصبره على مكاره الدنيا.

[وَ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ]

القيام بالصلاة غير أداء الصلاة، و إقامة الصلاة مشروطة بالعزم و الاهتمام بسائر شروط و مواصفات الصلاة.

[وَ أَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلَانِيَة]

فكلّ نعمة فيها انفاق وزكاة، فزكاة المال انفاقه والافضال وزكاة القدرة الإنصاف وزكاة الجاه بذله وزكاة العلم أن يعلمه اهله.

والإنفاق بالسر ضد الرياء، و الإنفاق في العلن تحدّ لمن لا يريد منك الإنفاق، أو تشجيعا للإنفاق.

 [وَ يَدْرَءُونَ بِالحَْسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئكَ لهَُمْ عُقْبىَ الدَّارِ]

معاملتهم مع الناس ليس معاملة البغض و العداوة، بل معاملة العطاء، فهم لا يصعّدون الصراع مع الناس، بل يحاولون احتواء البغضاء بالحلول الهادئة، و الدرء هو التحصين أي يتحصنون بالحسنة من مضاعفات السيئة و هذا معنى آخر تحمله الآية، من يحمل تلك الصفات لهم عقبى الدار.


[1] سورة الأعراف، الآية 172.

[2] سورة يس، الآية 60.

[3] تفسير الميزان- ج 11- ص 349

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثالث عشر)

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبهِِّمُ

بسم الله الرحمن الرحيم

[لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبهِِّمُ الْحُسْنىَ‏  وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ  أُوْلَئكَ لهَُمْ سُوءُ الحِْسَابِ وَ مَأْوَئهُمْ جَهَنَّمُ  وَ بِئْسَ المِْهَادُ](18)

من أعظم النِعم الإلهية على البشر هي نعمة الهداية، وقد أرسل ربّنا سبحانه وتعالى بفضله ورحمته الرُسُل للدعوة اليه و بالتالي لتوفير فرصة الهداية للبشر، وكما الأرض القاحلة التي تنتظر نزول الغيث، على الانسان أن ينتظر نزول الهداية بواسطة الرُسل والدعاة الى الله، و الواجب عليه حينئذٍ الاستجابة لتلك الدعوة الصادقة.

ومن هنا نقرء في سورة آل عمران قوله تعالى: [رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادي لِلْإيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا][1]

 فطرة الانسان وعقله تدعوه للاستجابة، فهو كمن يمشي في طريق وعر محفوف بالمخاطر ومُعرّض للسقوط كلّ لحظة، و هناك من يحذّره من المخاطر والمهالك، اليس يدعوه عقله للاستجابة؟!

وهكذا كان من اهمّ واجبات المؤمن هو الاستجابة لدعوة الحق كما قال تعالى:

[يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ][2]

والاستجابة إنّما تكون لدعوة الرسول لأنّ الطريق إلى الله واحد، وهو الصراط المستقيم الذي دعانا اليه، والبحث عن طريق آخر غير ذلك وابتداع الطرق للوصول إليه ليس وراءها الّا التيه والضلال.

يقول ربّنا تعالى:

[لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبهِِّمُ الْحُسْنىَ]

يبحث المؤمن عن الحسنى وتشمل الكلمة بمعناها الواسع كلّ خير وسعادة، للدنيا والآخرة، فربّنا تعالى لا يحفيه سائل، ولا حدّ لعطاءه، ولذلك يهب للذين استجابوا الحسنى وبالمقابل فجزاء من لم يستجيبوا بسبب التسويف والتردد هو الندامة والحسرة، يقول جلّ من قائل:

 [‏وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ]

وهكذا على الانسان أن يبادر فوراً ويستجيب لفرصة الهداية دون تردد، ولكنّ هؤلاء بسبب حرصهم وطمعهم في الأموال لا يستجيبون لدعوة الحق، جزاء هؤلاء كما يقول تعالى:

‏  [لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ]

سيأتي يوم يتمنّى الكفّار لو أنّهم أنفقوا ما في الأرض جميعاً للخلاص من العذاب وجزاء اعمالهم.

  [أُوْلَئكَ لهَُمْ سُوءُ الحِْسَابِ]

لأنّهم عملوا بالسيئات ويواجهون نتيجة اعمالهم، ولأنّ ربّنا سبحانه وتعالى بسبب أعمالهم يدّاقهم بالحساب، وقد ورد في الحديث: عن الامام الصادق عليه السّلام انّه قال لرجل: «يا فلان مالك و لأخيك؟» قال: جعلت فداك كان لي عليه حقّ فأستقصيت منه حقّي الى آخره، و عنده سماع الامام لهذا الجواب غضب و جلس ثمّ قال:

«كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسي‏ء اليه! أ رأيت ما حكى اللّه عزّ و جلّ‏ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ أ تراهم يخافون اللّه أن يجور عليهم؟! لا و اللّه ما خافوا الّا الاستقصاء فسمّاه اللّه عزّ و جلّ سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساءه»[3].

 تساهل المؤمن مع اخيه والتخفيف عليه  يُسهّل من حسابه يوم القيامة

 [وَ مَأْوَئهُمْ جَهَنَّمُ  وَ بِئْسَ المِْهَادُ]

وهكذا فالذين لم يستجيبوا لرسالة اللّه لو أن عندهم ما في الأرض و مثله معهم من الزبد لما منع عنهم سوء الحساب و جهنم. نعوذ باللّه منها.


[1] سورة آل عمران، الآية: 193.

[2] سورة الأنفال، الآية 24.

[3] تفسير البرهان، المجلّد الثّاني، صفحة 288.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثاني عشر)

فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
بسم الله الرحمن الرحيم
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ

تشرق الشمس على البحار لتكوّن الأبخرة، وعندما يصل الماء المتبخر إلى ارتفاع تكون فيه درجات الحرارة وضغط الهواء مناسبين، ووفق سُنن دقيقة تتشكّل السِحاب، و الرياح تحمل السِحاب آلاف الأميال، وهكذا ينزل من السماء ماءً فيخرج به من الثمرات المختلفة ويحيي الله الأرض بعد موتها، فأيّ قدرة عظيمة وتدبير دقيق حاكم في الكون.
الآيات المباركات من سورة الرعد ترشدنا الى التفكير في آيات الله والخروج من سجن الذات ويضرب لنا القرآن مثلاً لفهم الحق بقوله:
[أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها]
فالأودية تسيل بقدر قطر المطر، وهكذا الانسان ينزل عليه من الأنوار بقدر ما يحتمله قلبه، وكما قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا.» فلإستقبال الأنوار الإلهية يحتاج البشر الى وعاء كبير.
[فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً]
وبعد امتلاء الأودية يتحرك الماء ليحمل معه المخلّفات والأوساخ الذي يجرفه السيل معه.
[وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ]
كذلك المعادن التي تصهر بالنار لتصنع منها الحلي هي زبد أيضاً، للإشارة الى انشغال الانسان بالظاهر عن هدف الحياة.
[كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ]
الماء هو الجوهر وما حمله من الأوساخ زائل، وهكذا المعادن من الذهب والفضّة وما اشبه هو الثابت وما يُصهر بالنار زائل.
[َأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ]
فالزبد زائل لا محال أمّا ما ينفع الناس من الماء الزلال فهو باقي وثابت.
[كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ]
لأنّ الحقائق كبيرة وعظيمة يصعب ادراكها من البشر لذلك يضرب الله لنا الأمثال، مضافاً إلى أنّ هذه الحقائق علينا أن نستوعبها بوجداننا، فالحق والباطل كما الماء والزبد قد يختلطان للرائي وقد يطغى الزبد أحياناً بما يملك حزب الشيطان من تلبيس الحق وتزيين الباطل، ولكن الواقع فالباطل سريع الزوال، لأنه ضد الطبيعة، و ان الباطل لا يمتلك مؤهلات الوجود ليستمر.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الحادي عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

[قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ] (16)

حينما يغفل الانسان عن خالقه وبارئه فإنّه يسقط في شرك الشيطان، فيغرق في وحل التمنّي و الأوهام الباطلة، وتكتنفه حُجب الظلمات فيجهل نفسه وخالقه والخلق المُحيط به.

ويأتي الوحي مُبيّنا آيات الله تعالى في الآفاق ليثير دفائن العقول ويجلي الفطرة التي اودعها الرب سبحانه في داخل كلّ انسان، فيدعونا الى التفكّير في آيات الله، في السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وفي سائر الخليقة.

وبالنظر الى السماوات ندرك النظام الحاكم فيها والتدبير الدقيق الذي يدلّنا على الخالق المدبّر العظيم، فكلّ ما هو حادث يحتاج الى مُحدث، ويفتقر لاستمرار وجوده اليه تعالى، فهذا الفضاء الرحيب الذي ليس فقط لا ندركه بعلمنا بل لا نصل الى سعته حتّى بخيالنا، هذا الفضاء يتحقق بأمر الله وأمره تعالى بين الكاف والنون أو ما يُصطلح عليه اليوم بزمن الصفر.

[قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ]

فهو تعالى اجلى ظهوراً من كلّ شيء كما قال الامام ابي عبد الله الحسين عليه السلام في دعاء يوم عرفة: ((كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك.))

ولذلك فجاء الجواب عن السؤال سريعاً ودون مكث.

[قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا]

فاذا أذعنتم بذلك فكيف تتخذون من دونه أولياء، هذه الأصنام الحجرية أو البشرية لا تملك النفع لنفسها، و لا دفع الضر عنها، فهل هي قادرة على إعطائك النفع أو دفع الضر عنك؟

 وبالتأمّل في قوله: [من دونه] نفهم أنّ الأولياء من دون الله هم الذين نهى القرآن عن اتباعهم، بالمقابل يقول ربّنا في سورة المائدة: [يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في‏ سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ][1]

 فهم الذين نصبهم الرب وأمر باتباعهم.

[قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ]

تشرق الشمس كلّ يوم لكن اذا فقد الانسان وسيلة الابصار فلن يتمكن من استقبال نور الشمس، وهكذا من لا بصيرة له، أنّى له ادراك تلك الآيات.

[أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ]

قد يكون الواحد قهّارا و قد لا يكون، و لكن اللّه واحد و قهار .. واحد تدل على ذلك آياته، و قهّار غالب على كلّ شي‏ء بقدرته و إرادته، أما عصيان البشر له فليس انحسارا لقهره، بل لأنّه يمهل الكافرين ليزدادوا إثما مع إثمهم.


[1] سورة المائدة الآية: 35.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس العاشر)

لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ‏ِ 

بسم الله الرحمن الرحيم

[لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ‏ِ  وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشىَ‏ْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلىَ الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَ مَا هُوَ بِبَالِغِهِ  وَ مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فىِ ضَلَالٍ]

أليس كلّ الموجودات متساوون في الخِلقة، والرب المُتعال هو الذي خلقها، فلماذا خُصّ البشر بحريّة الانتخاب دون غيره؟ ولماذا يُمهلهم الله رغم طغيانهم وتعدّيهم لحدود الرب؟

 خلق الله البشر في نموذج مختلف، أعطاه من النِعم الوافرة وبذات الوقت أعطاه قدرة على الانتخاب اذا استخدم هذه القدرة بالاتّجاه الصحيح يصبح المخلوق الأفضل الذي فضّله الله على سائر الموجودات وبالمقابل قد يكون وقود النار اذا لم يستخدم النِعم الإلهية بالاتجاه الصحيح.

ومن هنا ربّنا سبحانه بعد الإنذار الشديد الذي وجهه في الآية السابقة وأنّ الله شديد المحال يُبيّن طريق الحق الذي إن تمسّك به البشر نجوا وإن تخلّفوا هلكوا يقول تعالى:

 [لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ]

فهو تعالى حق، ومنهجه كذلك حق، وله دعوة الحق حيث يستجيب لعباده، بالمقابل من يظل طريق الحق وينحرف ويشرك بالله لا يصل الى شيء ولا يستجاب دعاءه، فهو كمن يقف على ضفاف النهر وهو عطشان ولكنّه لا يغترف من الماء، وكلّما يمدّ يده ليشرب منه لم يصل اليه، ويبقى عطشان أبداً، يقول تعالى:

[وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشىَ‏ْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلىَ الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَ مَا هُوَ بِبَالِغِهِ.]

يستطيع البشر  أن يصل إلى الله بعزم ارادة ويردم الفاصلة بينه وبين بحر الرحمة الإلهية لكنّ مشكلة البشر أنّه يترك الصراط المستقيم ويستبدله بالطرق الملتوية، اولئك الذين يستبدلون عبادة الله الأحد بعبادة الاصنام البشرية أو الحجرية لا يستجيبون لهم بشيء.

 [وَ مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فىِ ضَلَال]

لأنّهم يعيشون تمنّيات فلا يزيدون من الهدى الّا بُعداً إذ أنّ عالم الخليقة لم يُبنى على أساس التمنّي بل هو قائمٌ بالحق.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس التاسع)

يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحِمْدِهِ

بسم الله الحرمن الرحيم

هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبرَْقَ خَوْفًا وَ طَمَعًا وَ يُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12)وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحَِمْدِهِ وَ الْمَلَئكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَ هُمْ يجَُدِلُونَ فىِ اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ المِْحَالِ(13)

ماذا معنى التسبيح؟ وماذا يعني قوله تعالى: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ ‏]؟[1]

وقوله تعالى: [كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبيحَه‏ِ]؟[2]

نلخّص الإجابة عن ذلك من خلال عدّة بصائر:

أولاً: من ذات الطريق الذي يصل به الانسان إلى معرفة الله ومعرفة صفاته وأسماءه، يمكنه كذلك الوصول الى القُرب الالهي وينوّر قلبه بضياء نظرها إلى ساحة القدس بحقائق القلوب.

فمن خلال استشعار النقص في المخلوق، نوقن بكمال الخالق، ومن ضعف المخلوق نصل إلى قوّة الخالق وهذا هو جوهر التسبيح وهو طريق القرب من الباري تعالى.

ثانياً: وبتنزيه الرب تعالى من كلّ نقص نلجأ اليه تعالى لسدّ نقصنا وجبر ضعفنا.

ثالثاً: النقص والاحتياج ليس مختصاً بالبشر فحسب، بل كلّ الموجودات مُحتاجة اليه في كل آن، فهو الذي يمدّها بفيض الوجود كل لحظة، وهي تنطق بالتسبيح بلسان الحال، بل وبلسان القال أيضاً إذ كلّ شيء يسبّح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم.

يقول ربّنا تعالى:

[هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبرَْقَ خَوْفًا وَ طَمَعًا وَ يُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ]

فكما أن لله تعالى مُعقبّات يحفظون البشر من الأخطار كذلك تأمين غذاءه أيضاً يتمّ برحمته تعالى حيث يُنشئ السِحاب من جهة ويرينا البرق بما طمعاً لنزول الأمطار من جهة، و[خوفاً] اظهاراً لقدرته حيث الخوف من الصواعق المدمرّة.

[وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحَِمْدِهِ]

سُمّيت هذه السورة على اساس وجود هذه الآية المباركة، والتسبيح هو التنزيه، فهذا الرعد بقوته يخضع الى اللّه سبحانه، و من تخضع له القوة أليس بقوي؟

[وَ الْمَلَئكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ]

هذه الملائكة هي المهيمنة على الطبيعة، آية سلطان هيمنة اللّه علينا تسبح بحمد اللّه خوفا منه لبعض المعرفة بلله.‏

[وَ يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَ هُمْ يجَُدِلُونَ فىِ اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ المِْحَالِ]

ِ ابعد هذه القدرة و الهيمنة يجادلون في اللّه؟ بلى ان اللّه شديد القوّة و المكر،سيصيبهم بما كسبوا قارعة أو يحل قريبا من دارهم البوار.


[1] سورة الاسراء، الآية 44.

[2] سورة النور، الآية 41.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثامن)

معقبات من بين يديه

بسم الله الرحمن الرحيم

[لَهُ مُعَقِّباتٌ‏ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ] (11)

منذ انعقاد نطفة الانسان في رحم أمّه تحيط به رعاية الرب وتستمر تلك الرعاية طوال مسيرة حياته حيث يرعاه الرب ويحفظه من الأخطار، إذ أنّ الانسان يواجه في الحياة اخطاراً شتّى قد تتمثّل بالفايروسات الفتّاكة او الأمراض او الحوادث الطبيعة يحفظ ربّنا تعالى الانسان منها، وقد يصل البشر في أحيان كثيرة إلى حافّة الخطر لكنّ ربّنا تعالى يُنجّيه بفضله ورحمته، لكنّ تبقى مشكلة الإنسان أنّه سريع النسيان فربّما ينسى بعد دقائق معدودة ذلك الخطر الذي كان بالإمكان أن يودي بحياته، و نستفيد من ذلك:

اولاً: أنّ علينا الاعتماد على ربّنا و التوكّل عليه في مختلف الامور لا سيما في التحدّيات والصِعاب.

ثانياً: وحينما يتوكل المؤمن على الله ويستشعر نعم الله عليه حينها لا يُصاب بالغرور بما لديه من النِعم.

يقول ربّنا تعالى:

[لَهُ مُعَقِّباتٌ‏ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه‏]

أي ملائكة يتعاقبون بعضهم بعد بعض ليحفظوا الإنسان من الوقوع في الاخطار.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السابع)

ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى

بسم الله الرحمن الرحيم

[اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ وَ ما تَغيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ] (8)

لو آمن الانسان بحقيقة هامّة وهي أنّ الله تعالى مُحيط به، بعلمه وتدبيره وقدرته، يمكنه بذلك أن يسيطر على نفسه ويتجاوز امتحانات الحياة بشكل سليم، وهذه البصيرة نجدها بشكل متكرر في القرآن الكريم، فمنذ تلك اللحظة التي يأتي الانسان الى الدنيا بل  وحتّى قبل ذلك هو مُحاط بتقدير الرب وتدبيره، يقول ربّنا تعالى:

[اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى]

إنّ علم اللّه أحاط بالجنين هل هو ذكر أم أنثى، و هل سيعيش شقيّا أم سعيدا، و يعلم أثناء الحمل و عند الولادة ما سيحمله الجنين من صفات،  كما انه دبر أمر الإنسان جنينا فأطعمه و سقاه.

ومن هنا على الانسان أن ينظر دائماً بأنّه في محضر الرب المُتعال ويسعى لتجنّب الأخطاء، ويزكّي نفسه ويطهّر قلبه.

[وَ ما تَغيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ]

 و علم اللّه محيط بما تحمل الإناث من الأجنة  أي ما تفيض و تسقط مما لم يكتمل خلقه، «و ما تزداد» سواء كانت الزيادة في العدد أو الزيادة في الأعضاء.

جاء في تفسير العياش عن الامام الصادق (ع): «ما تحمل أنثى: الذكر و الأنثى، و ما تغيض الأرحام: ما كان من دون التسعة و هو غيض، و ما تزداد: ما رأت الدم في حال حملها ازداد به عن التسعة أشهر».

[كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ]

لكل شي‏ء في هذا الكون حدّ محدود، و قدر مكتوب‏، والانسان ليس بمعزل عن ذلك، وإنّما يُعطى حريّة الانتخاب ليستحقّ الثواب أو العقاب، وحين يستحضر المؤمن تلك البصائر فإنّه يجعل حياته برنامج للقُرب من الرب سبحانه، حتّى في الاكل والشرب إذ ينوي القُربة ليقوى على العبادة ويزداد شكراً للنِعمة، وهكذا في سائر تفاصيل حياته.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس السادس)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ  وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلىَ‏ ظُلْمِهِمْ  وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ(6)

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ  إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ  وَ لِكلُ‏ِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)

من أعظم القيم التي تدفع البشر للإستقامة وتجنّب المعصية والانحراف هو شعورهم بالمسؤولية، ذلك أنّ البشر حين يعلم مسؤوليته عن جوارحه وجوانحه، و أنّ الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، وهذه الحقيقة الواضحة تتوافق مع فطرة الانسان ووجدانه، لكنّ مشكلة الانسان أنّه يغفل عن تلك الحقائق وقد يُصاب بالعِناد أحياناً ممّا يحجبه عن الحق.

وهكذا يُعرّض الانسان دائماً الى عواصف شتّى من وساوس الشياطين والثقافات الخاطئة تحرف مسيرته، والقرآن الكريم يُبيّن في آيات عديدة تلك الحقيقة لأنّ طبيعة البشر هي ذاتها و تلك الافكار التي تحرف مسيرة الانسان لا تزال تشكّل حاجز امام البشر تمنعهم من الايمان او تحرفهم عنه، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:

[وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ]

حيث أنّ البشر يستعجلون نتائج أعمالهم السيّئة، فحينما يظلم أحد او يسلب حق مسكين، فإنّه لا يرى نتيجة أعماله، ويدعوه ذلك لإنكار الجزاء واستعجال السيئة قبل الحسنة، وفي معرض ردّ تلك الآيات ربّنا بعض البصائر:

اولاً: أنّ البشر يرى نتيجة أعماله بشكل مستمر دون أن يشعر، فالمستشفيات تعجّ بالذين يستهينون ببعض سنن الرب، والسجون من الذين يخلون مسؤوليتهم عن افعالهم، وفي حياة الانسان يرى الكثير من نتائج اعماله.

ثانياً: قوله سبحانه وتعالى:[ وَ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ]

المثلات هم الاقوام السابقة، قومِ عاد وتمود، والمؤتفكات و..الخ، حيث لاقوا نتيجة انحرافهم وغيّهم، أليس ذلك يدلّ على مسؤوليتنا تجاه أعمالنا.

ثالثاً: تبقى الدنيا دار ابتلاء وامتحان لكن البشر يستعجلون بالسيّئة بسبب انحرافهم، ويغفل البشر أن الآخرة هي دار الجزاء الذي يتجلّى فيه عدل الله المطلق.

يقول ربّنا تعالى:

[وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلىَ‏ ظُلْمِهِمْ  وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ]

ان اللّه رحيم بعباده و يقبل التوبة عنهم، و لكنه شديد العقاب لمن استمر في ظلمه، فمغفرته تقف في حدود الحياة اليومية، و لكن إذا عثى الإنسان في الظلم فان جهنم هي المثوى و المصير.

لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَة

الحجّة الأخرى التي يحاول المشركون أن يبرروا بها انحرافهم هو أنّهم يبحثون عن بعض العلامات البيّنة المُبصرة وكأنّهم ينتظرون من الرب أن يجبرهم على الهداية والحال أنّ ربّنا المُتعال لا يجبر أحد على الهداية، ومن هنا تجد البشر يضع دائماً مقاييس خاصّة يجعلها معياراً للحق.

[وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ لَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ]

وظيفة الأنبياء هو الانذار و ليس من مسئوليته أن یأتي بالآيات.

[وَ لِكلُ‏ِّ قَوْمٍ هَادٍ]

هناك نوعان من الهداية، الأولى ترتبط بالهداية العامّة التي تتحقق بواسطة الأنبياء بالدرجة الأولى حيث الانذار من بين يدي عذابٍ أليم، أمّا المرحلة الثانية فهي الهداية الخاصّة هي تتكامل الهداية بيد الاوصياء، من هنا فقد ورد أنّ هذه الآية نزلت في رسول اللّه و علي بن أبي طالب (ع) إذ هو الهادي لأمة محمد (ص) بعده،  في دعاء الندبة في حق علي (ع): «إذ كان هو المنذر و لكل قوم هاد»

قد جاء في تفسير العياشي، قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «فينا نزلت هذه الآية» إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ فقال رسول اللّه. (ص)

 «انا المنذر و أنت الهادي يا علي، فهنا الهادي و النجاة و السعادة الى يوم القيامة».

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الخامس)

أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ

بسم الله الرحمن الرحيم 

[وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)وَ إِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلهُُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ  أُوْلَئكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِِّمْ  وَ أُوْلَئكَ الْأَغْلَالُ فىِ أَعْنَاقِهِمْ  وَ أُوْلَئكَ أَصحَْابُ النَّارِ  هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ](5)

طريق تكامل الانسان إلى درجات اليقين ووصوله إلى الحقائق الكبرى، هو أن يدرك المنهج الصحيح من بصائر القرآن الكريم ويعمل بذلك بشكل متواصل، وهكذا ليس المطلوب أن نفهم وندرك البصائر فحسب؛ بل علينا أن نعمل بها، ذلك الوقت الذي يستطيع الإنسان أن يُطبّق المنهج في واقعه يمكنه الاستفادة منها.

في الحديث عن آيات الرب المُتعال في سورة رعد المباركة يُحدّثنا ربّنا عن التنوّع العجيب في الخِلقة ممّا يدعونا الى مزيد من التأمّل والتفكّر في عجائب الخِلقة، فلم يستطع البشر عدّ أنواع الخِلقة فضلاً عن ادراك التنوّع الذي يتناسب و احتياجات البشر.

يقول ربّنا تعالى:

[وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏]

أن الأرض تحتوي على قطع متجاورة يختلف بعضها عن بعض، فبعضها ارض‏ سبخة، و بعضها أرض زراعية، و بعضها صخرية .. و هكذا

 [وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ]

فبالرغم من أنّها تُسقى من ذات الماء وتستمد الغذاء من أرض واحدة لكن تختلف أنواعها وهذا الاختلاف يدلّ عليه سبحانه.

[إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ]

الذين يستفيدون من عقولهم ويرجعون الى فطرتهم يستفيدون من تلك الحقائق.

في خلق جديد

ثم يقول ربّنا:

[وَ إِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلهُُمْ أَ ءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَ ءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ]

إذا كنت تعجب من شي‏ء فهناك شي‏ء أعجب و هو قول الكفار بإنكار البعث بعد الموت.

يقول ربّنا تعالى في سورة يس: [قُلْ يُحْييهَا الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَليمٌ][1]

 ‏فربّنا تعالى الذي خلق الاشياء لا من شيء يمكنه أن يعيد الخلق من جديد وبذلك يقضي العقل بأن يكون هناك يوم يحاسب فيه كل إنسان، و يرجع ليقف امام ظالم فينتصف منه، أو ينتصف هو منه إذا كان ظالما له، و الإنسان الذي يرى عظمة الكون يؤمن بالبعث.‏

لكن هناك عاملان حجبتهم عن الاعتراف بالحقيقة والإذعان بها، يقول تعالى:

اولاً: [أُوْلَئكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِّمْ]

فهم كفروا بربّهم الذي ربّاهم ورعاهم طوراً بعد طور.

ثانياً:[ وَ أُوْلَئكَ الْأَغْلَلُ فىِ أَعْنَاقِهِمْ]

بسبب الضغوط والثقافات الخاطئة والحجب المتعددة يبقى البشر محجوب عن الحقائق، ولذلك تراه لا يستوعب الحقائق، وهكذا لو لم ينجِ الإنسان نفسه من هذه القيود فإنّه ينحرف عن طريق النجاة، فشرط الوصول الى الجنّة هو التسليم للحق الذي لا يمكن ان يتحقق دون التحرر من تلك القيود والحُجُب.

[وَ أُوْلَئكَ أَصحْابُ النَّارِ  هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]

نفهم من ذلك أن ليس لدينا طريق سوى التأمّل في آيات الله وإدرك الحقائق و العمل على خلاص انفسنا من الجهل والتحرر من القيود لنيل رضا الرب المتعال والفوز بجنّته.


[1] سورة يس، الآية 79.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الرابع)

جعل فيها رواسي

بسم الله الرحمن الرحيم

 [وَ هُوَ الَّذي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فيها رَواسِيَ‏ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] (3)

يصنع البشر أدوات لتقوية حواسّه، فتجده يخترع للعين ما يقوّي نظره وكذلك يبتكر اجهزة لتقوية السمع، ومجهر لرؤية الأشياء الدقيقة ومنظار لرؤية الأجرام البعيدة وهكذا، ولكن ما احوج البشر لما يقوّي به جوانحه وحواسّه الباطنية ليمتلك البصيرة في رؤية الحقائق، فينظر بنور الله، و ذلك يتحقق حين يملك منهجاً سليماً لإدراك الحقائق.

وطريق ذلك، اولاً: بالنظر الى ما حولنا من الحقائق والتفكّر فيها. ثانياً: بالانتقال من الخلائق الى الغيب، وذلك حين يتساءل عن الخلقة وهدفها فهو يصل الى معرفة الخالق المُتعال، فيجعل من الظواهر والخلائق طريقاً لمعرفة الخالق، فكلّ  الحقائق مفتقر في وجوده الى الغني الحميد.

 ومن هنا نجد الآيات من سورة رعد المباركة ففي ختام الآية الثانية يقول ربّنا: [ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ‏]

 وفي الآية الثالثة يقول ربّنا: [ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون‏]

وفي الآية الرابعة يقول تعالى: [ِ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏]

فما العلاقة بين اليقين والفكر والتعقل؟

الهدف هو الوصول الى اليقين وطريق ذلك الاستفادة من الآيات عبر التفكّر فيها، بعد ذلك نحتاج الى تعقلها وحِفظها.

و من هنا نجد الحديث عن هذه الحقائق في هذه الآيات حيث يقول ربّنا:

[وَ هُوَ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسىِ‏َ وَ أَنهْارًا ]

فربّنا تعالى بسط الارض تتهيّأ فيه لحياة الإنسان و نمو النباتات و الحيوانات، و ملأ الاودية و المنحدرات الصعبة بالتراب من خلال تفتّت الصخور الجبليّة، و جعل الأرض مسطّحة و قابلة للسكن، بعد ان كانت التضاريس مانعة من سكن الإنسان عليها.

[مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ]

قد يعني الزوجين هو التنوّع التي تشير اليها الآيات، وقد تكون اشارة الى أنّها كائنات حية فيها ذكر وانثى، وفي مختلف الاشياء من الحيوانات والنباتات وحتى الاشياء المتناهية في الصغر منها ذكر ومنها انثى، يقول ربّنا تعالى:

[سُبْحانَ‏ الَّذي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ][1]

کلّ شيء في عالم الخِلقة يتكامل بين شيئين وحِكمة ذلك أنّه ما من مخلوق خلق نفسه، او شارك في خِلقة نفسه، اذا كان البشر قد خلق نفسه كان يخلقها بحيث لا تفتقر الى شيء آخر، بينما نجد الانسان كما سائر المخلوقات يحتاج الى ما يتكامل معه، وذلك يدلّنا على الخالق الغني عن كلّ المخلوقات.

 [يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ]

من مصاديق الزوجية هو اختلاف الليل والنهار، فبعد ضجيج النهار وصخبه يأتي سكون الليل وظلامه، وهكذا  نقرء في دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام:

((يا مَنْ اَرْقَدَني في مِهادِ اَمْنِهِ وَاَمانِهِ وَاَيْقَظَني اِلى ما مَنَحَني بِهِ مِنْ مِنَنِهِ وَاِحْسانِهِ))

[إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]

لكن قليل من البشر يستفيد من هذه الآيات ويفكّر فيها، و يربط بينها وبين واقعه،ليزداد معرفة بعظمة خالقه ويزداد قُرباً منه.


[1] سورة الصافات، الآية: 36.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثالث)

لعلّكم بلقاء ربكم توقنون

بسم الله الرحمن الرحيم

[اللَّهُ الَّذي رَفَعَ‏ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ] (2)

 أعلى مرتبة يصل اليها البشر في مدارج الكمال وصوله الى اليقين، ولكنّ أنّى يمكن للبشر أن يعرف أنّ وصل بالفِعل الى تلك الدرجة؟ إذ قد يخدع الانسان نفسه بتعظيم الجوانب الخيّرة واغضاءه النظر عن سلبياته، وقد يُصاب بالغرور والتكبّر، وبالتالي قد يُصاب بآفة النِفاق، ومن هنا فمن المهم وجود معايير واضحة للوصول الى درجة اليقين والتمييز بينه وبين الهالة الكاذبة التي هي وليدة النفس ووساوس الشيطان الرجيم، ولذلك تجد المؤمن لا يخرج من حدّ التقصير، واتهام النفس في سبيل السير المتواصل في طريق الاصلاح.

طريق المعرفة

جاء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

[الهي من انتهج بك لمستنير]

الخطوة الاولى: للوصول الى اليقين تبدء من اختيار منهج المعرفة والتفكير، وذلك النهج الربّاني يُنوّر قلب المؤمن، ويزيده بصيرة، ومن هنا تجد المؤمن لا يكتفي بظواهر الأمور بل يفكّر في سلسلة متصلة منتهاها معرفة الخالق المدبّر سبحانه وتعالى.

الخطوة الثانية: تتجلّى معرفة الله بمعرفة اسماءه وآياته، فهو تعالى رحيم، ونُدرك رحمانيته في ملايين النِعم التي نعجز عن عدّها فضلاً عن شُكرها، وهو تعالى عزيز قدير  ونُدرك شيء من عزّته وقدرته بخلقه الكون بها الاشياء وأمره بين الكاف والنون، ونُدرك نظمه وتدبيره من خلال التفكّر في عالم الخِلقة وسننها ونظامها الدقيق.

الخطوة الثالثة: بعد ذلك ينتقل الانسان للنظر الى محيطه متسلّحاً بتلك المعرفة الربّانية فيملك حينئذٍ البصيرة لمعرفة الحقائق وكما جاء في الحديث الشريف: [ المؤمن ينظر بنور الله]

حينها يطمئن قلب الانسان إذ يرتبط بالرب المُتعال ويتوكّل عليه، ليس هذا فحسب بل ويستشرف المستقبل أيضاً إذ يدرك أنّ التدبير وحِكمة الرب تأبى أن يَظلم الظالم ويُظلَم المظلوم ثم ينتهي كلّ شيء بموتهما، فلابدّ من الجزاء والثواب، وهذا المعنى نجده في سورة آل عمران حيث يقول ربّنا تعالى:

[وَ يَتَفَكَّرُونَ‏ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار] [1]

لا يمكننا أن نُدرك أبعاد العدالة والتدبير إذا اقتصر نظرنا الى هذه الحياة، ونحن نجد ملايين البشر يعيشون الاستضعاف ونجد الملايين يموتون بسبب الحروب أو الجوع أو ما شابه، ومن هنا ينتقل العقل مباشرة الى الجزاء ويلجأ الى الباري تعالى للوقاية من عذاب النار.

وهذا هو طريق العروج الى مدارج الكمال والى اليقين بالانتقال من آيات الله الى اسماءه ثم الجزاء المحتوم، يقول ربّنا سبحانه:

[اللَّهُ الَّذي رَفَعَ‏ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ]

جاء في الحديث في تفسير على بن إبراهيم القمي في حديث طويل عن الامام الرضا (ع) عن هذه الآية: قال: فثم عمد و لكن لا ترونها[2] و اللّه اعلم ما هذه العمد.

ربما يكون معنى العمد  هو تعادل قوى الطرد و الجذب بين الكواكب و النجوم، ممّا جعل لكل نجم وكوكب موقعه الخاص‏، فمثلا: ان قوة الطرد الناشئة من دوران الأرض حول الشمس تساوي بالضبط قوة الجذب للشمس، فعلى ذلك تبقى الأرض ملايين السنين في مدار واحد، اما لو تغيرت احدى هاتين القوتين لحدث ما لم يكن في الحسبان فلو زادت قوة الطرد لانفلتت الأرض الى المجهول في خط مستقيم، و لو زادت قوة جذب الشمس للأرض لالتصقت الأرض بالشمس لأنها ستضطر في النهاية لأن تسير في مسار حلزوني.

[ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ]

فذات القدرة التي رفعت السماوات بغير عمد هي حاكمة على الكون. 

فالقدرة هي ذاتها موجودة وربّنا له تدبير، مضافاً للقانون هناك تدبير آخر، وسخّر الشمس والقمر،

[وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لِأَجَلٍ مُسَمًّى]

فكلّ ما له بداية ومرتبط بزمان  فله أجل ونهاية

[ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ]

ما هو الهدف من تفصيل الآيات؟

هدف تفصيل الآيات هو الوصول الى اليقين

[لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ]

إنّها مرتبة اليقين التي وصل اليها الأنبياء والائمة الاطهار، فكانوا منقطعين الى الله تعالى، 

وهكذا نقرء أن امير المؤمنين عليه السلام حينما جرح في بعض الحروب  كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يصلي، فإذا اشتغل بالصلاة، وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ، ويُروى كذلك أنّ الامام زين العابدين كان منشغلاً في صلاته ومرة وقع حريق في البيت الذي هو فيه وكان ساجداً في صلاته فجعلوا يقولون: يا بن رسول الله النار، النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة.

حينها يصطبغ الانسان بصغبة الله، ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون.


[1] سورة آل عمران، الآية 191.

[2] – تفسير نور الثقلين- ج 2- ص 481

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الثاني)

أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ

بسم الله الرحمن الرحيم

[المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ] (1)

بالتأمّل في آيات سورة رعد المباركة، وتسميتها والآيات المحورية في السورة، نتعرّف على الاطار العام لهذه السورة وهو الاستفادة من آيات الله في الخليقة والاعتبار بها للوصول الى ما ورائها من حقائق، وبالتالي الخروج من محورية الذات والانطوائية الى رحاب الحق.

وهذا هو طريق الوصول الى اليقين، الذي يُمثّل القمّة السامقة  لتكامل البشر، حينها ليس فقط يتجاوز ذاته بل وأيضاً يؤثّر في عالم التكوين.

يقول ربّنا تعالى:

[تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ]

ماذا يعني الحق؟

اولاً: خلق الله السماوات والأرض بالحق، بمعنى أنّها حقائق موجودة، لابدّ للبشر من الاعتراف بها والإذعان بها، ونحن نجد كيف أنّ بعض المدارس المثالية أنكرت الاعتراف بوجود شيء مستقل عن الانسان، وبذلك حجبت نفسها عن الحقائق.

ثانياً: لكلّ مخلوق نظام دقيق يسير عليه، فمن أصغر ذرّة الى اكبر مجرّة كلّها تسير وفق نظام دقيق يسعى البشر دائماً لكشف ذلك النظام، فيدأب العلماء كلٌّ في اختصاصه لدراسة الظواهر والقوانين في مختلف الابعاد، في علم الفيزياء والكيمياء ووظائف الاعضاء (الفسيولوجيا)، علم طبقات الأرض (الجيلوجيا) الى علم الفضاء بل وحتّى علم النفس والاجتماع، كلٌّ منهم يسعى لمعرفة قوانين وسنن يجري عليها النظام.

 ثالثاً: لكلّ نظام هدف يتعّقبه، في كلّ الحقائق حين ننظر نجد نظام وهدف وغاية، ويدلّ على الخالق المُدبّر له.

وبهذا السير المعرفي يُحوّل الانسان نظره الى ما حوله من المخلوقات الى اعتبار و يحوّل حياته الى مدرسة عرفانية يتزوّد منها كلّ يوم، فإذا نظر الى جمال شيء دلّه على جمال الخالق، واذا رأى عظم الخليقة دلّه على عظمة الخالق، يشكر الله فيشكره الله، يذكر الله فيذكره الله.

مشكلة العلم البشري أنّه مبتور، فهو يبحث عن الاسباب والمسببات لكنّه يصل الى نقطة ويتوقّف، فحين الحديث عن الانفجار العظيم الذي كان بداية الكون، يثبتونه دون أن يفّكروا عن الذي أحدث ذلك الانفجار.

 تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ

تجلّت تلك الحقائق في القرآن الكريم، الذي هو مرآة الحق بكلّ ما تعني الكلمة من معنى، فالإيمان به ومعرفته يوصلنا الى معرفة الخلق والحق، ولكن السؤال اذا كان القرآن كتاب الحق، فلماذا لا يؤمن به الناس؟

[وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ]

لم يكتمل ايمانهم ولم تستوِ عقولهم، وینبغي للمؤمن أن لا يجعل المجتمع معياراً للإيمان، فإذا كان القليل من الناس هم فقط من وصلوا الى القمّة لا يعني أن اكثر الناس الذين هم في الوادي هم معيار الحق.

تدبرات في سورة (الرعد) شهر رمضان المبارك / 1442 هـ – (الدرس الاول)

بسم الله الرحمن الرحيم

«أَيُّهَا النَّاسُ‏ قَدْ أَقْبَلَ‏ إِلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ بِالْبَرَكَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ وَ شَهْرُهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَ أَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ وَ لَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي وَ سَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ قَدْ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ»[1]

هكذا بدء النبي صلّى الله عليه وآله خطبته في آخر جمعة من شهر شعبان المُعظّم، ولكن ما هي ضيافة الله تعالى لنا في هذا الشهر الكريم وكيف يمكننا أن نستفيد منها أفضل استفادة؟

اولاً: لأنّ هذا الشهر ربيع القرآن حيث يقول ربّنا تعالى: [شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقان‏][2]

والقرآن يُمثّل الهدى والفرقان فهو ضيافة الرب.

 ثانياً: لأنّه شهر الصيام، بما فيه من الآثار المعنوية  والمادّية، وهو جُنّة من النار.

ثالثاً: هو شهر الدعاء والتضرّع لربّنا الرحيم وهو القائل: [وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ‏ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجيبُوا لي‏ وَ لْيُؤْمِنُوا بي‏ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ][3]

رابعاً: لوجود ليلة القدر التي هي خير من الف شهر، فقد يصل المؤمن في عروجه الى الرب بهذه الليلة ما يُعادل العمر بأكمله.

 لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ‏

في مضامين سورة الرعد المباركة التي نشرع بتوفيق الله التدّبر في آياتها المباركات، فيها من المباحث العميقة التي تستدعي المزيد من التفكّر و اعمال النظر للوصول الى تلك المعارف، وما احوجنا ونحن نعيش اليوم مشكلة التسطيح الفكري التي اصحبت تشكّل خطراً على البشرية الى امعان النظر في الآيات والتدبّر لإيقاظ العقل وتكامله، خصوصاً وأنّ للقرآن بطون وبطون، ومن هنا نجد القرآن الكريم يحثّ البشر الى التفكر والتعقل في عشرات المواضع.

[المر]

الحروف المقطّعة تثير تساؤلات للبشر تدعوهم للتفكير، صحيح أنّها اشارات بين الله وبين اولياءه، لكن يمكننا أن نتعرّف على بعض معانيها:

اولاً: لكلّ حرف معنيان أحدهما طبيعي كما الاشارة الى الاشياء لا يحتاج الى وضع من شخص او تباني من المجتمع، أمّا النوع الثاني فهو ما يفتقر الى ذلك.

ثانياً: دُلّ بالألف على  قولك: الله، وباللام على قولك: الملك العظيم القاهر لجميع الخلق اجمعين، وبالميم على أنّه مجيد المحمود في كلّ فعاله، أمّا الراء فهي رحمته ورأفته بعباده، وهي اشارة الى الاسماء الحسنى التي هي منبع كلّ خير.

[تِلْكَ آياتُ الْكِتاب‏]

الكتاب هو الشيء الثابت، وهو اشارة اولاً الى أنّ عالم الخِلقة ليس كذباً ولا تخيّلاً وهو متحقق وموجود في الواقع وموجود في الكتاب ايضاً، والكتاب هو ما يعلّمنا تلك الحقائق، فالكتاب ثابت وله آيات متعددة قد نجدها في الطبيعة، أو في القرآن وهي حقيقة واحدة.

خلاصة الكتاب هو هذه الحروف المقطعة ولكن لو نظرنا بشكل تفصيلي فسنجد باقي هذه السورة المباركة.


[1] المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية)، ص: 633.

[2] سورة البقرة، الآية: 185.

[3] سورة البقرة، الآية : 186.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس العشرون)

أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَريبٍ

بسم الله الرحمن الرحيم
وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيهِ الْأَبْصارُ (42)مُهْطِعينَ مُقْنِعي‏ رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43)وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَريبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ

في لحظات من الغفلة قد يسقط الانسان في شرَك إبليس الرجيم فيكون مصيره درك الجحيم، ومن هنا تجد القرآن الكريم بعد ذكر سيرة الأنبياء العِظام يُحذّرنا من الغفلة و الابتعاد عنهم؛ ذلك أنّ أسباب الغفلة متعددة، تتمثّل بجهل الانسان، ووجود الشهوات مضافاً الى وساوس إبليس الرجيم المتكررة، كلّ ذلك يكون سبباً في الغفلة عن عاقبة الظالمين.
[وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ]
قد يظلم الانسان نفسه، بتعدّي حدود الله والتقصير عن أداء حقوقه، كذلك الظلم للغير، خصوصاً من كان له حقّ عليه.
حسابُ هؤلاء يوم القيامة حسابٌ ثقيل، وما ذلك الّا مقدّمة للخلود في نار جهنّم.
[إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيهِ الْأَبْصارُ]
قد يسري الى قلب البشر الشك، في هلاك الظالمين بعد ان يزداد ظلمهم و تعديهم، فيظن المظلومون ان اللّه غافل عنهم، و لا يدري ان بعض الظالمين يؤجل حسابهم الى يوم القيامة، فلا يظنوا أو لا يظن المظلوم ان التأخير علامة الإهمال‏.
ولشدّة أهوال ذلك اليوم الرهيب تشخص أبصار الناس الى اتجّاه واحد.
[مُهْطِعينَ مُقْنِعي‏ رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ]
الإهطاع بمعنى الاسراع، والإقناع بمعنى طأطأة الرأس..
وهكذا يتحرّك الملايين من البشر مُسرعين شاخصة ابصارهم من شدّة الخوف، ولا يستطيعون حتّى السيطرة على نظراتهم، أمّا قلوبهم فهي خالية ومضطربة بحيث فقدوا كلّ قواهم.
[وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَريبٍ]
غفلة الانسان عن الموت، وانتهاء فرصته في الحياة، هي الأخرى عقبة يبتلي بها الكثير من الناس، والحال أنّ الموت يأتي بغتة حينها يقول الذين ظلموا: [رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَريبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ]
وكفى بالموت واعظاً وداعياً لتوبة الانسان، لكنّ تفكير الظالم بالخلود في الدنيا وطول الأمد هو السبب في تأخير توبته والعمل الصالح:
[أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ]
نوح النبي عليه السلام عمّر طويلاً وحين جاءه ملك الموت قال له: «دعني أدخل من الشمس إلى الظل فقال له: نعم، فتحول ثم قال: يا ملك الموت كل ما مر بي من الدنيا مثل تحويلي من الشمس إلى الظل فامض لما أمرت به فقبض روحه (عليه السلام.»
ذلك الأجل القريب الذي يتمنّاه الظالم حين موته، نحن نملكه الآن، فلنبادر الى التوبة وأداء حقوق الغير، والإجابة لدعوة الرسول.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس التاسع عشر)

إِنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعاءِ

بسم الله الرحمن الرحيم


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي وَهَبَ لي‏ عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعاءِ (39)رَبِّ اجْعَلْني‏ مُقيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ (40)رَبَّنَا اغْفِرْ لي‏ وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ

النبي ابراهيم عليه السلام مصداق جلي للكلمة الطيّبة التي قال عنها ربّنا: [أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ] ، وهو لنا قدوة وأسوة، علينا أن نسير على خطاه، ولو أنّنا فعلنا ذلك نِلنا الفوز العظيم كما النبي ابراهيم عليه السلام.
ولو تأمّلنا سنجد أن أحد أسباب اختيار الأنبياء هو الشكر، وقد ورد ذلك في عدّة آيات قرآنية، منها قوله سبحانه: [إِنَّ إِبْراهيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكينَ (120)شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ] ، فلكونه شاكراً لأنعم الله؛ اجتباه الرب، وهكذا نجد أن الآيات من سورة ابراهيم تُبيّن أبعاداً من الشكر لكن بصيغة الثناء تارة والدعاء تارة أخرى.
بعد بيان النبي ابراهيم العناصر الثلاث للبلد الذي ينبغي للمؤمن اختياره للعيش وهي الأمن وثقافة التوحيد وتأمين الثمرات الأساسية؛ بعد ذلك يقول ربّنا عن لسانه خليله ابراهيم:
[الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي وَهَبَ لي‏ عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعيلَ وَ إِسْحاقَ].
أوّل نعمة شكرها النبي ابراهيم هي الذرّية الطيبة التي لم تتحقق الّا بعد الدعاء.
[إِنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعاءِ]
وبذلك اصبح النبي ابراهيم عليه السلام ابو الأنبياء العِظام فهو جدّ النبي يعقوب من إبنه اسحاق وجدّ نبيّنا الأكرم من ولده اسماعيل عليه السلام.
ثم قال:
[َربِّ اجْعَلْني‏ مُقيمَ الصَّلاةِ]
النبي ابراهيم عليه السلام بعد عمر طويل في طاعة الله وعبادته يطلب من الرب أن يجعله مقيم الصلاة، ذلك أنّه يدعو الرب أن يكون مقيم الصلاة ليس هو فقط بل لتكون الصلاة قائمة في الأمّة.
[وَ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ]
و إبراهيم عليه السّلام كان منتمياً بذاته الى تجمع ايماني أكبر، و لا بد أن نتخذ ذلك التجمع محوراً لتحركنا لا الانتماء الى نسبه، و دعاءه للمؤمنين جميعا.
[رَبَّنَا اغْفِرْ لي]
كلّما ارتفع العبد في درجات الكمال ازداد شعوره بالتقصير تجاه الرب العظيم، لذلك يطلب من الرب الغفران.
[‏ وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ]
الدعاء هنا ليس لآزر الذي كان عمّ النبي ابراهيم وسعى ابراهيم لهدايته مِراراً، بل كان لوالده الذي كان قد توفّي دون أن يراه.
وهكذا الدعاء للمؤمنين حيث تمتّن علاقة الانسان بهم وذلك في سبيل تشكيل المجتمع الايماني الربّاني.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الثامن عشر)

وادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ

بسم الله الرحمن الرحيم
وَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْني‏ وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَني‏ فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصاني‏ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ (36)رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

من النِعم العظيمة التي منّ ربّنا سبحانه وتعالى بها على البشر هو وجود الأنبياء والأولياء، وهو مصداق لقوله سبحانه: [وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها] لما فيها من أبعاد مختلفة منها:
أولا:ً إنّ الأنبياء وسائط للفيض الإلهي نتوسّل بهم الى الرب سبحانه وتعالى، أمّا المنافقون اذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله يلوون رؤوسهم لما في داخلهم من الكِبر والغرور.
ثانياً: اتّخاذهم قدوات في حياتنا، كما قال ربّنا تعالى: [لَقَدْ كانَ لَكُمْ في‏ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ، وباتباع نهجهم يصل البشر الى الدرجات العليا كالحواريين من أصحابهم، ومن هنا تجد ذكر الأنبياء المتكرر في الآيات القرآنية وذكر تضحياتهم وسيرتهم، وسمات شخصيتهم العظيمة، كلّ ذلك لكي يمشي الانسان على خُطاهم ويتّخذ من سيرتهم مناراً لحياته.
النبي ابراهيم عليه السلام الذي سُميّت هذه السورة بإسمه المُبارك هو أيضاً قدوة للمؤمنين كما قال ربّنا:
[قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في‏ إِبْراهيمَ]
الامتحان بالأهل والولد
لم تحمل زوجة ابراهيم سارة بعد سنوات طويلة من زواجها بإبراهيم عليه السلام، فوهبت له جاريتها ليستولدها، وهكذا رزق الرب سبحانه وتعالى خليله ابراهيم بولده إسماعيل من هاجر.
جاء في بعض التفاسير أنّ الرب سبحانه وتعالى أمر ابراهيم بالهجرة الى مكّة بعد طلب زوجته سارة ذلك حيث اغتمّت لعدم حصولها على الولد.
وكلّما مرّ الى أرضٍ خضرة سئل جبرئيل عن الأرض هل هي التي سينزل عندها؟ الّا أنّ الجواب كان بالنفي حتّى جاء الى مكّة حيث كما قال ربّنا: [رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ‏ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْع‏]
لم يمكث ابراهيم عندهم طويلاً حيثُ أمره الرب سبحانه أن يعود الى الشام، وحين أراد الإنصراف قَالَتْ لَهُ هَاجَرُ يَا إِبْرَاهِيمُ لِمَ تَدَعُنَا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَ لَا مَاءٌ وَ لَا زَرْع‏..
«فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَكُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ هُوَ يَكْفِيكُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُم‏.»
وحين وصل الى بعض الجبال المُحيطة وکان يلوح له منظر أمٍ مُتعبة وطفلٍ رضيع رفع يده بالدعاء قائلاً:
[رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ‏ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ]
كان المحور اقامة الصلاة ليس فقط لإسماعيل بل للأجيال القادمة التي ستنزل هذه الأرض الطاهرة و تقيم الصلاة.
[فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]
بالرغم من أن الكعبة بيت الله ولها أهميّة فائقة، لكنّ الأنبياء والأولياء أهم من الكعبة، والايمان بهم شرط قبول الصلاة.
كذلك دعا ابراهيم ربّه قائلاً: [وَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً]
طيلة اربع وستين قرناً لا أقل كانت مكة بلداً آمنا بدعاء ذلك الشيخ الذي تجرد عن ذاته، و عن علاقاته النسبية، وترك فلذة كبده إسماعيل و أمه في تلك الأرض القاحلة بهدف اقامة بيت لله، يظلله السلام أمام هجمات الشياطين المادية و الثقافية
[وَ اجْنُبْني‏ وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النَّاسِ]
قد تتمثّل الأصنام في الأحجار وقد تتمثّل في أشخاص يضلّون الناس ويغووهم عن الصراط القويم.
[فَمَنْ تَبِعَني‏ فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصاني‏ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ]
ربما لم يقل إبراهيم و من عصاني فان عذابك شديد لكي يتجنب الذاتية في تعبيره فلا يضمن تعبيره انه هو سبب العذاب.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس السابع عشر)

إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

بسم الله الرحمن الرحيم

اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32)وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (33)وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

استعمال كلمة الانسان في القرآن للتدليل على طبيعته الأولّية، وقد بيّن ربّنا في اكثر من موضع في القرآن بأنّ الانسان ظلومٌ كفّار، فكيف نُبعد عن أنفسنا هذه الصفات الذميمة؟
للخلاص من تلك الصفات علينا أن نُغيّر طبيعة نظرتنا الى النِعم الإلهية من حولنا، فالأرض وما فيها من النعم والسماء ونزول الغيث منه، والثمرات المختلفة، والنظام القائم في الكون، والأهم من كلّ ذلك أنّه يستجيب لعباده فيما لو سألوه، أقول التفكّر في أنعم الرب سبحانه على الانسان يُعيد بناء شخصيته، ويُخلّصه من طبيعته الأوّلية.
وهكذا تتطرّق الآية الى معرفة اللّه عن طريق نعمه، معرفة تؤدّي الى احياء ذكره في القلوب، و تحثّ الإنسان على تعظيمه في مقابل لطفه و قدرته، لانّ من الأمور الفطرية ان يشعر الإنسان في قلبه بالحبّ و الودّ لمن أعانه و احسن اليه.
يقول ربّنا تعالى: [اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ]
الخلق بمعنى اخراجه من العدم الى الوجود وايضاً بتحويله من هيئة الى أخرى.
[وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ]
ترى كم هي حكمة رائعة ان ينزل الله من السماء ماء، و الماء منبعه في الأرض، و هو مالح، و لكن الله يحليه بالتبخير، ثم يرفعه الى السماء، و يضيف اليه هناك المواد الضرورية للزرع، بعضها عن طريق احتكاك السحب ببعضها مما يحدث الرعد، و بعضها عن طريق امتزاج الماء بالهواء، ثم حين تمطر السماء يتوزع هذا الماء في كل أرجاء الأرض السهل و الجبل، و المدينة و الصحراء ليحقق اهدافا مختلفة.
[وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ]
فلو أنّ الرياح ركدت أو أنّ الأمواج تصاعدت، فهل جرت السفن حيث تشتهي.
[وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ]
كلّ ذلك سخّره الرب للإنسان، وعليه أن يتفكّر في آيات الرب ويزداد شكراً لأنعمه.
[وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ]
نحن لا نعلم المصحلة من عدم اجابة الدعاء، لكنّ ربّنا سبحانه هو العالم بعاقبة الامور يعطي البشر ماهو خير لهم، أو يعطيهم بدل الدنيا في الآخرة، ومن هنا على الانسان أن يكون دعّاء، يدعوا الرب سبحانه في كلّ شيء.
[وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها]
ان كل خلية في بلايين الخلايا التي تشكل جسمي نعمة كبري يعجز القلم عن الاحاطة بها،- فأي نعمة تحصيها- و كيف، و لكن أنت ترى الإنسان كيف يظلم نفسه بالكفر بنعم اللّه.
[إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ]
لكنّ مشكلة البشر هو أنّهم يظلمون أنفسهم وغيرهم، ويكفرون بأنعم الله سبحانه، وهكذا باستحضار النعم الإلهية و تغيير النظرة الكونية يتحوّل الانسان من الكفران الى الشكر والسير بالمنهج الإلهي القويم.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس السادس عشر)

يُقيمُوا الصَّلاةَ

بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ لِعِبادِيَ‏ الَّذينَ آمَنُوا يُقيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فيهِ وَ لا خِلالٌ

أهم مسؤولية تقع على عاتق المؤمنين هو الخلاص من النار ، كما يلهج السنتهم دائماً بقوله:
[رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ]
فالخلاص من النار هدف بحدّ ذاته يضاف الى طلب الفوز بالآخرة، كما ورد في الدعاء: «يَا مَوْلَايَ حَاجَتِيَ الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي وَ إِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي فَكَاكُ رَقَبَتِي مِنَ النَّار»
في هذه الآية المباركة ربّنا سبحانه بعد أن بيّن مصير الذين بدّلوا نعمة الله و کان مصيرهم النار وبئس القرار، يُبيّن طريق الخلاص من العذاب للمؤمنين، فيقول:
[قُلْ لِعِبادِيَ‏ الَّذينَ آمَنُوا يُقيمُوا الصَّلاةَ]
الصلاة ترتبط بكلّ أبعاد حياة الانسان، لا يمكن قياس الفرق بين المُصلّي وغيره، لأنّ الصلاة من جهة صلة بين الانسان وربّه وهي دعاء العبد لربّه، والالتجاء اليه.
وهكذا تُطهّر الصلاة أوساخ الذنوب والأمراض الروحية عند الانسان كالحسد والحقد والتكبر، وقد جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله قال: «منزلة الصلوات الخمس لامتي كنهر جار على باب أحدكم، فما ظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم، أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لامتي»
وعنه (صلى الله عليه وآله): «سمعت مناديا عند حضرة كل صلاة فيقول: يا بني آدم قوموا فأطفئوا عنكم ما أوقدتموه على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون فتسقط خطاياهم من أعينهم، ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، ثم توقدون فيما بين ذلك، فإذا كان عند صلاة الأولى نادى يا بني آدم قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك، فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذا حضرت العتمة فمثل ذلك، فينامون وقد غفر لهم.»
والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولَذكر الله اكبر وتعطي الانسان القدرة على مواجهة الصِعاب، ولذلك نجد المجتمع الايماني –مجتمع الصلاة- يواجه التحدّيات لأنّه يستعين بالرب سبحانه وثقافته الايمانية تتجلّى في كلّ الأبعاد، ومنها الإنفاق.
[وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً]
ربّنا سبحانه وتعالى أعطى للإنسان قدرات هائلة أكثر من حاجته، وأمرنا سبحانه بالإنفاق وكلّما أنفق الانسان كلّما زاد عطاء الرب له، وكما البئر التي إن لم تستنبط منه الماء يُصبح مُعطّلاً كذلك من لا يستفيد من طاقاته وقدراته تُسلب منه، أمّا ذلك الذي يُنفق فهو كما قال ربّنا سبحانه:
[مَثَلُ الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في‏ سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ‏ في‏ كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ.]
والأهم من ذلك أنّهم لا يخافون من المستقبل، كما أنّهم لا يحزنون على الماضي.
الإنفاق بين السر والعلانية
صدقة السر تطفئ غضب الرب، وعلى الانسان أن يجعل انفاقه بإخلاص تام، ولكن تارة تقتضي المصلحة أن يُنفق علناً إمّا لتشجيع الغير أو لوجود تحدّي يقتضي ذلك، وقد جاء في الحديث: عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «كُلُّ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِعْلَانُهُ أَفْضَلُ مِنْ إِسْرَارِهِ وَ كُلُّ مَا كَانَ تَطَوُّعاً فَإِسْرَارُهُ أَفْضَلُ مِنْ إِعْلَانِهِ، وَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَمَلَ زَكَوةَ مَالِهِ عَلَى عَاتِقِهِ فَقَسَمَهَا عَلَانِيَةً كَانَ ذَلِكَ حَسَناً جَمِيلًا.»
[مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فيهِ وَ لا خِلالٌ]
فلا تستطيع أن تُبدّل بما عندك شيئاً، كما لا تنفعك الشفاعة من قبل الأخلّاء و الأصدقاء.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الخامس عشر)

بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً

بسم الله الرحمن الرحيم


((أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (28)جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ))

الإيمان ليس مجرّد معرفة وإنّما هو تصديق، يعني ذلك أن يعيش الإنسان بكلّ وجوده حقيقة الإيمان، ويجعل سلوكه وثقافته ورؤيته إلهية، فمجرّد الايمان اللفظي أو الاعتقاد بوجود الرب سبحانه وتعالى دون أن يعترف بحاكميته وتدبيره وتقديره لا يكفي، وذلك لا يكون الّا بطاعة الأنبياء، لماذا؟


لأنّ الرب سبحانه وتعالى فوّض اليهم الأمر وأمرنا بطاعتهم، وأنّى يمكن للإنسان أن يروّض نفسه للطاعة دون أن يطهّر قلبه من الكِبر والأنانية والحسد، وهكذا نجد الأمم تكفر بالرسل لوجود هذه الأغلال والعقبات.


للوصول الى حقيقة الايمان لابدّ أن تتجلّى ولاية الله عند الانسان، و لابدّ أن يتجاوز هذه العقبات والأمراض ويسلّم للأنبياء، ثمّ يُطبّق هذه الطاعة على كلّ حياته، إذ لولا طاعة الأنبياء لا يعرف الانسان ما فيه صلاحه وينفعه وما يضرّه، وبالتالي لا يصل الى السعادة.


يقول ربّنا سبحانه في سورة المائدة:
[يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ‏ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرينَ]
لأنّ محور الدين الولاية، ومن لا يقبل بالولاية نعته الرب سبحانه بالكفر، والايمان بالولاية هو الصراط الذي ندعو ربّنا سبحانه كلّ يوم أن يهدينا إيّاه حيث يقول ربّنا:
[وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيماً]


فالنبي واسطة الفيض، والرحمة تنزل للعباد عبر النبي صلّى الله عليه وآله، وهكذا التسليم للنبي صلّى الله عليه وآله حيث أنّ الايمان منوط بذلك، يقول ربّنا:
[فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في‏ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْليماً]
وهكذا الطاعة للنبي في السلم والحرب، كلّ ذلك هو الصراط المستقيم حيث يقول ربّنا:
[وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ‏ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً]


في سورة ابراهيم يقول ربّنا تعالى:
[أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً]
أظهر امثلة نعمة اللّه هي نعمة الرسالة التي كفروا بها، فيكفروا بالنبي صلّى الله عليه وآله ويتّبعون أسيادهم، كذلك من ترك أوصياءه بالحق واتّبعوا غيرهم.


عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ [أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً] قَالَ نَزَلَتْ فِي الْأَفْجَرَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَ أَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ- ثُمَّ قَالَ وَ نَحْنُ وَ اللَّهِ نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ- وَ بِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ»


فمن ابو سفيان الى معاوية ويزيد، هل يُمكن أن يُقاسوا بأهل بيت الذين أذهب الله عنهم الرجز وطهّرهم تطهيراً، ومن لم يُسلّم لولاية الله تجده يُسلّم الى أمثال معاوية، و أي مصير أسود تبتلي به الأمّة حينما تتّبع الفسّاق.
[وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ]


و هؤلاء يجعلون قومهم في منزل الهلاك بسبب كفرهم بالنعم، فيقودون الضعفاء في حرب ضد أصحاب الرسالة، فمصيرهم في الدنيا البوار أمّا في الآخرة فإنّ مصيرهم جميعاً
[جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ].

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الرابع عشر)

الكلمة الطيبّة

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتي‏ أُكُلَها كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26))

لأنّ الكون جُعل على محور الحق، والنظام القائم في الخليقة مهما افسده البشر الّا أنّه سيعود الى محور الحق، ومهما حكم الباطل واستأثر لكنّ الحُكم سيعود للحق، كما قال ربّنا سبحانه:
[وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ]
يقول ربّنا تعالى:
[أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً]
الكلمة جزءٌ من الحقيقة، لو تأمّل الانسان في هذا الجزء سيعرف سائر الحقائق.
[كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ]
الطيب من النقي الطاهر، هذه الشجرة تمتدّ بجذورها في تخوم الأرض، و انتشرت فروعها في عرض السماء.
[تُؤْتي‏ أُكُلَها كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]
ليس ذلك الّا مثال، لفهم الحقائق، فالقرآن الكريم يعطينا مفاتيح لفهم الحقائق، والهدف من ذلك هو تبلور الفطرة عند الانسان وليعود الى رشده ويتذكّر.
وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
لماذا؟
لأنّه يخالف الحق ولا يتوافق مع النظام القائم في الكون.
الكلمة الطيبة: هي كلمة التوحيد التي يثبّت اللّه عليها المؤمنين و يجعلهم في حصنه حتى لا تزلزلهم عواطف الشهوات، و لا تزيلهم عواصف الضغوط، فلا ترغيب الأغنياء المترفهين، و لا إرهاب المستكبرة قادر على أن يزحزحهم عن مواقفهم الثابتة في الدفاع عن حقوقهم و عن كرامتهم.
و للكلمة الطيّبة مصاديق أخرى أيضاً أحدها هو الانسان الكامل، كعيسى ابن مريم الذي بشّر بنبيّنا الأكرم ومهّد لدين الاسلام، ولذلك نجد في التاريخ أنّ الكثير من المسيحيين آمنوا بالاسلام، وسيؤمن أيضاً الكثير من اتباع الديانات لاسيما النصارى بإمامنا المهدي (عج).
يقول ربّنا تعالى: [إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ‏ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسيحُ عيسَى ابْنُ مَرْيَم‏]
فعيسى كلمة الله لأنه أخلص نفسه و أخلصه اللّه للدعوة اليه و اصطنعه‏ نفسه.
وما يتركه الانسان من ورقة علم أو الولد الصالح أيضاً قد يكون مصداقاً للكلمة الطيّبة التي اصلها ثابتٌ وفرعها في السماء.