تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس الثامن عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)وَ إِذا رَآكَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)}

 

من أعقد المشاكل التي يبتلى بها البشر حالة الخلط بين القيم المتصلة بعقله وروحه والتي تستمد قوتها من ربه ورسالاته، وبين الحقائق المادية، فيتصور بأن النبي –أي نبيٍ- أو أي وصيٍ أو عالمٍ يجب أن يتمتع بالإمكانات المادية كالمال الوفير والجاه العريض والقوة الجسدية الهائلة كي يكون على الحق.

النبي والوصي والداعية إلى الله، يهدف تذكير الإنسان بربه، وهو متكاملٌ من هذه الجهة، أما الجهات الأخرى فلا شأن لها بهدفه، بل هو بشرٌ كسائر البشر يبتلى بالمرض والضعف الجسدي والهزيمة في الحرب، ويبتلى بالقتل بأبشع الطرق، وهذا كله لا يعني بطلان رسالته ودعوته، لأن الرسالة من مقولةٍ أخرى، إلا أن البشر يخلط بين الأمرين دوماً، فيتصور أن العالم إن لم يكن غنياً أو صاحب حزبٍ وسلطة، فهو ليس بعالم، وتحجبه هذه الرؤية عن الإنتفاع بعلمه.

بلى؛ لقد قطعت البشرية شوطاً في هذا المجال، حيث صارت تقدّر العالم لعلمه لا لشيءٍ آخر مثلاً، ولكنه تبقى في منتصف الطريق، وطالما أكدت النصوص الشريفة على أن قيمة الأنبياء ليست في المال والكنز والجسد، بل قيمتهم الأساسية في ربط الإنسان بربه، وإلا فهم بشرٌ كسائر البشر.

{ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ}

لم يكتب الله سبحانه الخلود في الدنيا لبشرٍ قط.

{ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)}

فهل يبقى –يا رسول الله – أحدٌ غيرك إن مت أنت؟

كلا؛ فلا خلود للبشر في دار الدنيا، والنبي بشرٌ أيضاً.

{كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ }

بالرغم من أن السياق القرآني عن الأنبياء، ولكن مفاهيم الكتاب لا يحددها السياق، فالمورد لا يخصص، ومن هنا فكل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن لماذا التعبير بـ” النفس”، دون غيره من تعبيرات كالجسد أو الإنسان؟

لكل كلمة معنى مشترك مع مترادفاتها وضلال خاص بها، ويبدو أن النفس في لغة القرآن مغايرة للروح، وهي الجانب المادي للبشر، أو الجانب الأعم من المادة والمعنى؛ قال الله سبحانه: { وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها *  فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها}[1]، ومادامت النفس متصلة بالمادة ( الجسم) فهي تذوق الموت، والتذوق يعني تلمسها والتألم منه.

وقد إستفاد البعض من هذه الكلمة أن الشهداء الذين هم أحياءٌ عند ربهم، هم أيضاً يموتون لأنهم نفوسٌ أيضاً.

{وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)}

الشر شرٌ والخير خير، ولا يصح المزج بينهما، نعم الشر الذي يؤدي إلى الخير حسنٌ، ولكنه يبقى شراً أيضاً في حينه، والإبتلاء بهما يكون من أجل إظهار حقيقة الإنسان، فالإبتلاء يعني لغةً إظهار الشيء بعد خفائه، والفتنة هي الأخرى تفيد قريباً من معنى الإبتلاء، حيث تعني إظهار جوهر الشيء، فإفتان الذهب يعني تعريضه للنار لأخراج الذهب المصفى من شوائبه.

ومعنى ذلك وجوب تكامل الإنسان في الدنيا، حيث جيء به إليها لهذا السبب، أي لكي يبتلى بالشر والخير فتظهر خفايا وخبايا نفسه، ومن ثم تعالج وتفتتن كي يتهيأ لدخول الجنة.

فالله خلق البشر ولكن جعل أمامه فرص للتقدم درجةً فدرجة عبر معراجٍ إلهي، للوصول إلى الله سبحانه.

ومن هنا، فلا هرب من الفتنة أولاً، وثانياً: للفتنة جوانب إيجابية حيث يظهر عبرها مشاكل الإنسان، كما المريض يفحص جسده بمختلف التحاليل لتشخيص امراض بدنه، وبالفتنة تظهر بعض خصائص الذات، وبعضها قد تكون بسبب الظروف كالتربية والشهوات، ولكن بعض الخصائص هي بسبب طبيعة الإنسان وضعفه وجهالته، وهذه السلبيات أعظم مما ساقتها الظروف إلى الإنسان والتخلص منها أهم.

فالحسد والكبر ذاتيان للإنسان بسبب جهله، والإنسان بحاجة إلى المزيد من الجهد للتخلص منهما.

{وَ إِذا رَآكَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً}

وفي نفس السياق حديثٌ عن إستهانة الكافرين بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وربما كان إستهزائهم بسبب الصورة الخاطئة عن انبياء الله من حيث المال والجسم، ولما رأوا النبي صلى الله عليه وآله على غير تلك الصورة الذهنية، صاروا يستهزئون به.

{ أَ هذَا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)}

لم يبين القرآن الكريم متعلق ذكر الآلهة هنا، هل هو ذكرٌ بسوء أو غيره، وكأن هؤلاء أنكروا على النبي أصل ذكره للآلهة فضلاً عن الإسائة إليها، والحال أنهم يذكرون الرحمن ويكفرون به.

التواضع لله

والصورة الخاطئة التي كانت في أذهان الكافرين محاها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأفعاله وسلوكياته، فلم يكن النبي يحتاج إلى التكبر والتجبر ليكون عظيماً، بل كان عظيماً وهو متواضعٌ لله سبحانه، ففي يوم الفتح دخل مكة وهو متواضعٌ لله سبحانه.

ومن هنا، على الدعاة إلى الله سبحانه أن يربوا أنفسهم على التواضع، إذ يجب أن تظهر جوهر العبودية في أفعال الداعية إلى الله سبحانه، ولا يهمه في ذلك من يحبذ الختل والتفاخر، بل يهمه إجتذاب القلوب الطيبة التي تبحث عن العالم الذي يذكرهم بالله رؤيته.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الشمس: الآية 7-8

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

 

إذا دخلت داراً فوجدت التنسيق الكامل يحكم أثاثه، فكل شيء وضع في محله فأولى الملاحظات التي تسبق إلى ذهنك هي أن عليك أن تستخدم كل شيء وفق ما عيّن له فلا تستعمل غرفة المعيشة للطبخ ولا موضع النوم لإستقبال الضيوف لأنه لا يتناسب والتنسيق الموجود.

والأمر كذلك مع العالم من حولنا، حيث نرى كل شيء قد نظّم بدقة وله هدفٌ وصنع لغاية في حدود مقدّرة بدقة تامة، فنعرف ضرورة أن لا نخالف القواعد والأنظمة الكونية، على أن مخالفة الأعراف في منزلٍ واحد قد يستحق بها المرء مجرد اللوم، بينما المخالفة في الطبيعة ربما تكون مهلكة.

ولعل السبب في بيان القرآن الكريم لدقيق أنظمة الكون، لكي يلتزم الواحد منا بحدوده ويقوم بما عليه من فرائض وواجبات.

 

لكيلا نتسافل معرفياً

تؤكد الدراسات الحديثة اليوم على تراجع المستوى العام للعقل البشري، حيث كان الناس يستوعبون الحقائق بشكل أفضل سابقاً، حتى أن البدوي في الصحراء كان يستنتج حقائق دقيقة من ملاحظته لآثار حركة الناقة مثلاً.

وهكذا على المؤمن أن يلتفت بأن لا يكون ضحل التفكير وبليد المشاعر، بل لابد أن يمعن النظر في ما حوله من آيات لكيلا تخدعه أدوات الضلال وأبواق الشيطان التي تسحب زرافات تلو زرافات من البشر نحو الهاوية بعد أن تستخف بعقولهم، وكما قال الله سبحانه عن فرعون وقومه: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقين‏}[1].

ونستفيد هذه البصيرة الهامة من الربط بين تعبيرين وردا في سياق هذه الآيات، الآول قوله سبحانه { أولم ير الذين كفروا} الذي يدل على الرؤية المباشرة، والتعبير الثاني هو قوله سبحانه في الآية الثانية والثلاثين: { وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ }، والذي يعني القرار المسبق بعدم الرؤية والإستفادة، فتارةً لا يبصر الإنسان الأمور بسبب بعدها أو خللٍ في بصره، وتارة لا يريد أن يبصرها، وهو المعرض، وبالجمع بين التعبيرين نستفيد أن الآيات واضحة ومبصرة ولكن الإنسان لا يريد أن يلتفت إليها لإهتمامه بأمور آخرى ثانوية، ككيفية كسب لقمة العيش والتنزه في الدنيا، وهذا يسبب تسافل الإنسان معرفياً.

رتقاً ففتقناهما

{أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) }

التفسير المعقول لهذه الآية، والذي وردت فيه نصوص عن الأئمة عليهم السلام هو أن السماء كانت رتقاً لا تنزل المطر، والأرض رتقاً لا تخرج نباتاً، ففتقل الله السماء بهطول المطر والأرض بخروج النبات، وبالرغم من صحة هذا التفسير إلا أنه من الخطأ الجمود عليه، وذلك لأن السياق ليس عن الأمطار فقط بل الحديث عن قضية أكبر وهو ما يستفاد من الآية التالية.

إلا أن مشكلة البشر أنه يريد الجمود على صغائر الأمور، دون أن يرتقي بمستوى تفكيره إلى عظيم الحقائق، كما ذلك الرجل الذي راح يسأل أمير المؤمنين عن عدد شعيراته لحيته بدل أن يسأله عن طرق السماوات والأرض، ويكون مثل الإنسان كمثل من يعطى مفتاحاً لكنز فبدل أن يستفيد من الكنز يتشبث بالمفتاح، فالقرآن يدعو الإنسان الى الإنطلاق في رحاب الحياة ليستفيد الحقائق منه ولكنه يترك ذلك.

ومن هنا ربما تشير الآية إلى نظرية الإنفجار الكبير –لا كما زعمها البشر- بل كما بينها الأئمة الطاهرون عليهم السلام حيث في الروايات دلالة تفصيلية على كيفية خلق الله للكون من الماء.

فهناك تقارب بين ما ينّظر له البشر وبين ما دلت النصوص الشريفة عليه، ولكن بعيداً عن هذا التقارب على الإنسان أن يقوم بنفسه بالتأمل في خلق الله سبحانه، فينظر إلى الجبال وعظمتها وكيف جعلها الله سبحانه رواسي ودروع للأرض تمتد في أعماق الأرض إلى مسافات بعيدة، وتجري تحتها مياه من مناطق إلى أخرى كالأنهار فوق الأرض.

فالجبال تحمي الأرض من الزلازل المتكررة بسبب الأبخرة في جوفها، كما أنها تحمي ظاهر الأرض من الرياح العاتية وتحوي في باطنها المعادن المختلفة، وكل ذلك آياتٌ على قدرة الله سبحانه:

{وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)}

كما للفلك مرساةٌ لتثبتها وتمنعها من الحركة، كذا الجبال رواسي للأرض، ولم يجعلها الله سبحانه كجدارٍ عالٍ بل جعل بينها فجاجاً لتكون سبلاً للناس ليهتدون، إلى منافعهم في الدنيا عبر التحرك من خلالها، وإلى ربهم الذي جعل لهم هذه الأرض لمصلحتهم.

 

{ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

اما السماء فسقفٌ مرفوعٌ محفوظ، يحفظ البشرية من ألوان النيازك والأخطار، واليوم صار حديث العالم عن الإحتباس الحراري وما ينتجه من أخطار للبشرية، حيث خرق جزءٌ بسيطٌ منه بسبب ما كسبت أيدي الناس بما سبب من أضرار كبيرة على الطبيعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزخرف: الآية 54

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس السادس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمينَ (29) أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

كل إنسانٍ مجزيٌ بعمله، ولكن هل كل الناس مجزيون بأعمالهم بصورة متساوية أم هناك تفاوت في النتائج؟

قيل أن ” خطأ الشاطر بألف” فليس سواء أن يخطئ قائد طائرة فيستعمل ما يزيل عقله وشخص في الشارع يقوم بنفس العمل، إذ الأول يعاقب ويطرد من وظيفته بينما الثاني لا شيء عليه، لأن الأول تتعلق حياة المئات من الناس به دون الثاني.

فحين يكون الإنسان في مقامٍ مرموق تكون خطايا محسوبة بصورة أدق، كما أن حسناته ستكون أثمن، فالعالم الرباني النائم خيرٌ من العابد القائم والمجاهد المقاتل في سوح الجهاد، والحاكم العادل ساعةٌ واحدة من حكمه تعدل عبادة العباد لعدل الثاني وكون الأول عالماً ربانياً يسعى لهداية الناس.

فالأعمال يجازى عليها الإنسان، ولكن بالتناسب مع مقام العامل، ف:” ُيُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ”[1]، كما قال الإمام الصادق عليه السلام.

ومن هنا لو فرض إدعاء ملكٍ من الملائكة مع أوتي من قوة الربوبية أو إدعى نبيٌ من الأنبياء ذلك، فالجزاء ليس غير الرمي في جهنم، إذ ليس في نظام الرب سبحانه فسادٌ أو محسوبية يتساهل فيها مع المقربين إن أخطأوا وعصوا ربهم:

{ وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ }

دعوى كون النبي طريق ووسيلة إلى الله سبحانه شيءٌ، ودعوى الربوبية شيءٌ آخر، فالأنبياء والأوصياء كانوا يقولون أنهم حجج الله، لا أنهم آلهة من دون الله، لأن من يدعي أنه إله فيستحق جهنم:

{فَذلِكَ نَجْزيهِ جَهَنَّمَ }

لفظة” ذلك” إشارة على البعيد، وفيها دلالتان: الأولى أن هذه الدعوى بعيدةٌ عن الأنبياء والملائكة لمقامهم، والثانية: من يدعي هذه الدعوى يكون بعيداً عن رحمة الله سبحانه، ولكن لماذا الجزاء بجهنم؟

لأنه ظالمٌ:

{كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمينَ (29)}

التعابير القرآنية في نهايات الآيات قد ترد لبيان العلة، ولأنها كذلك فهي تعم كل من إتصف بذات الصفة، فكل ظالمٍ يستحق جهنم، كما أن كل محسنٍ يجازى بإحسانه في مثل قوله سبحانه: { وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنين‏}[2] فالمورد لا يخصص.

فمتى ما إتصف الشخص بالظلم يستحق هذا الجزاء وإن كان من قبل عابداً – كبلعم باعورا- أو من أصحاب الأنبياء – كقارون الذي بغى على النبي أو زبير بن العوام الذي إصطف ضد خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله-، فلا يغرنّ أحدٌ تقواه وتدعوه نفسه لإرتكاب الأخطاء، بل لابد أن تكون التقوى مدعاةً للمزيد من الإلتزام، لأن خطأ المقرّب أخطر، فبعض الناس يقع في أخطاء كبيرة إعتماداً على تاريخه الحافل بالعمل الصالح أو وجاهته في المجتمع أو غير ذلك.

وقد يعتمد الإنسان على هذه الأمور في دعاواه الباطلة، غافلاً عن أن كل هذه إنما هي نعم الله سبحانه عنده، فبدل أن يشكر النعمة يجعله وسيلةً للطغيان، فيعتمد عليها من دون الله ويقع في شرك الشرك.

قدرة الله

بعد بيان عقوبة من يدعي الألوهية من دون الله، يذكّر السياق القرآني بأن المشركين سواءاً من يتكبر على الله سبحانه، أو من يشرك بالله غيره، ليس لديهم مثل عمل الله سبحانه، فحين يحدثنا الله عن المشركين يذكرناً بقدرته وآياته العظيمة، ومن هنا فحين يذكر المؤمن ربه يوجل قلبه ويهتز لذكر الله سبحانه.

 {أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30)}

قبل أن نورد الإحتمالات التي أوردها المفسرون في تفسير هذه الآية نكتفي ببيان نقطة منهجية هامة، لو هدانا الله إليها إستفدنا منها في حياتنا كثيراً، وهي أن حكم الأشباه فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، بمعنى أن عود ثقابٍ التي تحرق ورقة صغيرة ينطبق عليها ذات القوانين المنطبقة على القنبلة التي تحرق غابةً كاملة، غاية الأمر الإختلاف في المقياس.

ونستفيد ذات الحقيقة من القرآن الكريم، كيف؟

حين يحدثنا القرآن الكريم عن الأرض التي أصابها الجفاف ثم هطل عليها الغيث من السماء، فتدخل قطرات الماء في الأرض التي يعجز الإنسان عن إثارتها إلا بشق الأنفس، فتثيرها قطرات الماء وصولاً إلى البذرة فتكون النباتات المختلفة، فالسماء كانت رتقاً ( مغلقة) فصارت فتقاً ( مفتوحة) بالغيث والأرض كانت مصمدة ( رتق) ففقت بقطر الماء.

أقول: حين يحدثنا القرآن عن ذلك، فإن نفس السنة الإلهية والقدرة الربانية، تنطبق على كل المجرات والكواكب والمخلوقات، ومن هنا؛ ما قاله بعض المفسرين من أن الآية تتحدث عن المطر، وقال آخرون أنها تدل على الإنفجار العظيم، فكلاهما صحيحٌ، لأن القدرة هي ذاتها والمعطيات ذاتها، بالرغم من إختلاف المقياس.

وهكذا حين يعاقب الله سبحانه شخصاً لظلمه، فهو يعاقب أمةً كاملةً إن إتصفت بالظلم أيضاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الکافی: ج1، ص 47

[2] سورة يوسف: الآية 22

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الخامس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضىوَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

كلما إرتفع الإنسان إلى مستوى القيم هوى إلى التراب الذي خلق منه، نحو قاع الذاتيات، إذ يعيش الإنسان في موقفٍ حرج، فمن جهة يتبع أصله حيث حفنة من التراب، فيقدس التراب وما يخرج منه ويقدس الذاتيات والماديات، ومن جهة أخرى تدفعه روحه المتعالية لتقديس القيم، فلا يسأل حينئذٍ بالماديات والعصبيات بل عن الصلاح والصدق والإحسان، أي القيم.

قناعة الناس بالقيم ليس أمراً هيناً، فيجب أن تتكامل نفوسهم، حتى الكملّين من البشر لا يبقون دوماً في مستوى واحد من تقديس القيم لأنهم قد يزلون إلى حيث تقديس الذاتيات والعنصريات والإثنيات وكل ما يرتبط بالتراب.

ونحن –كبشر- ذاتنا ظلامية، فذاتنا العجز والجهل والمحدودية، وما ورد على هذه الذات من الوجود والإرادة والعقل فمن نور الله سبحانه وبأمره، وكلما قدسنا الذات إبتعدنا عن الله سبحانه، وبالعكس أيضاً كلما إهتمننا بالقيم إزددنا قرباً إلى الله سبحانه، وهنا الحراجة بين الذات والقيم.

حين تحدث البشر عن الأنبياء والملائكة صوروا كمالاتهم بأنها أمور ذاتية لهم، والحال أنهم عبادٌ مكرمون فبالرغم من كمالاتهم يبقون عبيداً لله ولا يخرجون عن أمره وإرادته، وحين نسب الإنسان الكمالات لشخص النبي أو الملك – حين قال أن الملائكة بنات الله- تورط في الذاتيات وتسافل نحوها، قال الله سبحانه: { { وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) }

وهنا كلمتان ينبغي التأمل فيها:

الأولى: ” نوحي إليه” فالوحي على النبي يدل على أنه ليس عبداً لله فحسب، بل يحمل راية العبودية إلى الآخرين، ليرفع الناس إلى مستوى العبودية لله سبحانه.

الثانية: ” الإله” فماذا يعني الإله؟

قالوا معناه الذي يتحير فيه الناس، ولكن الأقرب أن معنى “الإله” الذي يؤله إليه حين الحيرة والإنقطاع من كل الأسباب الأخرى، فلا يتأله الإ إلى الله سبحانه، إلا أن الإنسان قد يخطئ الطريق فيرجع إلى غير الله محاولاً أن يستمد الخلاص فلا يجده، وحتى المؤمن حين يتوسل بأولياء الله فإنه يعلم أنهم سبيلٌ إلى الله حيث يدعون الله ليقضي الحاجة، فالشفاعة تعني الدعاء والإستغفار لا الحكم بعيداً عن أمر الله سبحانه، كما أن الرسول والولي لا يشفع بدون إذن الله سبحانه، بل ولا نفع بالشفاعة بدون إذن الله سبحانه؛ قال تعالى: { ْإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم‏}[1].

{وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) }

هل هذه الكلمة مرتبط بالملائكة ام الأنبياء؟

يبدو أنها ترتبط بالأنبياء لأن الكفار كانوا يعتبرون الملائكة بنات الله، ولذا إعتبروا الأنبياء أبناء الله، ولكن الحق أن العلاقة بين النبي وربه هي علاقة العبودية أيضاً، وقربهم كان بسبب المزيد من طاعتهم لله سبحانه، فكلما كانت عظمة الله تتجلى في قلوبهم أكثر كانوا يزدادون إلى الله قرباً، فإعطتهم العبودية كرامةً ومنزلة.

{لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) }

تتجلى عبودية الله في قلوبهم فلا يسبقونه بالقول، إذ لا يحق للنبي أن يشرّع حكماً، بل هو مفوّضٌ في حدود تشريع الله سبحانه، وقد نهى الله سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وآله بأن يعجل بالقرآن بعد أن كان قد أوحي إليه القرآن دفعةً واحدة، فقال سبحانه: { وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُه‏}[2].

وقد عاتب الله سبحانه نبيه داوود عليه السلام حين تسّرع في إصدار الحكم، بالرغم من صحته.

ومن هذا نستفيد معرفةً بالفقيه حقاً، حيث لا يتسرع في إصدار الفتوى، بخلاف من يفتي دون تأملٍ ومراجعةٍ للنصوص الشرعية وكأنه هو المشرّع في الدين.

{يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضىوَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

قول الأنبياء قول الله وفعلهم بأمره، لأنهم لا يملكون قوةً ذاتيةً من أنفسهم بل يخافون الله لأنه محيطٌ بهم، كما أنهم لا يملكون الشفاعة من دون إذنه سبحانه؛ فلا يتصورنّ أحدٌ أنه يستطيع الهرب من الله إلى أولياءه.

لمن الشفاعة؟

وقال بعض المفسرين في ذيل هذه الآية أن الأنبياء لا يشفعون لأن الكبائر، ولكن الحال أن كل ذنبٍ كبيرة إلا ما كان لمماً، وقد يغفر الله ويعفو عن أهل الكبائر إن تابوا توبةً نصوحة، كما يمكن أن يتعذب أهل الصغائر بها مع عدم توبتهم وإصرارهم عليها.

فالتوبة الحقيقية ترضي الرب سبحانه، وحين تتوب إلى الله يشفع لك النبي والأولياء – بإذن الله سبحانه-.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة التوبة: الآية 80

[2] سورة طه: الآية 114

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم 

{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْليبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26)}

 

أعظم برهان على صدق الرسالات، هو تطابقها مع العقل، فالرسالة الإلهية تخاطب عقل الإنسان بعد أن تبعد عنه شوائب الهوى والعصبيات وما ترسب في ذهنه من آراء، وفور ما تصل الرسالة إلى العقل يستقبلها فيكون كالتقاء النور بالنور يزداد ضياءاً وتلألأً.

فالأنبياء عليهم السلام، كانوا يحدثون الناس بمنطق وجدانهم وضميره، فترى النبي إبراهيم عليه السلام مثلاً يسأل قومه عن فائدة عبادتهم للأصنام وهل هي تقضي لهم حاجةً أو  تدفع عنهم خطراً، فمن دون تعقيدات يوصلهم إلى سخف معتقدهم، ومن هنا جاء في الأثر عن أمير المؤمنين عليه السلام: “ اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَة[1] بلى؛ فيما يرتبط بإثبات الوسطاء بين الخلق والخالق لابد من وجود برهانٍ صادق، في مقابل من إتخذ من دون الله سبحانه آلهةً.

والرسول هو الذي يعرف من خلال سلوكه وزهده في الدنيا، من خلال حديثه الذي يدخل شغاف القلب فيملأه نوراً وضياءا، من خلال تطبيقه للرسالة على نفسه أولاً، ولذلك فهو حريٌّ بأن يتبع ويتوسل به إلى الله، أما الآخرون فهم بحاجة إلى أن يقيموا برهاناً على ما يتبعون، قال الله سبحانه:

{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ }

أما برهان المؤمنين الموحدين فهو:

{هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلي}

فبرهاننا أن الرسالة ذكرٌ تذكر الإنسان بالله سبحانه، وبذلك يعرف صدق كلام الرسل، ولكن ماذا يعني التعبير بـ ” ذكر من قبلي”؟

البشر يتأثر بمجموعة عوامل ومنها ماضيه وتراثه، فالإنسان إبن ماضيه، وليس من تراثنا وتاريخنا عبادة الأصنام، لأن عبادة الأصنام جائت أساساً من منطقة هيت حيث جاء بها بعض القوافل التجارية لقريش، وإلا فأهل مكة كانوا حنفيين قبلئذ، فالتراث الحقيقي هو عبادة الله سبحانه.

والمؤمن على هذا الذكر، ومن هنا إكتشف صدق رسالة النبي وإستدل على صدقه، وهكذا نحن عرفنا أئمتنا عليهم السلام بإعتبارهم أهل الذكر، فلما عرفنا سيرتهم وسلوكهم وأقوالهم، علمنا بأنهم هم أهل الذكر الذين أمر الله سبحانه بسؤالهم في الآيات الأولى من هذه السورة.

‏{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)}

معرفة الحق ومعرفة أهله كمالٌ للإنسان عليه أن يسعى جاهداً للوصول إليه، كما يدعو المؤمن ربه دائماً: ” ِ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي”[2].

أما من لم يؤت حظاً في العلم ونصيباً من الهدى فإنه يعرض، فبالرغم من وضوح معالم الإيمان وشواهده إلا أن حجب النفس تمنعه من الإذعان والإقرار.

الإنبهار سبب الغلو

من أسباب الضلالة عند البشر الغلو، ومن أسبابه الإنبهار بشخصٍ أو شيءٍ ما، وهو ناتجٌ عن محدودية عقله وضيق أفقه.

وذات الأمر يصدق عند الإنسان في تعامله مع الأنبياء، فحين رأوا كراماتهم ومعاجزهم إنبهروا بهم إلا أن الله سبحانه يبين مقامهم وهو مقام العبودية لله سبحانه:

{ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)}

فلم يبعث الله رسولاً إلا وقد شرط عليه من قبل أن يعبدوا الله سبحانه وحده، وحين يعبد النبي ربه مخلصاً فإنه يعني ترك عبادة الأصنام – وهو تاركٌ لها من قبل- وترك عبادة العصبيات والقوميات وعبادة الذات والخضوع للمال والشهوات.

ومن جهة أخرى يؤكد الرب سبحانه على أن هذه المقامات ليست لأنهم أبناء الله سبحانه فتكون من ذواتهم، بل هي من الله سبحانه أكرمهم بها:

{وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26)}.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي: ج1، ص 85

[2] الكافي:ج1، ص 337

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثالث عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْليبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) }

 

حين يؤمر شخصٌ بدخول بابٍ معين، فقد يخالف الأمر فيتسور الجدار بدل الدخول من الباب، وقد يخالف بالتشبث بالباب دون الولوج فيها، والصحيح هو أن يطيع الأمر بدخول الباب دون الوقوف عندها فيذهب منها إلى حيث يريد.

هكذا هم البشر فيما يرتبط بأولياء الله سبحانه الذين جعلهم الباري أبواب رحمته والوسائل إليه، حيث أمروا بأن يتخذوها وسائل إلى ربهم، كما جعل النبي صلى الله عليه وآله وصيه علياً عليه السلام باباً لمدينة علمه وحكمته، فالمفترض هو المجيء إلى أمير المؤمنين ومنه إلى مدينة العلم، هذا هو المفترض عليهم ولكن بعضهم يأبى الخضوع للأونبياء والأولياء، فيتسور باب الله ظناً منه أنه سيصل، كما ذلك دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله معترضاً على تنصيبه علياً ولياً للمؤمنين، حيث روي أنه خاطب النبي قائلاً: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبِلْنَا مِنْكَ ذَلِكَ وَ أَنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ وَ نَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَ نُزَكِّيَ أَمْوَالَنَا وَ نَحُجَّ الْبَيْتَ فَقَبِلْنَا مِنْكَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَرْضَ بِهَذَا حَتَّى رَفَعْتَ بِضَبْعَيِ ابْنِ عَمِّكَ فَفَضَّلْتَهُ عَلَى النَّاسِ وَ قُلْتَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَهَذَا شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ قَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهُ مِنَ اللَّهِ وَ لَيْسَ مِنِّي قَالَهَا ثَلَاثاً فَقَامَ الْحَارِثُ وَ هُوَ يَقُولُاللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَوَ فِي رِوَايَةٍ إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقّاً فَأَرْسِلْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا بَلَغَ بَابَ الْمَسْجِدِ حَتَّى رَمَاهُ اللَّهُ بِحَجَرٍ مِنَ السَّمَاءِ فَوَقَعَ عَلَىهَامَتِهِ فَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ فَمَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَىسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ الْآيَةَ[1].

وفي مقابل هؤلاء، صنفٌ إبتلوا بمشكلة أخرى وهي التوقف عند الباب دون الدخول، وبعبارة أخرى الغلو في الأولياء، وهو ما جعل اليهود يقولون أن عزيراً إبن الله وجعل النصارى يقولوا المسيح إبن الله ، وجعل غيرهم يغلون في الأنبياء والصالحين، وجعل أكثر المؤمنين بالديانات الإلهية يشركون من حيث لا يشعرون.

والقرآن الكريم يبين النمرقة الوسطى، ففي الوقت الذي يجب أن نعرف مقاما الأنبياء والأولياء والملائكة ونعترف بمقاماتهم، في ذات الوقت ينبغي أن لا نتوقف عندهم، بل نجعلهم وسائل إلى الله سبحانه، ومن نعم الله على البشر بل أعظم منة منه عليهم بأن جعل منهم أنبياء وأولياء يتوسلوا بهم إلى الله سبحانه ليغفر لهم، قال الله سبحانه: {  وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيما}[2].

عدم المعرفة من جذور الشرك

والبصيرة الثانية التي نستفيدها من سياق هذه الآيات، أن للشرك جذورٌ ومنها عدم معرفة الله سبحانه، فمن يعتبر عيسى إلهاً فإنه لم يعرف الله سبحانه المودعة أسمائه كل مكان والمتجلية آياته في كل شيء، فلعدم معرفة البشر بربه تراه يقيس خالقه بخلقه، وإذا أراد الإنسان أن يتخلص من شوائب الشرك عليه أن يزداد توجهاً إلى الله ومعرفةً به بالنظر إلى آياته سبحانه والتأمل في أسمائه الحسنة والتضرع إليه في أن يتم له نوره.

الجهل سبب الإختلاف

من المشاكل المعرفية لدى البشرى تكمن في كثرة الإجابات والنظريات، والحال أن الحق واحدٌ، فلو سكت الجاهل لما اختلف الناس – كما قيل- لأن الإجابة الواحدة قد توصل الإنسان إلى هدفه بينما كثرة الأجابات المتناقضة ستخفي عليه الصواب.

ومشكلة الكافرين أنهم حيث جهلوا الحقيقة لم يسألوا أهل العلم، ولم يسكتوا أيضاً، بل راحوا ينسجون النظريات ويحوكونها دونما برهان، وهكذا الفلاسفة حين عجزوا عن فهم كيفية الخلق راحوا يقولون بالفيض، وإن سئل هؤلاء واولئك عن سبب تبنيهم لهذه الأفكار لأجابوا لأنهم لا يعلمون الحقيقة، والحال أن الجهل لا يبرر التخريص والرجم بالغيب، والجهل لا ينتج علماً بل العلم هو الذي يأتي بالعلم.

 

المسؤولية للجميع

قد يكون الإنسان عاجزاً وقد يكون قادراً، ولكنه يبقى مسؤولاً وإن كان عاجزاً، نعم تبقى مسؤوليته بحسبه، فالكل مسؤول عن فعله وعن مواقفه وعن اقواله، سوى الله سبحانه، وهذا أعظم دليل على أنه سبحانه هو الخالق الصانع الذي لا يسئل عن فعله، فهو يفعل ما يشاء.

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

تعني عبارة ” سبحان الله عما يصفون” أن الكافرين بسبب جهلهم بالله وعدم معرفته وصفوه بهذه الصفات، والحال أن الإنسان قد منع من تكلف ما لا يقدر عقله أن يتحمله ويدركه، كما يمنع من أن يحمل حملاً أثقل من قدرة بدنه.

ومشكلة البشر أنه يريد التأسيس على جهله بدل الإعتراف به وطلب الهدى.

ثم يبين ربنا سبحانه صفة السبوح قائلاً:

{لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) }

نحن – البشر- محكومون بقوانين كثيرة، بدءاً من الجاذبية والنور وما يجري في داخلنا وحولنا، ولكن لا قانون يحكم الله سبحانه لأنه هو خالق القانون وخالق كل شيء ، فهو يرزق من يشاء بغير حساب لأن الحسابات لا تحكم أمره، وينصر من يشاء كيف يشاء.

{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً }

إتخذوا من دون الله سبحانه آلهة ليكونوا شفعاء إليه – بزعمهم-، فيخاطبهم الرب سبحانه:

{قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ}

فمجرد الإدعاء لا يكفي، بل لابد من البرهان لإثبات الدعوى، ولكن البشر أشركوا بالله بإتخاذ آلهة من دونه دون أن يكون لديهم حتى دليلاً على ما يفعلون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العدد القوية لدفع المخاوف اليومية: ص 186

[2] سورة النساء: الآية 64

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثاني عشر)

بسم الله الرحمن الرحیم

{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23)}

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

هناك تناقضٌ بين بصيرة الموحدين بربهم والمشركين، وهو في نوع العلاقة بينه وبين كل شيء، فعلاقة المؤمن بالله هي محور علاقته بخلق الله، ملائكته ورسله وسائر البشر وكذا سائر المخلوقات، حيث تسودها الإيجابية، وهي في النهاية تحقق الهدف الرئيس للخلق وهو التكامل، إذ بالنظر إلى خلق الله سبحانه تجده يكمّل بعضه بعضاً، فالشمس بشروقها تسهم في تبخير مياه البحار والسحب تحملها، وجاذبية الأرض تساهم في حركتها، الجبال الراسيات وطريقة نصبها هي الأخرى تسهم في موضع هطول المطر، والأرض حين تستقبل مياه الأمطار تتكامل مع أشعة الشمس وهكذا سائر المخلوقات تسهم في هذه الدورة العظيمة.

وهكذا ما من شيء في إطار المنظومة الشمسية التي ننتمي إليها أو خارجها، إلا وهو يؤثر بغيره ويتأثر به، وهو ما يعبّر عنه الفيزيائيون حديثاً بنظرية ” جناح الفراشة”.

ومن هنا؛ تجد المؤمن تسود علاقته بربه علاقة الحاجة والعبادة والطاعة، وعلاقته بملائكة الله بإعتبارهم حملة أمر الله تشريعاً وتكويناً، وبمخلوقات الله بإعتبارهم آيات الله سبحانه، كلها تكون علاقات إيجابية، ومن ثم فعلاقته بالبشر هي الأخرى إيجابية بإعتبارهم خلق الله سبحانه، وما أروعها من كلمةٍ أطلقها أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر حيث قال:” ْفَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق‏”[1] وسياق هذه الكلمة جاء في ضمن وصيته عليه السلام بعدم إيذاء أحدٍ من البشر، وليس ببعيدٍ من أمير المؤمنين عليه السلام هذا الخطاب عن البشر لأنه يأبى أن يظلم النملة في رزقها حيث قال: ”  وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا وَ اسْتُرِقَّ قُطَّانُهَا مُذْعِنَةً بِأَمْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا شَعِيرَةً فَأَلُوكَهَا مَا قَبِلْتُ وَ لَا أَرَدْت‏”[2].

وقد خاطب القرآن الكريم البشرية جمعاء بقوله سبحانه: { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىوَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبير}[3] فهناك إطاران: إطار الأكرم وهو بسبب التفاضل في درجات التقوى، والإطار الثاني هو الإطار العام الذي يشمل الجميع، وقريبٌ من الآية قول النبي صلى الله عليه وآله: ”  النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ”[4].

والمؤمن يريد للكافر أن يهتدي ونعم من أجل هدايته، فلو كان المؤمن عنصرياً لما سعى أبداً في دعوة الكافرين إلى الهدى والصلاح أبداً.

ولكن مع شديد الأسف أن هذه الكلمات والتوصيات كلها ألغيت في عصر حكم بني أمية حيث ساد الناس الكراهية والعداء، بعيداً عن قيم الدين في التعامل والتعاون والتواصي بين الناس بعضهم البعض، إذ سعى حكام بني أمية لإلغاء الرحمة من قاموس الدين، تبعاً لأسلافهم الجاهليين الذين قالوا – كما حكى القرآن الكريم عنهم- : { وَ إِذا قيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمن‏}[5]

وهذه هي النظرية المعاكسة تماماً للنظرية التوحيدية، منذ عهد أفلاطون والسبراطه وغيرهم وهي التي تجعل البشر في مقابل البشر، والبشر في مقابل الطبيعة، حتى أعدم الإنسان بأسلحته أنواعاً كثيرة من الأحياء كما أعدم الملائيين من بني جنسه، كل ذلك لأنهم ينظرون إلى الطبيعة نظرةً سلبيةً ويعيشون حالةً نفسية لإعدام الأشياء ولتدمير الطبيعة.

بل وصل الأمر بالإنسان أنه يتنافس مع الآخر في صنع أسلحة التدمير الشاملة، ويصرفون في سبيل ذلك مليارات الدولارات دون أن يهتم بالجائعين من البشر الذين بلغوا المليار، والذين يمكن إشباعهم بإستخدام التقنيات الحديثة.

فحين ترك الناس التوحيد وإتجهوا إلى عبادة المادة صار يقتل بعضهم بعضاً، فلا ترى في كلماتهم وأدبياتهم موضعاً للرحمة والتعاطف، وهذا من آثار الشرك بالله سبحانه وتعالى السلوكية.

ومن هنا فإن قول الله سبحانه : {لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا} له آثار مرتبطة بالسلوك والرؤية والإتجاه العام للإنسان، وتوحيد الله سبحانه يحملنا إلى حيث المحبة والألفة.

فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) }

 

{لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) }

وإن سئلوا عما فعلوا من أخطاء فاحشة وإنحرفات، لمنّوا أنفسهم بشفاعة الشافعين، نعم؛ الشفعاء يشفعون ولكن لا يشفعون إلا لمن إرتضى الله، إذ هناك شرطان للشفاعة أولاهما إذن الله بشفاعة الشافع وثانيتهما أن يرتضي الله لمن يشفع له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نهج البلاغة: عهده عليه السلام إلى مالك الأشتر حين ولّاه مصراً.

[2]  الآمالي ( للصدوق) : ص 623

[3] سورة الحجرات: الآية 13

[4] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: ص 39

[5] سورة الفرقان: الآية 60

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الحادي عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}

 

الحقيقة الكبرى التي باتت محوراً للصراعات والتبريرات والمعاذير هي حقيقة المسؤولية، فمن أجل التملص منها تجد كل ثقافات التبرير التي لا تكاد تنتهي تصطف الواحدة تلو الأخرى، فينفي الإنسان وجود الرب يوماً فلما يكتشف أمرهُ ينكر الرسالة، ولما لايجد بداً من قبولها يدعي تفويض الله أمر العباد إليهم، وحيث نظريته هذه تؤول إلى الفوضى، يقول الدين حقٌ ولكن الدين الذي أصوغه أنا وأختاره، وهكذا تراه يعيش في دوامةٍ فكرية متناقضة حتى نهاية عمره.

والقرآن الكريم كتاب المسؤولية حيث يوجه صدمات متتالية للإنسان تمنعه من التهرب من المسؤولية مهما حاول.

اللا نظام من أجل التحلل من الإلتزام

ومن جملة الأفكار المصاغة من أجل الهروب من المسؤولية، تصوير البعض الكون بأنه لانظام له وأنه لعبٌ ولهو في مقابل القوانين والأنظمة، وهذه الفكرة يرد عليها القرآن الكريم في أكثر من مناسبة، حيث يوجه السؤال لهؤلاء: أوَهل سيبقى حجرٌ على حجر إن كان العالم بلا نظام، فالشمس والقمر والكواكب كلها تتحرك وفق أنظمة دقيقة، والجاذبية تحكم الجبال والبحار ، فكل شيءٍ في الوجود يسير وفق نظامٍ دقيق لا دخل للأهواء فيه، قال الله سبحانه:{ وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِن‏}[1].

وإذا أقرّ بوجود نظامٍ قال أنه مستثنى عنه، فلماذا يكون الإنسان مسثتنى من الخضوع للنظام بين جميع الكائنات؟ كلا؛ بل هو الآخر مشمولٌ بالمسؤولية، ومن هنا حين يبصر المؤمن ما حوله من مخلوقات مذهلة كالكواكب والنجوم يتلقى هذه الحقيقة العظمى حيث يقولون: { وَ يَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار}[2]، وكل العلوم الحديثة دالةٌ على حقيقة النظام الواحد والمتكامل في كل شيء وفي كل زمانٍ ومكان، فلو سافر الإنسان إلى كواكب أخرى سيجد الأنظمة ذاتها هي الحاكمة، مما يدل على وحدة الخالق من جهة وقوة النظام وهيمنته من جهة أخرى.

وهذه الآيات التي أعدنا تلاوتها هامةٌ في حياتنا، ومع الأسف جرّد بعض المفسرين هذه الآيات عن واقعنا فراح يبحث عن أمور مجردة فيها، بل الأساس هو أن نطبق الآية على واقعنا كي نستفيد منها فائدةً لسلوكنا وحياتنا، فتتحول الآية إلى جزءٍ من شخصية الإنسان وجزءٍ من منجهه في الحياة، وخطاب هذه المجموعة من الآيات للآنسان: ” أيها الإنسان إنظر إلى الحياة ما حولك وأدرس كل العلوم الطبيعية والإجتماعية، فإذا عثرت على خطأٍ واحد فلك أن تنفي حكمة الرب ولكنك لن تجد ذلك أبداً وسترجع حسير البصر، متفطر الفؤاد دون أن تصل إلى ذلك، وهذا دليلٌ على أن الكون لم يخلق باطلاً.

وما دام الأمر كذلك فعليك أن توفّق نفسك وفق الحق”.

الدنيا مزيجٌ بين الحق والباطل

وقد يقول البعض، إن كان كل شيءٍ حقاً فلماذا نرى الظلامات والإعتداءات في الدنيا، فيقتل البشر بعضه بعضاً ظلماً وعدوانا؟

ههنا نكتشف حقيقة هامة، أن الدنيا بمجملها مشوبةٌ بالباطل، إذ جزءٌ من حياتنا مؤجلٌ إلى العالم الآخر وهو عالم الحساب، وبذا تتبلور فكرة المعاد عند المؤمن، حيث إستعاذ من ربه النار لأنه وصل إلى نتيجة أن من يعمل وفق الباطل هنا قد لا يحاسب ولكن سيحاسب يومٌ ما.

{ وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

 

الآلهة المزعومة والهروب من المسؤولية

وبعد ذلك يحذر القرآن الكريم الإنسان بأن عدم خضوعه للحق سيعقبه حسابٌ عسير، ولن ينفعه حينئذٍ تمسكه بشفاعة الآلهة المزعومة أو الملائكة والأولياء، فالملائكة والمصطفين من خلق الله خاضعون لربهم، بل إن قربهم إلى الله بسبب عبادتهم وخضوعهم له تعالى: { وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }.

فالشفاعة الموجودة إنما هي عمل خيرٍ يشفع لعمل خيرٍ آخر للإنسان وكلاهما منه، فليس شيءٌ اجنبيٌ عن عمله.

أما الآلهة المزعومة فيقول عنها الرب:

{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}

ترى؛ لماذا إتخذ البعض آلهةً من دون الله سبحانه وإعتبروها شركاء للرب ؟

لأنهم أرادوا التهرب من المسؤولية أيضاً، فزعموا أن الشركاء – المزعومين- يخلصونهم من حساب الرب وعذابه، ولكن الرب يؤكد أن الجميع عبيد الله سبحانه.

وبالتأمل في التعبير القرآني نفهم أن لا تناقض أو تعارض في المقام العلوي، فليس لجبرئيل أن يعصي أمر الرب أو يمنع النبي إرادته الخالق، قال الله:

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

ما قالته المجوس من وجود إلهين إثنين أحدهما للخير والآخر للشر واضح البطلان، وكذا ما ذهب إليه اليهود من العداوة لجبرئيل –بإعتباره المكلف بعذابهم- ، لأن جبرئيل عليه السلام خاضعٌ لإرادة الله سبحانه فلا يخرج عنها أبداً.

ومن هنا يتضح أن كل الأنبياء والأوصياء وحتى العلماء الخلص لا يتناقضون فيما بينهم، لأنهم يمثلون خطاً واحداً هو خط الله سبحانه، نعم قد يكون بين العلماء فرقاً في بعض التفاصيل ولكن لا يرقى إلى الإختلاف في أصل الدين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المؤمنون: الآية 71

[2] سورة ال عمران: الآية 191

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس العاشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }

ينقسم اللفظ من حيث الدلالة إلى حقيقة ومجاز، والمجاز يعني قصد دلالة بعيداً عن معنى اللفظ الموضوع له، فحين يقول المتحدث ( أنا عطشان) فقد لا يقصد بذلك الإخبار بل يقصد الأمر بالإتيان به، فليس الهدف نفس اللفظ بل الإنتقال من معنى هذه الكلمات إلى معنى آخر ولذا سمي بالمجاز.

كل كلماتنا وإشاراتنا إلى الله هي من النوع الثاني أي هي مجازية، لأن اللغات –جميعاً- وضعت من أجل تفاهم الناس فيما بينهم لا الحديث عن الخالق العظيم، بل نتوجه بها إلى ذلك النور الحي القيوم الذي به قام كل شيء، ومن هنا لابد أن نتجاوز الكلمات ونتركها ونأخذ بالغايات.

ومشكلة البشر في أنه أراد الحديث عن الله وأسمائه، كما يتحدث عن بعضهم البعض، ولذا صار يعيش الوهم في معرفة ربه، وهكذا كان أفضل ذكرٍ وأقربه إلى الله سبحانه قول العبد :” سبحان الله”، فحين تسبح ربك ففي الواقع أنك تطهر نفسك من الوهم ومن الأمثال التي تتصورها لله سبحانه، وتطهر قلبك من القصور في معرفة ربك.

وقد قلنا بأن الله يدمغ الأفكار الباطلة فتتلاشى كما يدمغ الإنسان فيموت، حيث قال { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ} واستفدنا من لفظ الدمغ أن الضربة تتوجه إلى لب الباطل ومخه.

وقد ذكرنا أعراض الشرك وجذوره النابعة من عدم معرفة الله سبحانه، فمن لم يعرف ربه يذهب يمنةً ويساراً، ومعرفة الله تكون بتنزيهه عن خلقه، وحين ينزه الإنسان ربه ويسبحه فحينئذ تكون نظرية الشرك واهية جداً.

ومن آثار عدم معرفة الله سبحانه هو قولهم أن الله محتاجٌ إلى خلقه، أوَهل يحتاج الغني إلى خلقه الفقير؟

يجيب الرب سبحانه قائلاً:

{وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ }

حرف “من” يعني أن كل شيء في عالم التكوين مخلوقٌ وله شيء من الشعور الذي وهبه الله له، فكل شيء في الخليقة يسبح لله ويعبده وإن لم نعيَ ذلك، حتى الطيور في السماء والحيتان في البحار، بل حتى الجبال التي ذكر القرآن الكريم أنها أوّبت مع نبي الله داود عليه السلام.

فكل شيء لله سبحانه، مفتقرٌ إليه، والله هو الغني عنهم، ومن ثم قد يقال أن خيرة الخلق كالملائكة والأنبياء هم أبناء الله سبحانه، ولكن ويجيب القرآن عن ذلك بالقول:

{وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)}

فلو كانت لهم ذاتيات تختلف عن سائر المخلوقات لاستكبروا عن العبادة، بل هم الأكثر عبودية وخضوعاً لله سبحانه لأنهم أقرب إليه تعالى، وأكثر خوفاً من أن يسلبهم الله تعالى ما هم فيه.

وكذلك لا يستحسرون أي لا يملون أو يتعبون من عبادتهم لله سبحانه، بل قيل أن الملائكة يتغذون بالعبادة ويتكاملون بها.

{ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20)}

قد يصلي الإنسان الفرائض والنوافل فيتعب، ولكن هؤلاء لا يتعبون فحسب، بل لا يخففون وتيرة عبادتهم أيضاً، فصلاتهم الثانية أفضل من الأولى، لأنهم يسبحون الليل والنهار.

فالتسبيح – كما قلنا- تكاملٌ للإنسان، فبتسبيحه لربه يطهر الإنسان نفسه من الشرك والوهن والجهل، وكلماطهر كلما رغب في المزيد من الطهر والنقاء، وهكذا هم عباد الله الصالحين، فلولا أن فرض الله عليهم الإنشغال ببعض أمور الدنيا لأهلكوا أنفسهم بالعبادة، بتركهم الطعام والشراب والراحة، ولكن حيث فرضها الله عليهم تراهم يأكلون من أجل العبادة، ويستريحون من أجل التعبد والطاعة.

{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }

وفي المقابل أولئك الذين إتخذوا آلهةً من دون الله، وهم عبدوا آلهةً من الأرض لأنهم لم يعرفوا الملائكة في السماء، بل عبدوا ما رأتها أعينهم كالبقر والفأرة والشمس وغير ذلك.

هل يقدر آلهة هؤلاء على إحياء فأرةٍ أو أقل منها ونشرها بعد موتها ؟

ربما يمكن أن يدعي المشرك بأنها كانت السبب في شفائه أو قضاء حاجته، ولكن هل يمكنها أن تحيي الأموات؟

بهذا السؤال الصادم يهدم القرآن الكريم بنيان الشرك، حيث لا يقدر الآلهة المزعومة على نشر شيءٍ واحد، ولكن الله سبحانه يبعث كل الأموات يوم القيامة، كما نشر بعض الأموات في الدنيا كشاهد على قدرته كطيور إبراهيم وعزيرٍ وحماره.

ومن حيث المجموع: كل فساد يتورط فيه الإنسان سواءاً العقيدي أو السلوكي أو الخلقي، فهو بسبب عدم معرفة الله، فإذا أردت أن تطهر حياتك في كل جوانبها فعليك بتوثيق علاقتك بالله سبحانه.

 

 

 

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس التاسع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }

 

كما البناء الشامخ يعتمد على أساسٍ لو تزعزع فإن البناء كله ينهار، كذلك البنيان الفكري، فنظرية متكاملةٌ كنظرية هيجل أو ماركس أو غيرهما تراها نظرية قائمةً على أسس متينة لخلط أصحابها الحق بالباطل، ولكنها قائمة على أساس فكرة معينة، لو إنهارت لأنهارت النظرية كلها.

وتلك الفكرة تشكل مخ النظرية، والله سبحانه يضرب هذا الأساس فترى النظرية كلها تتلاشى، فإذا تلاشت فلا يبقى سوى وزرها على من إفتراها وعلى من قالها.

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ }

يأتي الحق كقذيفةٍ يصيب أساس الباطل ومخه.

{فَيَدْمَغُهُ }

والدمغ تعبيرٌ عن الضرب على الرأس.

{فَإِذا هُوَ زاهِقٌ }

وبذلك يزهق الباطل كله، ولكن لا ينتهي كل شيء، بل :

{وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

فحينئذٍ يكون حساب المتمسكين بها عسيراً، فكل من تمسك بالباطل ووصفه وقال به يسأل عن فعلته، فبالرغم من حرية الإنسان في الإختيار فإنه ليس حراً مطلقاً بأن يعتنق كل فكرةٍ شاء، أو ينظّر كيف شاء ، فيرى الحق ما قاله هو أو ما جادت به بنات فكره، لأن مجرد إنتساب الفكرة إليك لا يجعلها صحيحة، لأن الحق هو الصحيح الباقي.

وعانت البشرية من أولئك الذين يرون أفكارهم محوراً للحقيقة، وقد سمي بعضهم بالـ ( مصوبة) الذين عرّاهم الإسلام مما هم فيه.

وقد ذهب البعض بعيداً في ضلالاته حتى عدّ السجود لله والصنم سيّان، وقال الآخر أن الإختلاف بين موسى عليه السلام وفرعون لم يكن على إعلان فرعون ربوبيته بل على حصرها فيه وغيرها من النظريات الشيطانية السخيفة المعتمدة محور الهوى في مقابل محور الهدى.

ومن هنا يجب على الإنسان أن يعرف خطأ الإعتقاد بأن كل يدخل فكره يصبح جزءاً منه، أرأيت لو أكلت طعاماً فاسداً هل كنت تعتز به أم تحاول إخراجه بأسرع ما يمكن؟

فالفكر الخطأ كالسم الفتاك يهدم روح الإنسان كما يهدم السم جسمه.

وهذه الآية بمثابة تمهيد للحديث عن الشرك وجذوره، وهنا نحتاج إلى تقديم بعض المقدمات:

العلاقة بين الخالق والخلق

أولاً: الله سبحانه هو الذي خلق الخلق، والعلاقة بينه وبينهم علاقة واحدة هي الخالقية والمخلوقية من جهتهم، إلا أن مشكلة البشر الأساسية مشكلة الأنا والذات، حيث يريد تفضيل نفسه وعنصره على الآخرين كما فعل إبليس في إعتبار جنسه ( النار) خير من جنس البشر( الطين).

ومن هنا فإن جذر الشرك هو العنصرية كما رآى الآلمان الأفضلية للنازية أو اليهود لمن كان يهودياً، وبضرب محورية الذات في فهم الحقائق ومواجهة روح العنصرية ينتهي داء الشرك.

الله الخالق الحي

ثانياً: نعتقد نحن بأن الله سبحانه خلق الخلق لا أولدهم، فهو لم يلد ولم يولد، حيث لم يتجزأ – سبحانه- إلى جزئين أحدهما أعلى والثاني أسفل فيكون بينهما قوس صعودٍ ونزول، بل هو الخالق للخلق، والدليل على ذلك أنه أعطى الإنسان أيضاً صفة الخاقية، فبقوة الله ومشيئته كان الإنسان مريداً والإرادة مخلوقة الإنسان، أفلا يستطيع الرب المعطي للإنسان الخالقية أن يكون خالقاً؟ أوليس الكون كله دليلاً كافياً على قدرة الله سبحانه على الخلق؟

بلى؛ ولكن الكفار يدورون في نظرية سخيفة لا يخرجون منها أبداً رغم إختلاف تعابيرهم عنها، وهي نظرية الفيض التي تعني أن الخلق كله خرج من الله – سبحانه- كما يخرج الشعاع من الشمس والموج من البحر، وهكذا تنتهي نظريات الفيض إلى فكرة هلامية عن الله، تخالفها كل حقائق الكون، لأن الله سبحانه خالقٌ قادرٌ يفعل بقدرته ما يشاء.

وهكذا ردّ القرآن الكريم على اليهود الذين قالوا بأن يد الله مغلولة تعبيراً عن عجز الخالق تعالى، بقوله: { وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ}[1]، كما أنه رد على اليهود والنصارى الذين أدعوا أنهم أبناء الله وأحباءه بقوله: { وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى‏ نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم‏}[2].

وهذه النظريات الباطلة هي التي أودت بالبشرية إلى الإنحطاط المستمر.

تفضيل الخالق لمن يشاء

نعم، لأن الله هو الخالق الحكيم، فله أن يميز بعض خلقه على بعضهم كما قال سبحانه:{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْض‏}[3] وذلك لحكمةٍ ذكرها أم لم يذكرها، وكذا تفضيله للرجال على النساء حيث ذكر الحكمة حيث قال:{ الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ}[4] فليس التفضيل مطلقاً بل ضمن حكمة معينة، وبالإمكان أن تصبح المرأة خيرٌ من زوجها بكثير.

فتفضيل الرب ليس بلا حكمة أو سبب، فحتى تفضيل البشر على سائر المخلوقات لتحمله الامانة، ولكن إستعمل هذا التفضيل من قبل الشياطين ووساوسهم في جعل مثل عيسى إبن الله سبحانه.

{وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)}

فالعظماء مما خلق الله مثل الملائكة كجبرئيل عليه السلام القوي الأمين، هؤلاء يعبدون ربهم ليلاً نهاراً ، بل إنهم يتكاملون بها وينمون بها، ولذلك لا يستكبرون عن العبادة لخضوعهم لله وعبوديتهم له، ولا يتعبون منها.

ونحن نعرف الأنبياء وقربهم إلى الله بسبب عبادتهم لله، وكذا نعرف مقام العالم بحسب عبوديته وخضوعه لله تعالى وإبتعاده عن الذاتيات والأنانيات.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المائدة: الآية 64

[2] سورة المائدة : الآية 18

[3] سورة البقرة: الآية 253

[4] سورة النساء : الآية 34

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

 

لإنحراف البشر  جذور ولعل من أخبثها اللهو واللعب، فماذا تعني هذه الكلمة ولماذا يقول القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْو}[1]، وما هي علاقة اللعب بإنحرافات الإنسان وضلالاته؟

ربما تختلف أسماء الأشياء من عصرٍ إلى آخر وإيحائاتها تتفاوت، ويصاب الإنسان في هذه الحالة بعدم فهم الحقائق بوضوح.

في حياته يبتلي البشر بحالة اللامبالاة، فكل ما أخبر بأمرٍ أو قضية أخلى مسؤوليته عنها، واللامبالاة واللاجدية هو اللهو واللعب، والبشر مصابٌ بهذه الحالة شاء أم أبى، وبمقارنة بسيطة يقارن فيها الإنسان نفسه مع أولئك الذين يعتقدون بحسابٍ وكتاب ويظنون أنهم ملاقوا ربهم، سيجد نفسه وكأنه يعيش في سباتٍ عميق، والأيام تمر عليه مرور السحاب، بل قد يصل المرء إلى حالة عدم الإلتفات إلى تحرك الزمان، نتيجة الإنغماس بالتوافه وإذا به يواجه المشيب.

والسؤال: كيف نواجه هذا اللاجدية في حياتنا؟

هناك وسائل:

الأولى: الوسيلة الأولى والتي يبينها الرب في هذه الآيات وعي أن الحياة ليس لهواً ولعباً، أرأيت حوادث السير التي تقتل الكثير من الناس أو تصيبهم بإعاقات دائمة، أو حوادث تحطم الطائرات، أوليس كلها نتيجة غفلة لحظة أو خطأ ضئيل في المحاسبات؟

وهذه الغفلة البسيطة التي تؤدي إلى دمارٍ كبير مثل لكل ما في الحياة، فكل غفلةٍ فيه تنتج نتائج عظيمة ولكن لا يشعر الإنسان به، فمن يقوم بجريمة في لحظة الغفلة وإنحسار العقل فهو يلقى عقوبته عمراً طويلا.

تركيبة الدنيا وخلقها ونظامها قائمٌ على الجد وليس اللعب : {وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ} ، والتعبير بـ “ما بينهما” يشمل كل شيء ، مما يدل على عدم وجود لعبٍ في شيءٍ بسيط حتى بمقدار ذرةٍ أو خلية من خلايا جسم الإنسان، التي لو أصيبت بخلل في التواصل مع الخلايا ستشكل كتلة من الخلايا المريضة والتي تصبح ورماً سرطانياً فتاكاً.

فمن أجل كبح جماح النفس البشرية يجب الإلتفات دوماً إلى حقانية كل شيء في الخليقة، الذي أدى إلى إتقانه من جهة ودقة أحكامه ونظمه من جهة أخرى.

ومن هنا، فعلى الإنسان أن يتخذ الحياة وما يجري فيها مدرسةً له، ولولا ذلك تكون ملهيةً ومنسأةً له عن الحقائق، فكل شيء في الخلق يمكن أن يعبر به الإنسان إلى ذكر الله سبحانه ألذي لا يعني مجرد الكلمات فقط، بل يعني أيضاً فهم الحياة من خلال نافذة الإيمان.

الثانية: والوسيلة الثانية تكون عبر دراسة تجارب السابقين والإتعاظ بمصيرهم.

الثالثة: التفات الإنسان إلى مصير أعماله هو، حيث مرض حين لم يتجنب البرد، ومرض حين أكل كثيراً، فرب ساعةٍ في حياة الإنسان كانت سبباً في شقائه، فيعمم تلك التجارب على الحياة كلها.

وبهذا يمكن للإنسان أن يوافق نفسه مع الخليقة، فيكون مع الحق الذي بنيت وسارت عليه، وإن لم يعلم بالحق فعليه تعلمه وهو فريضةُ عليه.

  • {وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16)}

كما ذكّرنا القرآن بسبب هلاك الأقوام الماضية المتلخص في ظلمهم الذي فسرناه بتجاوزهم للحقوق، وههنا يبين القرآن أنه لا لعبٌ ولا لهوٌ في الحياة، وقد بينا الفرق بينهما، حيث في اللعب بعض النظام، كاللعبة السياسية لوجود هدفٍ فيه ولكنه غير حقيقي وأساسي، واللهو أقل من اللعب حيث الحركة بلا هدف.

والله سبحانه ينفي اللعب في هذه الآية وينفي اللهو في الآية التالية حيث يقول:

  • {لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا}

أي نعرف كيفية إتخاذ اللهو ولكن لا نريد ذلك، ولو تصوّرنا أن الحوادث التي تصيب الإنسان من زلازل وفيضانات والتي تحدث بحكمة، أقول لو تصورنا أن الله أراد أن يتخذ لهواً بها، فيزلزل الأرض تحت أقدامنا كل ساعة، أو تثور البراكين يومياً، فما كان مصير الإنسان؟

  • { إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17)}

إن كانت الإرادة الإلهية متجهة نحو اللعب واللهو – سبحانه- فإن ذلك لا يصعب عليه.

إذاً فما هو أساس الخلقة؟

أساس الخلقة هو الحق، حيث يقول الله:

  • {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ}

فحين يأتي الحق يأتي بقوة كالقاذفة على الباطل، فيدمغه، والدمغ هو الضرب على أم الرأس بقوة، وإذا بالباطل ينتهي .

  • { وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

هناك باطل، ولكنه في هامش الحق، كيف؟

الإنسان حق، ووجوده والسماء والأرض وكله حق، ولكن الباطل قد يكون في فعل الإنسان، بسبب إبتلاء له وإعطاءه الحرية، فيصف الإنسان الباطل ويعمل به، ولكن سرعان ما يزول الباطل بمجيء الحق.

وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان مسؤولاً عن وصفه للباطل الذي دمغه الحق وإنتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة محمد : الآية36

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس السابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىما أُتْرِفْتُمْ فيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدينَ (15)}

 

ليست من حقوقنا أن نختار الهداية أو عدمها، فالهداية مفروضةٌ علينا ونحاسب عليها نعاقب بتركها، والعقاب شديد.

والسبب في ذلك أن من لا يهتدي إلى الحق لا يعمل به، ومن لا يعمل بالحق سيعمل بالباطل، فسيشمله جزاء عمله الباطل، كما الجائع الذي يحتاج إلى طعام، فإن لم يملأ جوفه بالطيبات سيملأه بالخبائث وحينئذ سيلقى تبعاته حيث تضر به الخبائث.

الله سبحانه أرحم الراحمين ولا ريب في ذلك، ومن رحمته أنه يمهلنا، ومن رحمته أنه يذكّرنا بالهدى، ومن رحمته أنه يضرب لنا الأمثال مثلاً بعد آخر للإعتبار، ولكن حين يتجاوز الإنسان كل الحدود فإنه سوف لا ينتفع بمهلة الرب وتذكرته، بل ينال جزاء إنحرافه حيث يقول ربنا:

{وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ }

فليست القصة قصة قرية أو أثنتين، بل هي قصة كل قومٍ حادوا عن الصراط وعتوا عن أمر ربهم، ولا يزال البشر يجد يوماً بعد آخر آثار حضاراتٍ دمّرت شر تدمير، والقرآن الكريم يبين لنا الأمثلة فقط، فحين يذكر لنا قصة قوم لوط فهناك أمم أخرى دمروا كما دمّر الله قوم لوط.

ومن جملة ألوان العذاب قطع النسل، ونرى اليوم بعض البلدان تواجه مشكلة عدم التناس حيث النمو البشري عندهم في الإتجاه السالب الذي سيؤدي إلى هلاكهم وإنتهائهم.

وليس المقصود من ” القرية” هنا المكان الصغير، بل كل مدنية لم تؤمن بالله يعبّر القرآن عنها بالقرية وإن كانت كبيرة كمدن قوم لوط، وقد قال البعض أن المقصود من القرية هو الأبنية والمساكن والمرافق الحضارية كمجاري المياه والمزارع، ولكن الذي يبدو لي أن القرية أعم من المساكن ومن الساكنين، وكما في قوله سبحانه: {  قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُون‏}[1].

و”القصم” يعني التكسر المصحوب بصوت، ويستعمل في قصم الظهر، فلماذا يقصم الله سبحانه القرية كلها فلا يبقي منها أحدا؟

 

{كانَتْ ظالِمَةً }

لأنها كانت ظالمة، والظلم يعني تجاوز الحق، فتجاوز حق الله ظلم، وتجاوز حق النفس ظلم، وتجاوز حق الناس ظلم، وعادةً يكون الظالم ظالماً للحقوق كلها، فكما السيارة التي تخرج من الطريق فإنها ستتخبط يمنة ويسرة، كذلك حين يخالف الإنسان صراط الحق يتيه في أنواع الباطل، فلا يؤدي حق الله ولا حق نفسه ولا حق أسرته.

والقرآن الكريم لا يقول أن أهلها أو بعض أهلها كان ظالماً بل الخطاب يعم القرية كلها، بمعنى أن الظالمين أستولوا على القرية، وكما قال تعالى: { وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميرا}[2] لأن الله سبحانه لا يعذب الناس مع وجود مصلحين يحاولون إعادة الناس إلى رشدهم، قال الله سبحانه: { وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرىبِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُون‏}[3].

وإذا خرج المؤمنون أو أخرجوا من مكانٍ ما فإن أهلها يستحق العذاب بفعل ذنوبهم ومعاصيهم وظلمهم، وقد يكون ذلك بمطر السوء أو الزلازل أو الإحتلال أو الحروب الأهلية أو غيرها.

فالقرية دمرت ولم يبق منها أحدٌ ولكن هل ينتهي كل شيء بإنتهائهم؟

قال الله:

{وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11)}

يخلق الله أقواماً آخرين يحلون محلهم، يختلفون عن السابقين كلياً في عاداتهم وسلوكياتهم وحضارتهم، وفي كلمة “الإنشاء” دلالة على الإبتداء من الصفر لا الإستمرار.

 

{ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا }

لا يأتي البأس الإلهي دفعةً واحدة، بل لكل عذابٍ إلهي إرهاصاته، فإذا إنتبه إليه الإنسان وتاب من ذنبه ربما يتوب الله عليه كما في قوم يونس الذين رفع الله عنهم العذاب بإنابتهم.

وهؤلاء أحسوا بأس الله سبحانه وإنتقامه، فأرادوا المفر:

{إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12)}

حاولوا الخروج من القرية، ولكن هل ينفعهم ذلك؟ وهل يخرجون من سلطان الرب بخروجهم عن القرية؟

{ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىما أُتْرِفْتُمْ فيهِ }

لا ينفعهم الهرب، ولذا فلفظة ” لا تركضوا” ليست نهياً فحسب، بل نفيٌ أيضاً ، بمعنى أن هربهم لا ينفعهم، فكم من شخصٍ حاول الهرب من العذاب فلحقه العذاب؟ كما اولئك الذين هربوا من الوباء إلى الصحراء وكان الوباء معهم فاهلهكم حيث هم في الصحراء.

فليرجعوا إلى أموالهم وأثاثهم وتجاراتهم التي طالما أهتموا بها علها تنفعهم.

{وَ مَساكِنِكُمْ }أعمر الإنسان داراً يسكنها وتؤمنه من غوائل الدهر وصروف الزمان، بنى المسكن ليؤويه من الحر والبرد، ولكن هل لهذه المساكن أن توفر لأهلها الحماية من أمر الله سبحانه؟

كلا، فأمر الله إن جاء لا شيء يمكنه أن يحمي الإنسان منه، فالزلازل من تحتهم تهدم بيوتهم من فوقهم والأعاصير ترفعها إلى السماء.

{لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13)}

ما يلوح في البال من هذه العبارة بأن الإنسان حين يصطدم بالواقع الشديد كالبأس الإلهي، حينئذٍ يرجع إلى رشده ويعترف بخطأه؟

والنفع في ذلك أن يعترف بإستحقاقه للعذاب فلا يعذب الله سبحانه أحداً إلا بعد إعترافه.

{ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمينَ (14)}

إعترفوا بذنبهم وظلمهم، ولم يكتفوا بذلك مرةً واحدة بل:

{ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدينَ (15)}

إستمروا في إعترافهم وندمهم، حتى أهلكهم الله سبحانه.

والحصيد هو المحصود من الزرع والخامد ما سكن وسكت، فالله سبحانه يحصدهم دون أن تبقى لهم باقية بل يكونوا منزلة الرماد الخامد.

وهذه هي نهاية الظلم، فمن أرادها فليسترسل في غيّه، أما من أراد تجنبها فليسأل ربه طريق الهدى ليتبعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النمل : الآية 34

[2] سورة الإسراء: الآية 16

[3] سورة الهود: الآية 117

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس السادس)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (10) وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11) }

صدق الله العلي العظيم

 

هناك صراطٌ مستقيم يتوسط فكرتين منحرفتين يجب علينا أن نلتمسه ونسلكه دون أن ننحرف عنه نحو اليمين أو الشمال، فبعض الناس غالوا في الأنبياء والائمة عليهم السلام، والغلو نتيجة جهل الإنسان وعدم إهتمامه بالمقاييس الدقيقة في الحياة، بل وكل من يفرطِ أو يفرّط فهو جاهل بها، فالذي يأكل أزيد أو أقل من حاجته فهو جاهلٌ بحاجته، وكذا التبذير والبخل، وفي مقابل الغلو كان الكفر بالأنبياء والضلال عنهم، وهو الآخر إنحرافٌ عظيم.

أما السبيل الوسط والصحيح فهو الإعتقاد بالأنبياء بأنهم كرامٌ عظام، وهم قدواتٌ يهتدى بهداهم، لأنهم قمة البشرية بل قمة الخلق، ولكن كل ذلك بأمر الله سبحانه، ومن خلال إرتباطهم بالله، وكما الأنبياء الائمة عليهم السلام، فحين يقرأ المؤمن زيارة الجامعة لهم يجد فيها أمثل الأوصاف لهم عليهم السلام ولكنها جميعاً مقرونة بإسم الله سبحانه، فليس ثمة مديحٌ لهم كما في زيارة الجامعة، كما أنها ملئى بذكر الله تعالى.

فلم يرسل الله الأنبياء كملائكة يمتلكون قوىً خارقة لتستقطب قواهم وجمالهم الناس، فيشركون بالله بسببهم، ولذلك قال سبحانه:{ و ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ} فلو كان النبي لا يأكل أو لا يموت لعبد من دون الله، ولذا صارت الحالات البشرية تنتابه، فحتى المصائب التي وردت على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعليهم، هي في ذات الإطار، فلولاها لكانت نزعة الشرك في البشر تنحو نحو الغلو بالنسبة إليهم عليهم السلام، فبالرغم من تأكيد النصوص وتأكيد الأنبياء والائمة أنفسهم بأنهم بشر إلا أن بعضاً من الناس غالوا فيهم، فكيف لو كانوا خالدين.

ومن جهة أخرى كانت علاقة الأنبياء بربهم وثيقة، وما حدث لهم من إنتصارات باهرة لم يكن بسبب فعلهم فقط، بل بإرادة الله سبحانه، فالله هو الذي ينصر عباده ويؤيدهم بملائكته، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَه‏”[1]، قال الله سبحانه: { ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ}.

وقوله سبحانه أنجيناهم، يدل على مواجهتهم لمشاكل هددت حياتهم حتى أنجاهم الله، هم ومن إتبعهم من المؤمنين، كما أنقذ الله إبراهيم من نار نمرود المتسعرة، وهود وأصحابه من الأعاصير العاتية وغيرهم من الأنبياء واتباعهم.

{وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

الحديث عن الإسراف ورد في هذه الآية مرة ببيان عاقبتهم المتمثلة بالهلاك، ومرة أخرى في الآية الثالثة عشر حيث الحديث عن عاقبة المترفين، ومعرفة حقيقة الإسراف وكيفية إجتنابه أمرٌ، و ينتج الإسراف ثلاثة نتائج:

الأولى: لمحدودية وعاء الإنسان فإن الإسراف يضر به، كما الذي يأكل أكثر من حاجته فيصاب بمختلف الأمراض والأوجاع.

الثانية: ما يأكله المسرف فإنما يأكله – غالباً- من رزق الآخرين، وكما في الحكمة: ما رأيت نعمةً موفورة إلا وبجانبها حقٌ مضيع.

الثالثة: من يفرط في مكان يفرّط في مكانٍ آخر، فمن يسرف في جانبٍ من جوانب حياته سيصاب بخلل في توازن حياته.

ومن هنا يحدثنا القرآن عن عاقبة الإسراف في أكثر من موضع الذي كان هلاك المسرفين، الذي كان نتيجة كفر الإنسان.

{ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ}

بإمكانك أيها الإنسان أن تكتشف خارطة الطريق من خلال كتاب ربك الذي منّ به عليك وعلى الناس، وأمر سائر الشعوب أن يأخذوا به، فـ ” ذكركم” يعني أمرين أساسيين:

الأول: أن تتذكروا به.

الثاني: يذكركم الناس به، فإلى اليوم العرب موضع إحترام بسبب القرآن.

وقد قيل بأن ( ذكركم) يعني القرآن ، وقيل المقصود منه النبي،  وقيل معناه تذكركم، وقيل يعني شرفكم ، وكل ذلك صحيح وهو نتيجة القرآن العزيز.

{ أَ فَلا تَعْقِلُونَ}

بالرغم من ان الله أنزل القرآن وحملته الملائكة إلى قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وبلّغه النبي بأحسن وجه، إلا أن الناس لا يقرأونه أو يقرأونه هذرمة، وهذا منتهى السخف، كما المريض الذي يصف له الطبيب الدواء ويشتري له أهله ذلك ثم لا يستعمل الدواء.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نهج البلاغة: ص 55

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الخامس)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

صدق الله العلي العظيم 

 

حين يبحث الواحد منا عن مهندسٍ فإنه لا يهتم بالمظهر الخارجي للفرد بقدر إهتمامه بعلمه بالهندسة، وكذا حين مراجعة الطبيب سوف لا يجعل المريض الوسامة وحسن الهندام معياراً للطبيب، بل علمه بالطب ومدى تشخيصه للمرض.

ومشكلة البشر أنهم –وعبر التاريخ- خدعوا بالمظاهر وتركوا وعي الحقائق، فأعترضوا على الأنبياء مثلاً لعدم إمتلاك النبي أموالاً طائلة أو كنوزاً أو موقعية إجتماعية مرموقة، إذ ليس المطلوب من النبي هذه الأمور ليكون فقدانها عيباً فيه، نعم ربما هي مطلوبة للسلطان والحاكم ولكنها غير معتبرة في نبوة النبي، إذ المطلوب منه تزكية نفوس البشر وهدايتهم نحو الحق وتوجيههم إلى طريق الجنة، المطلوب منه أن يعلم البشرية ما يوصلهم إلى رضوان الله سبحانه.

بلى، هناك آية يستدل على صدق نبوة الأنبياء وهي آية عظيمة تتلخص في ” خواتيم الأمور”، حيث جعل الله سبحانه العاقبة للمتقين –وهم الأنبياء والأولياء- مهما كانت الظروف معاكسة، حيث تجد أن نبياً يواجه أعتى طاغوتٍ في عصره، وليس على بدنه سوى ثوب راعٍ وبيده عصى، ولكن النصر يكتب له في نهاية المطاف، فلم تكن الأموال ولا المظاهر معياراً لصدقه –كما طال وأن إنخدع الناس بهما – بل كان الإنتصار النهائي على الأرض، كما قال الله سبحانه: { وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرين‏}[1].

فالنبي صلى الله عليه وآله، كان يثق بربه – كما كان سائر الأنبياء- ولذلك تراه يقدم أهل بيته وأقرب الناس إليه في مباهلته مع نصارى نجران، وقد فطنوا أولئك لهذه الحقيقة أيضاً حيث قال قائلهم : أنظروا فإن جائكم محمد صلى الله عليه وآله بأصحابه فباهلوه ، ولكن إن جائكم بأهل بيته فلا تباهلوه فتهلكوا”، وحين شاهدوا النبي صلى الله علي وآله مقبلٌ ومعه عليٌ وفاطمة والحسنان عليهما السلام تراجعا عن المباهلة ودفعوا الجزية.

  • { وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

فليست الإمكانيات المادية معياراً، بل الرسل رجالٌ يوحي إليهم الرب لتبليغ رسالته وهذا هو الهدف من بعثتهم وهو الأساس.

  • {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}

من جملة ما تصلحه آيات سورة الأنبياء، أنها تصلح منهجنا في الحياة ومن ذلك منهجنا في التفكير، فالسؤال من أجل التعلم ليس عيباً، فمن يتحاشى السؤال كي لا يعيش في ذله ساعة، سيبقى في ذل الجهل دهراً.

والسؤال وحده ليس نافعاً إن لم يكن حسناً، وإن لم يوجّه لأهل، فلا ينبغي سؤال الجاهل، بل لابد من توجيه السؤال إلى العالم، فرجوع الجاهل إلى العالم أمرٌ فطر عليه الإنسان.

والعالم وحده لا يكفي، بل لابد من البحث عن عالمٍ عاملٍ بعلمه، نفعه علمه، لأنك لا تأخذ بنصح من لا يعمل بما يقول، كما العالم يرغبك في الآخرة وهو متشبث بالدنيا، والعالم العامل هو من أهل الذكر الذين يدعون إلى الله وحده لا إلى الذات أو الحزب.

وقد قال بعض المفسرين بأن المراد من ” أهل الذكر” أهل القرآن لأن القرآن الكريم هو الذكر، وبالرغم من صحة هذا التفسير إلا أنه يبدو لي أن أهله ليس كل من قرأه، بل من وعى القرآن بقلبه وطبقه في سلوكه.

وهكذا كان على المرء أن يحاول في إكتساب العلم بنفسه مهما أمكنه، فإذا وصل إلى ما لا يقدر على وعيه عليه أن يتوجه بالسؤال في النقاط الصعبة.

  • {وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8)}

الغاية التي جاء من أجلها الرسل هي الدعوة إلى الله سبحانه، فما ضيره بعدئذٍ أكل أو لم يأكل، وما الفرق حينئذٍ بين أن يكون خالداً أو لا يكون.

  • { ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ}

في نهاية المطاف صدق الله رسله وعده، فنصرهم على أعدائهم، وهكذا نصر الله سبحانه نبيه في مواقف كثيرة، بل حمله من إنتصارٍ إلى إنتصار.

والنظر إلى النهاية من أبسط المناهج وأشهرها في معرفة صحة أو خطأ الدعوة، فالذي يوصلك إلى الماء بدلالته تعلم صدقه فتتبعه في غيرها من القضايا، كذلك حين أنقذ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله العرب في أكثر من موقف لابد أن يثقوا بأنه لم يأت إلا لصلاحهم، وإحدى تلك المواقف حين أنقذ صلى الله عليه وآله أهل المدينة من الإنقراض، لأنهم كانوا محاطين بثلاثة أمور تهدد وجودهم:

الأول: اليهود الذين كانوا ينهشون بهم إقتصادياً.

الثاني: المعارك الدامية بين الأوس والخزرج.

الثالث: الأمراض القاتلة مثل الملاريا بسبب إنتشار المياه الأسنة فيها.

وقد جاء النبي صلى الله عليه وآله فصالح بين الأوس والخزرج، وملأ المستنقعات بالتراب وزرع مكانها النعناع، وطرد اليهود من المدينة أخيراً، فتحولت ” يثرب” إلى ” طيبة” لسيادة النقاء والمحبة بينهم.

  • {فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

فوعد الله سبحانه كان إنجاء النبي وكل من صدّق به، وفي المقابل إهلاك المسرفين، وفي عبارة ” أهلكنا المسرفين” إنذارٌ لكل من يبتعد عن الحق لأن مصيره هوالهلاك والدمار لا محالة.

ونستفيد هنا بصيرة هامة في حياتنا، بجعل الأهداف نصب أعيننا، دون أن نشغل ذهننا بالحواشي والمسائل الثانوية.

فإذا كان الهدف من الدرس التعلم، فلابد من البحث عن عالمٍ يعلمك جيداً، وإن كان هدفك القرب من الله فأبحث عمن يقربك إلى الله بقوله وفعله وإن لم يكن لديه المؤهلات المادية التي قد تخالها أساساً لما تروم إليه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة يونس: الآية 20

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

صدق الله العلي العظيم

 

يتأرجح البشر بين الهوى والهدى، فالنفس والشيطان يسولان له جانب الهوى أبداً، بينما عقله وضميره وأهل الذكر من حوله يدعونه إلى الهدى.

فإذا إتبع هوى نفسه فإنه سيرى كل شيء في الحياة، من نافذة الهوى ويقيس كل شيء بحسب ما ينفعه أو يضره، بينما إذا إتبع الهوى كان له نظرة واقعية وموضوعية لكل شيء.

ومن هنا، إذا إتبع المرء هواه فإنه لا يرى لأحدٍ أو لشيءٍ حقاً إلا ذاته أو ما إرتبط بها، ومن ثم سيدخل في إطار الظلم للآخرين، فإذا رأى لأبيه أو أمه أو من حوله حقاً ما، فذلك من زاية نفسه وذاته، لأنه يرى نفسه المحور في الوجود، ترى كيف يمكن الخلاص من هذه الحالة؟ ولماذا أسرّ الظالمون النجوى ولم يصرحوا بما لديهم من مخالفات للرسالة؟

أسرّوا قولهم لأنه ليس حقاً، فكانوا يريدون إستقطاب الآخرين معهم، إذ قد يريد البعض عمل عملٍ ما في بعض الأحيان دون أن يتحمل مسؤوليته، فيسعى لطرقٍ ملتوية تخلصه من ذلك.

ومن هنا فإن الإنسان مطالب بأن لا يرى الأمور من نافذة العواطف والمصالح والمسبقات الذهنية، ولذلك فإنا كلفنا بأن نطلب من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، لأن النفس الأمارة بالسوء لا تتركنا لحظة واحدة، كأمواج البحر التي ترمي المركب بعيداً عن الشاطئ.

وهكذا كان لزاماً البحث عن مقياس يعرف به الإنسان الحق والباطل، فما هو ذلك المقياس؟

المقياس هو الله سبحانه، فمن خلال الرجوع إليه عبر الوسائل يمكن التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والهوى، إذ لكل ميزانٍ في العالم أصلٌ يرجع إليه، كما في ميزان الوزن والوقت حيث يرجع إلى الأصل إذا حصل الخلاف فيها، وأصل الحق الذي يرجع إليه إذا إختلف فيه هو الله سبحانه، ومن هنا قال الله سبحانه:

  • {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ}

يعلمه، ويحدد الحق منه عن الباطل، كما أنه سبحانه يعلم نجوى الذين أسروه.

  • { وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ}

سميعٌ بما يقول الناس وعليمٌ بدوافعهم.

عقبات الهدى

سورة الأنبياء وردت للإيمان بهم عليهم السلام، وفي البدء لابد من التمهيد لذلك عبر بيان العقبات وسبل ومواجهتها، ومن تلك العقبات المسبقات الذهنية، التي هي أخطر ما لدى الإنسان من موانع في طريق الإيمان، فهي تخلق الثقافة الباطلة والمهيمنة على الإنسان، وحينذ فلابد أن يحكّم الإنسان عقله على نفسه دوماً لكيلا تؤثر فيه مسبقاته، والسبيل إلى ذلك هو ذكر الله سبحانه دوماً قال الله سبحانه:{ ُوَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَ قُلْ عَسىأَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدا}[1].

 

الآية المبصرة

  • { فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}

بعد تلك التهم، طالبوا النبي صلى الله عليه وآله بأن يسأل ربه بتسيير جبال تهامة لكي يتسنى لهما الزراعة في مكة كآيةٍ ليؤمنوا به، وحين سأل النبي صلى الله عليه وآله ربه ذلك فأوحى إليه الله أنه يفعل ما يريدون ولكن إن لم يؤمنوا بعدئذٍ سيعذبهم عذاباً شديداً، ولكن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه أن لا يفعل ذلك رحمةً بهم.

وكل آيةٍ مبصرةٍ أرسلها الله سبحانه على قومٍ في التاريخ، إنتهت بدمار الذين لم يؤمنوا بها، كآيات موسى عليه السلام التسع، حيث إنتهى المطاف بإغراق قوم فرعون وإدخالهم النار، وكذا ناقة النبي صالح عليه السلام، وقوم ثمود الذين عقرواها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها.

ومن هنا، إذا سأل أحدنا حاجةً من ربه فأستجاب له عليه أن يؤدي شكر تلك النعمة بالقول والعمل، وإلا سيكون مصيرها إلى الزوال أولأً، وربما إنقلاب الحال إلى الأسوء ثانياً.

  • { ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) }

كما قريش، طلب الأقوام السابقة من أنبيائهم أن يأتوا بآية مبصرة، ولكنهم حين لم يؤمنوا بها أهلكهم الله سبحانه، فإذا كفر هؤلاء فسيكون مصيرهم ذات المصير.

  • {وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

في الآية الثالثة من السورة، ذكر الرب سبحانه إعتراض الكفار على كون المرسل بشراً كما هم، والحال أن إرادة الرب سبحانه تقتضي ذلك، حيث يرسل إلى البشر من هو منهم وقريب إليهم، فلا وجه للإعتراض، خصوصاً أن العرب كانوا يعرفون برسالات الأنبياء السابقين، وأنهم – الأنبياء- لم يكونوا من الملائكة أو الجان، بل كانوا بشراً أيضاً.

ولفظ ” الرجال” لا يعنى منه صفة الذكورية فقط، بل يراد منه توفر كل صفات الرجولة في النبي المرسل، فالنبي تتوفر فيه صفتان:

الأولى: صفة ذاتية، فهو مختارٌ من أفضل الناس.

والثانية: الوحي الذي يعتبر صفةً موضوعية للنبي.

  • فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

سؤال أهل الذكر سبيل للوصول إلى الحقيقة تكلمةً للمنجهية التي ذكرناها سابقاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الكهف: الآية 24

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثالث)

بسم الله الرحمن الرحيم

{لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)}

 صدق الله العلي العظيم

بالتأمل في هذه الآيات نستفيد بصيرة هامة تفتح لنا بها آفاق معرفية واسعة، فما هي تلك البصيرة؟

قد يجرب أحدنا في حياته شيئاً فيستفيد علماً مستئنفاً، وقد يلاحظ تجارب الآخرين أمامه فينتفع منها العلم والعبرة، ولكن ذلك لا يشكل إلا جزءاً بسيطاً من منظومته المعرفية، إذ أن أغلب مواقفنا وآرائنا وتوجهاتنا تقوم على أساس ما نتلقاه بأسماعنا من الآخرين، سواءاً الآباء أوالأساتذة أو سائر الناس، وإن لم تكن لدينا معايير واضحة لتقييم ما نسمعه ومعرفة نسبة الصواب والخطأ فيه فسوف تجرنا أفكار الآخرين إلى ضلالات تبدأ ولا تنتهي.

وليس هذا الأمر مقتصراً على فردٍ أو إثنين بل هذا حال غالب الناس حيث يسترسلون مع الأفكار الباطلة وهم لا يشعرون.

ولعل القرآن الكريم في هذه المجموعة من الآيات من السورة المسماة بالأنبياء الذين تقوم رسالاتهم على أساس هداية الناس، يبين لنا جانباً من هذا الأمر، أعني سبل تقييم القول وذلك عبر مقارنات:

بين السحر والآية

ما هو السحر وما هي الآية؟

كل واحدٍ منا يعترف –بالرجوع إلى نفسه وإستكناهها- بوجود قوى هائلة في نفسه ومنها قوة الخيال، وهذه القوة ذات آفاق واسعة يثيرها الفنانون والأدباء وكل من يحاول التأثير في الإنسان، وفي عصرنا الراهن يستثمر أهل السينما الخيال في التأثير بالمتلقي مع علم الطرفين بكذب ما في الأفلام وانها ليست سوى أداة لإثارة المشاعر.

وهذا هو مبنى السحر أيضاً، فهو يريد إثارة مشاعر المتلقي، وقد إستبدلت البشرية اليوم السحر بما يسمى بالسرك، حيث يتم إثارة أحاسيسهم إعتماداً على جهلهم بالأمور من جهة ومحاولة المتلقي الإبتعاد من الواقع من جهة أخرى، كما أن الساحر بسحره يهدف تجهيل المقابل وتعميته.

أما الآيات فهي بالعكس تماماً، إذ تحمل متلقيها إلى رحاب الحقيقة عبر إثارة عقله ومحاكاة ضميرة وإيقاظ وجدانه، ونتيجة الآيات بناء حضارة، حيث بنيت الحضارة الإسلامية في أقل من خمسة وعشرين عاماً ونشرت الخير للبشرية، بالعكس تماماً من السحر الذي لا يهدف سوى الهرب من الحقائق.

بين أضغاث الأحلامو آيات القرآن

المفارقة الأخرى في هذا المجال، هي المفارقة بين أضغاث الأحلام وآيات الكتاب العزيز، فما تعني أضغاث الأحلام؟

الضغث هو القبضة من عشب المختلط، والحلم هو يراه النائم وقد يكون في حالة اليقظة، كما كان في قصة صاحبي النبي يوسف عليه السلام في السجن، حيث نقلا له رؤيا، كان أحدهما قد رآى في المنام أنه يعصر لسيده والآخر لا، بل كان حلماً من أحلام اليقظة، ولذلك فسّر النبي يوسف عليه السلام كلا الحلمين.

ودعوى الكفّار بأن القرآن أضغاث أحلام كان يهدف إتهام النبي صلى الله عليه وآله فيما أتى به، بأنه كلامٌ لا معنى له ومختلط، كما يقال لمن يغلب عليه المرض أو النوم بأنه يهجر ولا معنى لقوله، الذي هو حال الكثير من كلمات وسائل الثقافة والإعلام في بلداننا اليوم، حيث تراه كلاماً غير متناسق بل ويناقض بعضه بعضاً.

بين الإفتراء والصدق

وهناك نوعٌ آخر من الكلام، هو الإفتراء الذي يقابل الصدق، ولكن ليس الإفتراء كأضغاث الأحلام متناقضاً ومبعثراً، بل هو الكذب المحبوك، كما يفعله اليوم مراكز صناعة الفكر والثقافة في البلدان المتقدمة.

ولكن بالرغم من أن الإفتراء كذبٌ منظم ومحبوك إلا أنه لا يخلو من فجوات تنخر في كيانه.

بين الشعر والحق

الشاعر يشبه الساحر في حركته، وإن إختلف معه في الوسائل، فإن كان الساحر يسحر العيون بحركاته، فالشاعر يسحرهم بكلماته، وقد إشتهر قولهم ( إن من الشعر لسحرا).

وكما يعلم الساحر ومتلقيه أنه خيالٌ لا واقع فيه، كذلك يعلم الشاعر والمتأثر بشعره أنه مجرد كلمات لا تصنع واقعاً، ولذلك يبقى كوسيلة للتشتيت والإلهاء فقط، فإنك لا ترى متأثراً بالشعراء يراجعهم إذا مرض ليعالجوه، أو ليبنوا له داراً.

ولكن قول الحق، هو الذي يصنع الواقع ويغير الفاسد منه.

سبيل التقييم

ترى، كيف نقيّم الكلام ونحدد نوعه بين الأنواع السابقة، هل هو سحرٌ أم من أضغاث الأحلام، أم هو إفتراء أم هو كلام حقٍ وصدق؟

إنما يتم تقيم القول بنور العقل عند الإنسان، وبيان ذلك بما يلي:

قد يكذب عليك شخصٌ أو يخطئ في فعله، ولكي يخفي خطأه يأتي بكمٍ من التبريرات المتتالية في محاولة منه لإشغال ذهنك بكثرتها كي لا تستطيع التفكير في صدق قوله، ومن يحشر معلومات كثيرة وغير مترابطة في كلامه فإنه يحاول إخفاء كذبه، بينما كلمة الصدق بسيطة وواضحة ولا خفاء فيها.

وإذا توقف الإنسان عند كل كلمة يحوكها أمثال هؤلاء ويتأملها على حدة فإنه سيكتشف التناقضات والأكاذيب الموجودة فيه.

ولكن هذا الأمر لا يكون مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله، فإنه كلامٌ منظم وليس مبعثراً، وهو متكامل لا تناقض فيه، وكل كلمةٍ فيه تعكس إثارة من عقل المتلقي، وكل عبارةٍ منه تلقى تصديقاً في وجدان المستمع، فكل معنىً من معاني كلمات الوحي تصنع واقعاً وتؤثر فيه.

  • { الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

إتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله بالسحر، ولكنا لم نر ساحراً يغير واقعاً أو يبني حضارة كالحضارة الإسلامية.

  • { قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4)}

سنتعرض للتدبر في هذه الآية لاحقاً ولكن الآية التالية تتحدث عن سائر التهم التي وجهت لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله:

  • { بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)

فكما قال قائلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه يهجر في أواخر حياته، قال الكافرون أن أقواله أضغاث أحلام، ولكنهم حيث لاحظوا إرتباط بعضه ببعض وتناسقه ودقته، قالوا أنه إفتراء، ولكن حيث كان النبي صادقاً وكان ما أتى به هو الصدق والحق، قالوا أنه شاعر.

ولما رجعوا إلى أنفسهم ولاحظوا أن قوله صلى الله عليه وآله ليس قول شاعر طالبوا بآيةٍ معجزة كما هي آيات السابقين من الأنبياء كعصا موسى عليه السلام أو ناقة صالح عليه السلام، والحال أن القرآن الكريم كان هو الآية المعجزة، وهي الآية المهيمنة على كل الآيات الأخرى، إذ كانت تلك المعاجز مؤقتة بإطار زمني خاص، والحال أن القرآن يبقى معجزاً في كل عصرٍ ومكان.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فيغَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4)}

صدق الله العلي العظيم

إذا عرفت العقل فلا تحتاج إلى البحث عن الجهل لأنه ضد العقل، وإذا أحطت علماً بالنور فلا تبحث عن الظلام لأنه إنعدام النور.

ذكرنا أن الإنسان في الوسط بين التكامل والتسافل، فلا هو في القمة ولا في القاع، ويستافل بالعوامل الست التي ذكرناها، والتكامل يكون في عكسها، فإذا تجاوز الإنسان حاجز الغفلة وإستمع إلى الذكر إستماعاً واعياً ولم يلعب أو يلهُ فآمن بالحقائق، فإنه يتكامل وبعبارة أخرى: إذا كانت الغفلة وسيلة للتسافل فإن التذكر عاملٌ للتكامل.

ومن هنا، فكل صفةٍ سيئة تدعها فإنك تكتسب بذلك أمرين، الأول تجنبك للعقوبة والثاني إرتقائك درجةً أعلى، فمن ترك معصيةً عرضت له أعلى مقاماً ممن لم يتعرض للمعصية أصلا.

كلماتٌ صاعقة

الكلمات الأولى في كل سورة تكون صادمةً وصاعقة، تهز مشاعر الإنسان من الأعماق، فلنستمع إليها:

  • {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ }

لم يقل الرب ” قرب” بل إقترب، كما أنه لم يخصص الإقتراب بفئةٍ دون أخرى بل بالناس، والحساب هو حسابهم.

أما الإقتراب فيدل على أنه قرب منهم كثيراً، إذ الأفعال في اللغة العربية تزداد معنى بإزدياد الحروف فيها، كما في كسب وإكتسب حيث الثاني يدل على المزيد من الكسب.

أما ورود لفظ الناس فلأن القضية ليست قضية شخصٍ دون آخر أو فئة دون آخر، بل هو عامٌ لكل مولودٍ في هذه الدنيا، إذ لابد أن يلقى كلٌ حسابه.

حقاً ما أعظمها من كلمة تصعق الإنسان الذي يحاول عادة الهروب من إطار المسؤولية، فلا يؤمن أو يؤمن بالحقائق لكن لا على نفسه، كمن يصدق بالموت لكن لجاره، وحين يعمم الخطاب القرآني الأمر للجميع ( الناس) يعني أنه لا فرق بين أحدٍ أبداً.

وكلمة ” حسابهم” تحوي معنيين:

الأول: المحاسبة على ما فعله الإنسان وإكتسبه.

الثاني: المجازاة بعد المحاسبة.

والكلمة تحوي المعنيين دلالةً على أن الجزاء الإلهي عادلٌ لأنه مرتبطٌ بمحاسبةٍ دقيقة لفعال الناس.

إختراق حاجز الزمن

وللكلمة ظلال وبصيرة ترتبط بالبشر ، فهو يعيش في إطار الزمان( الماضي- الحاضر- المستقبل) وكلما كان الإنسان أقدر على إختراق الزمان كان أقدر على كشف الحقائق، لأن الحقائق لا تتركز في زمن واحد بل هي مبثوثة عبر عصورٍ مختلفة، فإذا إخترق الإنسان حاجز الماضي كان كمن يعيش معهم من الأنبياء والأمم السابقة ويستفيد من عبرهم، وإذا إخترق حاجز المستقبل فإنه يعيش أيضاً حقائق المستقبل.

فالطالب الذي يعيش المستقبل بخياله لا يقصر في دراسته، وكذا الجندي الذي يستحضر المستقبل فإنه لا يتوانى عن بذل الجهد في المعركة، والمؤمن كذلك لأنه يعيش القبر وأهوال القيامة والصراط والجنة والنار بقلبه، فهو يخترق الزمن نحو المستقبل ويحايث حوادثه، وهذا هو أنجع دواء لمواجهة مرض الغفلة، لأن الغفلة تأتي من تبلد مشاعر الإنسان.

  • { وَ هُمْ فيغَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}

والغافل على نوعين، فقد يكون غافلاً بسيطاً، فإذا نبّه إنتبه، وقد يكون مركباً لا يقبل التذكير ويعرض عنه، وإذا أعرض الإنسان سوف لا ينتفع بالمواعظ.

  • ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ

قد لا يستفيد الغافل من المواعظ لتحولها إلى شيء رتيب في حياته وروتين يمر عليه، ولكن قد تأتيه صدمة عبر الذكر المحدث، ولكنه مع ذلك يعرض عن الحق ويلهي نفسه، فما هو الذكر؟

قالوا أنه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وهو صحيح ولكن يبدو أنه يشمل أي ذكر إلهي، وأعظمه القرآن الكريم.

والمحدث هو الجديد، لا بمحتواه بل بأسلوبه.

  • {إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)}

يلعب الغافل محاولاً إبعاد نفسه عن تأثير الذكر، كما فعل أولئك الذين قاتلوا سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، في كربلاء، حيث راحوا يضربون على الدفوف والطبول لكيلا يؤثر فيهم كلام السبط الشهيد، ولكن لماذا يستعمل القرآن لفظ الإستماع في المقام؟

الإستماع هو السماع بإرادة وإختيار، الأمر الذي يدل على إنحراف هؤلاء عن الصراط كان بخبث إرادتهم وسوء إختيارهم، فبدل الإستجابة لما إستمعوه صاروا يلعبون.

  • { لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أَبْصَرَ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ : “إِنَّهُ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ[1].

ومعنى الحديث أن المصلي كان بعيداً بقلبه عن الصلاة ولاهٍ عنها، وهكذا الغافل يستمع ولكن قلبه لاهٍ عن الذكر.

وينوه القرآن إلى أن مشكلة اللاعب لا تبدأ من سلوكه بل تبدأ من لهو قلبه، فقلب الإنسان قد يتحول إلى مثل الصخرة الصماء التي ينزلق عنها الغيث، فينزلق عن قلبه الذكر دون أن ينفذ فيه

  • { وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا }

من الناحية اللغوية كان المفترض أن يقال ( أسرّ النجوى الذين ظلموا) بإعتبار كون ( الذين ظلموا) فاعلاً ، فلماذا جائت الآية بهذا الأسلوب؟

قيل أنها جائت على لغة ( أكلوني البراغيث) ولكن الذي أعتقده أن الفاعل هو الواو في ( أسروا) إشارة إلى الغافلين، وحينئذ تكون ( الذين ظلموا)  منصوبة بالإختصاص مثل قولهم ( نحن المسلمين )، مما يدل على أن الظلم هو أساس كل إنحرافٍ لدى الإنسان كما مر.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الجعفريات ( الأشعثيات) : ص 36

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الاول)

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ في‏ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

صدق الله العلي العظيم

 

الإطار العام للسورة

يبدو أن الإطار العام لسورة الأنبياء هو ذاته لسورة طه المباركة، الذي يبين أن الناس درجات حتى في إيمانهم، وحينئذ فلابد من وجود معيارٍ واضح لمن أراد التقدم عبر مراقي الكمال، فما هو ذلك المعيار؟

الحديث في سورة “طه” كان عن عيسى وأمه عليهما السلام وموسى عليه السلام ومن كان معه كأخيه هارون، وتتميماً لذات الإطار يبين الرب في سورة “الأنبياء” مسيرة الأنبياء الكرام كأمثلة متقدمة جداً في مجال الإنسانية، فحين يتأمل الإنسان القيم المثلى يجد في نفسه صراعاً عن سبيل الوصول إليها، وكذا حين يدرس سيرة الأنبياء والأئمة يجد نفسه بعيداً عن مقامهم بعد السماء والأرض، فربما يصاب باليأس، ولكن الرب سبحانه يضرب لنا الأمثال بالأنبياء وهم بشر، رفعهم الرب إلى القمة، بل وربما إنتشل بعضهم ورفعهم إلى القمة كما مع أبينا آدم حيث قال الله سبحانه عنه: { وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ * ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏}[1].

فلماذا لا تستطيع أنت – أيها الإنسان- من بلوغ المراتب العليا؟

بلى؛ قد لا تصل إلى تلك القمم السامقة لسببٍ آو لآخر، ولكن من الممكن أن تصل إلى مراتب عالية، أولم يقل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:” عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ[2]وحين يذكر الرب قصص هؤلاء الأنبياء في السور القرآنية يأمرنا أن نقتدي بهداهم لنقترب من مقاماتهم، قال الله سبحانه: { أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه‏}[3].

 

عوامل السقوط

أول بحثٍ تتعرض له آيات هذه السورة هو الحديث عن عوامل السقوط وأسبابه، فما السر في بيانها قبل الحديث عن عوامل الرقي؟

السر في ذلك أن مبتغي الكمال عليه أولاً تجنب عوامل السقوط كي يتمكن من الأخذ بعوامل التعالي والرقي، كما المريض الذي ضعف بدنه بسبب المرض لا يعطى جرعات مقوية قبل أن يتم معالجة المرض، لأن تقوية الجسم سيسهم في تقوية المرض أيضاً.

وما زالت البشرية تعاني من مشكلة التهرب من دراسة أسباب التسافل وعدم التفكير فيها، وربما هرباً من مواجهة الواقع المرّ والإتعاظ به.

فما هي عوامل السقوط؟

إذا وقف الواحد منا على سفح جبل، فإنه سيجد أمامه طريقاً طويلاً نحو القمة، كما أنه يرى خلفه طريقاً بعيداً نحو قعر الوادي، وهو بينهما يختار سبيله نحو التعالي أو التسافل.

وهذا مثال كل واحدٍ منا في الحياة، حيث لم يخلق الله أحداً وهو على القمة أو القاع، بل خلقه وهو في الوسط على الفطرة، فإذا إستسلم لعوامل السقوط تسافل وإن قاومها سلم وترقّى.

العامل الأول: الظلم

الظلم هو تجاوز الحق، أي حق؟

أي حقٍ مفروضٌ على الإنسان سواءاً لله أو للنفس أو للآخرين من حوله، فلكلٍ منها حقٌ بيّنها الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالته للحقوق، وبتجاوزٍ أيٍ منها يمسي المرء ظالماً لنفسه أو لغيره.

والظلم أصل كل إنحرافٍ في البشرية، وبالذات الفكرية منها.

ومن هنا فإن تعرّض الإنسان للظلم من قبل أبويه وأسرته وبيئته لا يسوّغ له أن يمارس هو الآخر الظلم على الآخرين، فلا يجوز للمظلوم أن يظلم غيره بداعي ظلامته.

وبأيسر ظلمٍ ينكت في قلبه نكتةً سوداء قابلة للتوسع بقدر الظلم وحجمه، حتى يستوعب السواد القلب كله، فيسوّد القلب وينحسر النور ويسود الظلام.

العامل الثاني: الغفلة

وبعد حالة الظلم تأتي مرحلة الغفلة، لأن ذكر الله نورٌ وبتركه يدخل القلب في ظلمات الغفلة، وسبيل معالجة ذلك بمداومة الإستغفار من الظلم والمعاصي.

العامل الثالث: قسوة القلب

تستتبع مرحلة الغفلة مرحلة أخطر منها، هي قسوة القلب حيث لا ينتفع قسي القلب بنصح الناصحين، سواءاً المكررة منها أو المستجدة.

العامل الرابع: اللعب

وفي مسلسل التسافل ينشغل الإنسان بعد قسوة قلبه باللعب، فما هو اللعب؟

إنه الإلتهاء ببعض الأمور ذات الفوائد الظاهرية دون أن يكون لها فوائد حقيقية، هرباً من المسؤولية الملقاة على عاتقه، ارأيت الذي يمارس صيد اللهو؟

إنه يصطاد لا لينتفع من لحم صيده، بل لكي يقتل وقته وعمره بقتل فريسته، ويهرب من مسؤوليته باللحاق بصيده.

 

العامل الخامس: اللهو

وبعد اللعب تصل النوبة إلى اللهو، وهو محاولة الإلتهاء عن الحقائق بما لا نفع لها أبداً، قال الله سبحانه: { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُون‏}[4].

فإن كان للعب نفعٌ ظاهري فليس للهو ذلك أبداً، كما الذي يلهو بيده في الماء دونما هدفٍ أو فائدة.

العامل السادس: الإضلال

وبعد كل تلك الدركات، وإبتعاده عن الجادة، يصل الظالم إلى مرحلة محاولة إضلال الآخرين ومنعهم من الإستضائة بالهدى، لأن الإنسان يحسد الآخرين بطبيعته، فهو يحاول منعهم من الإرتقاء ويريد جرّهم إلى حضيضه، كما المريض بالجذام يسعى لنقل العدوى للآخرين لا لشيء، إلا ليكونوا مثله ولا يتميزوا عنه بالصحة.

وطبيعة كل ساقطٍ تدعوه إلى إسقاط الآخرين معه ومنعهم من الهدى، ومن أجل ذلك يسعى لصناعة ثقافات تبريرية وأفكار منحرفة من أجل التعمية على الحق، وبذلك يتحول من مجرد ضال إلى مضل، وبتعبير آخر من ضالٍ إلى مغضوبٍ عليه.

ومعالجة هذه الدركات الست لا تتيسر إلا بمنع العامل الأول والتخلص منه، أعني الظلم، وتطهير القلب من براثنه بكثرة الإستغفار ومداومته، لأمكان أن يكتب المرء ظالماً وهو لا يشعر، كما يمكن بقاء بعض عوالق الظلم في القلب دونما علمٍ.

وهكذا كان على الإنسان المداومة على تطهير قلبه والسعي نحو ذلك بشتى الوسائل والطرق، كما يسعى من إتسخت يداه إلى تطهيرها بالماء فإن لم ينفعه فبالمطهرات المختلفة، لكيلا يبقى عليها الدرن المادي.

 

  • {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ }

ليس الحساب بعيداً، بل هو مغيّبٌ عنا، فإذا مات إبن آدم قامت قيامته، فليس بينه وبين حسابه إلا الموت الذي يتم في لحظات يسيرة، إذ الموت يكون كلمح البصر وإن طالت بعض مقدماته.

فحيث لا يدري الإنسان ساعة موته الذي قد يكون في أي لحظة، فلابد أن يستشعر إقتراب حسابه.

 

  • {وَ هُمْ في‏ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) }

لغفلتهم عن الحقائق تراهم معرضين عنها، كمن هو مقبلٌ على حفيرةٍ في طريقه لغفلته عن وجودها.

  • ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)

يلعبون بسبب قسوة قلوبهم، الأمر الذي يمنعهم من التأثر بالذكر.

 

  • {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ }

لا يوجهوا قلوبهم إلى ما ينبغي التفكير فيه بسبب اللهو بما لا ينفع.

وفي عصرنا اليوم حيث زحمة المعلومات المختلفة وتراكمها الرهيب، أمست البشرية لاهية، لا تفكر في الحقائق والقضايا المرتبطة بمصيرها، بل وقد أبتدع البعض أساليب ماكرة لصرف إنتباه الإنسان وإلهائه عن واقعه ومسؤوليته.

  • {وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

بالرغم من أن عامل الظلم ذكر في هذه الآية، لكنه هو الأساس كما يبدو، فهو مبدأ الوصول إلى هذه النتيجة الخطيرة، أي مرحلة حمل راية الشيطان، التي تبدأ من خلال حركة سرية حتى تسري إلى العلن.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة طه: الآية 121-122

[2] بحار الأنوار: ج2، ص 22

[3] سورة الأنعام: الآية 90

[4] سورة المنافقون: الآية 9