تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس العاشر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (34) ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)}

صدق الله العلي العظيم

بصائر عدة يمكن أن نستفيدها من هذه المجموعة من الآيات الشريفة، والتي تشكل خاتمة سورة الجاثية، وخواتيم السور القرآنية تحوي – عادةً – تلخيصاً لما بينته سائرالآيات في السورة، ورغم أن البصائر كثيرة ألا انا سنشير إلى ثلاثة منها لمحدودية الوقت:

 

البصيرة الأولى: إطفاء نور العقل.. مشكلة البشر

المشكلة العظمى للبشر تكمن في عدم انتفاعه بعقله، وليس من المبالغة في شيء لو قلنا أن انتفاع اغلب الناس من عقولهم لا يصل الى الواحد بالمائة من إمكانية العقل.

ولإن العقل يتجلى في الدماغ – حسبما يقال – وفي الدماغ خلايا عصبية، فإن العلماء استطاعوا معرفة مدى انتفاع الإنسان من عقله بقياس مقدار استفادته للخلايا العصبية المودعة في الدماغ، حتى قالوا ان المفكرين لم يستفيدوا من عقولهم سوى الواحد بالمائة.

بلى؛ سيأتي فيه يوم تكتمل عقول الناس، وذلك بظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف حيث يمسح على رؤوس الخلائق فتكتمل أحلامهم (اي عقولهم) كما في النصوص الشريفة.

ولأن المشكلة عظيمة فإن الحديث عن معالجتها يتكرر في القرآن الكريم، وتركز آياته الشريفة على جذر المشكلة ولب الموضوع تاركةً المقدمات والنتائج للمتأمل.

وعدم تفعيل العقل والانتفاع به يؤدي إلى نفي الإنسان للحقائق الواضحة، وكلمة الأنكار وفكرة النفي هي التي تهلك اكثر الناس في القيامة، سواء كانت الحقيقة حقيرة او جليلة، وكلما كانت الحقيقة أعظم كانت مسؤولية القبول أعظم، وعقوبة الإنكار أشد.

إذا أردت أن تنكر حقيقةً ما ولا تصدقها، فلابد لك أن تأتي بالدليل والبرهان، لا أن تقابل الدليل بالسخرية والبرهان بالاستهزاء، ذلك الداء الذي عالجه القرآن الكريم منذ بدايات سورة البقرة وحتى خواتيمه.

وقد تصيب حالة الإستهزاء بالحقائق كل واحدٍ منا، كلٌ بمستواه وبدرجة الحقيقة التي يرفض الخضوع بقبولها، ومثال ذلك أن مؤمناً بوحدانية الله سبحانه ونبوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يرفض حقيقة الولاية ويستهزء بها، ألا ترى أنه شابه الكفار المستهزئين بالرسالات الالهية؟

وقد يكون إنكار حكم شرعي والاستهزاء به هو الآخر استهزاء بالحقائق، الأمر الذي يصاب به الكثير من المسلمين حين لا يعرفوا حكمة الأحكام الشرعية.

ترى، ما هو طريق الوقاية من حالة الإستهزاء؟

الحل، أن نجعل القرآن الكريم نافذةً ننظر من خلالها إلى الحياة، فتستنير قلوبنا ببصائره، وتوجه آياته قلوبنا إلى قبول الحقائق – والعظمى منها خصوصاً – والتي منها هدفية خلقة الإنسان وأن الله لم يخلق الإنسان إلّا ليكرمه، وليجعله جليسه في مقعد صدق، وأن يغدق عليه بالنعم تلو النعم في جنة الخلد، حيث يضاعف الرب نعمه على أهل الجنة كل جمعة.

فهل يعقل أن يتسبدل الإنسان هذه الجنة الواسعة والتي حشوها البركة وعمارها الملائكة، يستبدلها بعذاب أليم في جهنم حيث الألم والضيق والإحتراق؟

فالفرق بين المصيرين كبير، والمسافة شاسعة، و وعي الإنسان لهذه الحقيقة يدعوه إلى قبول نصح الناصح، والاستجابة له وعدم الاستهزاء به، وكذلك قبول قول من ينهاه عن المنكر ويدعوه إلى المعروف، الأمر الذي إن فعله طابت حياته وحسن مصيره.

أما إستعمال الإنسان للسخرية والتشكيك في مقابل الدليل والآيات البينة التي يأتي بها المصلحون فلا يزيده الا خسارا.

 

البصيرة الثانية: أرحم الراحمين .. اشد المعاقبين

يقيس البعض كل شيء بالدنيا – ومنها الآخرة -، فحيث يرى رحمة الرب الواسعة والشاملة للمؤمن والكافر، وأنه سبحانه يعفو عن الذنب كرماً، ويتجاوز عن الخطيئة تفضلاً، ويستجيب دعاء الداعين و.. يظن أن الله سبحانه سيشمله برحمته في الآخرة وإن اساء العمل.

الله سبحانه هو أرحم الراحمين في موقع الرحمة، ولكنه – أيضاً – أشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، فالرب شديد العقاب على من يخالف أمره، وهذه الآية تشير إلى نسيان الرب لبعض المجرمين يوم القيامة، فهو لم ينسهم في الدنيا بنعمه حتى ساعات عصيانهم، ولكنه ينساهم في القيامة، كيف يكون ذلك وهو لم يكن نسيا؟

في الحديث قال أمير المؤمنين عليه السلام – في قول اللَّه – تعالى-:

نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ: “فإنّما يعني: أنّهم نسوا اللَّه في دار الدنيا فلم يعملوا له بالطّاعة ولم يؤمنوا به وبرسوله، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيّين من الخير”[1].

فبعد مدة من العذاب ينسي الرب الناس هؤلاء، حتى أن المؤمن في الجنة يتذكر الكافر أحياناً فيطلع عليه، ولكنه بعد مدة ينساه، وكذلك ينسيهم الله ملائكته، وفي النهاية ينساهم أي يتركهم ويجعلهم منسيين من كل خير، فماذا نفعل لكي لا نبتلى بهذه العاقبة الخطيرة؟

أن لا ننسى الله سبحانه، فهو تعالى القائل: {فَاذْكُرُوني‏ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لي‏ وَلا تَكْفُرُون‏}[2]؛ أن نذكره في الدنيا ليذكرنا برحمته، أن نذكره في الرخاء ليذكرنا في الشدة، لا أن ننسى الله في النعيم ونلجأ اليه في الملمات، ومن كان دأبه كذلك لا يرفع دعائه إلى السماء، كما في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:

“مَنْ تَقَدَّمَ فِي الدُّعَاءِ اسْتُجِيبَ لَهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتٌ‏ مَعْرُوفٌ وَلَمْ يُحْجَبْ عَنِ السَّمَاءِ وَمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ ذَا الصَّوْتَ لَا نَعْرِفُهُ‏”[3].

 

البصيرة الثالثة: طريق السعادة

لا سبيل للوصول إلى السعادة الّا أن يبدأ الإنسان من آيات الله سبحانه والاعتبار بها، ليعرج بها وصولاً إلى اسماء الله الحسنى، فكما ذكرنا سابقاً أن كل آية من آيات الله سبحانه هي تجلي لإسمٍ – أو اكثر- من اسماء الله الحسنى، فالشمس عظيمة وجميلة ومتقنة و..، فهي آية عظمة الله وجماله وحكمته وعلمه و..، واذا شئنا الوصول إلى معرفة الأسماء الإلهية فلابد ان يكون ذلك عبر آياته المبثوثة في كل شيء، فمن أراد فهم شيء من إسم (جميل) فله أن ينظر إلى جمال المخلوقات والطبيعة و..

وكذلك عن طريق آيات القرآن الكريم يسمو الإنسان لمعرفة الله سبحانه ويزداد قرباً منه، فالقرآن الكريم بمثابة مفتاح ولا ينفع المفتاح الا باستعماله لفتح الأبواب والاستفادة مما فيها، فبواسطة القرآن الكريم انتفع بالحقائق فهو مفتاح الاستفادة منها، ومن هنا، نجد الأمر الإلهي بالسير في الأرض في قوله تعالى:

{قُلْ سيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدير}[4].

فالقرآن وسيلة للعروج، ومن يقول بعدم مفهومية القرآن فهو يعارض نص القرآن ذاته، اذ يسّر الله كتابه للناس، بلى؛ هناك آيات لا يفهمها الا من خوطب بها وهم الرسول الاعظم واهل البيت عليهم جميعا افضل الصلاة والسلام، كما ان فهم اهل البيت للقرآن الكريم وتفسيرهم له هو الأتم بلا ريب، ولابد من الرجوع اليهم، ولكن ذلك لا يعني ان القرآن غير مفهوم بتاتاً.

وبفهمه لآيات الكتاب يسمو المؤمن في معارج الكمال، إذ ترى سلوكه يصطبغ بصبغة آيات الكتاب المجيد، فهو حين يقرأ يومياً قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ* صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ*}[5]، يتسائل عن الذين أنعم الله عليهم فيجدهم في قوله تعالى:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقا}[6]، فيعزم على طاعة الله ورسوله عملياً، ومن ثم يسعى لئلا يكون من المغضوب عليهم ولا الضالين، فيشخصهم في واقعه المعاش ثم يبتعد عنهم ويعلن البرائة منهم.

فالذين يوسوسون لاضلال الناس عبر القاء الشبهات والدعوة إلى الشهوات هم من المغضوب عليهم، وبالتبري يبتعد الانسان عنهم، ولو كان التبري لدى أبنائنا حقيقياً لما وجدنا احداً منهم يتأثر بالغزو الثقافي الذي يتعرض له المسلمون.

والقرآن يبين للأنسان أن منظومة آياته، ومباني الثقافة الإسلامية الصحيحة تبدأ من معرفة الله سبحانه، والسبيل إلى تنمية المعرفة – بعد المعرفة الفطرية – التعرف على الله من خلال آياته، فلا يكتفى بالحد الادنى من المعرفة والإيمان، بل لابد من التسامي في هذا الحقل يوماً بعد يوم.

وحين يعرف الانسان ربه يعرف أن له مائة اسم، واحدٌ منها اختص به فلا يخرج منه الى غيره، والذي به الوهيته ومشيته، أما الباقي فيمكن له أن ينتفع بها لحياته وإن كان من المستحيل ادراك كنهها، فيكون مثل من ينتفع بشعاع الشمس بقدره لا بقدرها – وجل الله سبحانه عن الأمثال -.

فاذا عرف – مثلاً – اسم الـ (عدل ) يعرف أن الله ليس بظلام للعبيد ولو بقدر قيد أنملة، ومعرفة ذلك تؤدي به إلى معرفة أن الدنيا ليست خاتمة الأمر ولا هي نهاية المطاف، لأن الكثير من البشر لم يجازوا على افعالهم الحسنة والسيئة، وعدم المجازات ظلم، فيتوصل الى وجود جزاء عادل بإنتظار الناس بعد هذه الحياة.

{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}

كل عملٍ سيء ارتكبوه، يظهر أمامهم ويبدو لهم بكل تفاصيله، ولو لم يكن عذابٌ في القيامة سوى إظهار معاصي الإنسان لنفسه وللملأ لكفى به عذاباً، إذ تبقى شخصية الإنسان بالنسبة لنفسه أهم شيء، أرأيت كيف ينتحر بعض المجرمين حين يعرض عليهم توثيق قيامهم بالجريمة التي ارتكبوها؟

{وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}

قالوا: حاق بهم، اي أحاط بهم، فما استهزءوا به وادعوا انه غير موجود صار موجوداً واحاط بهم.

ورغم صحة هذا القول، إلا انه ليس الأقرب، فالأقرب هو أن الحقيقة التي هزءوا بها وهربوا منها تحققت أمام ناظريهم.

{وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا}

من الوان العذاب الإلهي العذاب النفسي وما يتعرض له المجرم من الشماتة، فهو يستحقها لأنه كان يستعمل اسلوب الإستهزاء أمام الحقائق.

من الذي يشمت بهم؟ قد يكون الرب سبحانه، وقد يكون الانبياء، وقد يكون الملائكة، وقد تكون الشماتة حتى من قرينه وصاحبه الشيطان، الذي يدخل في صراع مع المجرم في النار، وكما قال سبحانه: {وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي‏ فَلا تَلُومُوني‏ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمينَ لَهُمْ عَذابٌ أَليم‏}[7].

فالمجرم في العذاب ينسى، لأنه نسي لقاء يوم القيامة، ولم ينسه الا لاستهزاءه به وعدم الإيمان بحقانيته.

{وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}

المأوى، هو المكان الذي يأوي اليه المرء، أي منزله، ومأوى المجرم النار، وليس له من ناصر يخرجه مما هو فيه.

{ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}

السبب في تعذيبهم بهذا اللون من العذاب هو استهزائهم بآيات الله الواضحة، واغترارهم بالحياة الدنيا واستكبارهم بالنعم التي ابتلاهم الله سبحانه بها.

{فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}

الحديث ليس عن الخروج، انما الإخراج ولذلك كان على صيغة المبني للمجهول، ذلك لأنهم لا يقدرون – حتى لو سمح لهم – بالخروج مما فيه لشدة العذاب والألم، كذلك لا يستمع احدٌ إلى عتابهم.

{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ}

الحمد كله والشكر جميعه لله سبحانه، له الحمد بجميع محامده كلها، على جميع نعمه كلها، وكل الصفات الحسنى هي له تبارك وتعالى.

{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

فهو الرب، بمعنى المربي للسماوات وهو رب الأرض، وهو تبارك وتعالى رب العالمين، الذي ينعم عليهم جميعاً بنعمه – وأولها نعمة الوجود -.

ومن المستحسن أن يقرأ المؤمن عن الكواكب والأفلاك ليعرف سعتها وعظمتها وبالتالي يتعرف على شيء من عظمة الرب سبحانه الذي يربي كل شيء.

{وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

لله سبحانه الحمد، وله ربوبية كل شيء، وله تعالى الكبرياء، التي تعني التجبر والعظمة، ولكن هل الله متكبر؟

بلى؛ الله وحده المتكبر، وهو أهل للكبرياء والعظمة دون خلقه، لأنه وحده الغني بالذات والخالق والمالك الحقيقي لكل شيء، أما الإنسان العاجز بذاته والمفتاق إلى غيره ليس له أن يرتدي التكبر الذي هو رداء الله سبحانه وتعالى، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يَقُولُ اللهُ تَعَالَى الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي‏ وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّم‏”[8].

وبذلك يعالج الإنسان حالة التكبر والأنا في داخله، تلك التي تحجبه عن قبول الحقائق.

{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

عزيزٌ لا يقهر وحكيم لا يعمل عزته وقدرته إلا بحكمةٍ بالغة، فلا يؤاخذ المذنب بمجرد المعصية ولا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب و..

 

في آخر ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك نسأل الله سبحانه أن يعتق رقابنا من النار إذ يعتق الله ليلة عيد الفطر بقدر ما اعتق طوال شهر رمضان من رقابٍ من نارجهنم، انه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب: ج1، ص 410

[2]  سورة البقرة : الآية 152

[3]  الكافي : ج2، ص 472

[4]  سورة العنكبوت : الآية 20

[5]  سورة الفاتحة : الآية 6-7

[6]  سورة النساء: الآية 69

[7]  سورة ابراهيم : الاية 22

[8]  مجموعة ورام : ج1،ص 198

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس التاسع)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)}

صدق الله العلي العظيم

القرآن الكريم كتابٌ عادل نزل من ربٍ عادل، ومن سمات عدالته أنه لا يورد الحديث عن يوم الجزاء، الا ويذكر معه الأدلة المقنعة لها، حتى يجد الإنسان صدق هذا الأمر في نفسه وبفطرته، فلا يورد حقيقة الجزاء بشكل سطحي بل بشكل معمّق.
وسنة الجزاء لا تخص الإنسان وحده، بل هي تعم كل موجود، جماداً كان أو نباتاً او من الدواب، بلى يختلف الإنسان – في موضوع الجزاء – عن سائر الموجودات، أن تلك تجازى بفعالها آنياً، أما الإنسان فقد أمهله الله سبحانه ولا يجازيه بأفعاله مباشرة لسنة الإبتلاء والإمتحان، وسنة الجزاء من المحاور الأساسية لسورة الجاثية.
وفي هذه المجموعة من الآيات استمرار للحديث عن لمحات من اليوم الآخر، ونحن في هذه الليلة ضيوفٌ على مائدة آية الجاثية، يقول الله سبحانه:
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}

ما معنى الجاثية؟
الجاثية من الجثو على الركبة، وهي جلسة الخضوع والذل، وللمفسرين معنىً آخر للكلمة أقرب إلى السياق في دلالته، حيث قالوا بأن الجاثية حالة استعداد الإنسان للقيام حيث يضع ركبتيه ويديه على الأرض ليتحرك بمجرد المناداة، ارأيت كيف يجلس العدّاء في حالة الاستعداد منتظراً إستماع صافرة الإنطلاق؟
فكل الأمم تجلس بتلك الحالة باستعداد تام للاستجابة للأمر الإلهي، أو هي جالسة جلسة الذل والخضوع والاستسلام، فما معنى الأمة؟
الأمة، من أمَّ يؤم، اي اتباع مجموعة لشخصٍ ما، مثل اقتداء مجموعة بشخص في الصلاة يجعله إماماً ويجعلهم مأمومين، فالأمة هي مجموعة من البشر يتبعون قائدهم، والمحور هو القائد والإمام، ومن هنا نعرف أن الأمة قد يخلط ابنائها العمل الصالح بالفاسد، ولكن لإتباعهم للإمام الحق فإن الله يشفعّه فيهم ويدخلهم الجنة، كما أن الأمة لو كانت تتبع القيادة الفاسدة والجائرة، فلن ينتفعوا بصلاح الأعمال وكثرة العبادات، ترى هل انتفع معسكر عمر بن سعد بالصلاة خلف قائدهم في يوم عاشوراء؟ صلوا صلاتهم من هنا وقتلوا ريحانة رسول الله بعده، وصلى ابنائهم الصلاة ومن ثم قتلوا المئات في بغداد يوم أمس، فأي صلاة هذه؟ ما دامت القيادة منحرفة لا فائدة من العبادة والصلاة.
ولابد أن أقول للعالم، أن سكوتهم اليوم عن جرائم هذه الزمرة الخبيثة سيولّد اسوء منهم بعد فترة، كما سكتوا قبل سنين عن التفجيرات التي كانت تطال أئمة الجماعة والجمعة فتولدت منذ ذلك الحين بذرة داعش.
ورعاية صاحب العصر والزمان أولاً وبالتبع ادعية المؤمنين في ليالي القدر، هي من البركات العظمى التي تتنزل على هذه الأمة المرحومة، فقبل سنوات هبطت طائرة مسافرين في وسط الصحراء في ليلة القدر وكان هبوطها بسلام في ليلة القدر، وهذه السنة حاولت عناصر داعش أن تشن هجوماً واسعاً على كربلاء المقدسة بأكثر من ثمانمائة مركبة، ودفع الله سبحانه شرّهم ببركة صاحب العصر والزمان وجهود الشباب المؤمن من الحشد الجهادي.
{كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا}
لماذا الحديث عن الأمم وليس عن الأفراد؟
هناك آياتٌ كريمة تدل على أن المحاسبة يوم القيامة يكون لآحاد الناس فكلٌ يحاسب بمفرده، كما قال تعالى:

{وَكُلُّهُمْ آتيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدا}[1]،

وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏}[2].

ومن ذلك نستفيد أن للإنسان حسابين في القيامة، احدهما خاصٌ به حيث يكون الحساب بينه ويبن ربه، والثاني هو الحساب مع المجتمع، فالذي يعصي الله في الخلوات يحاسب منفرداً، اما المتجاهر بالفسق والذي سكت مجتمعه عن فسقه، يحاسب هو ومجتمع جميعاً، وفي الحديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام:

“أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَى‏ وَالسَّخَطُ وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَى فَقَالَ سُبْحَانَهُ‏ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ‏ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ”[3].
وبين قوسين أذكر للأخوة أن الحديث عن عقر الناقة تكرر في أكثر من حادثة عند اهل البيت عليهم السلام، منها في الحديث عن قاتل أمير المؤمنين عليه السلام، ومنها في يوم عاشوراء عند استشهاد رضيع أبي عبد الله الحسين عليه السلام، لأن الناقة كانت آيةً مبصرة وبعقرها استحق القوم العذاب الأليم.
ومن هنا نعرف أن أمماً كاملة قد يعمها العذاب حيث عمّهم الرضا تجاه المعاصي والموبقات.
وللأمة كتاب مضافاً إلى كتاب كل فرد، وكتاب الأمم هو كتابهم السماوي الذي أنزله الله بينهم، مثل القرآن الكريم والإنجيل والتوراة و.. ويكون هذا الكتاب هو الميزان الذي به توزن أعمال الإنسان في الكتاب الثاني، فما يحوي الكتاب الثاني؟
يحوي الكتاب الثاني كل أفعال الإنسان الصالحة والطالحة بدقة متناهية، حتى ترى المجرمين مشفقين مما أحصاه هذا الكتاب، حتى عدد نبض القلب والأنفاس ورمش العيون و..، قال تعالى:

{وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا}[4].

{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
هناك يجازى كلٌ ما عمل، أي يرى جزاء كل أعماله بما هي، ولكل فعل جزائين، كيف؟
لتوضيح الفكرة نمثل بما يلي: لو نهيت ابنك عن شرب ماء نتن، فلم ينتهي وشربه، سيمرض ومرضه جزاء شربه للماء، كما انه يستحق عقوبة أخرى هي جزاء عصيانه لأمرك، وكما هناك عقوبات – في المحكمة – ترتبط بالحق الخاص وأخرى تتعلق بالحق العام.
وهكذا أعمال الإنسان، تتجسد يوم القيامة، كما أن حالة العصيان والإطاعة لها جزاء آخر، وإلى هذا النوع تشير بعض الآيات مثل قوله تعالى:

{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون‏}[5]،

أي جزاءٌ للعمل وآخر يترتب على العصيان أو الطاعة، وذلك لمحل (الباء).
ولكن هذه الآية في سورة الجاثية، تبين أن الأمم يجزون ما كانوا يعملون يوم القيامة، اي إن العمل ذاته يتجسد في القيامة.
{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ}
فالكتاب الإلهي فيه إحصاء تام للعمل، وهو كتاب حق وينطق عليهم بالحق.
{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
الإستنساخ هو حفظ نسخة من الأصل، والله سبحانه يستنسخ كل عملٍ يقوم به الإنسان في الدنيا، فالصلاة الواحدة التي يصليها هناك أخرى مطابقة لها عند الله ويأتي بها الرب هناك، وإن كان الإستنساخ عند البشر يطابق الأصل في بعض الجهات مثل اللون والصورة والأبعاد، فإن استنساخ اعمال الإنسان ليوم القيامة مطابق تماماً للعمل.
{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
من كان مؤمناً بوجود حسابٍ دقيق واستنساخ للاعمال، وعمل الصالحات واكتسبوا الحسنات، سيلقون نسخة أعمالهم في كتابهم وبذلك تكون النتيجة:
{فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}
أن الله سبحانه يدخلهم في رحمته نتيجة للإيمان وصالح الأعمال، ورحمته تستوجب عظيم العطاء وجزيل الجزاء.
{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ}
يتطلع الإنسان إلى الأفضل بطبعه، فطينته عجينة بإرادة التسامي والفوز، فهي حالة راسخة في الإنسان، ولكن مشكلة الإنسان تكمن في أنه يخطأ طريق ذلك التسامي، فيظن أنه في جمع المال على المال، او يخال ذلك يكمن في حصوله على المنصب والسلطة و..
في حين أن الأفضل والفوز المبين هو في الآخرة، حين يدخل الله الإنسان في رحمته، فيغرقه بالنعيم المقيم، حتى وإن كان فقيراً في دنياه أو محكوماً في حياته أو .. وكما روي عن سلمان المحمدي رضوان الله عليه ان مستهزئاً بفقره: لحيتك خير أم ذيل الكلب؟، فأجابه سلمان: إن جاوزت لحيتي الصراط فهي أفضل وإلا فذيل الكلب.
محاكمة الكافر
الله سبحانه عادل، ومن مظاهر عدله تعالى، أنه لا يعذّب الكافرين قبل أن يعترفوا بإستحقاقهم للعذاب، حتى أن هناك عدة مواقف للحساب تخص الكافر، وآخرها على شفير جهنم.
{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}
المؤمن في رحمة الله، أما الذين كفروا فيحاسبهم الرب تعالى، ويخاطبهم:
{أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ}
آيات الله الواضحة والباهرة تليت عليهم، ولكنهم اتخذوا موقفاً مغايراً للموقف الصحيح الذي اتخذه المؤمنون في مقابل الدعوة وآيات الله سبحانه.
{فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}
الإستكبار على الآيات الألهية دعاهم إلى التكذيب والكفر، والإنحراف العقائدي استتبع انحرافاً سلوكياً حتى صاروا مجرمين.
فلا يمكن أن يكون هناك فساد عقائدي الا ويليه السلوك الفاسد.
{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا}
الله حق ووعده حق .. ولكن مشكلة البشر أنه لا يصدق وعد الرب تبارك وتعالى الغني العزيز، والحال أنه يصدق مواعيد الإنسان العاجز.
فحاشا لله أن يكذب الوعد، ولكن إنحراف الإنسان يؤدي إلى عدم الإيمان.
{قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}
اتباعاً للهوى راح هؤلاء يشككون في الآخرة بتبريرات واهية، ما هي، وكيف هي، ومتى هي و.. بأنهم يظنون بالساعة ظناً، وليسوا بمستيقنين بصدق وعد الله سبحانه.
وهذه التبريرات هي في واقعها أشد من عدم إيمانهم، فحين لا يصلي المرء فهو عاصي ويستحق عقوبة معينة، ولكنه حين يترك الصلاة مشككاً في أصل وجوبها (تبريراً لتركه لها) فإن عقابه أشد، ومن هنا نعرف أن تبرير الأنحراف اسوء من الإنحراف ذاته، وبذلك يستحق أشد العقاب.
ومن ثم فإن جهل الإنسان بحقيقةٍ ما أو تشكيكه بها لا يبطلها، فعدم قبول هؤلاء بالقيامة لا يعني عدم قيامها، بل يوم القيامة يحاسبون حتى على عدم علمهم بوجود الحساب، وفي ذيل الآية الشريفة: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[6]}،

قال الإمام الصادق عليه السلام: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدِي أَكُنْتَ عَالِماً فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَهُ أَفَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ‏ وَإِنْ قَالَ كُنْتُ جَاهِلًا قَالَ لَهُ أَفَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ فَيَخْصِمُهُ وَذَلِكَ‏ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ”[7].
ومن هنا اوصي نفسي وأخوتي بالتفقه في الدين، وتعلم الأحكام الشرعية خصوصاً ما يرتبط منها بالحياة اليومية، ولا يقولنّ احدٌ أني كبرت في السن لأن الموت بعلم خيرٌ من أن يموت الإنسان وهو جاهل، فعسى ان يتعلم المرء فيما تبقى من حياته علماً يصحح به اخطائه السابقة، وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:

“إِنْ أُجِّلْتَ فِي عُمُرِكَ يَوْمَيْنِ فَاجْعَلْ أَحَدَهُمَا لِأَدَبِكَ لِتَسْتَعِينَ‏ بِهِ‏ عَلَى‏ يَوْمِ مَوْتِكَ فَقِيلَ لَهُ وَ مَا تِلْكَ الِاسْتِعَانَةُ قَالَ تُحْسِنُ تَدْبِيرَ مَا تُخَلِّفُ وَ تُحْكِمُهُ “[8].

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا للعلم واليقين ويجنبنا الشكوك والظنون، انه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة مريم : الآية 95
[2] سورة النجم : الآية 39
[3] بحار الأنوار : ج11، ص 379
[4] سورة الكهف : الآية 49
[5] سورة النور : الآية 24
[6] سورة الأنعام: الاية 149.
[7] الآمالي ( للمفيد ) 228
[8] الكافي : ج8، ص 150

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنحَيَا وَمَا يهُلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  وَمَا لهَم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ  إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلىَ‏ عَلَيهْمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كاَنَ حُجَّتهَمْ إِلَّا أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَائنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يحُيِيكمُ‏ ثمُ‏ يُمِيتُكمُ‏ ثمُ‏ يجَمَعُكمُ‏ إِلىَ‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَاكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يخَسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)}

صدق الله العلي العظيم

 

يمتلك الإنسان وسائل عدة للوصول إلى وعي أية حقيقة، فقد منحه الله العين ليبصر بها والأذن ليسمع والجوارح لتلمس والعقل ليكشف ما وراء ذلك و..، فإذا أراد أن يصل إلى الحقيقة فليس أمامه إلا الاستفادة من الجارحة أو الجانحة المتناسبة مع نوع الحقيقة ليدركها، أما إذا اراد الإنسان أن لا يصل إلى الحقيقة فليس أمامه الا أن يعطل الوسائل هذه ويعيش في ظلمات الجهل.

فمثلاً، لو رأى أحدنا سواداً في ظلمة الليل فأمامه أن يقترب منه ويمعن النظر فيه، بعد إشعال الضوء او الإنصات لصوته، سيصل بعد إعمال الفكر بماهيته، أما لو اغلق كل تلك الوسائل وتخيّله شيئاً ما او قال بالظن، فإنه سيعتبر تخرصاً ومجانبةً للواقع، ويقاس على هذا المثال سائر الحقائق في الحياة، اذ لابد أن يسلك المرء سلسلة من المراتب لكي يصل إليها.

وفي هذا المجال نقول، أنا نفتخر بإنتسابنا الى مكتب أهل البيت عليهم السلام، الذي رسم مناهج في غاية الدقة والتحديد للوصول إلى الحقائق، فقد فصّلت الآيات والروايات هذا المنهج بشكل مذهل، مثل الحديث عن العقل وتنميته والجهل وسبل دحضه و..،  وهذا لا يرتبط بالجانب الدينية فقط، بل في الجوانب الأخرى الحياتية.

وكمثال على الدقة المتناهية للمناهج العلمية لدى أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، هو ما نراه لدى فقهائنا الكرام في مختلف العلوم، وخصوصاً الفقهية منها حيث ترى العمق والدقة والموضوعية المتناهية.

فمن أراد الوصول إلى إدراك الحقائق فعليه إستعمال الأدوات، اما من لم يشأ ذلك فلا يعمل منها شيئاً، وبذلك يتبع هواه، وبعبارة أخرى يتبع ما ترغب به نفسه، فيرى الأمور بما ترغبه نفسه لا بما هي أمور واقعية، وهوى الإنسان ليس ميزاناً للحق والباطل.

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ}

إتباع الشيء يعني عبادته، وكما في الحديث عن الهادي عليه السلام:

“مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ‏ فَقَدْ عَبَدَهُ‏ فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللهَ وَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ”[1].

فليست العبادة في هذه الآية بمعنى الركوع والسجود، بل بمعنى إتباع الهوى، والهوى يعني الحب الشديد تجاه شيء.

ومن عبد الهوى  وترك الحق، فمصيره إلى الهلاك لا محالة، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“إِنَّ مَنْ لَمْ‏ يَنْفَعْهُ‏ الْحَقُ‏ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى يَرِدُهُ الضَّلَالُ “[2].

 

منطق متبعي الهوى

{وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنحَيَا}

بضلالتهم واتباعهم للهوى راحوا يحيكون التخيلات الباطلة، حول الحياة والموت، حيث اعتبروا الدنيا هي نهاية المطاف.

ولا ينطلقون في مقولتهم هذه من مصدر علمي أو عقلي بتاتاً، فلو سألتهم عن الدليل لتعتعوا في الجواب، مثلما حصل مع ذلك الزنديق الذي أنكر وجود الله سبحانه بحجة عدم رؤيته له، بعد أن سأله الإمام الصادق عليه السلام عن ذهابه إلى السماء وبحثه عن الله في بطن الأرض أو شرقها وغربها.

ولكن ماذا عنوا بقولهم: نموت ونحيا؟

بيّن المفسرون عدة إحتمالات اولاها ان مرادهم هو أننا أحياء بعد الموت، او كنا عدماً فصرنا الى الوجود، وثانيها أنهم كانوا يذهبون إلى نظرية التناسخ، بمعنى حلول روح الميت في جسد إنسان آخر والذي يقال عنه “نسخ” أو حلولها في حجر والذي يقال عنه “رسخ”، وثالثها أنهم يحسبون حياتهم في حياة أبنائهم بعد موتهم.

وعلى الإحتمالات الثلاثة فإنهم على باطل، فعلى الإحتمال الأول نسألهم عن كيفية تحوّلهم من العدم إلى الوجود، ومن قام به ولماذا ومتى و..؟

وعلى الأحتمال الثاني، فإن نظرية التناسخ واضحة الفساد، وأوضح دليل على فسادها هو عدم معرفة الجسد الجديد الحياة السابقة لروحه، أوليست الروح واحدة ؟ فلمَ لا يعرف أحدٌ من مليارات البشر كيفية حياته السابقة.

أما الإحتمال الثالث فيرد بأنه ليس حياةً للآباء بل هي حياةٌ مستقلة للأبناء.

{وَمَا يهُلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}

يعبر بالدهر عن كل مدّة كثيرة، وتطاول الليل والنهار دهر، ونسب هؤلاء الهلاك للدهر، مثل قال تعالى:

{هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُورا}[3].

فما هو شأن الدهر بالإيجاد والإعدام ؟ وما هي بداية الدهر وإلى أين منتهاه؟

واليوم ينسب الماديون كل شيء للطبيعة، كالخلقة والتدبير والتغيرات و.. ويضاهئون به قول من نسب الأمور إلى الدهر، ولكن ترى على أي شيءٍ يستند هؤلاء؟

يقول الله سبحانه:

{وَمَا لهَم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}

منطلقهم في قولهم ذلك هو الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً.

سابقاً كان يجهل الإنسان البدائي سبب الموت، ولذلك كانوا يتوهمون أسباباً للموت ويقومون بربطه بأحداث غريبة، مثل طيران الغراب أو نعقه أو العاصفة أو.. فحيث لم يكونوا يعرفوا الأسباب والمسببات، كانوا يبنون معارفهم على أسس الخيال والخرص والظن، وشيئاً فشيئاً راح يكتسب العلم ويتخلص من آراءه السخيفة المسبقة.

والذي ينسب الهلاك وقبله الإيجاد إلى الدهر هو الآخر جاهلٌ ولا يملك نصيباً من العلم، وبالتالي يعتمدون على الظن والوهم إتباعاً للهوى.

{وَإِذَا تُتْلىَ‏ عَلَيهْمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}

في ساعة المواجهة العلمية، إذ تتلى عليهم الآيات البينات على فساد نظريتهم، مثل محدودية ومحكومية الدهر هو الآخر كمحدودية الإنسان، فأنهم لا يملكون سوى الإصرار على الإنحراف، كيف؟

{مَّا كاَنَ حُجَّتهَمْ إِلَّا أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَائنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}

الحجة في مقابل الحجة، ولكن لايملك هؤلاء الحجة، لأنهم وبعد حيرتهم على الجواب، وامتناعهم عن قبول الآيات البينة، يطالبون – إحتجاجاً وتهرباً عن الواقع – بإحياء آبائهم الميتين، جاعلين ذلك شرطاً لصحة الآيات.

ولكن مطالبتهم تلك ليست بحثاً عن الحقيقة، لأن الآيات بدورها بينة وكافية لمن طلب الحق، ولو افترض إحياء الآباء والإتيان بهم لرفضوا الخضوع أيضاً، وادّعوا أنهم مسحورين و..، وكما يقول الله سبحانه عن هذا النمط من البشر: {وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فيهِ يَعْرُجُون‏ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُون‏}[4]، فالمعاند لا يخضع للحق ولو أتيت إليه بألف دليلٍ ودليل، كما كان الأمر مع قوم فرعون الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي موسى عليه السلام رغم إتيانه بالآيات البينات كالعصا واليد و..

ومن الآيات البينات هو خلقة الله المتقنة وصنعه الدقيق لكل شيء، أفلا يكفهم ذلك إيماناً بأنه لا يغفل الإنسان؟

{قُلِ اللَّهُ يحُيِيكمُ‏ ثمُ‏ يُمِيتُكمُ‏}

والتأمل بالمخلوقات الإلهية يعرف الإنسان أنه هو المحيي والمميت، حتى وإن لم يكن يراه الإنسان أو يؤمن به، فهل عدم رؤية راكب الطائرة لقائدها يعني أن الطائرة لا يقودها أحد؟ كلا؛ بل يعترف بوجوده وإن لم يره بعينه لمعرفته بإستحالة طيران الطائرة دون قائد.

إنهم قدموا الموت على الحياة، ولكن الله قدم الحياة على الموت، فهو الذي يحيي الإنسان ويأتي به إلى الدنيا، وهو الذي يميته بعد حياته.

{ثمُ‏ يجَمَعُكمُ‏ إِلىَ‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}

لا تنتهي القصة عند الموت – كما خالوا إتباعاً للهوى – بل يأتي الله بالناس جميعاً يوم القيامة، ومن أسماء يوم القيامة هو يوم الجمع، إذ يجمع الله سبحانه الأولين والآخرين في موقفٍ واحد.

{لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَاكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}

لا ريب في يوم القيامة، فهو يومٌ واقع لا محالة،  فأما الذي يبحث عن الحق لا يرتاب بها، وأما المتبع لهواه فهو لا يعلم بوجود القيامة، وبالتالي هو الآخر لا يشك بالآخرة لعدم علمه بها، وعدم علمه بها لا يغيّر من واقعه شيئاً.

{وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

لكل شيءٍ في الوجود مالك، وبوجدانه يعلم الإنسان أنه ليس مالكاً فيما حوله من كائنات ومخلوقات، رغم انه  يستطيع أن يسخر بعضها بصورة جزئية ومحددة .

فالبيت الصغير يحتاج إلى مدير وحاكم، ولو فقد لاختل نظامه، فهل يمكن لهذه الكائنات أن تسير في مجاريها دون وجود حاكمٍ ومدير لها؟

كلا؛ فالله سبحانه هو الخالق لكل شيء، فهو إذاً المالك لها، المحيط بها علما، والمتصرف بها كيف يشاء، سبحانه وتعالى.

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يخَسَرُ الْمُبْطِلُونَ}

الأنسان حرٌ في الدنيا أيَّ طريق يسلك، ولكن الآية تحذره من سلوك السبيل الخاطئ، فحين تقوم الساعة مصير المبطل الذي راح يحوك الظنون بالأوهام إتباعاً للشهوات هو الخسران.

وفي الآية السابقة ساق الرب الحديث عن القيامة، ولكن في هذه الآية حديثٌ عن قيام الساعة، فما هو المراد بالساعة؟

الساعة هي لحظة إنتهاء كل شيء، فلكل شيءٍ حادث مبدأ، وكل ما له بداية له نهاية، وعالم الخلقة حادثٌ كان له بداية قبل ملايين السنين، وله نهاية، ونهايته هي الساعة، وكذلك فالساعة موعد إنتهاء مفعول الأنظمة والقوانين الحاكمة على الدنيا.

فالشمس تجري لمستقرٍ لها، ومستقرها هو الساعة، والجاذبية تحكم الأرض وبه رست الجبال على الأرض، فإذا جاء وعد انتهاءه صارت الجبال كالعهن المنفوش:{وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش‏}[5]، وأبصار الناس في الدنيا محدودة بمسافة معينة، ولكن بقيام الساعة ينتهي التحديد وتكون أبصار الخلائق حديد، قال الله سبحانه:

{لَقَدْ كُنْتَ في‏ غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد}[6]،

وهذا النظام الحاكم بانتهاء كل شيء هو الساعة.

فبقيام الساعة يخسر المبطل، ولا سبيل للعودة وتصحيح ما أفسده، فلا يرجعون ولا يمهلون إلى أجلٍ قريب ليقوموا بأعمالٍ صالحة.

ومن هنا أوصي الاخوة بإستغلال فرص الخير وعدم التسويف في العمل الصالح، فإذا رأيت فقيرين بباب المسجد فتصدق على أولهما ولا تؤجل التصدق إلى الثاني لأنك لا تظمن بقاءً بينهما، وأكثر ما يشتكي منه أهل النار هو”سوف” لأنهم كانوا يؤجلون تصحيح أعمالهم وكسب الحسنات فباغتهم الأجل.

وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام رفض تأجيل توزيع خراج إصفهان الذي كان قد وصل الكوفة ليلاً إلى الصباح، لأنه لا يضمن لنفسه البقاء إلى غداة غد فقام بقسمة الخراج بين المسلمين في الليلة ذاتها.

 

نسأل الله سبحانه أن يبصّرنا بالحقائق وأن يوفقنا للعمل الصالح قبل إنتهاء الأجل، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تحف العقول : ص 456

[2] إرشاد القلوب الى الصواب : ج1،ص 34

[3]  سورة الإنسان : الآية 1

[4]  سورة الحجر : الآية 15

[5]  سورة القارعة : الآية 5

[6]  سورة ق : 22

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنهَّمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْا  وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ (19) هَاذَا بَصَئرِ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْترَحُواْ السَّيِّاتِ أَن نجَّعَلَهُمْ كاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَاءً محَّيَاهُمْ وَ مَمَاتهُمْ  سَاءَ مَا يحَكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالحْقّ‏ وَلِتُجْزَى‏ كلُ‏ نَفْسِ  بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَ فَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)}

صدق الله العلي العظيم

 

للعين رؤية وللقلب رؤية، ورؤية العين بصر، أما رؤية القلب فبصيرة، ولا ينفع البصر كثيراً إن لم تكن هناك بصيرة، لأن البصر يرى الظواهرة أما البصيرة فتنفذ إلى مغيبات الأمور ويشاهد بها صاحبها البواطن..

ولكل إنسانٍ بصيرة تشكل رؤيته تجاه الحياة واحداثها، وبناءً عليها يحدد خارطة طريق حياته، ولو كانت منحرفة لانحرفت أخلاقيات الإنسان وبالملازمة تنحرف سلوكياته.

ونعني بالبصيرة الصحيحة أن يعرف الإنسان من أين جاء ولماذا جاء وإلى أين يكون مصيره، وكما في الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: رحم‏ اللَّه‏ امرء أعد لنفسه واستعد لرمسه وعلم من أين وفي أين وإلى‏ أين‏”[1].

والله سبحانه وتعالى يقول عن القرآن أنه بصائر: {هَاذَا بَصَئرِ لِلنَّاسِ} اي مجموعة متكاملة من البصائر، فيها بصيرة للنفس وأخرى للعلاقة مع الآخرين وبصيرة بالنسبة للماضي وبصيرة تتعلق بالرؤية المستقبلية و..، فهي بمثابة منظار يوضع على العين ليرى من خلاله العالم والحقائق، ومن ثم فهي بصائر للناس، جميعاً دون فرقٍ بين كبير وصغير وأبيضٍ وأسود و..

فبمقدور الإنسان أن تكون رؤيته لكك شيء من خلال نافذة القرآن الكريم، ويفي القرآن بالغرض، ومثله كمثل ثوب نبي الله يوسف الذي توارثه الأنبياء كابراً عن كابر ومن ثم وصل إلى يوسف الصديقة الزهراء إمامنا الحجة عجل الله فرجه، الذي كان يناسب كل من يلبسه، وكذا القرآن الكريم يفهم منه الصغير بمقدار فهمه وحاجياته، وكذلك العالم الخبير ينتفع منه بمستواه، بل وحتى الإمام المعصوم والنبي يستفيد من كتاب الله سبحانه وتعالى.

{وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

القرآن فيه بصائر للناس، ولكن هداه ورحمته يختص بالمؤمنين، فالبصيرة تدعوا إلى الهدى وحين يهتدي المؤمن ويعمل وفق معطيات الهداية ينال الرحمة الإلهية.

 

الجزاء من جنس العمل

ومن أهم البصائر المذكورة في هذه المجموعة من الآيات الكريمة أن الجزاء لا يمكن أن يكون من غير جنس العمل، فاذا زرعت الشوك لا يمكن أن تحصد ورداً، وكذا لو زرعت الورد لا تحصد الا الورد، إذ لكل عمل جزاءه ونتيجته التي تتناسب معه، ولابد من وعي هذه الحقيقة الواضحة في حياتنا اليومية، ولكن لمَ لا يفهمها الإنسان فيما يرتبط بأعماله وسلوكياته؟

السبب في ذلك هيمنة الأهواء عليه، فالمتبع للهوى لا يريد أن يفهم، لا أنه لا يقدر أن يفهم، بمعنى أنه يمتنع وبمحض إراداته عن الإنفتاح عن النور.

فطاعة الهوى تتحول إلى حجاب بين المرء وبين الحقائق، ولو استطاع أن يتغلب على اهوائه سوف يتمكن من رؤية الحقائق بوضوح، ويكون شديداً وفائزاً في حياته وآخرته، وكما في الحديث النبوي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

إِنَّ الشَّدِيدَ لَيْسَ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ‏ غَلَبَ‏ نَفْسَهُ‏.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم بِقَوْمٍ يُرَبِّعُونَ‏ حَجَراً فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا نَعْرِفُ بِذَلِكَ أَشَدَّنَا وَأَقْوَانَا فَقَالَ (ص) أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشَدِّكُمْ وَأَقْوَاكُمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَشَدُّكُمْ وَأَقْوَاكُمُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ وَلَا بَاطِلٍ وَإِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَق‏”[2].

وبذلك نخلص إلى أن القرآن كتابٌ فيه بصائر للناس جميعاً، اما عدم استفادة الناس من بصائره ومنها أن جزاء العمل هو من جنس العمل، هو إتباعهم للهوى.

 

حكومة الظالمين وحكومة المتقين

ومن المباحث الأخرى التي تذكرها هذه المجموعة من الآيات الكريمة، أن الحكومات والمجتمعات على نوعين، فهي إما حكومة الظالمين ومجتمعهم، او حكومة المتقين ومجتمعهم، ويحكم الظلمة في الأول حيث يظلم الناس بعضهم بعضاً، فيظلم احدهم من هو دونه كما يظلم من هو فوقه، ويتحمل من الطرفين الظلم بدوره، وكما قال الله سبحانه:

{وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُون‏}[3]، حيث يكون الظالم ولي الظالم.

وفي المقابل يكون مجتمع المتقين، الذين يسيرون في علاقاتهم مع الآخرين من منطلق التقوى، اذ ترى الرجل يؤدي حقوق عياله، وعياله يقومون – في المقابل – بواجباتهم تجاهه، انطلاقاً من اوامر الشرع المقدس، و ولي هؤلاء هو الله سبحانه، يرسل عليهم رحماته ويرزقهم الحياة الطيبة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

وفي حال واجه المؤمن مجتمعاً ظالماً وعجز عن إصلاحه كلياً، فعليه أن يقوم ببناء مجتمعٍ صالح مصغّر بدءاً من عائلته وبيته، ومن ثم مع مجموعة من إخوانه المؤمنين حيث يشكلون معاً حلقات إيمانية تشكل مجتمع الإسلام الحقيقي. وبالإمكان أن يتشكل المؤمنون في مجاميع صغيرة عادلة وصالحة في المجتمعات الظالمة، وبالتزامهم بتقوى الله في علاقاتهم وحياتهم يكون وليهم الله سبحانه وتعالى.

وقد كان أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يقومون بهذه التشكلات في التاريخ إبّان حكم الظالمين وسيطرة الجبابرة على الحكم، فيقومون باداء حقوق بعضهم البعض ويلتزمون بتعاليم الشريعة في حياتهم، وقد أورد بعض الفقهاء في كتبهم وجوب حقوق المؤمن تجاه اخيه المذكورة في الروايات والبالغ عددها سبعون حقاً، والمقصر فيها سيحاسب يوم القيامة عليها.

وبهذه المناسبة اوصي الشباب: شهر رمضان المبارك شارف ببركاته ورحماته على النهاية، فخذوا منه هديةً وتحفةً لأنفسكم، وذلك بأن تحولوا حياتكم إلى حياة ربانية، ودونكم تعاليم الإسلام في هذا المجال فطالعوها وطبقوها.

يقول الله سبحانه عن حكومة الظالمين والمتقين:

{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

لأنهم يظلمون بعضهم البعض فيعيشون حياةً ملئها الظلم والإبتعاد عن الصراط القويم.

{وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ}

وفي المقابل فالله سبحانه هو ولي المجتمع المؤمن المتقي.

{هَاذَا بَصَئرِ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

كما قلنا فالبصائر هي للجميع، ولكن لا يستفيد من هداه ورحمته إلا المتقون.

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْترَحُواْ السَّيِّاتِ أَن نجَّعَلَهُمْ كاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ}

الآية تبين رؤية منحرفها يحملها بعض البشر للهروب من مسؤولية أعمالهم، إذ يتصور هؤلاء أن حسابهم بما قاموا في حياتهم من موبقات وفواحش سواء مع حساب المؤمنين الذين عملوا الصالحات، اوليسوا جميعاً عباد الله سبحانه؟

كلا، فالمحسن لا يستوي مع المسيء، ولا يمكن أن يجعلان في منزلة واحدة، وذلك يتعارض مع العدل، والله سبحانه عدلٌ لا يجور، فالذي همّه المعاصي وظلم الناس والإفساد في الأرض و ..، هل يعقل أن يجعله الله سبحانه كالمؤمنين الذين عملوا الصالحات في حياتهم؟

{سَوَاءً محَّيَاهُمْ وَمَمَاتهُمْ}

يتصور هؤلاء أن التساوي يكون في حياتهم وفي عاقبتهم بعد الموت، ولكن الآية الشريفة تنسف هذا التفكير من أساسه، فلا تساوي بينهما في المعيشة ولا في الجزاء الأخروي، فالمولع بالمحرمات مثل القمار يبتلى بضعف الأعصاب، وكذلك الذي يعيش حياة ملئها الفاحشة سيبتلى بأمراض لا علاج لها و..، اما المتقي فيعيش حياةً ملؤها الطمأنينة والسعادة، فضلاً عن الجزاء في يوم الحساب.

{سَاءَ مَا يحَكُمُونَ}

لا يكون الأمر كما يحكم هؤلاء، وساء حكمهم، وساءت رؤيتهم إلى الوقائع.

والمؤمن يعتبر بهذه الآية الكريمة بحسب حاله، فلا يتمنى جزاءً متساوياً مع العاملين إن لم يكن عاملاً، لأن هذه الحقيقة تنطبق على كل من يتمنى أن يجعله الله سبحانه في مرتبة لا يستحقها بعمله، سواء كان كافراً ويتمنى أن يحشر مع المؤمن او مؤمناً ويحسب أنه يحشر مع من هو أعلى منه إيماناً وعملاً،  وكما قيل فالأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.

وعلى المؤمن أن يتقين من سلامة مسيرته في الحياة لكيلا يكون ممن ظل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، وسبيل ذلك عرض نفسه على كتاب الله سبحانه وتعالى ويجعل القرآن ميزاناً لشخصيته، وكما قال الإمام الباقر عليه السلام في وصيته لجابر بن يزيد الجعفي: “اعْرِضْ‏ نَفْسَكَ‏ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ وَإِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِك‏..”[4].

 

محورية الحق دليل الجزاء

{وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالحْقّ‏}

لماذا ساء ما يحكم من يحسب أن المسيء والمحسن سيّان في الجزاء؟

لأن الله سبحانه خلق كل شيء في السماء والأرض وما بينهم بالحق، وبحساب ودقة، والإنسان هو الآخر خلقه الله سبحانه بالحق .

{وَلِتُجْزَى‏ كلُ‏ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ}

والهدف من خلقة السماوات والأرض بالحق، هو حصول كل نفس على جزاءٍ بلون ما كسبت، ولا يمكن أن يكون الأنسان بمنأى عن هذه القاعدة، فما دام الحق هو الحاكم على الجميع، فالإنسان هو الآخر محكوم.

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}

فكما لا تجد ظلماً في عالم الطبيعة، فكذلك الإنسان لا يظلم، ومن الظلم بحق المحسن أن يساوى مع المسيء.

والسؤال: لماذا وقع الناس في هذا الإنحراف؟

الآية الكريمة تجيب: ان السبب هو إتخاذ الناس أهوائهم آلهة.

{أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتخَّذَ إِلَاهَهُ هَوَئهُ}

فالإشكال يكمن في هوى النفس، الذي يتحول إلى حجاب بين الإنسان وبين تبصّره للحقائق، وللفظة الإله معانٍ مختلفة، وتعني هنا أن يكون الهوى إمام الإنسان الذي يسير خلفه.

وكيف يمكن أن يعرف الإنسان نفسه بكونه متبعاً لأهوائه ؟

عليه أن يجعل ميزانه في ذلك، أن يقارن بين العمل اذا قام هو به، واذا قام به الآخرون، فلو رضيه من الآخرين كما رضيه من نفسه يكون منصفاً، والإ اذا رضي من فعلٍ قام به، ويكره نفس الفعل إذا عمله الآخرون، فهو متبع للهوى، وبعبارة أخرى أن يطالب الآخرين بالصلاح دون أن يكون هو من الصالحين.

{وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلىَ‏ عِلْمٍ}

الذي جعل الهوى ألهاً يتبعه، ويسير خلفه، فإنه يقوم بإطفاء ما في قلبه من نور، لأن الله أعطى كل إنسانٍ بعض النور في القلب بمقدار ما فيه من ظلمة، فإذا اتبع الهوى غلّب الظلمة على النور، وكما قال سبحانه:

{وَالَّذينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمات‏}[5].

والمراد بقوله (عَلىَ‏ عِلْمٍ) أن الله عالمٌ باستحقاق هؤلاء للضلالة، إذ لا أمل برجعتهم إلى طريق الصواب.

{وَخَتَمَ عَلىَ‏ سمَعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلىَ‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}

وبذلك يختم الله على سمعه وقلبه فلا يعي الحقائق، بل ويجعل على بصره غشاوة لا يمكنه أن يبصر بهما الواقع، مهما كان جليّاً وواضحاً، وعندما يبصر الآيات لا يرى ما وراءها من العبر.

{فَمَن يهَدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}

إذا أظل الله عبداً كان من المفترض أن يستفيد من وسائل الهداية لديه مثل العقل والرسل و..، فمن يقدر على هدايته من بعد الله سبحانه؟

وفي الآية تحذيرٌ للإنسان بأن يكون مصيره كمصير الضالّ، ويتذكر بعاقبة متبعي الأهواء، مثل اولئك الذين حضروا في كربلاء لمحاربة ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان بعضهم يقاتل تحت راية أمير المؤمنين عليه السلام قبلئذ ولكنهم اتبعوا الهوى فأضلهم الله وكانوا من أصحاب الجحيم.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتطبيق آيات الذكر الحكيم على حياتنا، إنه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الوافي : ج1،ص 116

[2]  الآمالي : ص 20

[3] سورة الأنعام : الاية 129

[4]  تحف العقول : ص 284

[5]  سورة البقرة : الآية 257

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السادس)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ  وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهْا  ثمُ‏ إِلىَ‏ رَبِّكمُ‏ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ الْكِتَابَ وَالحْكمْ‏ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلىَ الْعَالَمِينَ (16) وَءَاتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ  إِنَّ رَبَّكَ يَقْضىِ بَيْنهَمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كاَنُواْ فِيهِ يخَتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلىَ‏ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنهَّمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْا  وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَاللَّهُ وَلىِ‏ الْمُتَّقِينَ(19)}

صدق الله العلي العظيم

 

تبقّى مما مضى الحديث عن موضعين، نشير أليهما هذه الليلة قبل الإنتقال إلى الحديث عن موضوع الآيات التي ذكرناها:

اولاً: في الآيات السابقة تم الإشارة في أكثر من آية حول طريق الوصول إلى الحقيقة بدءاً من الحديث عن الإيمان ومن ثم اليقين وبعد ذلك التعقل وانتهاءاً بالحديث عن التفكر.

وفي ذلك بصيرة هامة، وهي أن الدين الإسلامي ورسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والتي بينتها آيات القرآن الحكيم حوت على تعاليم لجميع أبعاد الحياة البشرية، فلم تكتفِ بجانبٍ دون آخر، ولم يكن الإهتمام بجانب على حساب جانب ثان، فإنك تجد الإهتمام بالبعد العاطفي في أعلى درجاته في تعاليم الدين الحنيف وفي الوقت ذاته فإنه يدفع الإنسان في البعد العقلي إلى أسمى المراتب، الأمر الذي لا تجده في سائر الأديان وحتى السماوية منها – التي حرّفت فيما بعد – إذ تجدها إما مفرطة أو مفرّطة، فهي إما تهمل العقل أو تهمل العاطفة.

وكما هو الدين، كذلك ممثلوا الدين الحنيف، وسيرتهم كانت متوازنة بين جانبي العاطفة والعقل، فأمير المؤمنين عليه السلام الذي كانت حياته مليئة بالحماسة والعواطف و.. هو نفسه صاحب نهج البلاغة الكتاب الذي لا ينفاسه أي كتابٍ آخر من كتب البشر، وقد اعترف لي أحدهم وهو يشغل منصب مستشار لرئيس أحدى الدول الأروبية أنه منبهر بشخصية أمير المؤمنين عليه السلام الذي تحدث بحقائق قبل أكثر من اربعة عشر قرن حيث كان الاوروبيون يعيشون كالحيوانات والوحوش – حسب قوله -، ولم يصل إلى ادراكها الناس إلا في العصر الحديث.

ثانياً: أمر الله سبحانه المؤمنين بأن لا يغتموا كثيراً بكفر بعض الناس وضلالتهم، فالدنيا أرادها الله سبحانه دار امتحان، ويفلح فيها قومٌ ويخسر آخرون، وسينال كلٌ جزاء عمله، ف بالرغم من وجود واجب الدعوة والتبليغ، إلا انه ينتهي دوره عند ذلك لا ينبغي عليه أن يتأثر كثيراً بكفر من كفر.

ونتيجةً للضغط النفسي الذي يعانيه المؤمن تراه ينزوي عن المجتمع ويبتعد عن الناس، وهذه الحالة حالة خاطئة منع عنها الإسلام، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له عثمان بن مظعون:

إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالسِّيَاحَةِ وَأَنْ أَلْحَقَ بِالْجِبَالِ.

فقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم يَا عُثْمَانُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي‏ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ “[1].

كما حارب الإسلام الرهبانية التي كانت منتشرة في النصارى، قال الله تعالى:

{وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها }[2].

وفي مقابل هذه الحالة الخاطئة هي الحالة الخاطئة الأخرى التي تتمثل في فرض الدين على الناس وقهرهم على الإلتزام به، فقد قال الله سبحانه: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنين‏}[3].

بلى؛ على الحكومات والمجتمعات الإسلامية أن تضع قوانين معينة للحفاظ على المجتمع الإسلامي ولكن لا يجوز فرض العقيدة على الناس وتفتيش عقائدهم ونواياهم.

وبالنتيجة سيحصد كل امرء ما زرعه في الدنيا من عقيدة وعمل، وهذه الحقيقة من البديهيات الواضحة ولكن لابد أن تتحول إلى بصيرة للإنسان في الحياة ليرى بها عاقبة الأفعال، حتى يصل – بتنمية هذه البصيرة – إلى مرحلة يمكنه أن يعرف عواقب أمور الأفعال وان لم يعرف بالدليل حرمة الفعل او حليته، وقد نقل عن آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة، أنه ذهب إلى بستانٍ مع بعض طلبته، وقد قدّم له العامل عنباً طازجاً فامتنع الشيخ عن مد يده إليه، حتى جاء صاحب البستان وعرف عدم أكل الشيخ من ذلك العنب، فسأل العامل عن مصدر العنب، وقال العامل له أنه جاء بالعنب من البستان المجاور لعدم جودة عنب البستان، فأمره الرجل بأن يأتي بثمار بستانه الخاص، وحينها اكل الشيخ الحائري من ذلك العنب.

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}

كل عمل يقوم به الإنسان، انما يقومه لنفسه لا لغيره، فهو الذي سيلقى جزاء عمله، فما يقدمه للناس من صدقات وخدمات، وما يفعله من إحسان للآخرين، فهو المستفيد قبل غيره، وإلى هذه الحقيقة أشار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه: ” أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا فُقَرَاءُ الْمَدِينَةِ فَجَاءُوا وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم وَكَانَ يُعْطِيهِمْ فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا رَقَبَتُهَا.

فَسَأَلَ عَنْ عَائِشَةَ مَا بَقِيَ مِنْهَا فَقَالَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا رَقَبَتُهَا.

فَقَالَ صلى الله عليه وآله” قُولِي بَقِيَ كُلُّهَا إِلَّا رَقَبَتَهَا”[4].

ومن هنا لا ينبغي لمن يقدم بعض المال للأعمال الخيرية أو المؤسسات الدينية أن يعتبر إنفاقه مغرماً وخسارةً أو إغناءاً للغير، بل هو مالٌ يقدمه لنفسه ونفقةٌ يقرضها لغيره ليسترجعها يوم القيامة، وكان الإمام زين العابدين عليه السلام يستقبل من يسأله الحاجة بقوله: “مَرْحَباً بِمَنْ يَحْمِلُ لِي زَادِي‏ إِلَى الْآخِرَةِ”[5].

{وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهْا}

وفي المقابل فإن اسائة المرء تعود إليه في نهاية المطاف، وإن بدا في الوهلة الأولى انه منتفع أو يتضرر بالفعل غيره، ولكن الإسائة لا تعود إلا الى فاعلها.

والجزاء يكون على نوعين، منه ما يرجع إلى الفاعل في الدنيا، ومنه ما يلقاه الإنسان في الآخرة، ويبدو أن اغلب أعمال الإنسان سيجازى عليها ويعرف عاقبتها في الدنيا قبل الآخرة، خصوصاً إذا كان العمل هو عمل أمة ومجتمع.

فعلى سبيل المثال، حين يتضرع المؤمنون إلى ربهم ويسألون الله أن يلم بظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه شعثهم ويشعب به صدعهم ويرتق به فتقهم و.. ثم ينطلقون من الدعاء – باعتباره منهاجاً للمجتمع الاسلامي الذي يعيش تحت راية الإمام المنتظرعليه السلام -، ويسعون لتهيئة مقدماته ليصلوا إلى مجتمع الكرامة، فإنهم سيحصدون النتائج وان لم تكن كلية.

وبالرغم من أن النموذج الأكمل والأشمل سيكون بحكومة الإمام عليه السلام، لأنها حكومة إلهية عالمية، الا ان العمل والسعي سينتج الحصول على نتائج في حدود معينة.

{ثمُ‏ إِلىَ‏ رَبِّكمُ‏ تُرْجَعُونَ}

والعاقبة هي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة والجزاء الأوفى هناك، حيث لا يظلم ربك أحداً.

وكمثال على حصول المجتمع على جزاء عمله يذكر لنا القرآن الكريم قصة بني اسرائيل:

{ َولَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ}

وتكررت قصة بني اسرائيل أكثر من سبعين مرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، للتشابه الكبير بين الأمة الاسلامية وبين بني اسرائيل، وكما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ؟”[6].

وقد أعطاهم الله مجموعة كبيرة من النعم، ولكنهم بالرغم من كل ذلك لم يؤدوا حقها، فما الذي آتاهم الله سبحانه؟

{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ الْكِتَابَ}

 

اولاً: الكتاب

وهو التوراة، الذي قال عنه سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداء}[7]، فالتوراة كتابٌ إلهي فيه هدى ونور ورحمة، اما تحريفه من قبل اليهود أو نسخه بالكتب اللاحقة فذلك كان لاحقاً.

{وَالحْكمْ‏}

 

ثانياً: الحكم

وللحكم معنيان:

الأول: بمعنى القضاء وفضل النزاعات، أي العلم الذي به يتم الحكم في الخلافات.

الثاني: بمعنى السلطة والحكومة.

وقد أعطى الله سبحانه بني اسرائيل الحكم بكلا المعنيين، فأعطاهم ما به يحكمون في أمورهم ونزاعاتهم، كما منحهم الحكم في مصر ومن ثم في فلسطين.

{وَالنُّبُوَّةَ}

 

ثالثاً: الأنبياء

فقد بعث الله منهم وإليهم الكثير من الأنبياء والرسل، ولم يكن ذلك عبثاً واعتباطاً، وانما كان لحكمة إلهية وبسبب صبرهم على الحق وصمودهم أمام قهر فرعون وظلمه.

{وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}

 

رابعاً: النعم المادية

مضافاً إلى النعم المعنوية كالكتاب والنبوة، رزقهم الله سبحانه من الطيبات، والتي يبدو لي لم تكن مقتصرة على المن والسلوى و..، بل تشمل كل النعم المادية التي رزقهم الله بها.

{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلىَ الْعَالَمِينَ}

 

خامساً: التفضيل

وقد فضّل الله تلك الأمة على أهل عالمهم، ومن تجليات التفضيل هو كثرة بعثة الرسل منهم، من امثال انبياء الله داوود وسليمان وعيسى ويحيى عليهم السلام وكذلك بوجود نساء مثل السيدة مريم عليها السلام من بني اسرائيل.

{وَءَاتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ}

 

سادسا: بينات من الأمر

ما هو المقصود ببيناتٍ من الأمر؟

لتوضيح ذلك نقول: للدين خطان، احدهما ثابت يرتبط بأصل الدين ومنها العبادات، فالصلاة ثابتة منذ تشريعها وإلى يوم القيامة ولا تتبدل، أما الخط الثاني فهو البعد المتغير والذي يتطور بحسب الزمان والمكان، مثل أمور الحرب والسلم والإقتصاد والثقافة و.. والتي تتغير بتغير الزمان والمكان والتي تحتاج إلى رؤية الدين في الظروف المستجدة، ويبدو أن المقصود بالبينات هو ما يرتبط بالجانب الثاني للدين، ببيان الوظيفة العملية الحوادث الواقعة، قال الله سبحانه:

{وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَليلا}[8].

وقد رسم الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف منهجاً لحل المشاكل المستجدة برؤية دينية صافية، حيث قال عليه السلام : “وَأَمَّا الْحَوَادِثُ‏ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ”[9]، والمراد برواة الحديث هم العلماء بها والعارفين بدرايتها، فـ : “حَدِيثٌ‏ تَدْرِيهِ‏ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ “[10]، كما قال الإمام الصادق عليه السلام.

وبهذا نعرف أن الله فضّل أتباع اهل البيت عليهم السلام على سائر الأديان والمذاهب في معرفة الحوادث الواقعة، وهو باب الإجتهاد الذي كان من فضل الائمة الطاهرين على هذه الأمة، لأنهم يسيرون على هدى الائمة ونالوا من نورهم عليهم السلام ببركة كلماته النورانية.

 

عاقبة بني اسرائيل

{فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضىِ بَيْنهَمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كاَنُواْ فِيهِ يخَتَلِفُونَ}

وفي نهاية المطاف تمزقوا بسبب الإختلافات، والتي لم تكن بسبب الجهل او عدم وجود الحكم والبينات، لأن الله منحهم كل ذلك، بل كان اختلافهم انطلاقاً من البغي بغية تسلط البعض على البعض، ولتكون أمةٌ هي أربى من أمة.

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلىَ‏ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ}

وبعد قصة بني اسرائيل واختلافهم، يخاطب الرب نبيه بأنه جعله على شريعة من الأمر، فما معنى الشريعة؟

الشريعة هو الطريق الموصل إلى الماء، وبكثرة الاستعمال صارت تستعمل لطريق العلم، تشبيهاً للعلم بالماء، والشريعة هي الطريقة الواضحة، فقد جعل الله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الطريق الحق والدين الواضح.

{فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}

ومادام الله جعل نبيه على الطريقة الواضحة والدرب اللاحب، يأمره الله سبحانه بإتباعها، وينهاه عن أتباع اهواء الناس الصادرة من جهلهم.

فلا يجوز أن يترك الإنسان علمه من أجل اهواء الناس، بل عليه أن يتبع علمه، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ‏ جَهْلًا وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا”[11].

وخصوصاً فيما يرتبط بأمور الدين والرسالة، فلا شورى في حكم الله وأمره، ولا يحق لأحد أن يتدخل في هذه الشأن، والشورى مختصة بالمسائل اليومية ومقيدة رغم ذلك بأمر النبي والائمة وبتبعهم الفقهاء.

وقد انتشرت مؤخراً حالة يطالب المكلّف الفقيه أن يغيّر من حكم الله سبحانه او يتساهل فيه، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الشرعية، ناسين أن الفقيه لا يجوز له أن يغير أو يبدل حكم الله قيد أنملة، ولا يعرّض نفسه للنار لينجو هذا المكلف، مثلما كان يقول جدنا المرجع الديني اية الله العظمى ميرزا مهدي الشيرازي لمن يطالبه بأمثال هذه الأمور: إن رقبتي رقيقة ولا تتحمل أن تُمَد على النار لتعبر أنت عليها إلى الجنة.

وما يقال عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهل بعض أمور الدين مثل الأذان وراح يسأل المسلمين عنه و.. كل ذلك حطّ من مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واستهانة بشخصيته العظيمة التي كانت تطبق أوامر الله سبحانه وتعالى بحذافيرها.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تهذيب الأحكام : ج6، ص 122

[2]  سورة الحديد : الاية 27

[3]  سورة يونس : الاية 99

[4]  مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل : ج7، ص 266

[5]  كشف الغمة في معرفة الائمة : ج2،ص 74

[6]  نهج الحق وكشف الصدق : ص 317

[7]  سورة المائدة : الآية 44

[8]  سورة النساء : الآية 83

[9]  كمال الدين وتمام النعمة : ج2،ص 484

[10] معاني الأخبار : ص 2

[11]  نهج البلاغة : ص 524 الحكمة 280

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الخامس)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)}

صدق الله العلي العظيم

 

كتاب الله المجيد كتاب هداية، فماذا تعني الهداية؟

للهداية معنيان، وكلاهما متحققٌ في آيات القرآن الكريم:

الأول: إرائة الطريق

الثاني: الإيصال إلى الهدف.

وفي حين يكتفى في المعنى الأول إلى تشخيص المسير أمامك يقوم في المعنى الثاني بالأخذ بك إلى حيث الحقيقة، كما لو سألت احداً عن مدينةٍ ما، فقد يبين لك طريق الوصول إليها، وقد يأخذك معه حتى الوصول إليها.

ولما كان القرآن كتاب هدى، كان على الإنسان أن يبعد عن قلبه الكفر، لأنه يشكل حجاباً عن قبول الهدى، فحتى لو استفاد من الهداية بالمعنى الأول، فإن حجابه يمنعه من الإستفادة منه ومن الهداية بالمعنى الثاني، ومن هنا نجدد تكرار الآيات في هذه السورة في التحذير من التكبر المؤدي الى الكفر، بل حتى إسم السورة يوحي إلى الإنذار من مصير المتكبر في يوم القيامة، فما هو الكبر؟

 

معنى التكبر

قد يصاب البشر بنوعين من الأمراض الروحية، او الصفات الرذيلة، نوعٌ منها يكون إكتسابياً بسبب البيئة الفاسدة او التربية المنحرفة أو الثقافات المنحرفة التي تصل الإنسان او..

ولو افترضنا نشئ الإنسان في محيط خالٍ من تلك المفاسد فإنه سوف لا يبتلى بتلك الرذائل.

والنوع الأخر من الصفات، هي متجذرة في الإنسان، وبتعبير أفضل هي من ذواته، ومنها الحالة السلبية في روح كل واحد ووجود عدم فيه، وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ولكنه جعل فيه جوانب كلّف بأن يقوم بإصلاحها وأن يقوم بالتنامي . ورغم ان الله كان قادراً على أن يخلق الإنسان كاملاً، إلا انه جعل فيه تلك الجوانب لجهة الإمتحان، ولتسامي روحه، خصوصاً وأن المؤمن حين يرى جزاء أعماله ومساعيه يوم القيامة يكون أكثر سروراً وفرحاً عما لو أعطيَها دون أن وجود عملٍ قام به ليستحقها، وقد قال الله تعالى:{ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏}[1].

ومن ذاتيات الإنسان حالة التكبر فيه، لأن مصدر التكبر هو الجهل، وكان الإنسان جهولاً، فيظن أنه الأقوى والأقدر فيمشي متخبتراً على الأرض يشمخ بأنفه إلى السماء، في حين انه لا يقدر أن يخرق بقدمه الأرض ولا أن يبلغ بطول قامته الجبال، قال الله تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولا}[2].

وطريق التخلص من التكبر يكون بطرد الجهل عبر العلم، ومن هنا كلما زاد علم المرء زاد تواضعه، لأنه يكتشف عجزه وضعفه وفقره. ولو قام امرءٌ بالتأمل في المجرات بعد النظر إليها عبر الاجهزة المقربة، ومن ثم تأمل في النطفة التي كانت أصل خلقته بالنظر إليها عبر الأجهزة المكبرة، لاعترف بالحق وترك التكبر على الحقائق.

ولكن لا يمكن ان يتم اقتلاع الكبر عبر خطوات سطحية، بل ثمة حاجة إلى ثورة عارمة في النفس تهدف إلى تغيير الذات، أوَ هل يمكن تغيير الذات؟

بلى؛ لقد منّ الله سبحانه العزيز القدير، على الإنسان – دون أي مخلوقٍ آخر- بأن آتاه الخيار في تغيير ذاته الظلمانية  إلى ذاتٍ نورية، والفاصلة بينهما فاصلةٌ بين الثرى والثريا، بين الجهل والعلم، بين النار والجنة.

ومن هنا نجد تكرار الآيات في هذه السورة لبيان عاقبة التكبر خمس مرات في مقطع واحد ( عذاب أليم / عذاب مهين / عذاب عظيم / عذاب من رجز أليم / ويل لكل أفاك أثيم) وبالتأمل فيها الواحدة تلو الأخرى ووعيها تتهيأ الأرضية المناسبة لاقتلاع التكبر من جذوره، والثورة على الأنا والأنانيات، وكذلك التخلص من الـ ( نحن) التي هي لونٌ آخر من ( الأنا)  والتي تتجسد في العصبيات الحزبية والقومية والعرقية و..

 

الكفر بآيات الله

 {هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

وبعد التخلص من رذيلة التكبر يستطيع الإنسان ان يتخلص من الكفر بآيات الله سبحانه وتكذيبها، ولكن كيف يتحقق الكفر بالآيات؟

لقد ذكرنا في الدرس السابق أقسام آيات الله سبحانه وتعالى، والتي كانت تتجسد في الأفراد وفي الآيات المدونة في الكتاب وفي الآيات المبثوثة في الآفاق، والكفر بالنوع الأول يكون عبر تكذيبه وعدم إتباعه، والكفر بنبيٍ واحد أو حجةٍ واحدة من حجج الله يساوق الكفر بكلهم، لأن المطلوب الإيمان بهم كلهم، وكما قال الله سبحانه وتعالى :

{وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير}[3].

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الآيات المدونة والمثبتة في الكتاب المجيد، فإن رفض آيةٍ واحدة منها يعني كفرٌ بكل الكتاب، وقد قال الله سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون‏}[4].

اما الكفر بآيات الله سبحانه المنتشرة في الآفاق فلا يكون في إنكارها، إذ لا تجد من ينكر وجود الشمس والقمر أو الجبال أو ..، بل يتم الكفر بها من خلال انكار آيتيتها وقصر النظر عليها دون العبور منها إلى ما ورائها، أي إلى خالقها وصانعها.

فحين يعبد البعض الشمس فلأنهم يقصرون النظر على ذات الشمس وعظمتها، دون أن يعبروا منها إلى معرفة خالقها العظيم، فهو كفرٌ بآية الله، وكذلك حين ينسب المريض الشفاء للطبيب دون الله سبحانه، فهو كفرٌ بالله سبحانه.

فكفرٌ بأية آية هو كفرٌ بإسمٍ من اسماء الله وصفة من صفاته، لأن كل آيةٍ تدل على إسم من أسماء الله الحسنى، فكل شيءٍ هو صنع الله وتدبيره وفيه حكمته ولعل سبب كون أكثر جمل القرآن اسميه، لا فعليه – بالرغم من انها الأصل في اللغة – هو نسبة كل شيء إلى الله والإستدلال به عليه سبحانه وتعالى.

فالمؤمن يستدل بالآيات على وجود الله سبحانه وعلى لطفه وقدرته، وقد نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام قوله: “ما رأيت شيئاً الا ورأيت الله قبله وبعده”[5] فقبل الشيء يرى الله لأن الله هو الذي اعطاه العين الباصرة التي بها يبصر، وبعده لأن الشيء يفني ويبقى وجه ربه ذو الجلال والاكرام.

 

عاقبة الكفر بآيات الله

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

قيل الرجز هو العذاب الكبير، وقيل أن الرجز يدل على الحركة السريعة والكثيرة ( ومنه الرَجَز)، وعذاب الله لهم رجز لأنه يصيب المعذَّب بالإضطراب وتسارع الحركات.

وأياً كان معنى الرجز، فإنه يدل على شديد عقاب الله سبحانه وأليم عذابه للكافر بآياته.

 

من آيات الرب

{اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ}

تسخير الله سبحانه البحر للإنسان من آيات الله سبحانه التي تستحق التأمل، فلم يكن البحر بحراً الا بارادة الله سبحانه، وما في البحر من أمواج ورياح، وما في بطنه من عجائب وكنوز، وما يتصاعد منها من أبخرة تسهم في الأمطار و… كلها آيات على عظيم قدرة الله عزوجل.

ومن ذلك أنعام الله على الإنسان بنعمة العقل التي بها استطاع ان يستفيد من البحر لأهداف.

اولاً: جريان الفلك

{لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ}

واستفادة الإنسان من البحر بتسيير السفن فيه، إذ اختص الإنسان بذلك دون سائر المخلوقات.

والفلك، بمعنى السفينة أو السفن، إذ الكلمة تشمل المفرد والجمع معاً.

وجريان الفلك هو بأمر الله سبحانه وتعالى، ولو شاء أن يغرقها لأغرقها دون أن يستطيع أحد منع ذلك، ومن هنا لا يمكن لأحد – مهما أوتي من العلم – أن يجزم بوصول السفينة إلى مقصدها او الطائرة إلى مبتغاها، لكثرة وجود المخاطر واحتمالات الغرق والسقوط، بحيث لا يمكن تفادي كلها جميعاً.

ويعرف المؤمن هذه الحقيقة، فتراه يذكر الله سبحانه ويشكره بمجرد ركوبه فيها، فتراه يقول:

{سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنين‏}[6].

ثانياً: الإنتعاش الإقتصادي

{وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}

منذ أن خلق الله الإنسان وليومنا هذا، وربما إلى يوم القيامة، تبقى السفن أفضل وسيلة لنقل البضائع بين البلدان، وبتعبير أخر فإن الحركة الإقتصادية للإنسان تعتمد اعتماداً هائلة على حركة السفن في البحار، ومن هنا تجد البلدان التي لا تطل على البحار تعاني من مشاكل كثيرة.

فحركة الفلك في البحار فضلٌ من الله سبحانه، والاكتساب بواسطة حركتها هو الآخر فضلٌ من الله.

ثالثاً: شكر المنعم

{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

هدف كل النعم الإلهية في أن تتكامل روح الإنسان، فالذي تصل إليه النعم ولا يشكرها يبقى الخور في روحه ونفسه، أما بشكرها تتسامى روحه.

ونعم الله سبحانه من الكثرة بمكان، ان لا يقدر الإنسان على عدها فضلاً عن شكرها، وكما قال الإمام زين العابدين عليه السلام: “إِلَهِي أَذْهَلَنِي‏ عَنْ إِقَامَةِ شُكْرِكَ‏ تَتَابُعُ طَوْلِكَ وَ أَعْجَزَنِي عَنْ إِحْصَاءِ ثَنَائِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ وَ شَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ مَحَامِدِكَ تَرَادُفُ عَوَائِدِكَ “[7].

 

تسخير ما في السماوات والأرض

{وَسَخَّرَ لَكمُ مَّا فىِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}

وكذلك فإن الله سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، دون أن يشعر بها الإنسان حتى، فتنفسك للأوكسيجين نتيجة تسخير الله للغابات من أجلك، والتي قد تبعد عنك آلاف الأميال، والغازات المحيطة بالكرة الأرضية هي الأخرى تقوم بالدفاع عن الإنسان دون شعوره بها و…

فكم نعمةٍ من نعم الله سبحانه، لا نلتفت إليها وهي سبب بقائنا أحياءاً مثل الجاذبية وأشباهها من نعم خفية.

وكل النعم من الله سبحانه، وليست من عند غيره.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

ولأن الكثير من آيات الله في السماوات والأرض خفية، فهي ليست آية لكل الناس، بل هي آية للمتفكرين و

التفكر هو المرحلة الرابعة من التكامل العقلي الذي بينته آيات السورة (الإيمان – اليقين – التعقّل)، فما معنى التفكر؟

التفكر هو في حقيقته ربط الحقائق المعروفة ببعضها البعض واستنتاج حقائق جديدة منها، سواء كانت حقيقتين فيستنتج منها حقيقةً ثالثة، او ثلاث ويصل إلى رابعة وهكذا..

وبربط الحقائق ببعضها البعض يعرف الإنسان آيات الله سبحانه التي تخفى على سواه.

 

بين المؤمن والكافر

{قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ}

الفاصلة بين المؤمن والكافر فاصلة كبيرة وتزداد يوماً بعد آخر، حتى تكون بدرجة لا يمكن أن يتحمل المؤمن تجاوزات الكافر وعصيانه لله سبحانه وتعالى، فيصاب بالإضطراب وعدم الصبر.

وفي هذه الحالة يصبّر الرب المؤمن، ويأمره بترك الكافر وشأنه، فهو يسلك سبيلاً غير سبيلك، ولا يستحق أن تذهب نفسك عليه حسرات.

وهذه الحالة بحاجة إلى الإيمان الثابت ودرجة عالية من التعقل، ليغفر المؤمن للكافر، كما فعل الإمام زين العابدين عليه السلام في أشد ساعات حياته المباركة – كما قال هو سلام الله عليه – مع ذلك الشيخ في الشام، بحيث إنقلب الرجل من عدوٍ إلى فدائي، وفيما يلي نذكر الحادثة كما رويت: “وَجَاءَ شَيْخٌ فَدَنَا مِنْ نِسَاءِ الْحُسَيْنِ وَعِيَالِهِ وَ هُمْ أُقِيمُوا عَلَى دَرَجِ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكُمْ وَأَهْلَكَكُمْ وَأَرَاحَ الْبِلَادَ مِنْ رِجَالِكُمْ وَأَمْكَنَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكُمْ.

 فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَا شَيْخُ‏ هَلْ‏ قَرَأْتَ‏ الْقُرْآنَ ؟

قَالَ نَعَمْ.

 قَالَ فَهَلْ عَرَفْتَ هَذِهِ الْآيَةَ- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏؟

 قَالَ الشَّيْخُ قَدْ قَرَأْتُ ذَلِكَ .

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ فَهَلْ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ- وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى؟

 قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلِيٌّ فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ وَهَلْ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟

قَالَ الشَّيْخُ قَدْ قَرَأْتُ ذَلِكَ.

قَالَ عَلِيٌّ فَنَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ خُصِّصْنَا بِآيَةِ الطَّهَارَةِ يَا شَيْخُ .

قَالَ فَبَقِيَ الشَّيْخُ سَاكِتاً نَادِماً عَلَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَقَالَ بِاللَّهِ إِنَّكُمْ هُمْ؟

 فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ تَاللَّهِ إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَحَقِّ جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ.

فَبَكَى الشَّيْخُ وَرَمَى عِمَامَتَهُ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ عَدُوِّ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍ ثُمَّ قَالَ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟

فَقَالَ لَهُ نَعَمْ إِنْ تُبْتَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ مَعَنَا.

فَقَالَ أَنَا تَائِبٌ فَبَلَغَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَدِيثُ الشَّيْخِ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِل‏”[8].

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتبصّر آياته، أنه ولي التوفيق، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة النجم : الآية 39

[2]  سورة الإسراء : الآية 37

[3]  سورة البقرة : الآية 285

[4] سورة البقرة : الآية 85

[5] درخشان برتوي از اصول كافي : ج4،ص 306

[6]  سورة الزخرف : الآية 13

[7] بحار الأنوار : ج91، ص 146

[8] بحار الأنوار : ج45، ص 129

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الرابع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(9) مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُ  وَلَا يُغْنىِ عَنهْم مَّا كَسَبُواْ شَيْا وَلَا مَا اتخَّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ  وَلهَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(10) هَذَا هُدًى  وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِ رَبهِّمْ لهَمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ(11)}

صدق الله العلي العظيم

 

خلق الله الإنسان من قطرة ماء مهين (نطفة) وجعله يعيش بين عدمين، إذ لم يكن شيئاً مذكوراً قبل مجيئه إلى الدنيا وبعد سنواتٍ سيكون مصيره إلى الموت، ولكنه يتكبر على الله، فهو كما قال الله سبحانه:

{خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصيمٌ مُبين‏}[1]، ترى لماذا يتكبر؟ وهل نحن – بدورنا – فينا مثل ما في نفوس الكافرين من التكبر ام أنا تغلبنا عليه؟

ولابد من توجيه السؤال إلى أنفسنا لأن آيات القرآن الكريم تهدف الموعظة والاعتبار، إذ يريد القرآن أن يزكي بآياته نفوسنا، فهو ليس خطاباً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وآله بل يشمل كل تالٍ له،  لأنه نزل بلغة إياك أعني واسمعي يا جارة.

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

ومن هنا ترى الآية لا تحدثنا عن شخصٍ خارجي بعينه، بل تحدثنا عن صفاتٍ قد تتكرر في كل زمانٍ ومكان، ومنها صفة الإستكبار على الحق، حيث يواجه المتكبر الدعوة بالرفض وعدم الإستماع والإصرار على موقفه الرافض من الإنفتاح على الرسالة، وإذا نفذت هدى الرسالة – بصورة أو بأخرى – إلى وعيه وعلمها ولم يستطع أن يردّها، استعمل اسلوب الإستهزاء والسخرية، اغتراراً منه بما لديه من نعم الله المادية.

أن تملك الثروة أو السلطة أو الجمال او .. ليس مشكلةً، فتلك نعم الله سبحانه عندك، ولكن المشكلة تكون في الإفتخار بها والإتكاء عليها لتكون حجاباً بينك وبين الله سبحانه، وبينك وبين الناس، فحتى العبادات التي هي خطى القرب إلى الله سبحانه، لو خليت من الإخلاص وصارت وسيلة للتفاخر على الناس تتحول إلى وبال على صاحبها.

فهلاك الناس يكون في اغتراتهم بالنعم الإلهية عليهم، حيث لم يقدروا على استيعاب النعمة وتسمو نفوسهم بمستواها، ومن هنا كان على المؤمن أن يطلب من الله النعم ويطلب منه قبل ذلك أن لا تكون النعم الإلهية وسيلة لهلاكه، ويسألون الله ان يوفقهم لأداء شكر النعمة حق الشكر، وكما طلب النبي سليمان عليه السلام ذلك من رب العزة، حيث قال بعد مروره – وجنوده – على وادِ النمل وإستماعه كلام النملة مع النمل:

{فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْني‏ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي‏ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى‏ والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْني‏ بِرَحْمَتِكَ في‏ عِبادِكَ الصَّالِحين‏}[2].

وفي المقابل ترى النماذج المتكررة التي طغت بسبب عدم استيعابهم لنعم الله سبحانه وتعالى والاغترار بها من أمثال هشام بن الحكم الذي بات يرفض حتى نصيحة ابن رسول الله زيد بن علي رضوان الله عليه، لإنه جلس على كرسي الخلافة، فأخذته العزة بالإثم حين خاطبه زيد الشهيد: (اتق الله)، أو ذلك الخليفة الآخر الذي سمّت له بعض جنده بعد أن عطس، فغضب وسأل الجندي عن سبب تسميته له، فأجاب الأخير بأنها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له الحاكم: اصبت السنة واسأت الأدب.

ولطرد التكبر من نفوس الإنسان تحدثنا آيات القرآن الكريم عن العاقبة المهينة التي تنتظر المتكبر، كي يرعوي بها عن هذا المرض الخطير، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

“يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ‏ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خَلْقِ الذَّرِّ فِي صُورَةِ النَّاسِ يُوطَئُونَ حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِسَابِ خَلْقِهِ ثُمَّ يُسْلَكُ بِهِمْ يُوطَئُونَ نَاراً لا بنار يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ”[3] .

والمتكبر – كما بينته النصوص – هو الذي يتكبر على الحق واهله، كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

“إِنَّ أَعْظَمَ الْكِبْرِ غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ‏ الْحَقِ‏ قَالَ قُلْتُ وَمَا غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ‏ الْحَقِ‏ قَالَ يَجْهَلُ الْحَقَّ وَيَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ”[4].

{مِّن وَرَائهِمْ جَهَنَّمُ  وَلَا يُغْنىِ عَنهْم مَّا كَسَبُواْ شَيْا}

مصير هؤلاء إلى جهنم، ولا ينفعهم كل ما جمعوا من ثروات وكنوز، فقد ينتفع الإنسان بأمواله وثرواته في الدنيا لتمشية بعض أموره او رشى القضاة والحكام، ولكن كل ذلك لن يغني الإنسان يوم القيامة، لأن المعيار ليس المال، وانما الأعمال الصالحة.

{وَلَا مَا اتخَّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ}

كما المال لا يغنيهم عناك، كذلك علاقاتهم الإجتماعية التي بنوها لأجل المصالح الدنيوية لن تنفعهم شيئاً، لأن علاقتهم مبنية على الأسس المادية، والمادة محور إتخاذه للأولياء.

بلى؛ الخلّة في الله والأخوة الإيمانية تنفع المؤمنين في دار الجزاء، لأن المؤمن يشفع لأخيه المؤمن بإذن الله سبحانه وتعالى لأنهم بنو علاقاتهم في دار الدنيا في إطار الإيمان بالله سبحانه وتعالى والعمل الصالح، فحتى الذرية يلحقها الله سبحانه بآبائهم الصالحين، قال الله سبحانه:

“وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهين‏”[5].

بل يشفع المؤمن – وبحسب بعض النصوص – في جاره غير المؤمن الذي أحسن إليه، وإلى الذي سقاه ماءً لإيمانه، كل ذلك بعد إذن الله سبحانه وتعالى.

{وَلهَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

لا يصف الله سبحانه شيئاً بالعظمة إلى اذا كان عظيماً حقاً، ويعني ذلك أن شدة العذاب وعظمته تفوق التصور، ولكن للمرء أن يتخيل شيئاً من عظمتها إذا عرف أن الشمس الذي تصليه حرارتها في الصيف رغم وجود الفاصلة التي تقارب عشرة مليون كيلومتر، حين تلقى هذه الشمس في نار جهنم تصرخ من حرارة النار.

{هَذَا هُدًى}

طريق النجاة واضح لمريده، ويتمثل في التواضع أمام الحق وقبوله والتسليم له.

{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِ رَبهِّمْ لهَمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}

أما الذين لا يسلكون سبيل الهدى، ينتظرهم عذابٌ أليم يوم القيامة.

وكما يبدو لي أن هذه الآيات حول التكبر على آيات الله سبحانه، والكفر به، ويذكّرنا القرآن الكريم بهذه الحقائق لأنها طريق الخلاص من التكبر، حيث تذكر الآية تلو الأخرى عذاب الله الأليم والمهين والعظيم، فماذا يعني الكفر بآيات الله؟

آيات الله سبحانه – كما سبق وأن بينّا – ثلاث:

الأول: آيات الله سبحانه المدونة في كتبه، وخاتمها القرآن الكريم.

الثاني: آياته المبثوثة في الآفاق، كالشمس والقمر و..

الثالث: آيات الله سبحانه المتجسدة في الأفراد، بأن يكون الشخص آية الله، كما الأنبياء وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو آية الله العظمى.

والتكذيب والكفر بأية آية منها هو كفرٌ بكل آيات الله سبحانه وتعالى، وخصوصاً رفض الإنسان – انطلاقاً من التكبر- الخضوع لاولياء الله وحججه، فهو لا يريد أن يكون بشرٌ مثله ولياً لله سبحانه وتعالى وحجةً عليه.

ومن هنا، على المؤمن أن يزيد من معرفته بالنسبة إلى الأئمة الطاهرين عليهم السلام باعتبارهم حجج الله علينا، وأن يتزود من معرفة حياتهم ومقاماتهم وكلماتهم و فضائلهم لكيلا تزلّ قدمه.

واوصي الشباب أن يهتموا بطلب العلوم الدينية ويتعلموها ولو بشكل اسبوعي او عبر الدروس المسجلة، وخصوصاً في جانب العقيدة والقرآن والحديث وكذلك الفقه والثقافة، ليستطيعوا حفظ ايمانهم من تيار الشبهات المنتشر في شبكات الانترنت والذي يهدف النيل من ايمان الشباب.

 

نسأل الله ان يحفظ شبابنا ويوفقهم لما فيه الخير والصلاح، وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النحل : الآية 4

[2]  سورة النمل : الآية 19

[3] ثواب الاعمال وعقاب الأعمال : ص 222

[4] الكافي : ج2،ص 310

[5] سورة الطور : الآية 21

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثالث)

بسم الله الرحمن الرحيم

{تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ‏ فَبِأَىّ‏ حَدِيثِ  بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) وَيْلٌ لِّكلُ‏ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلىَ‏ عَلَيْهِ ثمُ‏ يُصِرُّ مُسْتَكْبرِاكَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا  فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا  أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(9)}

صدق الله العلي العظيم

 

مراتب تكامل الإنسان من الناحية العقلية، حسبما بينته آيات سورة الجاثية ثلاث:

الأولى: التسليم للحق، فقد يعزم المرء وبسبب العصبية أوالأنانية أو الجهل المركب أو ما أشبه، على عدم قبول الحق وإن انكشف له عياناً، فهذا لا إيمان له، لأن الإيمان يعني الخضوع التام للحق والقرار المسبق بإتباعه حيثما وجده، وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في نسبته للإسلام: “الإسلام هو التسليم”، فجوهر الإسلام ومن ثم الإيمان هو التسليم.

وما دام المرء عاقداً قلبه على التصديق بالحق، فإن ذلك يجعله مؤمناً وإن لم يكن عالماً بمقومات الإيمان تفصيلاً، فغفلة المرء عن إسم احد الأئمة لا يخرجه عن الإيمان لإنه لو ذكر به وبين له حجية المعصوم لقبل ذلك لتسليمه المسبق.

الثانية: اليقين، وتختلف عن الإيمان أنها الوجدان بعد الإيمان، فلو دلّك أحدٌ على طريق وصدقته فأنت مؤمن، ولكن حين بلغت هدفك ووجدته كما قيل لك وصلت إلى اليقين.

وهكذا لابد للمؤمن أن يسعى دوماً في تنمية إيمانه والوصول به إلى مرتبة اليقين لكيلا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، ولتكن هذه الليالي المباركة مطيته للوصول إلى تلك المنزلة العليا، وليس عزيزاً على الله أن يمنح عبده المؤمن اليقين ما دام العبد ساعياً للوصول إليه، وكما وصل حارثة إلى مرتبة اليقين، ففي الحديث: ” أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله  صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَخْفِقُ – وَيَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرٌّ لَوْنُهُ وَقَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ – وَلَصِقَ جِلْدُهُ بِعَظْمِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله  كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ فَقَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوقِناً.

فقَالَ فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ- وَقَالَ لَهُ إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ‏؟[1]

فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي قَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ وَأَنَا فِيهِمْ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا- وَيَتَعَارَفُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئِينَ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ فِيهَا مُعَذَّبُونَ وَيَصْطَرِخُونَ وَكَأَنِّي أَسْمَعُ الْآنَ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله:  هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ فِي الْإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ.

قَالَ فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ.

قَالَ فَدَعَا لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِر)[2]

الثالثة: مرتبة التعقل، فما هو التعقل؟

نعني بالتعقل معرفة حدود الحقائق، فقد يعرف الإنسان الحقائق لكن لا يعي حدودها الدقيقة، والتعقل يصل به إلى هذه المرتبة، لأن العقل يسوق صاحبه من المعلوم إلى معرفة المجهول، فعلمك بوجود مجلسٍ في مكانٍ ما، يؤدي بك إلى معرفة وجود خطيبٍ ومستمعين وضيافة و..

واليقين يحمل المؤمن بالمزيد من التامل في آيات الله سبحانه واسمائه الحسنى للمزيد من المعرفة.

 

بين الحق والباطل

{تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَاعَلَيْكَ بِالْحَقّ‏ فَبِأَىّ‏ حَدِيثِ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}

الله سبحانه حق، وكل ما خلقه فهو حقٌ أيضاً، وكذلك آياته الدالة على الحقائق حقّة، فأي آيات الله يتلوها؟

يبدو أنها مطلقة، سواء المكتوبة، أو آيات الله في الخليقة، ذلك لأن الحق واحدٌ لا يتعدد وإن تعددت تجلياته ومظاهره.

وما سوى الحق باطل، وليس هناك منزلة بين الحق والباطل، وبعبارة أخرى ليست هناك مستويات، بل هي إثنينية، حقٌ أو باطل، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إِنَّ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ‏ الْحَقُ‏ يَضُرُّهُ الْبَاطِل‏”[3]، ذلك لأن الكثير من الناس لا يريدون تحمل مسؤولية الحق، ويرغبون أن يكونوا في مساحةٍ محايدة، والحال عدم وجود تلك المساحة، بل عدم الكون مع الحق هو الركون إلى الباطل وقد روي إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عليه السلام  فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُحِبُّكَ وَأُحِبُّ فُلَاناً وَسَمَّى بَعْضَ أَعْدَائِهِ فَقَالَ عليه السلام: أَمَّا الْآنَ فَأَنْتَ أَعْوَرُ فَإِمَّا أَنْ تَعْمَى وَ إِمَّا أَنْ‏ تُبْصِرُ.

فلا يمكن أن يكون المرء مع الحق وفي نفس الوقت يتولى الباطل، بل لابد له أن يختار جبهته، وكذلك لا يمكن له أن يجزّئ الحق، فيقبل ببعضه ويرفض بعضه.

والكثير من الناس يبتلون بهذه المشكلة، حيث يصل بهم الأمر إلى مرتبة النفاق، فتتقلب مواقفهم، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

{ َبِأَىّ‏ حَدِيثِ  بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}

من لا يؤمن بآيات الله ما الذي يريده، غير آيات الله الواضحة أي آياتٍ يقبل بها ويصدقها؟

فالذي لا يؤمن بالله وآياته الواضحات، ليس أمامه شيء يستحق الإيمان والتصديق، فتراه يبتلى بالإيمان بالخرافات والأفكار السخيفة، ويعبد البشر أوالحجر أوالبقر او.. وكلها لا تستأهل العبادة بتاتاً.

 

{وَيْلٌ لِّكلُ‏ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}

حين ينكر الإنسان آيات الله الواضحة، يبدأ مسلسل التكذيب عنده، فكل كذبةٍ تجره إلى أكبر منها لئلا يفتضح أمره، وهكذا يصل به الأمر إلى الإفك.

هذا في مقام القول والنظريات، أما في مقام العمل ففعله الإثم والعصيان، وهكذا يستحق الأفّاك الأثيم للويل.

وفي الآية تحذيرٌ من عاقبة كل من يستبدل الباطل بالحق، ويترك الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فالخلاص في أن يسلّم للحق ويعمل به.

{يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلىَ‏ عَلَيْهِ ثمُ‏ يُصِرُّ مُسْتَكْبرِا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}

تتلى عليه آيات الله  – مطلقاً -، ويسمعها ولكنه يصر على عدم قبول الحق استكباراً منه عليه، وانطلاقاً من العصبيات والأنانيات التي تمنعه من الخضوع لما عرف في قرارة نفسه حقيقته.

وإصراره على موقفه يجعله يتجاهل الآيات وكأنه لا يسمعها.

{فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

قيل: البشارة هي الخبر السارّ الذي تتغير ملامح الإنسان سروراً وفرحاً بما سمع. ولكن العرب استعملوا لفظة (البشارة) لكل خبرٍ هامٍ يتغير به ملامح مستمعه، سواء كان الخبر مفرحاً ام محزناً.

وهكذا فإن إستعمال القرآن الكريم للبشارة تتنساب واستعمال العرب، لأن البشارة بالعذاب تغيّر ملامح المبشَّر خوفاً وهلعا.

والملفت أن الآية اوردت البشارة بصيغة الأمر، إذ يوجب الله على نبيه وبالتبع المؤمنين بتبشير الكافر والمنافق بالعذاب، والذي يعني عدم السكوت على الإنحراف بل الإنذار والتحذير المستمر، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:“أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ‏ مُكْفَهِرَّةٍ”[4].

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْا اتخَّذَهَا هُزُوًا}

من صفات المستكبر إستهزائه بآيات الله بعد علمه بها، أي بعد وعيه لها وعدم إستطاعته ردها بدليلٍ او برهان، حينها يقوم بردها عن نفسه بالاستهزاء والسخرية.

والواقع أن الإستهزاء أخطر من الكفر والإنكار، لأن المنكر قد يتنازل عن إنكاره يوماً ما ويخضع للحقيقة، ولكن ذلك لا يرجى للمستهزئ، لأنه لا يسمح لعقله بالتفكير في الحق بل يلغي فيه.

{أُوْلَئكَ لهَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

والمستهزئ يعذّب في النار بعذابٍ مهين، فبالاضافة إلى ما سيلاقيه من عذاب جسدي سيناله  عذابٌ روحي يتناسب وحالة إستهزائه لآيات الله في الدنيا.

نسأل الله سبحانه أن يقينا عذابه الأليم والمهين، أنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  اي ان لكل يقين علامة، فما هي علامة يقينك؟

[2]  مشكاة الانوار في غرر الاخبار: ص 14

[3]  تحف العقول: ص 152

[4] الكافي: ج5،ص 59

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفىِ خَلْقِكمُ‏ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنهَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهِا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)}

صدق الله العلي العظيم

 

الإنسان .. المخلوق المختار

لقد سخر الله ما في الكون للإنسان، وأعطى الأنسان قوة يسخر بها الأشياء وإرادة يتخذ بها القرار، وهي – أي الإرادة – نورٌ إلهي منحه الله للإنسان، فالإرادة أو المشيئة او قوة اتخاذ القرار او حرية الإنتخاب او.. كلها تشير إلى حقيقة واحدة هي حرية الإنسان في الإختيار وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان.

ومن أعظم صفات الله سبحانه أنه تعالى (فعالٌ لما يشاء)، ولو آمن الإنسان بربه وآمن بكل صفاته دون هذه الصفهة فهو كافرٌ، فالله هو الخالق والرازق وهو القادر على  كل شيء، وأمره بين الكاف والنون، وعدم الإعتقاد بهذه الحقيقة يصبح الإنسان مثل اليهود الذين آمنوا بالله ولكن آمنوا بإله عاجز، قال تعالى:

{وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء}[1].

وفي مقابل قول اليهود ورد في النصوص: “مَا عُبِدَ اللَّهُ‏ بِشَيْ‏ءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ”[2]، أي بمثل عقيدة البداء، بأن الله قادر على كل شيء، يجعل الشقي سعيداً والفقير غنيا والغني فقيرا، فهو الله الذي ليس دون مشيئته مانع.

 

الدعاء و الشك في الإستجابة

وفي هذه الليالي المباركة التي يدعوا بها المؤمنون ويطلبون حوائجهم من الله سبحانه، لو تداخلك شكٌ بمقدار انملة أن الله لا يقدر على إستجابة دعاءك فإن ذلك يؤدي إلى عدم قبول الدعاء، إذ لابد للمؤمن أن يدعو الله سبحانه وقلبه مطمئن بالإجابة، ويسأل حاجته وكأن الإجابة على الباب – كما علمنا أهل البيت عليهم السلام -.

 

مصدر إرادة الإنسان

ومنح الله سبحانه الإنسان شيئاً من هذه المشيئة التي لا يقوى شيءٌ في السماوات والأرض على منعها، وخصها بالإنسان دن سائر المخلوقات، وكما في الحديث القدسي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

” يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ‏ أَنْتَ‏ الَّذِي‏ تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَبِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ‏ مَا تُرِيدُ”[3].

وكان ذلك جزءاً من الأمانة التي عرضها الله سبحانه على الإنسان فحملها في حين امتنعت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.

 

وظائف إرادة الإنسان

وعلى أية حال، فبعد أن تحمل الإنسان الأمانة، وأتاح الله له فرصة الإختيار وحريته، ومنحه الأرادة الحرة، صارت هي المحركة للإنسان، والذي يسخر سائر المخلوقات، فلولا الإرادة لما تمكن المرء من السيطرة على نفسه فضلاً عن سائر الخلق، توضيح ذلك، أن الطيار يحرك طائرة عملاقة ولكن تحريكه لها كان من خلال سيطرته على نفسه بالإرادة ومن ثم إدراته للطائرة.

ومن هنا يطلب المؤمن من ربه أن يقوي عزيمته، ويشحذ همته، وينمي إرادته ليتمكن من المزيد من العمل والفاعلية، وكما في الدعاء: ” قَوِّ عَلَى‏ خِدْمَتِكَ‏ جَوَارِحِي وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي “[4].

وحيث كانت الإرادة هي محور الإختيار، صار على عاتقه أربعة واجبات.

 

الأول: إدارة البدن

فالإرادة هي التي تدير بدن الإنسان وتمنع المرء من أن يقوم بما يضرها، فالإمتناع عن الطعام المضر للمريض ليس إلا بسبب هيمنة الإرادة ومنعها لشهوة الطعام أن تغلب الإنسان فيأكل ما فيه هلاكه.

 

الثاني: إدارة العقل

ونعني بذلك واجب الإرادة في تنمية العقل، إذ لابد للعقل أن يحرر من القيود والإغلال المحيطة به من جهة عبر الإرادة القوية في محاربة الهوى، ومن ثم تنمية العقل.

وقد شبهنا العقل – في حديثنا مسبقاً – بليثٍ تكبله الأغلال، ويحتاج في تحريره إلى قوة داخلية تتمثل في الإرادة وخارجية تتجسد في الدعاة والمذكرين مثل الأنبياء والرسل.

والقرآن الكريم لا يتحدث عن العقل إلا بصيغة الفعل، مثل (يعقلون) او (لا يعقلون) دون أن يوردها بصيغة الإسم (لا عقل لهم)، لماذا؟

لأن الله أنعم على العبد بنور العقل، ويبقى العبد هل يستفيد من ذلك النور ويفعله أم يدسه في ركام الجهل والعصبية والشهوة؟

وبذلك يعرف، أن واجب الإرادة تكمن في تفعيل العقل وتنميته، ولكن كيف؟

قبل الإجابة نقول، أن الأشياء في الدنيا تنمو وتتطور – عادةً – بتطور الزمان، فالإنسان يولد عاجزاً ولكنه وبمرور الزمان ينمو ويبلغ ويشتد عوده، وذات الإنسان يحتاج إلى مدة زمنية كي يتعلم ما يجهل، وكذلك فعضلاته تحتاج إلى ممارسة فترة زمنية معينة كي تفتل وتقوى، وهكذا هو العقل، حيث ينمو بمرور الزمن شريطة إتباعه، وكلما كانت الإستفادة من العقل واتباعه أكثر نمى بشكل أكبر.

ومن سبل تنميته كثرة النظر في العلم، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي‏ الْعِلْمِ‏ يَفْتَحُ الْعَقْلَ”[5].

ومنها كثرة التفكر الذي يدل عليه قلة الكلام وكثرة الصمت، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

“إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَمُوتاً فَادْنُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي‏ الْحِكْمَةَ”[6]،

بعكس الجاهل الذي يكثر الكلام وبالتالي تكثر زلاته، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“وَمَنْ‏ كَثُرَ كَلَامُهُ‏ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّار”[7].

وأنجع السبل لمعرفة العقل وتنميته هو ما رسمه الأئمة الاطهار عليهم السلام لنا في هذا المجال، حيث جعلوا سبيل الهداية معرفة جنود العقل وجنود الجهل، وكما قال الإمام الكاظم عليه السلام: ” يا هِشامُ؛ اعرِفِ العَقلَ‏ وَجُندَهُ‏، وَالجَهلَ وَجُندَهُ، تَكُن مِن المُهتَدينَ”[8]، وقد بينوا تلكم الجنود في أحاديثهم وعدوها حتى كان للعقل سبعون جندياً ومثلها للجهل .

 

طلبة العلم وروايات اهل البيت

أقول: الإستفادة من روايات أهل البيت عليهم السلام وتعاليمهم هي أفضل السبل لتنمية العقل.

ومما يؤسف له ما نجده من بعض طلاب العلم ورجال الدين في الحوزات العلمية من عدم إلاهتمام بروايات أهل البيت عليهم السلام فوظيفة طالب العلم وواجبه هو الذب عن حريم اهل البيت والدفاع عن منهجهم ونشر تعاليمهم ومعارفهم، لا أسماءهم وتاريخهم فحسب، لأن نشر إسم الأئمة ومصائبهم يقوم به المداحون.

فعلى طلبة العلم أن يشغلوا أوقاتهم بدراسة أمهات الكتب الحديثية مثل روضة الكافي، أو كتاب الحجة فيه، أو تحف العقول، أو كتاب العشرة في الوسائل أو جهاد النفس فيه، ليطلعوا على منهاج أهل البيت عليهم السلام.

 

الثالث: إدارة الروح

من واجبات الإرادة، إدارة الروح، أو بتعبيرٍ قرآني إدارة النفس، لأن القرآن الكريم عبر بـ (النفس) عن الوعاء الذي يكون فيه قوتا العقل والهوى، وجانبا الخير والشر، حيث قال: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها}[9]، ولكن عبر بالروح عن الجانب الإيجابي فقط، وبذلك يكوت التعبير عن النفس أصح.

ونعني بإدارة النفس، ضبطها وعدم السماح للهوى أن تغلب عليها وذلك من خلال مجاهدة النفس ومحاربتها والإقلال من الشهوات.

فكما ينتن بدن الإنسان ويكون بحاجة إلى تطهير وإن لم يصبه قذرٌ خارجي، كذلك فإن نفسه تحتاج إلى تطهير مستمر لأنها تنتن وإن لم يصبها درنٌ من الخارج، كيف وهي محاطة بالفتن والمغريات التي تسعى لإفسادها.

 

الرابع : إدارة الإيمان

لقد منّ الله على الإنسان بالإيمان، حيث فطر الناس على الإيمان والمعرفة، وهذه درجةٌ منه، والدرجة الأخرى الإيمان الذي عقد المرء قلبه عليه من خلال تربية أبويه إياه على الإسلام وتعاليمه، ومن ثم التزود من مجالس الذكر عبق الإيمان والتسليم لله سبحانه.

إلا ان فوق ذلك كله يبقى الإنسان مكلفاً بتنمية إيمانه والإرتقاء في مراقيه، ولكن ما هو جوهر الإيمان وكيف يمكن تنميته؟

جوهر الإيمان ولبابه هو التسليم لله وللحق، وعقد القلب على هذا التسليم، فبعقد الرجل قلبه على تسليمه للحق أينما سمعه وحيثما وجده يكون الرجل مؤمناً، أما من كان مكابراً عن الحق حتى لو انكشفت له البراهين واقيمت أمامه الحجج فليس من الإيمان بشيء وإن أظهر ذلك بلسانه.

وآيات الله سبحانه إنما تنفع المؤمنين وحدهم، دون غيرِهم لأن المؤمن هو الذي استعد سلفاً للإنتفاع بها والإعتبار بها.

 

تنمية الإيمان

وللإجابة على السؤال الثاني، لابد أن نقول أن الإيمان بحاجة إلى غذاء، كما يحتاج الجسم إلى غذاء، وكما أن غذاء الجسد متنوع وكثير كذلك فإن للروح مصادر عدة للتزود بها لتغذية الإيمان، وكما   قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الِاعْتِبَار”[10].

ومادامت مصادر تغذية الإيمان وتنميته كثيرة، فعلى الإنسان أن يختار منها ما يتناسب وحاله، فقد يعتبر الواحد بزيارة القبور ويزداد إيماناً، في حين يختار الآخر طريق الدعاء والصلاة، والثالث يفضل الجلوس إلى عالم يذكره بالله رؤيته في سبيل التزود وهكذا..

ومن جملة الأمور التي جعلها الله سبحانه لتنمية الإيمان، هي الآيات المختلفة التي بثها في السماء والأرض وما بينهما، والدواب المنتشرة في كل مكان، كل واحدة منها آية مستقلة تدل على الله سبحانه، كما أن مجموعها أيضاً آية، وعلى المؤمن أن يختار ما يناسبه وما يقربه إلى الله، مثل الذهاب إلى الصحراء وقت الفجر ليطلع على كيفية إصباح الصباح وذهاب الليل، أو التأمل في مواقع النجوم وكيفية إنتشارها في السماء أو النظر إلى أمواج البحار وما تختزنه تحتها من عجائب الخلقة أو..، كلها آيات الله التي يستفيد منها المؤمن للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه:

{الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار}[11].

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتنمية إيماننا به، إنه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة المائدة : الآية 65

[2]  الكافي : ج1، ص 146

[3]  تفسير القمي : ج2،ص 212

[4]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2،ص 849

[5] بحار الأنوار : ج1،ص 159

[6] تحف العقول : ص 397

[7] تحف العقول : 89

[8] مكاتيب الأئمة عليهم السلام : ج4، ص 499

[9]  سورة الشمس : الاية 7-8

[10]  نهج البلاغة : ص 528

[11]  سورة آل عمران : الآية 191

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الجاثية) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الأول)

بسم الله الرحمن الرحيم

{حم (1)  تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحْكِيمِ (2) إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفىِ خَلْقِكمُ‏ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)}

صدق الله العلي العظيم

 

أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بأمير المؤمنين، عليه أفضل الصلاة والسلام.

ونسأل الله في هذه الليلة أن يوفقنا للدعاء والمسألة وأن يوفقنا فيما تبقى من ليالي شهر رمضان المبارك من النهل من مائدة القرآن الكريم بالتدبر في سورة الجاثية المباركة بعد أن انتهينا من التدبر في سورة الدخان المباركة.

سورة الجاثية، هي من (الحواميم)، أي السور التي تبدأ بآية (حم)، ومواضيع (الحواميم) السبعة – بدءاً من سورة غافر وانتهاءً بسورة الأحقاف ومروراً بسور: فصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية – جديرةٌ بأن يخصص البعض دراسات خاصة بها.

 

إسم السورة

إسم السورة مأخوذٌ من آية ذُكِرت فيها حالة بعض أهل الموقف حيث يجثون على ركبهم يوم القيامة، إظهاراً للذل والخضوع والتسليم، كما كان يجلس من يُراد ضرب عنقه على ركبتيه مقدماً رقبته للجلاد ومسلّماً له.

أوَ هل يريد الله للإنسان أن يكون كذلك؟

كلا، إن الله خلق الإنسان ليرحمه وليكون جليسه يوم القيامة، ولكن البعض وبسبب لهثم وراء شهواتهم، وتكبرهم على الحق ستكون حالتهم يوم القيامة حالة الجثو على الركب والذل والخنوع قبل الحساب.

ونستفيد بصيرةً من إسم السورة، وهي: على المؤمن أن يعقد العزم على محاربة نفسه الأمارة بالسوء، وتطهير النفس من الأخلاق السيئة والصفات الذميمة التي لصقت بها ونمت فيها في ساعات غفلته، لكيلا يكون ممن يجثون يوم القيامة، وكما في الدعاء المأثور:

“إِلَهِي قَدْ جَثَا الْعَائِدُ إِلَى الْمَعَاصِي بَيْنَ يَدَيْكَ خَائِفاً مِنْ يَوْمٍ‏ تَجْثُو فِيهِ الْخَلَائِقُ بَيْنَ يَدَيْك‏ [1].

وبتعبير آخر، فإن إصلاح الذات وتطهيرها من أدران الذنوب في دار الدنيا، والتضرع إلى الله في المغفرة والإنابة إليه، كل ذلك شرطٌ ليقي الإنسان نفسه الذل هناك، ويضمن لها الأمن يوم الفزع الأكبر، فالدمعة الواحدة من خشية الله في الدنيا تطفئ وادياً من نيران الجحيم – كما في النصوص -، وكل عين باكية يوم القيامة إلا بعض العيون، ومنها التي بكت من خشية الله في الدنيا، وهكذا نقرأ في الدعاء المأثور في أسحار شهر رمضان المبارك :

“اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ‏ الْإِيمَانِ‏ قَبْلَ‏ خُشُوعٍ الذُّلِّ فِي النَّار”[2].

وخصوصاً على المؤمن أن يستثمر ليالي القدر المباركة في هذا المجال، أي في مجال الإنابة إلى الله والتضرع إليه في عتق رقبته من النار والتجاوز عما في ربقته.

 

الإطار العام للسورة

سور الحواميم -عموماً – تتمحور حول الحديث عن القرآن الكريم، وبعبارة أخرى آيات

الكتاب تعرِّف الكتاب، كيف؟

على القارئ أن يتهيأ لقراءة أي كتابٍ او رسالة قبل أن يشرع في القراءة، وهذا التهيّؤ الروحي ينبغي أن يكون من الخارج، لكن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يهيّء روح قارئه في ذات الوقت الذي يضيف إليه المعارف.

فإذا آمن الإنسان بأن القرآن هو كتابٌ أوحى به الله سبحانه، ستكون آيات الكتاب شفاءً لما في صدوره من الأمراض والأدران، فضلاً عن إضافة المعارف والعلوم، قال الله سبحانه:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبين‏}[3].

وهكذا تقوم سورة الجاثية بتعريف كتاب الله سبحانه، وتزيح الحجب التي تحجبنا عن كتاب ربنا، وتزيل العقبات التي تمنعنا فهم آياته المباركة.

{حم}

كما هي الحروف المقطعة في بداية السور، كذلك اختلف في تفسير هذه الكلمة إلى مذاهب شتى، وأقربها إلى الصواب أنها إشارة إلى رموزٍ بين الله وبين خاصة أوليائه.

ومن المعاني التي نستفيدها من (حم) أنّ حرف الحاء ترتبط بالإنسان وحالته متى ما جاءت، والميم ترتبط بالحقائق الخارجية، فـ (حم) علاقة بين الإنسان وبين الحقائق الخارجية، وبتعبير آخر: إنّ القنطرة التي تربط بين الإنسان وبين العالَم المحيط وحقائقه هو القرآن الكريم.

 

{تَنزِيلُ الْكِتَابِ}

لماذا ذُكر التنزيل في هذه الآية، بينما ورد لفظ (الإنزال) في آيات أخرى؟

ذلك لأن القرآن الكريم نزل مرتين، احداهما دفعة واحدة (إنزال) وذلك في ليلة القدر، والمرة الأخرى نُزِّل منجّماً بحسب الحوادث والمناسبات (تنزيل)، وهنا إشارة إلى النزول التدريجي.

ويُراد من الكتاب – في  اللغة – مجموعة العلوم والمعارف المنظمة والمنسقة من جهة، والثابتة من جهة آخرى.

{مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الحْكِيمِ}

العزيز هو القوي  الذي لا يُغلب، و كلمة (الحكيم) تدل على أن أخذه لا يكون دون حكمة.

وقد قُرنت عزة الله في هذه الآية – وفي كثير من الآيات الأخرى – بحكمته، بينما قُرنت في سورة الشعراء – وفي سور أخرى – بالرحمة، لماذا؟

قُرنت الحكمة بالعزة في هذه الآية، لأن الحديث هو عن الكتاب، والكتاب كتاب حكمة، فالله سبحانه حكيم وكلامه حكيم ومحكم، فماذا تعني الحكمة؟

الحكمة هي قِيَم الحُكْم الذي يفصل في الخلاف، لتوضيح ذلك نقول:

إختلاف شخصين في أمرٍ ما يحملهم على التحاكم إلى ثالثٍ يعتقدون بعلمه ورجاحة عقله، ويصدر الثالث حكماً قاضياً بينهم، وبذلك يفصل الخلاف القائم بينهما، والقاضي لا يقوم بحل النزاع إلا اعتماداً على قيم وموازين للقضاء، وتلك الموازين هي خلفية إصداره للحكم، وهي الحكمة، كما يقوم الطبيب بتشخيص مرضٍ بناءً على المعلومات الطبية المسبقة لديه.

والسؤال: أي خلافٍ يفصل فيه الكتاب؟

أول خلافٍ يقوم الكتاب بالفصل فيه هو الخلاف القائم بين الإنسان ونفسه، فكل واحدٍ يعرف وجداناً، بوجود نزاع بين قوى الخير والشر في داخله، بين عقله وهواه، بين نفسه اللوّامة ونفسه الأمّارة بالسوء، وفي حالة الصراع يتدخل القرآن الكريم ليرجِّح كفة الخير والعقل، كيف؟

من خلال تذكّر الإنسان لآيات الذكر الحكيمة في كل واقعة، وذلك من خلال تذكير الله عبده الآية وتفهيمه أيّاها.

فحين يكتب احدٌ رسالةً فإنها تنفصل عنه بمجرد إرسالها، ولكن كتاب الله الذي هو عهد الله إلى خلقه لم ينقطع عنه الله بل مهيمنٌ عليه، فهو عهدٌ من حي قيوم إلى عبده الذي أحيى قلبه بتلاوته والتدبر في آياته، ومن هنا يلقي الله في قلب المؤمن الآية التي يصدر من خلالها الحكم في واقعه ونزاعه، و تخرجه  من حيرته التي هو فيها، وتنجيه من مشاكله العظمى، وهكذا يكون القرآن كتاب حكمة.

ولإن القرآن الكريم منزلٌ من الله العزيز، فهو كتابٌ عزيز أيضاً، وتتجسد عزته في مصونيته عن الإبطال والتحريف والتغيير رغم السعي الحثيث الذي قام ويقوم به شياطين الجن والإنس منذ بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من أجل ذلك.

وآيات السورة التالية تبين عزة القرآن الكريم وحكمته بشكل أكثر تفصيلاً:

{إِنَّ فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}

كل شيء في السماوات والأرض هو آية على الله سبحانه، ولكن كلٌ يعتبر بآية وبظاهرة من الظواهر، فحين يعتبر أحدهم شروق الشمس آيةً عظيمة، يعتبر الآخر غروبها كذلك، والثالث يعتبر تبدل الليل والنهار وتعاقبهما آيةً من الآيات العظيمة، والرابع يتأمل عجائب خلق الله في البحار ويستدل بها على حكمة الله، وهكذا الخامس والسادس و.. ارأيت كيف لو دخل مجموعة من الأفراد إلى دوحةٍ خضراء سيعجب كلٌ منهم بشيءٍ فيها، فهذا يعجب بالزهور وذلك بالأشجار المتناسقة والثالث بالثمار و..

وشرط الإستفادة من الآيات هو الإيمان المسبق والعزم السابق على التصديق بالآية، فماذا تعني الآية؟

الآية هنا، تعني العلامة التي تدل على الله سبحانه، فالآيات هي بمثابة إشارات وعلامات توصلك إلى الحقائق، وأعظمها حقيقة وجود الخالق ووحدانيته.

{وَفىِ خَلْقِكمُ‏}

بعد تبيان الآيات في الآفاق، تذكرنا الآية بالآيات في الأنفس، أي تلك الآيات التي يجدها الإنسان في نفسه، لماذا؟

لأن انتباه الناس متجه نحو الخارج في البدء، وبعد ذلك يتحول إلى الإنتباه والتأمل في الذات، وهكذا جاء الحديث عن الآيات في السماوات والأرض، بعد الحديث عن آيات الله في خلقة الإنسان ذاته.

{وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ}

وكذلك فآيات الله عظيمة في خلقته للأحياء والتنوع الموجود في ذلك، والدابة هي التي تدب على الأرض وتتحرك عليها.

ولا يطلق القرآن الكريم لفظة (الحيوان) على الدواب، بل استخدمت لفظة (الحيوان) في معنى الحياة، وأكثر ما استخدم في القرآن لفظة (الدواب) او لفظة (الحي) كما في قوله سبحانه:

{وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون‏}[4]، وبذلك يعرف التلازم بين الحياة والحركة.

{ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

آيات الله في خلقة الإنسان وكيفية نشره للدواب، يستفيد منها الموقن، لماذا؟

لأن تكامل الإنسان يتم عبر مراحل ودرجات،  فيبدأ من الجحود إلى الشك، ومنه ينتهي إلى الإيمان، والإيمان يرتقي به إلى مرتبة اليقين.

واليقين خطراتٌ لم يقسم الله بين خلقه أقل منه – كما في النصوص الشريفة -، و يبدو من الآية السابقة أنّها تدعو إلى النظر في عموم الآيات وذلك يؤدّي إلى الإيمان، بينما الآية هذه التي تدعو إلى اليقين تثير فينا التطلّع إلى تفصيلات الحياة.

الإمام علي، عليه السلام الإمام الموقن

الذي قطع مراحل الكمال ووصل إلى أعلى مرتبة من مراتب اليقين، هو أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال

“لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ‏ يَقِيناً”[5].

ذلك اليقين الذي جعله متنمراً في ذات الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مدافعاً عن دين الله ورسوله، باذلاً كل شيء في سبيله، حتى نفسه التي بين جنبيه، فداها ربه،  حين كان ينتظر الشهادة بفارق الصبر قائلاً:

“أَمَا آنَ أَنْ تُخْضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَمْ مَتَى يُبْعَثُ‏ أَشْقَاهَا”[6]، ومعلناً فوزه حين نالها بقولته المعروفة: “فزت ورب الكعبة”[7].

 

نسأل االله سبحانه أن يجعلنا من الموالين حقاً لأمير المؤمنين عليه السلام ومن شيعته، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  المزار : ص 247

[2]  مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2،ص 598

[3] سورة  آل عمران : الآية 164

[4]  سورة الأنبياء : الآية 30

[5] عيون الحكم والمواعظ : ص 415

[6]  المزار الكبير : ص 281

[7] خصائص الأئمة عليهم السلام : ص 63