تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الثالث عشر)

لوموا أنفسكم

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي‏ فَلا تَلُومُوني‏ وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمينَ لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ] (22)

نحن البشر نواجه عدّواً أقسم بربّ العزّة أنّه ليغوينا أجمعين، وهو الشيطان الرجيم، وقد حذّرنا الرب سبحانه وتعالى منه في آيات عديدة، قائلاً: [أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني‏ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ][1]

وسلطان ابليس على الذين يتّبعونه، أمّا عباد الرحمن فليس له عليهم سلطان ومن هنا علينا أن لا نغفل عنه ولو للحظة، لأنّ من العقل أن يعرف الانسان عدّوه وأساليبه وطرقه.

ربّنا سبحانه أعطى البشر المزيد من وسائل الهداية لكنّ ابليس يحاول جاهداً اغوائهم، وهكذا بالاستعاذة بالرب سبحانه من شرّ الوسواس الخنّاس يقترب المرء من الهداية والكمال.

 يقول ربّنا تعالى:

[وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ]

يسعى الشيطان لخداع البشر بأنّه صديقه، و أنّ ما يشير إليه من الضلالة محض نصيحة، و قد يسترسل البعض معه بحجة أنّهم خدعوا به، و لكن ربّنا يقول: إنّه عدو واضح، و لا عذر لأحد في اتباع عدوّه، وتبرز تلك الحقيقة بوضوح في يوم القيامة بعد أن يُقضى الأمر وينتهي البرزخ والحساب والميزان ويُحكم على أهل النار بالنار يخاطبهم ابليس فيقول:

 [إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي‏]

وعود الشيطان أماني و أحلام تتناسب و شهوات الفرد، و هي تشبه التبريرات الثقافية التي ترتاح إليها النفوس الكسولة و الأمم المتخلفة مثل انتظار المستقبل بلا سعي يصنعه، و إلقاء المسؤولية على عاتق الزمن، أو لا أقل على كاهل الآخرين أموات أو أحياء، ومن هنا يعالج القرآن الكريم ذلك في أكثر من آية حيث يقول: [وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏ِ] [2]

[فَلا تَلُومُوني‏ وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ]

و في يوم القيامة يعترف الشيطان، بأنه كان خادعا في قوله هذا، و ان ارادة الإنسان هي التي تصنع واقعه، و انه لا حول و لا قوة له، فلا يغيث و لا يغاث.

 [ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ]

فلا أنا أغيثكم و لا أنتم.

ومن هنا علينا أن نُفكّر ونحن في الدنيا بأن لا نتبّع ابليس لكي لا نُبتلى بتلك النهاية، وبدل لوم ابليس على الانسان أن يلوم نفسه لإتباعه لإبليس.

[إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمينَ لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ]

ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم فحُكم عليهم بالعذاب الأليم ومن هنا لا يستطيع الانسان ان يتهرّب من مسؤولية أفعاله والقاء اللوم على ابليس لغوايته.


[1] سورة يس، الآية: 60.

[2] سورة النجم، الآية 39.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الثاني عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم
{وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَميعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحيصٍ (21)}

القرآن الكريم يعالج جذور مشاكل البشر، لو تدبّرنا في آياته المباركات ومن أخطر تلك المشاكل أنّ أغلب الناس يعيشون العبودية للغير، وهكذا نجد في التاريخ القليل من الناس كانوا يُفكّرون بشكلٍ مستقل بينما باقي الناس يتبعونهم، سواءً عن طريق القوّة أو المادّة، أو بإستخفاف العقول وبث الفسوق بينهم كما قال ربّنا تعالى عن فرعون: فَاسْتَخَفَ‏ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقينَ
في يوم القيامة يحاسب ربّنا سبحانه، الطُغاة لإضلالهم الناس، ويحاسب الناس لاتباعهم لاولئك الطغاة وعدم التفكير فيما يدعوهم اليه..أليس ربّنا تعالى أعطانا العقل والوجدان؟ وهكذا جاء الأنبياء ليُخرجوا الناس من عبادة عبيد الله الى عبادة الرب سبحانه.
وقد جاء في الحديث عن الامام أمير المؤمنين: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»
فدأب الطُغاة أنّهم يحاولون استعباد الناس وإخضاعهم لكن يبقى المؤمن صامداً أمام تلك الضغوطات ويكفر بالجب والطاغوت ويؤمن بالله وحده.
يُحدّثنا القرآن الكريم عن مشهد ذلك اليوم العظيم، يوم يأتي المستكبر هو والمستضعف ليقفان أمام الله في صفٍّ واحد..:
[وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَميعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ].
فلا يقدر الانسان على تبرير موقفه والقاء اللوم على المستكبر، وهكذا على الإنسان أن يجعل الطاعة لله ولمن هو منصّبٌ من عنده عزّ وجلّ.
[قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ].
أمّا ذلك الذي هو في ضلال فلا يستطيع هداية غيره وهكذا علينا تجنّب اتباعه.
[سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحيصٍ]
فالامتحان انتهى في الدنيا، أمّا في القيامة فليس الّا الجزاء، فلا مجال للزحزحة عن عذاب اللّه.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الحادي عشر)

أعمالهم كرماد

بسم الله الرحمن الرحيم

[مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في‏ يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعيدُ (18) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَديدٍ] (19)

أليس للإنسان ما سعى؟ وأنّ سعيه سوف يرى؟ أولا يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ‏ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه‏ ]؟
فلماذا لا يستحقّ الكفّار جزاءً ولا شكوراً لأعمالهم؟
في الجواب على ذلك نقول: لأنّ محور الخليقة هو الحق المتجلّي في كلّ أبعاد الحياة، فمن يخالف الحق، ويتحرّك بالضد من سنن الرب في الكون فمن الطبيعي أن يكون سعيه هباءً، كما الباني على الرمل، أو الزراع في أرض سبخة، فهو لا يحصد شيئاً.
الكفّار الذين لا يقبلون نظام الحق ويصطدمون به لا يستحقّون ثواباً، وكما قال ربّنا سبحانه في سورة الفرقان: [وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً]
في هذه الآيات المُباركة المترابطة التي تُبيّن هذه الحقيقة وفلسفتها ربّنا سبحانه تعالى يقول:[مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في‏ يَوْمٍ عاصِفٍ]
أي يومٌ اشتدت الرياح فيه عصفاً، منذ بدايته إلى نهايته، إن الرماد ينبث في الفضاء بسبب عدم استقراره على أساسٍ ثابت، و عدم وجوده في حصن منيع، كذلك العمل الذي لا ينبعث من أرض الإيمان الصادق، و لا يحصّنه المنهاج السماوي.
[عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ]
العمل الذي ليس فيه هدف القُربة الى الله لا أجر له.
[ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعيدُ]
كلّما زاد في المسير كلّما ابتعد عن الهدف أكثر، هكذا سعي الكافر يضرّه أكثر.
ثمّ يُبيّن ربّنا سبحانه فلسفة ذلك فيقول:
[ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ]
والحق الحاكم على البشر وعلى كلّ نظام الخليقة.
[إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَديدٍ]
فالخطر لا يختصّ بأعمال الانسان بل يهدد وجوده لأنّ من يصطدم بالحق ويخالفه فإنّ نصيبه الهلاك.
والتاريخ أكبر شاهدٍ على ذلك وما حدث للأقوام السابقة، ولا يعلم جنود الرب الّا هو، واليوم أيضاً حيث يعيش الناس أزمة الوباء العالمي لابدّ من التوجّه الى الله و عدم مخالفة الحق.
ومن هنا على الانسان أنّ يجعل أعماله متوافقة مع الحق وذلك باتّباع رسله وأولياءه وجعل الحق الذي أنزل به القرآن وبيّنه الائمة الأطهار ميزاناً للعمل الصالح.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس العاشر)

مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ

بسم الله الرحمن الرحيم

[مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ‏ وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَديدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ‏ وَ لا يَكادُ يُسيغُهُ وَ يَأْتيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَليظٌ] (17)

العقوبة الدنيوية لا تكون بديلاً عن عذابِ الله الأبدي للكفّار والمعاندين، وكما قال ربّنا سبحانه عن قوم نوح: [مِمَّا خَطيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً] [1]

فالغرق مقدّمة لدخولهم في العذاب الأبدي، وهكذا الطُغاة لو هلكوا بسبب أو بآخر أو نالوا جزاءً في الدنيا الّا أنّ ذلك ليس كافياً لجزاء أعمالهم.

وذلك يقول ربّنا تعالى: [مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ‏ وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَديدٍ] (16)

و اللّه يقابل عناد هؤلاء بجهنم تلهب أكبادهم عطشاً، و لا يسقون الّا بماء كالقيح الذي يصدر من الجروح المتعفنة.

[يَتَجَرَّعُهُ‏ وَ لا يَكادُ يُسيغُهُ]

و هم يشربون الجرعة بعد الجرعة دون ان يجري ذلك في مريئهم بسهولة، و لكنهم يحاولون ذلك بسبب عطشهم الملتهب‏.

جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام:«إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَمَا غَلَى الزَّقُّومُ وَ الضَّرِيعُ‏ فِي بُطُونِهِمْ‏ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ‏ سَأَلُوا الشَّرَابَ، فَأُتُوا بِشَرَابٍ غَسَّاقٍ وَ صَدِيدُ يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ- وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ، وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ، وَ حَمِيمٍ يَغْلِي بِهِ جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ‏ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً[2]

[وَ يَأْتيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ]

جاء في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:‏ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ [وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ] قَالَ:

«يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ- وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَ يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ فِي صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ- فَيَقُولُونَ لَا فَيُؤْتَى بِالْمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ‏ أَمْلَحَ‏- فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ ثُمَّ يُنَادَوْنَ جَمِيعاً أَشْرِفُوا وَ انْظُرُوا إِلَى الْمَوْتِ- فَيُشْرِفُونَ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ فَيُذْبَحُ- ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ أَبَداً- يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ أَبَدا»[3]

بصائر عدّة نتوقّف عندها في الآيات المباركة:

اولاً: على المؤمن أن يستحضر الآخرة ولا يحسبها بعيدة عنه فقد جاء في الحديث: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ‏ قِيَامَتُهُ‏.»[4]

وباعتبار الانسان لا یعلم ساعة موته لذلك عليه أن يحسبها قريبة منه.

ثانياً: على الانسان أن يسير دائماً على خطى الانبياء، وفي كلّ أحواله، لأنّ خطوات الشيطان تستهدف الجميع وبطرق مختلفة.

ثالثاً: الالتجاء الى الله والتوسّل بأولياءه طريق النجاة من شَرَك ابليس والنفس الأمّارة، فطبيعة الانسان ضعيف يحتاج الى أن يستمدّ القوّة والعزم من الرب سبحانه وتعالى بواسطة أولياءه.


[1] سورة نوح، الآية : 25.

[2]  البرهان ج 2: 309.

[3] تفسير القمي، ج‏2، ص: 50

[4]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏58، ص: 7

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس التاسع)

لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمينَ

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ‏ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ في‏ مِلَّتِنا فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمينَ (13) وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ‏ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامي‏ وَ خافَ وَعيدِ (14) وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ] (15)

هناك علاقة بين الحقّ و القوّة، فالقوّة لابدّ أن تُنفّذ الحق، ولو أُريد من القوّة أن تواجه الحق وتدعم الباطل فستصطدم بسنن الله في الكون وبالتالي ستنتهي.

وهكذا من  يملك القوّة عليه أن يدافع عن الحق وقد جاء في الحديث أنّ ابن عبّاس دخل على أمير المؤمنين بعد خلافته الظاهرية وقد اجتمع الناس ليسمعوا منه يقول ابن عباس: «فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يَخْصِفُ‏ نَعْلًا فَقُلْتُ لَهُ نَحْنُ إِلَى أَنْ تُصْلِحَ أَمْرَنَا أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى مَا تَصْنَعُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى فَرَغَ مِنْ نَعْلِهِ ثُمَّ ضَمَّهَا إِلَى صَاحِبَتِهَا وَ قَالَ لِي قَوِّمْهُمَا فَقُلْتُ لَيْسَ لَهُمَا قِيمَةٌ قَالَ عَلَى ذَاكَ قُلْتُ كَسْرُ دِرْهَمٍ‏ قَالَ وَ اللَّهِ لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكُمْ هَذَا إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا »[1]

ومن هنا بعد أن جاء الأنبياء بالحجج الدامغة لأقوامهم جوبهوا بمنطق القوّة حيث هدّدوهم بالإخراج من الأرض، لكنّ الرب سبحانه ينزّل نصره على رسله وعلى المؤمنين يقول ربّنا تعالى:

[وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ]

ومرجع الضمير الى الناس في قوله: [لِرُسُلِهِمْ] للتدليل على أنّ هدف الأنبياء كان نجاة الأمم وايصالهم للسعادة.

[لَنُخْرِجَنَّكُمْ‏ مِنْ أَرْضِنا]

الأرض لله ولا يحقّ لأحد من عبيده أن يُخرج غيره منها، لكنّ هذا التهديد يدل على تطوّر الصراع.

[أَوْ لَتَعُودُنَّ في‏ مِلَّتِنا]

ظاهر الآية أنّها ليست دعوة لعبادة الأصنام إنّما للكف عن الدعوة الى الله.

و لأنّ الرسل لا يعتمدون على قواهم الذاتية في مواجهة عناد الكفار، بعد أن صبروا على أذاهم بل على ربهم. لذلك لم يتركهم ربهم طويلا. بل أوحى إليهم بكل وضوح أنه سيهلك بالتأكيد الظالمين‏

فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمينَ

َ و هذه سنة اللّه مع الرسل و الرساليين جميعا، أنه يتركهم يواجهون عدوهم بصبرهم و إرادتهم حتى يجربهم، و لكن إذا حانت ساعة المواجهة الجدية، فان نصره يهبط عليهم بردا و سلاما.

[وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ‏ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامي‏ وَ خافَ وَعيدِ]

لكنّ تحقيق النصر وعودة المجاهد الى بلاده مرفوع الرأس لا يكون الّا بتحقق شروط أولها استحضار قدرة الرب سبحانه وتعالى والخضوع أمامه، وهكذا الخشية من وعيده لكي لا يقع في الطغيان.

[وَ اسْتَفْتَحُوا]

وهو الشرط الثالث لتحقيق النصر، حيث لجأؤوا الى الله ليفتح بينهم وبين قومهم بعد أن استنفذوا ما لديهم و أتمّوا الحجّة على القوم.   

[وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ]

الآية لا تخصّ الأمم والحكومات فقط بل حتّى على الصعيد الشخصي، مصير الظالم الخيبة في الدنيا وله في الآخرة عذابٌ أليم.


[1] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏32، ص: 113

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الثامن)

ما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ‏ عَلَى اللَّهِ

بسم الله الرحمن الرحيم

[قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَ ما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ‏ عَلَى اللَّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ] (12)

من الخصائص المهّمة التي يحملها الأنبياء هو توكّلهم على الله؛ و الحديث عن التوكّل  في غاية الأهمية لأنّ ضعف التوكّل يجرّ الى الخسران المُبين.

لقد سخّر ربّنا سبحانه وتعالى للبشر ما في السماوات والأرض، حيث جعل عند الانسان قوّة يستطيع بها أن يُخضع الطبيعة من حوله ومن جهة ثانية ذلّل الخلائق ليتحكّم بها الانسان، ولكن لماذا لا يفجّر طاقاته ويسخّر ما حوله؟

سبب ذلك هو ضعف الارادة النابع من وساوس ابليس الرجيم، وعلاج ذلك هو التوكّل، حيث يعتمد العبد على قدرة الرب اللامتناهية فتقوى جوارحه وتشتدّ على العزيمة جوانحه، وكما جاء في الحديث الشريف: «مَا ضَعُفَ‏ بَدَنٌ‏ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ.»[1]

وهکذا كان الانبياء يملكون إرادة قويّة  بتوكّلهم على الله بالرغم من أنّهم بشر.

 ولكنّ التوكّل لا يكون بديلاً عن الأخذ بأسباب الانتصار والنجاح، بل يعني الأخذ بالمسببات المادّية فلو نظرنا الى سيرة الأنبياء العِظام نجد أنّهم كانوا يعملون وِفق برنامج متكامل يوصلهم الى تحقيق الاهداف الرسالية بالتوكل على الرب المُتعال.

يقول ربّنا تعالى: [قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ]

بالرسالة، و بقدر ما يمن اللّه يصبح الرسول عظيما، لذلك لا يملك الرسول قدرة الإيتاء بالآيات الجديدة حسب رغباته.

[وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ]

و الأهم من ذلك اننا نعتمد على اللّه في تبليغ الرسالة و حتى دعوتنا لكم ليست بقوانا الذاتية، و لا بحسب قدراتنا الخاصة عند ما نقوم على أمر، بل بقوة اللّه و قدرته المطلقة.

[وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ]

فالسِمة المُهمّة التي تُميّز الانسان الرسالي، ومن يسير على خُطى الأنبياء هو توّكله على الله، وهو السلطان المُبين الذي يُميّز الأنبياء.

[وَ ما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ‏ عَلَى اللَّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا]

فربّنا المُتعال قد هيء للبشر أسباب وطرق التقدّم، والأنبياء مع أخذهم بتلك الأسباب يتوكّلون على الله، ولنا أن نتأمّل في التاريخ الاسلامي لنجد بوضوح تلك الحقيقة ففي معركة الأحزاب تجد أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قد رسم خطّة لمواجهة الأعداء ثم اشترك معهم في تنفيذ الخطّة، وجهّز علياً عليه السلام لمواجهة عمر ابن ودّ العامري حيث عمّمه بعمامته وقلّده سيفه وألبسه درعه.. وبعد كلّ ذلك رفع يده بالدعاء فحينها يكون التوكّل.

[وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ ما آذَيْتُمُونا]

وهو دليلٌ عظيم على صدق الأنبياء، حيث أنّهم واثقون من طريقهم.

[وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ]

وهو الإكسير الأعظم الذي يجعل المؤمن يتجاوز كلّ التحدّيات والصِعاب وهكذا من شاء ان يعتمد على شي‏ء فليعتمد على اللّه الذي لا يخيّب أمل من توكل عليه، فهو إذا حقيق بان يتوكّل عليه المتوكلون.


[1]الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 329

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس السابع)

يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى

بسم الله الرحمن الرحيم

[قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌ‏ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُريدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبينٍ] (10)

معرفة الرسول تكون بالرسالة، ولكن كيف؟

رسالة الانبياء من حيث المحتوى والبيان تختلف جوهرياً مع كافّة المناهج الإصلاحية، فهي ليست دعوة للذات بل الى الرب المُتعال، كذلك رسالة الأنبياء تبلور فطرة الانسان وتثير دفائن العقول ليُصدّق العقل الفطرة، ففي داخل الانسان رسولٌ باطن يُصدّق رسالة الأنبياء وبذلك يتمّ الحجّة على البشر.

الحضارة والقيم

الحضارات البشرية تبدء من القيم السامية كالإيمان والصدق والتعاون و..الخ وحين تتحوّل القيم عند مجموعة من البشر الى ثقافة تنعكس على سلوكهم تتشكّل المدنيات والحضارات ولكن ومع الزمن  قد تُفرّغ الحضارات من محتواها وهي القيم ويتمسّك ابناءها بالقشور التي هي نتاج الحضارات كناطحات السحاب والتقدّم التقني، ولكن وبسبب فقدان القيم يبدء السير النزولي عندهم، ولو تأمّلنا في التاريخ سنجد أنّ بعثة الأنبياء كانت في هذه المرحلة أي حين بدء تهاوي الحضارة، كانوا يُنذرون الناس من انقلاب القيم وانحراف السلوك  ويدعوهم الى الاستغفار وتصحيح المسار، فإن آمنوا بالنبي أنقذوا حضارتهم وأنفسهم، وهكذا لو عرف الناس أنّ دعوة الأنبياء والمُصلحين إنّما هي في مصلحتهم يكون ذلك مدعاة لإيمانهم.

وكما نجد اليوم الوباء العالمي الذي خيّم كغيمة سوداء على البشرية وما أنتج من المضار الاقتصادية التي قد تتحوّل الى صراعات وحروب، ونجد المُصلحين يوجّهون الناس الى معاجلة سبب ذلك وهو الانحراف القيمي الذي شاع بين البشر، اقول كما نجد اليوم ذلك كذلك كان في التاريخ حيث كان البشر يواجهون مشاكل عديدة تدلّهم على غضب الرب، ففي مصر كان الأقباط يلجئون الى موسى في كلّ مرّة ينزل عليهم عذاب القمّل والضفادع والدم..والخ وكان النبي موسى يدعوا الرب ليكشف البلاء عن الناس، وهكذا سائر الأنبياء.

يقول ربّنا تعالى: [قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌ‏ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ]

كانت تلك دعوة جميع الأنبياء حيث لم يدعوهم الى أنفسهم بل الى الرب المُتعال، واذا انتفي الشك في اللّه، فان كل شك و ريب آخر في الرسالة سيكون باطلا، لأنه هو الذي بعث بالرسل، و أظهر على أيديهم المعاجز.

[يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ]

فهو الغني عنكم يريد أن يغفر لكم

[وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى]

ونتيجة الايمان وتصحيح المسار هو النجاة من العذاب الإلهي الذي ينتظر كلّ من يخالف السنن الإلهية.

[قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا]

و كيف نقبل بولايتكم علينا أم كيف يخصكم اللّه بالرسالة من دوننا، و كان من ضعف ثقتهم بأنفسهم كبشر انهم لم يصدقوا أنفسهم ان يبعث اللّه إليهم بشرا رسولا.

[تُريدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا]

ثم قالوا إنّ تعاليمكم مخالفة لتقاليدنا التي ورثناها من آبائنا و تعودنا عليها، وهكذا حينما تبتلى البشرية بانحراف القيم الذي يدعوهم الى العصبّية الى الآباء أو الى القومية أو الى عِرقٍ مُعين فذلك نذيرٌ بهلاكها.

[فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبينٍ]

فطالبوهم بحجة أقوى من مجرد التذكرة، بحجة مادية مثل احياء الموتى و تفجير ينابيع الأرض ذهبا، و العروج الى السماء.

وبكلمة كانت دعوة الأنبياء هي اخراج البشر من الظلمات الى النور ومن الإنحراف الى الصراط المستقيم ومن الذاتيات والعصبيات الى ما فيه رضوان الرب سبحانه وبذلك تدوام النعم عليهم.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس السادس)

جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَ قالَ مُوسى‏ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَميعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَميدٌ (8) أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ في‏ أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفي‏ شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُريبٍ (9))

يهتمّ البشر عادة بالتجارب، حيث أنّ أهمّ علوم البشر مرتبطة بالتجارب، لكنّ  تبقى مشكلة البشر أنّهم يهتمّون بالتجارب التي تخصّ حياتهم اليومية ويغفلون عن تلك التي ترتبط بالحقائق الكُبرى، ومنها التفکیر في تلك الحضارات التي سادت ثمّ بادت، لكن لماذا؟ ماذا حدث لهم؟ وربّنا سبحانه وتعالى يُبيّن تلك الحقائق في قالب حوار جرى بين الأنبياء وأقوامهم، قائلاً: [وَ قالَ مُوسى‏ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَميعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَميدٌ]

فالرب المُتعال هو الرزّاق ذو القوّة المتين، لا تنفعه العبادة ولا تضرّه المعصية، فمنفعة العبادة يعود للإنسان ذاته، فهو غنيٌ عن عباده، وهو حميد يلطف بعباده، جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّ ربّنا سبحانه يقول:  «يا عبادي! لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا “. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد. ما نقص ذلك من ملكي شيئا.»

ولأجل أن يُبّين ربّنا تلك حقيقة أنّ كُفر العباد لا يضرّه يذكر لنا أمثلة عن قوم نوحٍ وعادٍ وثمود وغيرهم حيث أُنزل عليهم العذاب ولم يضر الله كفرهم بل كان كفرهم سبب في انتهاءهم ولأنّ ذات الوسوسة موجودة عند الكثير من البشر والى الآن فإنّ للعبِرة من هذه التجارب أهمّية فائقة، فالأقوام الذين يذكرهم القرآن لم يكونوا في منطقة جغرافية واحدة ولا حتّى من قومية واحدة لكن ذات الافكار كانوا يؤمنون بها،

[أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ]

و هكذا سعى الأنبياء السابقون على موسى .. كم كان عددهم؟  لا يعلمهم الا اللّه، و لكن قصصهم واحدة، و قد جرت ضمن الفصول التالية:

ألف: [جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ]

وأهمّ تلك البينات هي مخاطبة فطرة البشر، فلو استطاع البشر أن يتجاوز الحُجب التي تمنعه من الايمان بالحقيقة كالضغوط الاجتماعية وأمراض القلب كالعناد والكبر، فإنّه يصل الى الايمان.

باء: [فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ في‏ أَفْواهِهِمْ]

 أمّا الناس فقد ردوا أيديهم و وضعوها في أفواههم اشارة الى ضرورة السكوت، كما يفعل من لا يريد الكلام فيجعل يده على فمه ليقول للآخر: افعل هكذا و اسكت، و هؤلاء لم يكتفوا بطلب السكوت من الأنبياء بل أشاروا الى ذلك بأيديهم أيضا توغلا في العناد، و ليبقى عملهم شاهدا على أنهم أساسا لم يستمعوا الى القول فكيف بقوله.

 جيم: [وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفي‏ شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُريبٍ]

بالرغم من أن مرحلة الشك تسبق الكُفر عادة لكن الآية تشير الى الصراع الداخلي الذي كان يعيشه اولئك الأقوام بين الوجدان الذي يُصدّق بما جاء به الرسول والأهواء التي كانت تخالف الدعوة.

وهذا طبيعة البشر الذي يرتكب الجرائم يبقى في صراع مع وجدانه وضميره، ونستفيد من ذلك أنّ الانسان عقد العزم على الايمان بالحقيقة فور معرفته بالحقيقة جاء في الحديث الشريف: «لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ‏ جَهْلًا وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَ إِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا.»[1]


[1]نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 524.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الخامس)

ثمرة الشّكر زيادة النّعم

بسم الله الرحمن الرحيم

 [وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ‏ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ في‏ ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظيمٌ (6) وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏ لَأَزيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي‏ لَشَديدٌ] (7)

لماذا ينقسم الناس بين شاكرٍ وكفور؟ وكيف يتحوّل الشكر الى نعمة والى الحكمة؟ كما يقول ربّنا سبحانه في سورة لقمان: [وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَميدٌ][1]

 بينما يكون الكفران في الكفّة المقابلة ويستوجب العذاب الشديد؟

 لو استطعنا أن نستوعب حقيقة الشكر سيتغيّر كثير من أبعاد حياتنا وخصوصاً ونحن في هذا الشهر الفضيل لابدّ من البحث عن تحوّل عميق في شخصيتنا.

 يعني الشكر اولاً التحسّس بالنعمة لأنّ الانسان لا يدرك الكثير من النعم الّا بعد فقدانها أو التفكّر فيمن سُلبت منهم هذه النعمة، ومن هنا جاء في الحديث وعن الباقر عليه السلام أنه قال: «إذا رأيت مبتلى فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق تفضيلاً»[2]

وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله: «إذا رأيتم أهل البلاء فاحمدوا الله، ولا تسمعوهم، فان ذلك يحزنهم.»[3]

ومن هنا ذكّر النبي موسى عليه السلام بني اسرائيل بالنعِم الربّانية العظيمة التي شملتهم حيث أنجاهم الله تعالى من آل فرعون ومن تلك الجرائم التي كانت تُرتكب بحقّهم وهو أحد أبعاد الشكر.

أمّا البُعد الثاني للشكر هو اللسان؛ وقد ورد في الأثر أنّه خرج أبو عبد الله عليه السلام ذات يوم من المسجد وقد ضاعت دابّته، فقال:

 «لَئِنْ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَأَشْكُرَنَّ اللَّهَ حَقَ‏ شُكْرِهِ،‏ قَالَ: فَمَا لَبِثَ أَنْ أُتِيَ بِهَا؛ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ لَيْسَ قُلْتَ لَأَشْكُرَنَّ اللَّهَ حَقَ‏ شُكْرِهِ‏ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَ لَمْ تَسْمَعْنِي قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ.»[4]

فحمد الله سبحانه وتعالى وحده وشكره عزّ وجلّ من أبعاد الشكر، أمّا المرتبة الثالثة من الشكر فهو العمل، حيث يؤدّي الانسان مسؤوليته تجاه النعمة من حيث أداء زكاته فزكاة المال إنفاقه وزكاة الجاه بذله وزكاة العلم نشره، وهكذا بأداء زكاة النعمة تُحفظ النعمة عند من لا تضيع عنده الودائع.

لكن كيف يصل الانسان الى الشكر؟

اولاً: علي الانسان أن يتعامل مع النعم بإيجابية وقناعة، لأنّ بكفران النعم يفقد الانسان ما لديه ولكن بالقناعة والشكر يحصل الانسان على المزيد، جاء في الحديث عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام: «إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْر.»[5]

ثانياً: أن يطمح الانسان دائماً لمزيد من النِعم الالهية من هنا جاء في الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ.»

بنو اسرائيل والشكر

للعادة سلبيات سلوكية، و الركون الى النعم عادة سلبية إذ ينسى البشر أسبابها، و علينا مقاومة حالة الاطمئنان الساذج بهذه النعم عن طريق تذكر الأوضاع السابقة، و تذكر الذي غيّرها بأحسن منها و هو اللّه، و نتساءل أبدا كيف كنا، و لماذا أنجانا اللّه؟! و هكذا أمر موسى قومه بتذكر أيام استضعاف فرعون لهم، و كيف أنجاهم اللّه من عذابه.

[اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ]

اي يذيقونكم عذابا أليما يتمثل فيما يلي:‏

[وَ يُذَبِّحُونَ‏ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ]

 إنّهم كانوا يقتلون أبناء النساء الخادمات لكي لا تنشغل النساء عن خدمتهم. أو كانوا يفعلون ما هو أعظم و أشد ضررا على كرامة الإنسان.

ثم يقول ربّنا تعالى بكلّ جلاء ووضوح:

[وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏ لَأَزيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي‏ لَشَديدٌ] (7)

 فمن يشكر ينزل عليه الرب سبحانه المزيد من النعم أمّا الكافر ينتظره العذاب الشديد.


[1] سورة لقمان، الآية 12.

[2] طب الأئمة: ١١٢.

[3] مكارم الأخلاق: ٤٠٤.

[4] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 97

[5]تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، ص: 280

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الرابع)

ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ (4)

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ](5)

تكتسب كل أمّة تجارباً ترسخ في ثقافتها مع الزمن وينعكس ذلك على سولك ابناء الأمّة وألسنتهم؛ و حينما يُبعث الرُسُل فإنّهم يُذكرّون الأمم بتلك الحقائق ويُرجعوهم الى ذكر ايجابيات الثقافة التي يحملوها وبيان السلبيات لأجل ترميمها.

على سبيل المثال حينما بُعث النبي الاكرم صلّى الله عليه وآله كانت الحوادث التاريخية التي مرّت سواءً على قوم سبأ في جنوب الجزيرة العربية أو الأقوام الأخرى كقوم لوط وثمود في شمال الجزيرة العربية، كانت هذه الحوادث حاضرة عند الناس كذلك ما جرى لأصحاب الفيل أيضاً، وهكذا نجد ذكر هذه القصص في القرآن الكريم والاستشهاد بها لإصلاح الأمّة في عهد النبي صلّى الله عليه وآله؛ كذلك النبي موسى عليه السلام ذكّر قومه بأيّام الله كغرق فرعون وجنوده في اليم.

بالرغم من أنّ كلّ الأيّام هي أيّام الله لكن تجلّي قدرة الرب سبحانه تعالى في بعض الأيّام يجعل لها قيمة خاصّة؛ وهذه في الحقيقة وسيلة للإصلاح حيث يُذكّر الناس ببعض الحقائق التي يعلموها والتي يتحدّثون بها.

يقول ربّنا تعالى: [وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ]

فليس اللسان بمعنى اللغة فقط وإنّما ما يعكس من ثقافة الأمم.

[ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدي مَنْ يَشاءُ]

مسؤولية الأنبياء التبليغ والبيان، ولا يجبرون أحد على الهداية، إنّما من يستجيب لدعوة الأنبياء ويبحث عن الحقيقة يصل الى الهداية.

[وَ هُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ]

فلا يضل أحدا أو يهديه الا بحكمته البالغة.

و التاريخ يشهد على هذه الحقيقة، فعند ما أرسل ربنا موسى بآياته التي تستجلي الفطرة، و تبهر العقل، بعصاته و يده البيضاء، و أمره اللّه بان يذكرهم بأيام اللّه حين ينتصر المظلوم على الظالم في الدنيا و الآخرة، لعله يخرجهم بهذه التذكرة من‏ الظلمات الى النور.

[وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ]

أخرجهم من ظلمات الجهل والغفلة والأنانية والتكبّر الى نور الايمان والعقل والوجدان.

[وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ]

فجاء ذلك اليوم الذي أغرق اللّه فيه فرعون و قومه سريعا، و أورث بني إسرائيل أرضهم و ديارهم‏

[إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ]

 من يستشرف المستقبل يملك قيمة الصبر أمّا الشكور فهو الذي يستفيد من الماضي ويستشعر النعم الالهية عليه، ومن يملك الشكر يملك الصبر أيضاً فحين يواجه صعوبة يتذكّر أنعم الله تعالى عليه في الماضي وكما جاء في بعض الأدعية  عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صَبْرَ الشَّاكِرِينَ‏ لَكَ وَ عَمَلَ الْخَائِفِينَ مِنْكَ وَ يَقِينَ الْعَابِدِينَ لَك.‏))[1]

وهكذا هي العلاقة بين الصبر والشكر حيث أنّ شعور المرء بالنِعم الإلهية يجعله صابراً على البلاء والنقص في حياته.


[1] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 802.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الثالث)

يستحبّون الحياة الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم

[اللَّهِ‏ الَّذي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ وَيْلٌ لِلْكافِرينَ مِنْ عَذابٍ شَديدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَة وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه‏ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيد] (3)

منطلق البناء المعرفي الذي يرسم القرآن الكريم لنا ملامحه هو التوحيد، فبمعرفته عزّوجل نعرف دينه، وأنبياءه وحججه، ونعرف كذلك أنفسنا والحقائق المحيطة بنا، ومن دون معرفته  تعالى تبقى كلّ هذه المعارف الأخرى غير مكتملة، بدءاً من معرفة النفس فمن لم يعرف الرب سبحانه وتعالى لا يعرف نفسه، يقول ربّنا تعالى: [وَ لا تَكُونُوا كَالَّذينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ‏ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ][1]

وحين لا يعرف الانسان ربّه تراه يتعلّق بكلّ العلائق المادّية من حوله، فتراه يصبح عبداً للمال أو القدرة أو الطاغوت، أمّا ذلك الذي يعرف ربّه ويتمثّل حقيقة العبودية في نفسه فإنّه لن يُصبح عبداً لغيره، ومن هنا فإنّ أوّل الدين معرفته، وبذلك يعرف الحقائق المختلفة ويحدّد نوع العلاقة التي تربطه مع  الطبيعة من حوله، يقول ربّنا تعالى:

[وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً][2]

فالتوازن والاعتدال والحكمة، كلّها صفات يتّصف بها عباد الرحمن نتيجة عبوديتهم للخالق المتعال.

ربّنا سبحانه وتعالى بعد أن بيّن أنّه أنزل الكتاب الى رسوله ليُخرج الناس من الظلمات الى النور بإذن ربّهم يُبيّن منتهى ذلك المسير فيقول: [إِلى‏ صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميدِ (1) اللَّهِ‏ الَّذي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ]

فالمسير الى الله تعالى العزيز الحميد الذي له ما في السماوات والأرض، وبذلك تتحدّد العلاقة بيننا وبين سائر الموجودات وهي الخِلقة.

[وَ وَيْلٌ لِلْكافِرينَ مِنْ عَذابٍ شَديدٍ]

لا يجوز لنا نحن البشر ان نتكئ على رحمه اللّه و ننسى عقابه، و نأمن من انتقامه، لان تجربتنا في الحياة كشفت لنا عن وجود الآلام و المآسي الى جانب البركات و الرحمات، و لكن بالرغم من ذلك نجد البعض يغترون بالجانب المخملي من الدنيا. لأنهم يفضّلون العاجلة على الآخرة، فلو تساءلنا عن الكفّار الذين لهم عذابٌ شديد، يُجيبنا القرآن الكريم بقوله:

[الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَة]

اولئك الذين يتوقّف علمهم في حدود الدنيا وينخدعون بها، ويجعلون كلّ اهتمامهم في اطارها، ولأنّهم لم يصلوا الى الحقيقة بأنّ هناك عوالم أخرى تنتظرنا لكنّهم بسبب عدم ايمانهم ليس فقط هم لا يؤمنون بها بل:

[وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه]

إن الكافر الذي حليت الدنيا في عينه، لا يردعه عن الشهوات و المصالح دين، فاذا علم ان مصالحه تتعارض و تعاليم الدين فسوف يعارضها.

[وَيَبْغُونَها عِوَجا]

إنّهم يريدون الدين للدنيا، دينٌ يُدعّم مصالحهم ويبرّر لهم فسادهم.

[ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيد]

فمنتهى الخروج من الظلمات الى النور هو أن يُصبح المرء جليس الرب،  أمّا منتهى طريق الكفّار هو الضلال البعيد والعذاب الشديد.


[1] سورة الحشر، الآية 19.

[2] سورة الفرقان، الآية 63.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الثاني)

من الظلمات الى النور

بسم الله الرحمن الرحيم

[الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ‏ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى‏ صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميدِ] (1)

حينما أخرج ربّنا سبحانه وتعالى البشر من العدم الى الوجود، جعل هذا التحوّل في عدّة مراحل، كما يقول ربّنا تعالى في سورة نوح: [وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ][1]

أخرجهم من الظلمات الى النور؛ لكنّ هذا النور يتكامل في عدّة مراحل، وأحد أبعاد ذلك التكامل أن يخرج البشر من ظلمة الجهل والكِبر والأنانية والعصبية الى نور الأخلاق الفاضلة، وهكذا يهدي ربّنا سبحانه وتعالى البشر لكن بشرطين اضافيين اولاهما وجود الكتاب والثاني الرسول الذي يحمل الكتاب.

من هنا فإنّ الأنبياء يُخرجون البشر من الجهل وجنوده والاخلاق الرذيلة اولاً ثم يُعلّموهم الفضائل، لأنّ البشر اذا لم يُطهّر قلبه من ادران الجهل أنّى يمكنه أن يتزيّن بنور العلم المقدّس، ويدرك الحقائق الكُبرى يقول ربّنا تعالى:

[لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ‏ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبينٍ][2]

وللوصول الى الهداية يحتاج البشر الى أن يُحدث تحوّل في داخله لاستيعاب تلك الحقائق بهداية الله سبحانه، ولولا وجود النور الالهي لا يستطيع الانسان الوصول الى ما يُقرّبه من الرب ورضوانه ويُدخله جنانه، كيف لا ونحن نجد البشر يصرفون مئات بل آلاف الساعات ليكتشفوا بعض الحقائق المرتبطة بالطبيعة وخِلقة الجسد، وهي لا تُقاس بالحقائق الكبرى من حيث التعقيد.

يقول ربّنا تعالى: [الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ‏ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ]

الحروف المقطّعة

ماذا تعني الحروف المقطعّة؟ هل هي رموز بين الرب سبحانه وتعالى واوليائه؟ وهل جاءت آيات الكتاب بصورة مُعقّدة؟ -كما يقول البعض-

 كلّا بل جاء القرآن بلسان عربي مُبين ومن دون أي تعقيد، معنى ذلك أنّ الكتاب الذي يرمز اليه الألف و اللام و الراء، أنزل من السماء، و انتقل الى الرسول دون ان يكون فيه أثر من شخصه، وبقي مصوناً من التحريف وذلك دليلُ إعجازه.

[كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ]

معنى الكتاب هو الشيء الثابت، وربّنا سبحانه وتعالى أنزله رُبّما بمعنى من مرتبة الى مرتبة أي من اللوح المحفوظ الى الدنيا ويسّره لهم، ولولا ذلك لم يكن بإمكان البشر فهم القرآن، والواسطة الذي نزل على قلبه القرآن هو النبي الاكرم (صلّى الله عليه وآله) لكي لا يظنّ البعض أنّه يمكنه الاستغناء عن النبي واهل البيت في فهمه.

[لِتُخْرِجَ‏ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ]

لتخرج الناس فلم يكن القرآن لقومٍ دون قوم بل لكافّة الناس، والهدف منه اخراجهم من ظلمات الجهل والشرك الى رحاب التوحيد والايمان.

[بِإِذْنِ رَبِّهِمْ]

فبعد توفّر كل العوامل الظاهرية من الكتاب وسعي النبي والتزكية، لكن يبقى اللطف الخفي الى كلّ فرد من الرب المُتعال ضرورياً لايجاد التحول عند الفرد، واستخدام كلمة الرب هنا للتدليل على أنّ المُربّي الذي كان لطفه في كلّ ابعاد حياة الانسان سيشمل الفرد بهدايته ايضاً.

[إِلى‏ صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميدِ]

و النور الإلهي هو الهداية الى السبيل المؤدي الى اللّه العزيز، الذي قهر بقوته كل شي‏ء، و الحميد الذي وسعت رحمته كل شي‏ء، فلم يأخذ أحدا بقوته الا بعد ان أتم عليه حجته و أسبغ عليه من نعمه ظاهرة و باطنة.


[1] سورة نوح، الآية 14.

[2] سورة آل عمران، الآية: 164.

تدبرات في سورة (إبراهيم) شهر رمضان المبارك / 1441 هـ – (الدرس الاول)

بسم الله الرحمن الرحيم

(الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)

في آخر جمعة من شهر شعبان المعظّم بشّر نبيّنا الأكرم صلّى الله عليه وآله الناس قائلاً:

«إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَ أَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ وَ لَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي وَ سَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ‏ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ»[1]

و لکن ما هي ضيافة الرب الجليل للعبد الفقير في شهر رمضان؟

نجد الاجابة عن ذلك في سورة البقرة حيث يقول ربّنا تعالى:

[شَهْرُ رَمَضانَ‏ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ‏ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجيبُوا لي‏ وَ لْيُؤْمِنُوا بي‏ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ][2]

فضيافة الرب في هذا الشهر تتمثّل بالقرآن الكريم، وبالصيام فيه، والدعاء، ونحن ندخل في هذه الضيافة الربّانية نجلس على مائدة القرآن الكريم خاشعين لنتدبّر في سورة مباركة وهي سورة ابراهيم.

ابراهيم القائد القدوة

من هو ابراهيم (ع)؟

 النبي ابراهيم عليه السلام قدوة التوحيد الذي كان قد هيئ جسده للاحتراق بنار نمرود، ومن كان بمفرده أمّة قانتاً لله..

ابراهيم هو من أسكن ذريته بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الرب المحرم ليقيموا الصلاة، وكان مثالاً للتسليم والطاعة والعبودية والتذلّل، فهو يأخذ ابنه الذي انتظره سنوات عديدة معه للذبح تنفيذاً لأمر الله،  ونحن في رحاب هذه السورة المباركة نتساءل كيف يمكننا أن نسير على خطى النبي ابراهيم عليه السلام ونصطبغ بصبغة الرب؟

 يمكننا معرفة الاجابة من خلال التدبّر في هذه السورة المباركة، التي تُبيّن حقائق التوحيد، وبالرغم من أنّ محور التوحيد يتكرر في السور القرآنية الّا أنّه يُذكر كلّ مرّة من زاوية خاصة ذلك لأنّ البشر بحاجة الى التذكّر الدائم لهذه الحقيقة  كما سائر الحقائق الكبرى، من أجل الوصول الى العرفان الحقيقي لتلك الحقائق.

وحين تتجلّى تلك الحقائق في القلب يتسامى الانسان ويتكامل حتّى يصل الى تلك الدرجات الرفيعة التي وصل اليها الأنبياء العظام، والى حيث يقول ربّنا سبحانه وتعالى:

[وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ‏ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً][3]

 ولعلّ ذلك هو محور سورة ابراهيم، إنّها تخاطب البشر وتثير فطرتهم أنّهم لم يُخلقوا ليكونوا حطب جهنّم بل خلقهم الله ليكونوا في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.

اذن السبب من البيان المتكرر لهذه الحقائق الكبرى هي أن يصل البشر الى ترميم شخصيته وايجاد تحوّل في ايمانه، ونحن في رحاب هذا الشهر الفضيل وعلى مائدة القرآن الكريم نتدبّر في آيات هذه السورة المباركة نحاول أن نوجد هذا التغيير في داخلنا لنصل الى تلك الدرجات الرفعية.


[1]الأمالي( للصدوق)، النص، ص: 93

[2] سورة البقرة، الآيتان: 185-186.

[3]سورة النساء، الآية 69.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الحادي عشر)

“يُحْيِيَ الْمَوْتى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏] (40)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

لا وجود لشيء عبثي في الحياة، سواءاً في خلقة الانسان أو في الارض والسماوات، هكذا وصل اليه العلم الحديث أنّ لكلّ شيء هدف مترابط مع سائر الخليقة، واذا كان ادقّ الاعضاء في الانسان لم يخلق عبثاً، فهل يمكن أن تكون كلّ خلقة الانسان عبثية؟! يقول ربّنا تعالى:

[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ][1]

اذن نحن لم نُخلق عبثاً خصوصاً وأنّ خالقنا المتعال حكيم ومقتدر، وقد خلقنا في مراحل عدّة حيث نقلنا من صلب آباءنا الى أرحام الامهّات وتحوّلنا من نطفة صغيرة الى علقة ومضغفة ثم الى انسان نُفخ فيه الروح بأمره تعالى كلّ ذلك ليستيقن الانسان بقدرة الرب، ثمّ أنّه تعالى جاء بنا الى الحياة دون نقصٍ أو عاهة، لنزداد ايماناً به وشكراً لنعماءه.

يُترك سُدى؟!

في سورة القيامة كما في معظم السور القرآنية هناك ترابط بين بداية السورة و نهايتها حيث يقول ربّنا في بدء سورة القيامة:[أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و في النهاية يقول تعالى:  [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً]

احد طرق ابليس لاغواء البشر هو جعله يستهين بنفسه، ولا يُقدّر أهميّته، ونتيجة ذلك الشعور هو التحلّل من المسؤولية، بخلاف الآيات القرآنية التي تؤكّد أهميّة الانسان والتدقيق في خلقته:

[أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى]

و كما أنّ هذه المراحل حتمية بالنسبة للإنسان فإنّ الآخرة هي الأخرى حتمية، و الفكرة هذه تفسّر ربط القرآن الدائم بين الحديث عن الآخرة و الحديث عن مراحل خلقة الإنسان و أطواره، التي يهتدي المتدبر فيها إلى معرفة ربه حيث هي آيات لطفه و حكمته و قدرته. و بعد تفكّر البشر في نفسه و خلقه يجب أن يطرح على نفسه هذا السؤال الحاسم:

[فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏]

فمن مصنعٍ واحد يُخرج الذكر والأنثى برغم الاختلاف الكبير الموجود في خلقتهم، وحكمة الاختلاف ايضاً هو التكامل، لأنّ كلّ جنس محتاج الى الآخر وعند الزواج يتكاملون.

فالله الذي بيّن لنا قدرته و خلقنا بمراحل، و في كل مرحلة بين لنا خكمته, وجلاله و كماله ألا يستطيع ان يبعثنا بعد موتنا؟

[أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏] (40)

من اكبر العقبات التي تحول دون ايمان الانسان بالآخرة هو التشكيك في امكانية المعاد، والقرآن الكريم يعالج تلك الاشكالية ببيان المزيد من آثار قدرة الله تعالى، سواءاً في خلقة الانسان، أو في خلق سائر الموجودات، يقول تعالى في سورة الحج:

[يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ][2]

فكلّ من يتقدّم بالعلم يتبيّن له عجزه عن المعرفة والاحاطة بالحقائق فضلاً عن خلق حتّى الذباب!

عدالة الله

وهكذا فوجود المعاد ضرورة لتحقيق العدالة الالهية، ففي وجدان الانسان ان العالم باكمله موجود على اساس الحق و العدل, ولكنه بذات الوقت يجد الظلم، والاضطهاد، فلابدّ إذن من وجود المعاد لجريان عدالة الرب المُتعال.

صبغة الهية

البصيرة الأخرى التي نستفيدها من الآيات الأخيرة من سورة القيامه هو اننا بعد الايمان بالرب تعالى وأنّه لم يخلقنا عبثاً، و ايماننا كذلك بيوم القيامة والمعاد، وأنّ الرب تعالى شاهدٌ علينا ورقيب على اعمالنا، اقول بعد أن يؤمن الانسان بذلك لابدّ أن تصبح حياته الهية، ولا ينحرف عن الصراط القويم يقول أمير المؤمنين عليه عليه السلام في وصيته لكميل:

((إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ النَّاسُ‏ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَ هَمَجٌ‏ رَعَاعٌ‏أَتْبَاعُ كُل‏ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ فَيَهْتَدُوا وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ فَيَنْجُوا.))[3]

فالهمج الرعاع لم يعرفو حكمة الله من الخلق، وعاشو حياتهم بعيدين عن الله سبحانه و تعالى.

بالمقابل اذا نفذت حقائق القرآن في قلوبنا حينذاك سنكون ثابتين و لا نميل مع كل ريح.

فالايمان بالله يكون منطلق لكلّ حياتنا وتحرّكاتنا في الحياة.


[1] سورة المؤمنون، الآية: 115.

[2] سورة الحج، الآية: 73.

[3] تحف العقول، النص، ص: 170

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (العاشر)

“فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى (32)ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏ (33)أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏] (35)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ليس سهلاً أن يزكّي الانسان نفسه، ويحتاج الانسان الى صعقة تهزّ كيانه من أجل الاستيقاظ ومواجهة النفس الأمّارة بالسوء، ولذلك تجد الآيات القرآنية تُمهّد للحديث عن الصلاة والتصديق بالحديث عن الفراق والموت.

يقول ربّنا تعالى: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

بون شاسع بين من يؤمن بالآخرة، ومن هو منها في شك،  ويشمل ذلك كلّ تفاصيل حياتهم، خصوصاً أنّ من يؤمن بالآخرة يرسم الحدود الصحيحة لنفسه، و يعي الواجبات التي على عاتقه، من الأقربين والى سائر المؤمنين، و كلمة [صَدَّقَ] لا تعني مجرّد الزكاة، بل كلّ الواجبات التي على عاتقه تجاه الغير.

وتارة تكون الصدقة بالمال وتارة بالفعل، وتارة بالكلمة الطيبة، بل وحتّى ازاحة الاذى عن الطريق صدقة، وهكذا لابدّ من البحث عن الواجبات والحقوق تجاه الغير.

وَ لا صَلَّى

نحن نجهل حقيقة الصلاة رغم أنّنا نؤدّيها، جوهر الصلاة تُنظّم علاقة الانسان بربّه المتعال ولذلك هي عمود الدين، واذا كان كلمة [صدّق] تُنظم العلاقة مع الخلق، فإنّ كلمة [صلّى] تُنظّم العلاقة مع الخالق العظيم.

في الصلاة معرفة الله، من سورة الحمد التي لو تدبّر الانسان فيها مائة مرة لوجد في كلّ مرّة حقائق جديدة ولا يصل الى منتهى العلم بها  وقد جاء في الحديث  أن عبدالله بن عباس جاء الى الامام امير المؤمنين  (عليه السلام) يسأله عن تفسير القرآن، فوعده بالليل، فلما حضر قال: «ما أول القرآن؟». قال: الفاتحة.

قال: «و ما أول الفاتحة؟» قال: بسم الله.

قال: «و ما أول بسم الله؟». قال: بسم.

 قال: الباء، فجعل (عليه السلام) يتكلم في الباء طول الليل، فلما قرب الفجر قال: «لو زادنا الليل‏ لزدنا».[1]

وهكذا لو تأمّلنا في كلّ معاني الصلاة سنجد فيها معرفة الله، ومعرفة انبياءه وسننه.

اذن لو أراد الانسان أن يطمئن يوم الفراق من الدنيا لابدّ أن نهتم بقوله: [فَلا صَدَّقَ‏ وَ لا صَلَّى]

والصفة المقابلة لذلك هو قوله: [وَلكِنْ كَذَّبَ‏ وَ تَوَلَّى] فالتفكير الذاتي عند الانسان، و الظلم الاجتماعي، فهو التكذيب الناشئ من التكذيب بالله واليوم والآخر.

وهكذا قوله تعالى: [تَوَلَّى] في قِبال الصلاة والقُرب، حيث يبتعد عن الرب امّا بعدم اتيان الصلاة أو بالسهو عنها، واداءها كيفما اتفّق.

[ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏]

أصل التمطّي تمدّد البدن من الكسل، و هو من لوى مطاه أي ظهره. قالوا:

إنّه إشارة إلى التبختر على نهج القرآن في ذكر الصفات بالتصوير الظاهر. و لعلّه أعمّ من ذلك حيث يدل على حالة اللامسؤولية و الإشتغال باللهو و اللعب عن الجد و الاجتهاد.

ثم يتوعد اللّه من تكون صفاته التي مرّ ذكرها بالعذاب بعد العذاب فيقول:

[أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏]

أي أنّك المسؤول عن الفعل، وتأكيد على المصير الذي ينتظره جاء في الحديث عن عبد العظيم الحسني قال‏: سألت محمد بن علي الرضا (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «الآيتين» قال: «يقول اللّه عزّ و جلّ: بعدا لك من خير الدنيا، و بعدا لك من خير الآخرة»[2].


[1] البرهان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 4.

[2] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 466.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (التاسع)

“كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ”

بسم الله الرحمن الرحيم


[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27) ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
الموت والفناء هو النهاية المحتومة لنا في الدنيا، فهو نهاية الدنيا وبداية الآخره والحساب، وهكذا علينا دائماً أن نحذر الموت وما بعده ونعمل له، خصوصاً أننّا لا نعلم متى واين ستكون النهاية كما يقول ربّنا تعالى:
[وَما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ‏ غَداً وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ]
الايمان بالآخرة
ثمار كثيرة يحصل عليها الانسان بسبب ايمانه بالآخرة، وأهمّ تلك الثمار هي تقويت ارداته، حيث يزداد الانسان قوة في اتخاذ القرار، وذلك من خلال:
اولاً: تذكرّ الموت و ما بعده، حيث يجعل الفرد غير مُهتم بلذّات الدنيا، خصوصاً حين ينظر الى آثار السابقين ومصيرهم، حينها يتيقّن بفناء الدنيا فيغتنم فرصة العيش فيها بأفضل وجه يقول ربّنا تعالى: [وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال]‏
ثانياً: وبالإيمان بالآخرة يستسهل الانسان صِعاب الدُنيا، لأنّه يعلم أنّ ما يمرُّ عليه من الصعاب تنتهي.
[وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ]
و هي وجوه المجرمين حيث القيامة موعدهم مع الفضيحة و العذاب و الذل، و بسور وجوههم يحكي باطن نفوسهم المنطوية على اليأس و التشاؤم و الخوف ممّا ستلاقيه.
[تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ]
إنّ المجرمين يوم القيامة ليساورهم هاجس و رعب ينتظرهم من الدواهي، و هذا الهاجس يعدّ عذابا عظيما بذاته.
[كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ]
ثم ينقلنا السياق القرآني الى أشدّ الساعات على الانسان وهي ساعة الانتقال من الحياة الدنيا الى الآخرة.
كيف تخرج الروح؟
يبدء ملك الموت بإخراج الروح من الجسد، من قدمه ويصعد شيئاً فشيئاً الى أن يصل عند عظم التراقي، حيث تكون لحظة الانتقال من عالم الدنيا الى الآخرة، ويُبصر الانسان ما لم يكن يشاهده من قبل، فمن جهة يشاهد ملائكة العذاب ومن جهة اخرى يشهاد ملائكة الرحمة.
[وَ قيلَ مَنْ راقٍ]
أي و قال أهله: من راق؟ أي طبيب شاف يرقيه و يداويه‏، وأيّ رُقية تُكتب لشفاءه؟!
[إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ]
فاليه منتهى كلّ شيء، ويبدو أنّ الآية يغلب عليها جانب الرحمة، لأنّ فيها اسم الرب الذي يدلّ على رحمته تعالى.
جاء في الحديث الشريف عن أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنّه قال ((‏ إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ يَوْمَ يُولَدُ وَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا وَ يَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ قَدْ سَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَحْيَى فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ وَ آمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَ قَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ فَقَالَ‏ وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.))
لكنّ المؤمن يعيش في بحبوحة النعم الالهية في الدنيا وفي الآخرة أيضاً فقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((يُفْتَحُ‏ لِوَلِيِ‏ اللَّهِ‏ مِنْ‏ مَنْزِلِهِ‏ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَ تسعين [تِسْعُونَ‏] بَاباً يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَوْحُهَا وَ رَيْحَانُهَا وَ طِيبُهَا وَ لَذَّتُهَا وَ نُورُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ .
و قَالَ فَكُلَّمَا عَيَّرَهُ بِذَنْبٍ قَالَ سَيِّدِي لَسَعْيِي إِلَى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُعَيِّرَنِي‏قَالَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا أَطْعَمْتَ جَائِعاً وَ وَصَلْتَ أَخاً مُؤْمِناً كَسَوْتَ يَوْماً حَجَجْتَ فِي الصَّحَارِي تَدْعُونِي مُحْرِماً أَرْسَلْتَ عَيْنَيْكَ فَرَقَا سَهِرْتَ لَيْلَةً شَفَقاً غَضَضْتَ طَرْفَكَ مِنِّي فَرَقَا فإذا [فَذَا] بِذَا أَمَّا مَا أَحْسَنْتَ فَمَشْكُورٌ وَ أَمَّا مَا أَسَأْتَ فَمَغْفُورٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ ابْيَضَّ وَجْهُهُ وَ سُرَّ قَلْبُهُ وَ وُضِعَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ ثُمَّ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ انْطَلِقْ بِعَبْدِي فَأَرِهِ كَرَامَتِي فَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَدْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَدْحُو بِهِ مَدَّ الْبَصَرِ فَيَبْسُطُ صَحِيفَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَ هُوَ يُنَادِي‏ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ هَاتِ الْجَوَازَ قَالَ هَذَا جَوَازِي مَكْتُوبٌ فِيهِ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هَذَا جَوَازٌ جَائِزٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَسْمَعُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدا فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ‏ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ‏ وَ ثِمَارٍ مهدلة [مُتَهَدِّلَةٍ] يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَيَنْطَلِقُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَيَغْتَسِلُ مِنْهَا فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَضْرَةُ النَّعِيمِ ثُمَّ يَشْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ فِي بَطْنِهِ مَغْصٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا دَاءٌ أَبَداً وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُورا))
نسأل الله أن يرزقنا ذلك.
نحن لا ندري الى متى في هذه العالم و لكن نعلم انه لنا نهاية و ان باب الاخره هو الموت فيجب ان نتذكر دائما اهوال الوت و مابعده و في اللذات و الصعاب نفكر بالاخره و الحساب حتى نعيش بالسعاده في الدارين و نكون يوم القيامة من اصحاب اليمين .

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثامن)

“تُحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ] (21)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

يتمنّى أغلب الناس أن يُصبحوا رجالاً صالحين، لكنّ اليأس يدبّ في داخلهم ويمنعهم من تحقيق أهدافهم، و من هنا علينا أن نبحث عن جذر اليأس، وهو ابليس الرجيم الذي اقسم بعزّة الرب أن يغوي البشر، و لطالما حذّرنا الرب من اتباع خطواته، لأنّه عدوٌ مُضلٌ مُبين، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ‏ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ][1]

ففي لحظات اتخاذ القرار يوسوس اليه ابليس ويُخوّفه من فوت المصالح المادّية، أو قد يوسوس لأحد المُقرّبين ليُشكّل ضغط على الانسان.

لو استطاع الانسان أن يتخلّص من الخوف فإنّه يتحرر فكره وبالتالي يتخّذ القرار المناسب الذي يجعله في مسيرة التقوى.

وطريق ذلك بالاضافة الى الاستعاذة، اولاً: التوكّل على الرب المُتعال، خصوصاً في لحظات اتّخاذ القرار، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي وَ اشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي‏ وَ هَبْ لِيَ الْجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ وَ الدَّوَامَ فِي الِاتِّصَالِ بِخِدْمَتِك‏))[2]

 ثانياً: أن يتخّذ الانسان القرار بأن يكون يومه افضل من أمسه، ويبقى في تسامي بشكل مستمر، كما يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام: ((منِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ‏))[3]

وفي المستحّبات أيضاً يتدرّج الانسان في العمل بها.

ثالثاً: في مسيرة التقوى علينا البحث عن المؤمن ليكون مؤازراً لنا، والتعاون معه من أجل أعمال الخير كما يقول ربّنا تعالى: [وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان][4]

 لأنّ يد الله مع الجماعة، وحتّى في القرارات التي يعمل بها الانسان بمفرده كالصيام المستحب مثلاً يندفع اليه اكثر لو بحث عن من يصوم معه، فضلاً عن الأعمال الاجتماعية الأخرى.

رابعاً: البحث عن الموجّه، الذي يُريه الطريق، كما يقول ربّنا تعالى: [فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ][5]

   وهو العالم الربّاني الذي نقتدي به.

تبليغ القرآن الكريم

المسؤولية الخامسة التي هي على عاتقنا تجاه القرآن الكريم هي مسؤولية التبليغ، وبالرغم من وجود وسائل التبليغ المختلفة التي لابدّ من الاستفادة منها الّا أنّ الذي نشر القرآن الى اقاصي البلاد هو المشافهة كما جاء في الحديث الشريف: ((نَضَّرَ اللَّهُ‏  مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا))[6]

لأنّ الخطاب المُباشر أبلغ أثراً في الناس، وهكذا على الانسان أن يتخذ قراراً بتبليغه للرسالة الى الناس.

الحكمة والموعظة الحسنة، واتخاذ الاسلوب المناسب، للتبليغ مهم في نجاحه.

يقول ربّنا تعالى: [كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ]

بالرغم من وجود النفس اللوامة، والقرآن الكريم الذي يُبيّن الحقائق الّا أنّ أغلب البشر يُحبّون العاجلة الاقرب لهم لأنّهم لا ينظرون الى المدى البعيد، بينما المؤمن ينظر الى المستقبل البعيد سواء في الدنيا أو حتّى ما يرتبط بيوم القيامة وعالم الخلود.

[وَ تَذَرُونَ‏ الْآخِرَةَ]

و علاج هذه المعضلة البشرية يتم بإيجاد التوازن في وعيه بين الحاضر و المستقبل، و ينتهج القرآن من أجل ذلك نهج التذكرة و التصوير لمشاهد الآخرة ممّا يزيدها حضوراً في وعيه، و هذا ما نقرأه في الآيات التالية من سورة القيامة المباركة.


[1] سورة آل عمران، الآية 175.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 849

[3] من لا يحضره الفقيه، ج‏4، ص: 382.

[4] سورة المائدة، الآية:2.

[5] سورة النحل، الآية 43.

[6] عدة الداعي و نجاح الساعي، ص: 28.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السابع)

“فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَإِذا قَرَأْناهُ‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏] (19)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ورد في مقطع من المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام: ((إِلَهِي إِنَّ مَنِ انْتَهَجَ بِكَ‏ لَمُسْتَنِيرٌ))[1]

فمن ينتهج المنهج الربّاني، يستنير بهُدى الوحي، ومن هنا علينا أن نسعى لكي نجعل القرآن منطلقاً للتبصّر الحقائق، ومعرفة الذات.

وكما جاء في الحديث الشريف عن الامام الباقر عليه السلام قال: ((اعْرِضْ‏ نَفْسَكَ‏ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ فَاثْبُتْ وَ أَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ وَ إِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِكَ))[2]

وهكذا لكلّ شيء ميزان، وميزانُ معرفة الحقائق القرآن الكريم، ابتداءاً من أهمّ المعارف وهي معرفة الرب سبحانه وتعالى، حيث تجلّى الرب سبحانه وتعالى لعباده في كتابه، والى اسماء الله سبحانه وتعالى التي تكون طريقاً لمعرفته.

وطريق ذلك أن نتدّبر في الاسماء الحسنى ونطبّقها في واقعنا في معرفة الواقع، ومن ثمّ معرفة سُنن الرب المُتعال.

فربّنا تعالى خلق السماوات والأرض بالحق، وكما في خلقة الكون كذلك في الامم أجرى ربّنا سُنناً وجعل للبشر القدرة على فهم تلك الحقائق.

وسيعلم الذين ظلموا

من سُنن الرب تعالى الجارية في خلقه هي قوله سبحانه وتعالى: [وَ سَيَعْلَمُ‏ الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ][3]

وللنظر الى التاريخ وِفق هذه السُنّة لنجد التطبيقات الكثيرة لها في الواقع.

أو قوله سبحانه وتعالى: [ وَلَيَنْصُرَنَ‏ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ][4]

كما في معرفة التاريخ لابدّ أن نأخذ هذه السُنّة مشعلاً لمعرفة الحقائق في المستقبل.

أو قوله سبحانه وتعالى: [ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏][5]

هذه  السُنن ثابة وجارية في الكون، لو طبّقناها على واقعنا، فإنّنا بذلك سنفهم الواقع اولاً ونصل الى ما فيه كمال وسعادة المجتمع ايضاً.


[1] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 678.

[2] تحف العقول، النص، ص: 284.

[3] سورة الشعراء، الآية 227.

[4] سورة الروم، الآية 40.

[5] سورة الرعد، الآية 11.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (السادس)

“فاتّبع قرآنه”

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَإِذا قَرَأْناهُ‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] (18)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

إحدى المسؤوليات التي تقع على عاتق البشر تجاه القرآن الكريم، جعله مصدراً للمعرفة، ووسيلة لتبصّر الحقائق، فالقرآن الكريم مرآة الحقائق، الكبيرة منها والصغيرة واهمّها معرفة الرب سبحانه وتعالى.

وخصوصاً تلك المعارف التي تتعارض مع مصلحة الانسان واهواءه، حيث تجد الكثير منّا لا يستطيع تجاوز تلك المصالح، و حُجُب الغفلة السميكة تحول دون ذلك الّا أنّ كلمات القرآن الكريم تكشف عن القلب تلك الحُجب، بمزيد من الإنذار.

اول الدين معرفته

لأنّ معرفة الله تعالى موجود في فطرة الانسان، لذلك أغلب الناس يبحثون عن الرب، الّا أنّه يخطئ أغلبهم في تلك المعرفة، فتجد البعض يعبدون الشمس، أو القمر، او الحجر، فهم قد اخطأوا الطريق، وطريق الحصانة من السقوط هو القرآن الكريم، يقول ربّنا تعالى:

[وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعا][1]

وهو القرآن والنبي واهل بيته الكرام، وبغير ذلك لا ضمان للوصول الى الله.

جاء في الحديث الشريف: ((لقد تجلى الله لخلقه بكلامه، ولكنهم لايبصرون))[2]

السؤال كيف نعرف الرب تعالى من القرآن؟

القرآن الكريم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً أو كما قال تعالى:

[وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ‏ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَميعاً][3]

هو القرآن الذي تجلّى فيه الرب تعالى، كما تجلّى لموسى وخرّ موسى صعقاً! حين نتدبّر في اسماء الرب سبحانه وتعالى فيه وآياته نعرفه..

كما يقول تعالى: [وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ‏ بِها][4]

 أو حين نتدّبر في قصص آيات الله، في الانتقام من الظالمين، كعادٍ وثمود، وقوم نوح.

كمال الانقطاع اليك

وهكذا علينا أن ندعو ربّنا سبحانه وتعالى، أن يلهمنا معرفته كما نقرء في المناجاة الشعبانية قول الامام عليه السلام:

(( إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ‏ الِانْقِطَاعِ‏ إِلَيْكَ وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخِرَقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَة))[5]

لكي يتخلّص الانسان من العلائق المادّية، ويسموا في رحاب معرفة الله، هناك يرى الانسان ربّه بقلبه كما قال الامام  عليه السلام:

((لَمْ أَكُنْ لِأَعْبُدَ رَبًّا لَمْ أَرَهُ فَقَالَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَمْ تَرَهُ الْأَبْصَارُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ بَلْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَان))[6]

وكما قال الامام الحسين عليه السلام:

((أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ‏ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَ وَحَّدُوكَ [وَ وَجَدُوكَ‏] وَ أَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِكَ أَنْتَ الْمُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ وَ أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ [إِلَهِي‏] مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَ مَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلًا وَ لَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلا))[7]

وهكذا بقراءتنا للقرآن الكريم والتدبّر في آياته نزيل الحُجب عن قلوبنا ونزداد معرفة بربّنا المتعال.


[1] سورة آل عمران، الآية: 103.

[2] بحار الأنوار :ج 89/ص107.

[3] سورة الرعد، الآية 31.

[4] سورة الأعراف، الآية: 180.

[5] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 678.

[6] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 33

[7] إقبال الأعمال (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 349.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

“إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ]‏ (19)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

القرآن الكريم نزل على قلب نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وآله، وهو ذات القرآن الذي بين الدفتين، وما نقرأه اليوم.

لكنّ القرآن الكريم ولدلائل عديدة لم يُقرء على الناس دفعة واحدة، ومن هنا جاء الامر الالهي بعدم الاستعجال في بيانه، أمّا الخوف من اندثاره فلا داعي له، لأنّ الذي انزل القرآن هو الضامن لجمعه وحفظه، كما يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ][1]

يقول ربّنا تعالى[لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ]

النهي الوارد في القرآن الكريم في خِطاب النبي صلّى الله عليه وآله لا يعني أبداً أنّ النبي كان يعمل به، ففي آيات عديدة ربّنا تعالى ينهي النبي صلّى الله عليه وآله من اطاعة الكفّار والمنافقين كما في قوله تعالى: [وَ لا تُطِعِ‏ الْكافِرينَ وَ الْمُنافِقينَ وَ دَعْ أَذاهُم‏][2]

فهل تعني الآية أنّ النبي كان يطيعهم! حاشاه، من هنا نفهم عدم صحّة ما ذهب اليه البعض في تفسير الآية من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يُكرّر الآية لكي لا ينساها، والحال أنّ الرب تعالى يخاطب النبي في سورة الأعلى بقوله: [سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏][3]

كما أنّ الآيات القرآنية تأتي غالباً بصيغة، ايّاك اعني واسمعي يا جارة، ففي الظاهر الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله بينما في الحقيقة لكلّ الناس.

بالحكمة والموعظة الحسنة

إذا كان الخطاب القرآني لنا، فما هو الواجب علينا فيما يرتبط بعدم الاستعجال في بيان القرآن، يُبيّن لنا ربّنا ذلك بقوله: [ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ][4]

 فليس كلّ مكان يناسب كلّ كلام، وحتّى الآيات القرآنية لابدّ من التفكير في الآية التي تناسب الظرف في سبيل هداية الآخرين، وهو معنى الحِكمة الذي امرنا به ربّنا.

ثمّ يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ]

 لا يُمكن أنّ الرب تعالى يُرسل كتاباً، ليكون آخر رسالة الهية لكلّ البشرية والى يوم القيامة، ثمّ لا يجمعه!

النبي صلّى الله عليه وآله هو الذي جمع القرآن وبعد رحلته كان امير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بجمع القرآن، ويبدو أنّ القرآن الذي جمعه عليه السلام كان فيه مضافاً للنص التأويلات التي يأتي بها امامنا الحجّة عجل الله فرجه الشريف حين ظهوره، ومعنى كلمة [قرآنه] يُقال بعد اتمام الشيء.

يصدّق بعضه بعضاً

ونستفيد من الآية أيضاً أنّ القرآن الكريم نص متكامل، بمعنى أنّه لابدّ من الايمان بجميع آياته ولا نصبح كالذين جعلو القرآن عضين و قالو نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

وهكذا القرآن الكريم يُصدّق بعضه بعضاً، والتدبّر في آياته لابدّ من التأمّل في كلّ القرآن الكريم.

يقول ربّنا : [فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ] أي جميعه.

ليس هذا فحسب بل يقول ربّنا: [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏]

فالذي انزل الكتاب، وارسل المُرسلين، حاضرٌ ورقيب، فمن يقرء القرآن الكريم، عليه أن يلتجئ الى الباري تعالى ليُنزل عليه نوراً لفهم حقائق القرآن.


[1] سورة الحجر، الآية 9.

[2] سورة الأحزاب، الآية:48.

[3] سورة الأعلى، الآية: 6.

[4] سورة النحل، الآية: 125.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع)

“قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ”

بسم الله الرحمن الرحيم

 [لا تُحَرِّكْ‏ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ‏ قُرْآنَهُ] (18)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

يستفاد من الآيات القرآنية أنّ عظمة شهر رمضان لعدّة أسباب، اولها لأنّه شهر انزل الله تعالى به القرآن كما يقول تعالى: [شَهْرُ رَمَضانَ‏ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقان‏][1]

كما وأنّ عظمة الشهر لوجود ليلة القدر فيها، وأنّها خيراً من ألف شهر، أمّا السبب الثالث أنّه شهر الدعاء، وحديثنا في هذه الليالي عن القرآن الكريم.

تجلّي القرآن

والتساؤل الذي يُطرح قبل  عن سبب مقارنة ليلة القدر و فيها نزول القرآن بمصيبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام وزيارة مؤكّدة للامام الحسين عليه السلام.

في الجواب على ذلك نقول: إنّ الله تعالى أتمّ حجته على الناس ومن أبعاد ذلك أنّه تعالى حينما أنزل القرآن جعل مصاديق، و هم اهل البيت عليهم السلام.

لذلك فإنّ الامام عليه السلام بمنزلة قرآن ناطق، وكما أنزل الله تعالى القرآن على قلب النبي صلّى الله عليه وآله في ليلة القدر تتنزّل الملائكة والروح في ليلة القدر  على امامنا الحجة (عج) بالأمر الحكيم في ليلة القدر.

القرآن بصيرة

السؤال الآخر، المطروح عن العلاقة بين النفس اللوامة، وعن يوم القيامة وبين الحديث القرآن الكريم؟

الجواب على ذلك أنّ الله تعالى الذي اودع الانسان المعارف في فطرته، بيّن تفصيل تلك المعارف في القرآن الكريم، ومن هنا فالقرآن مُكمّل للعقل والفطرة، ومن يستطيع أن يقرء القرآن بحيث يبلور عقله، فإنّه يفهم القرآن الكريم.

مسؤوليتنا تجاه القرآن

خمس واجبات على عاتقنا تجاه القرآن الكريم.

اولاً: تلاوة القرآن الكريم وحفظه.

ثانياً: التدبر في آيات القرآن الكريم.

ثالثاً: جعل القرآن منطلقاً في فهم المعرفة.

رابعاً: أن نبني أنفسنا بالقرآن.

خامساً: أن ندعوا للقرآن.

وسنأتي الى بيان ذلك تباعاً.

تلاوة القرآن الكريم وحفظه.

وخصوصاً في الليل حيث يقول ربّنا تعالى: [قُمِ‏ اللَّيْلَ إِلاَّ قَليلاً (2)نِصْفَهُ‏ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَليلاً (3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ‏ الْقُرْآنَ تَرْتيلاً] (4)

ويتسامى الانسان في مدراج الكمال بتلاوته القرآن، وهكذا فتلاوة القرآن وحفظه يقي الانسان في شرّ الفتن كما قال النبي صلّى الله عليه وآله: ((فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ‏ كَقِطَعِ‏ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ مَاحِلٌ مُصَدَّقٌ وَ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّار))[2]

افلا يتدّبرون

المسؤولية الثانية التي هي على عاتقنا تجاه القرآن الكريم هو التدبّر في آياته الشريفة كما اكّد على ذلك ربّنا في آيات عديدة من القرآن الكريم، كما في قوله عزّ وجل: [أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها][3]

يفهم القرآن من خوطب به

صحيح أنّ القرآن الكريم يفهمه الائمة الاطهار عليهم السلام لأنّهم خوطبوا به، الّا أنّ ذلك لا يعني عدم مشروعية التدبّر في المُحكمات، إذ لا شكّ أن الفهم الكامل عندهم عليهم السلام، و من هنا فطريق معرفة القرآن ايضاً لا يكون بمعزل عن الرويات الشريفة، يقول ربّنا تعالى:

[هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْويلِهِ][4]

 فالمتشابه ما تشابه على صاحبه، والمحكم خلاف ذلك، بمعنى أنّه ربّما تكون الآية الواحدة من المحكمات عند أحد، ومتشابهة عند آخر.

اذن الادعاء أنّنا نفهم كلّ القرآن، و الآيات الشريفة جميعها مُحكمات اتجاه خاطئ، كما والادّعاء على أنّنا لا نفقه من الآيات الشريفة شيء أيضاً خطأ، إنّما التدبّر يكون في سياق المُحكمات التي نؤمن بها ونعمل بها، أمّا المتشابهات فنؤمن بها ولكن علينا الرجوع لمعرفتها الى الراسخون في العلم.


[1] سورة البقرة، الآية 185

[2] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 599.

[3] سورة  محمد، الآية 24.

[4] سورة آل عمران، الآية 7.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

“عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ‏] (15)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

في بدء القيامة بيّن ربّنا تعالى المحكمتان التي يتحاسب بهما كلّ انسان، من المحكمة الداخلية المتمثّلة بالنفس اللوامة، والى محكمة العدل الالهية في يوم القيامة، و في ذات السياق تأتي الآيات 13-15لتؤكد وتفصّل تلك الحقيقة، من أجل تكريس قيمة المسؤولية عند الانسان.

احصاه الله ونسوه

لا شيء يُعدم في الكون، هكذا يقول العلم الحديث، فالطاقة تتحوّل من صورة الى اخرى وقد تتلاشى في الفضاء ولكن تبقى موجودة، اقول: كما الاشياء لا تُعدم كذلك اعمال الانسان تبقى، سواءاً الصالحة منها كالصلاة او الطالحة كالكذب تبقى موجودة، حتى لو نساها الانسان كما يقول ربّنا تعالى: [يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ‏ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهيدٌ][1]

ويقول ربّنا تعالى: [وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً][2]

من الاهداف المهمّة التي على الانسان تعقّبها في الحياة هو أن يمحي الأعمال السيئة ويحوّلها عدماً، وذلك من خلال الاستغفار، حيث يمحي آثار الذنوب، بل ويتفضّل الرب سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن يُنسيهم ذنوبهم أيضاً، لأنّ الانسان لا يتحمّل عتاب الرب سبحانه وتعالى له حتّى وإن يعقبه غفران.

يقول ربّنا تعالى: [يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ‏ وَ أَخَّرَ]

قال الإمام الباقر (ع): «بما قدّم من خير و شر، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة، ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرا كان عليه مثل وزرهم، و لا ينقص من وزرهم شي‏ء، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم، و لا ينقص من أجورهم شي‏ء»[3].

[بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصيرَةٌ]

هذه الآية هي محور سورة القيامة المباركة، حيث يُبيّن ربّنا مشكلة البشر في عدم الاصغاء للنفس اللوامة، وعدم الاكتراث للمحكمة الالهية، وهو التبرير، حيث أنّ النفس البشرية تستخدم المزيد من الاساليب لتقريب الانسان من فعل المعصية، فتارة تطوّع له كما طوّعت لقابيل في قتل اخيه هابيل، وتارة تسوّل كما عند السامري، وتارة تُزيّن المعصية، و تارة تُبرّر للانسان فعله للمعصية.

وورود التاء في قوله [بَصيرَةٌ] هو للمبالغة، أي أنّ الانسان يعرف نفسه جيّداً.

 [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

اصل التبرير كذب، وهدفه خداع الذات، ذلك أنّ النفس اللوامّة حينما لا تضعف عند الانسان بسبب عدم العمل وفقها، وحين تقوى النفس الأمّارة، يلجئ الى الكذب لتبرير أخطاءه وعلينا لمواجهة ذلك، أن نلوم أنفسنا على الكذب، بأن نقوم بمحاسبة الذات وبذلك نستطيع أن نُرمّم النفس اللوامة.

ولأنّ البشر يبرّر لنفسه دائماً يأتي القرآن الكريم ويقطع الحجة على الانسان فيقول: [وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذيرَهُ]

ويزداد الامر خطورة حينما يأخذ منحى اجتماعي ومؤسساتي، فبدل أن يكون التبرير في شخص أصبح يشكّل تيّار، ويبثّ آلاف الشُبهات الواهية للناس.

لكن يبقى حجّة الرب تعالى على الانسان تامّة لأنّه اعطاه البصيرة في دينه بالرغم من كلّ الشبهات والتبريرات، ولذلك تجلّي في الأحكام الشرعية ايضاً فقد جاء في الحديث

قال زرارة: سألت أبا عبد اللّه (الإمام الصادق (ع)): ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيق‏.»[4]


[1] سورة المجادلة، الآية 6.

[2] سورة الكهف، الآية 49.

[3] ( 4) تفسير القمّي ج 2 ص 397.

[4] ( 1) المصدر.

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثاني)

“أَيْنَ الْمَفَرُّ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5) يَسْئَلُ أَيَّانَ‏ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6)فَإِذا بَرِقَ‏ الْبَصَرُ (7)وَ خَسَفَ‏ الْقَمَرُ (8)وَ جُمِعَ‏ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (9)يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)كَلاَّ لا وَزَرَ (11)إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ] (12)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

خِلقة البشر بالغة التعقيد، وفيها مجموعة كبيرة من المؤثّرات المتناقضة، فمن جهة العقل والعلم والوجدان، ومن جهة اخرى الشهوة والجهل، كما يقول ربّنا تعالى:[وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً][1] أي تعقيداً، ولأنّه كذلك، لابدّ من الاستفادة من مؤثّرات مُختلفة من أجل اصلاحه، فليس كلّ امراض البشر سواء، وبالتالي السبيل الى اصلاحها ايضاً مختلف.

فالمشكلة عند الانسان قد تكون عقلية، بأنّه لم يدرك الحقائق، وقد تكون نفسية بالتكبّر والطغيان، وقد تكون المشكلة في ضعف الارادة، أو الخوف والتردد، وما اشبه، وفي القرآن الكريم علاجٌ لكلّ الوان الانحراف عند البشر، فتراة يُذكّر الانسان باستدلال عقلي فيقول:[قُلْ يُحْييهَا الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَليمٌ][2]

وتارة يعالج مشكلة الطغيان حينما يذكر مصير الطغاة كأفراد كفرعون ونمرود، او امم، كعادٍ وثمود، يقول تعالى: [أَوَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ][3]

وتارة يُعالج ضعف الارادة في مواجهة التحدّيات، فيأتي بذكر آسية بنت مزاحم التي تحدّت كلّ ألوان الضغوط وقالت: [إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لي‏ عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّني‏ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّني‏ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ][4]

وبيّن ربّنا ايضاً عاقبة من طغى من جهة، وعاقبة من اتّبع الهدى من جهة أخرى ليكون عبرة لنا وحجّة علينا.

واعظٌ من نفسه

ونستفيد من ذلك أيضاً أنّ الانسان في وعظه لنفسه أيضاً لابدّ من تنوّع الاساليب، فيحدّث نفسه بالطاعة، ويُذكّر نفسه بالعقاب، ويشوّقها بالثواب، و..الخ

وهذا ما نتعلّمه من سيّدنا العباس عليه السلام كيف خاطب نفسه في يوم عاشوراء قائلاً:

يا نفس من بعد الحسين هوني‏ من بعده لا كنت أن تكوني‏
هذا حسين شارب المنون‏ و تشربين بارد المعين‏
هيهات ما هذا فعال ديني‏ و لا فعال صادق اليقين‏[5]

ليفجر أمامه

في هذه السورة المُباركة وبعد أن حدّثنا ربّنا عن المحكمة الالهية، يُبيّن سبب عدم ايمان الانسان بها فيقول:

[بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ]

أنّ الكلمة بمعناها الأصلي و هو الشق و التحطيم، و إنّما سمّي الفجر فجرا لأنّه يشقّ الظلام و يحطّمه، و الفجور في الأخلاق و السلوك مثل ذلك، حيث أنّ الفاجر لا يلتزم بقيمة و لا قانون، بل يشق عصا المجتمع و الشرع باقتحام اللذات و الخطايا، و لا يريد أمامه شيئا يعيقه أبداً، ومعنى ذلك أنّ الانسان وبسبب اتباعه للهوى وتجاوزه للحدود لا يؤمن بيوم القيامة فتراه يقول:

[يَسْئَلُ أَيَّانَ‏ يَوْمُ الْقِيامَةِ]

كلمة أيّان تجمع بين السؤال عن الزمان والمكان، والانسان الذي لا يؤمن وبسبب اتباعه للهوى، يشكك بيوم القيامة، ومن هنا يأتي السياق القرآني بكلمة صاعقة لتكشف الحُجُب المتراكمة على قلب الانسان، يقول ربّنا تعالى: [فَإِذا بَرِقَ‏ الْبَصَرُ]

لأنّ البصر نافذة روح الانسان، ويُمكن فهم حالات الانسان المُختلفة من خلال بصره، يُعبّر القرآن عن حالة البشر في ذلك الحين حيث التحيّر من شدّة الفزع.

[وَ خَسَفَ‏ الْقَمَرُ]

يفقد القمر نوره، ويذهب ضوءه من تلقاء نفسه لا بشيء خارجي.

[وَ جُمِعَ‏ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ]

ربّما يكون ذلك بسبب انتهاء نظام الجاذبية الحاكم على المنظومة الشمسية.

 [يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ]

إنّما يكشف القرآن للإنسان مشاهد الآخرة حتى يزرع التقوى في نفسه فيضع بذلك حدا لفجوره و غروره، و لأنّ المعرفة بالمستقبل و الإيمان بحقائقه يخلّف توازنا في مسيرته الدنيوية الحاضرة، فهو إنّما يفجر زعما منه بأن سيجد مهربا من المسؤولية.

جاء في الحديث عن العالم أنّه قال لابن ابي العوجاء: ((إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَ نَجَوْتَ‏ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَقُولُ وَ هُوَ كَمَا نَقُولُ نَجَوْنَا وَ هَلَكْتَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوهُ فَمَاتَ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ.))[6]

نعم لا مفرّ من أمر الله.

 [كَلاَّ لا وَزَرَ]

أي المأوى والملجئ، حيث كان الناس يلجأءون الى الجبل في الحروب، ولكن في يوم القيامة لا ملجئ ولا منجى الّا اليه.

[إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ]

والآية فيها زجرٌ و تحذير، وفيها ايضاً جانب الرحمة ولذلك جاء استخدام كلمة الرب، فهو الذي ربّاني كلّ آن و رعاني في مختلف الحالات والظروف، سيكون اليه المستقر، ونحن علينا أن نهرب اليه سبحانه.


[1] سورة الكهف، الآية54.

[2] سورة يس، الآية 79.

[3] سورة الروم، الآية 9.

[4] سورة التحريم، الآية 11.

[5] شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام، ج‏3، ص: 192.

[6] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 78

تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)

“لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ‏ (3) بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏ (4)بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

محكمتان أمام الانسان، لو فكّر بها جيّداً لجعل كلّ حياته تنتظم وفقهما، المحكمة الأولى هي محكمة العدل الالهي في يوم القيامة، حيث يقول ربّنا تعالى: [وَ نَضَعُ الْمَوازينَ‏ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبينَ][1]

فكلّ الأفعال سواءاً كانت صغيرة او كبيرة احاصها الرب تعالى حتّى لو نساها الانسان، وفي يوم القيامة يُحاسب عليها.

أمّا المحكمة الأخرى فهي النفس اللوامة التي هي بخلاف النفس الأمّارة بالسوء في داخل الانسان تلومه وتدفعه الى المزيد من فِعل الصالحات واجتناب المُحرّمات ومن هنا يجد الانسان في داخله التناقض الدائم بين الهوى (النفس الأمّارة) والهدى (النفس اللوامة) التي تكون حُجّة على الانسان لا يستطيع نكرانها أبداً.

ومن هنا تجد المؤمنين يُنظّمون حياتهم وفق هاتين المحكمتين، فما من موقف يمرّ فيه الّا ويتبّصر بما يُرشده عقله ويتذكّر وقوفه أمام خالقه وبالتالي يتّخذ الموقف الصحيح

 ومن هنا يقول ربّنا تعالى في سورة القيامة: [لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]

قيل أنّ لا نافية، أو زائدة، أنّها تفيد معنى القسم، و أنّ ما يليها من كلام/ 143 في منزلة من الوضوح لا داعي معها إلى القسم‏[2] أو أنّ ما وراءها من حقيقة نقسم بها عظيمة نجلّها عن القسم، و هما معا يفيدان معنى التفخيم.

‏لكنّ السؤال عن الثمرة المترتّبة عن الايمان بالمحكمة الالهية سواء في داخل الانسان أو في يوم القيامة؟

في الجواب على ذلك نقول:

أولاً: من يؤمن بمحكمة الذات فإنّه يبلورها، وطريق ذلك هو اتّباعها، فكلّما اتّبع الانسان جانب النور في داخله و صغى الى نفسه اللوامة، بلورها، جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((مَنْ غَلَبَ‏ عَقْلُهُ‏ هَوَاهُ‏ أَفْلَحَ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَقْلَهُ افْتَضَحَ.))[3]

 ثانياً: بالنسبة الى يوم القيامة على الانسان استحضارها، لما آتاه الله من القدرة على التخيّل, لأجل ترسيخها في الوجدان.

ومن هنا تجد اولياء الله تعالى يستحضرون الآخرة دائماً، إن كان بتمرغهم على الرمال الحارقة كما كان يفعل ابوذر الغفاري، أو بحفر قبورهم و ما اشبه، كلّ ذلك يأتي في سبيل استحضار الحساب الالهي.

ونتيجة الايمان بالمحكمة الالهية هو تحمّل المسؤولية، والانضباط وِفق السُنن الالهية والنظام الكوني الجاري في الخليقة، ومن هنا نجد أنّ ذات السبب أي عدم تحمّل المسؤولية هو سبب الكفر بالآخرة عند غير المؤمنين، ظنّاً منهم أنّ ذلك يُلقي بالمسؤولية عنهم، والحال أنّ عدم الاعتراف بالمسؤولية هو جريمة يستحقّ مرتكبها عذاباً مُضاعفاً، مرّة لعدم العمل بالمسؤولية ومرّة أخرى لعدم الاعتراف بها.

سورة القيامة المُباركة جاءت لتثبّت فكرة المسؤولية تجاه المحكمة الالهية، و ردّ الشُبهات التي يتذّرع بها البشر لعدم ايمانهم بيوم القيامة.

ومن تلك الشبهات ما اشار اليه ربّنا سبحانه بقوله: [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و جذر هذا التصور نجده حينما نبحث عنه في جهل الإنسان بقدرة ربه التي لا تحدّ، و تقييم شؤون الخلائق بما فيها البعث و النشور من خلال قياساته الذاتية و قدراته المحدودة، دون أن يعرف أنّ للكائنات العظيمة التي خلقها اللّه من جبال و وهاد و أراضي و بحار و سموات و مجرّات .. أنّ لها مقاييس أخرى لا تقاس بذاته.

و لهذا فإنّه حيث يجد نفسه عاجزة عن جمع عظام الموتى يحسب الأمر مستحيلا، أمّا لو عرف ربّه لتغيّر تصوّره و موقفه، و آمن بالآخرة.

[بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏]

ليس فقط العظام الصلبة بل حتّى الأجزاء الدقيقة في خلقة الانسان يُعيدها الرب، وكلمة: [نُسَوِّيَ] للتدليل على الانتهاء من الشيء بكلّ تفاصيله.

[بَنانَهُ‏]

سعى علماء البشر كثيراً ليصنعو يداً تشبه يد الانسان، في امكانية تفاعلها مع مختلف المؤثرات، لكنّهم عجزوا فاصبع الانسان الذي يتعامل مع ادقّ الامور، هي تمسك الامور الكبيرة أيضاً، ومن عظمة الخِلقة أيضاً أنّ عدم التشابه بين بصمات البشر بتاتاً إذ أنّ لكلّ شخص بصمته الخاصّة.

لكنّ مشكلة البشر الكبرى هو أنّه يريد اتباع هوى نفسه، وهو السبب الذي يدعوه لعدم الايمان بالآخرة.    


[1] سورة الانبياء، الآية: 47.

[2] ( 1) راجع سورة الواقعة عند الآيتين( 75- 76) و ما يليها.

[3] مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ج‏11، ص: 212.

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس عشر)

“إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ”

بسم الله الرحمن الرحيم


(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً (30)يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً)

صدق الله العلي العظيم


تفصيل القول
من خصائص سور القرآن الكريم حُسن الختام، وما فيه من بصائر مُرتبطة بسائر مواضيع السورة، وفي ختام سورة الانسان المُباركة بصائر عدّة أيضاً.
البصيرة الأولى: التذكرة
حيث يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ]
ماذا تعني التذكرة؟ ولماذا ذُكرت بمشتقّاتها المختلفة ممّا يقرب 250 مرّة في القرآن الكريم؟
في الاجابة نقول إنّ فرصة التكامل عند البشر تكاد لا تنتهي، وهي أكثر بكثير ممّا ادركها البشر بالفعل، وطريق الوصول الى تلك الفُرص هو التذكّر، لأنّ ترسيخ المعارف والحقائق في القلب، وبلورتها في الوجدان هو الذي يجعل البشر في مسيرة التكامل.
ذلك أنّ مُشكلة البشر الحقيقية هي غفلته عن الحقائق الكُبرى و هو بالتذكرة يرسّخ تلك الحقائق في القلب, يقول ربّنا تعالى: [وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ‏ الْمُؤْمِنينَ]
وهكذا فإنّ الحقائق الكبرى موجودة في فطرة الانسان، وما ذُكر في هذه السورة المباركة من حقائق أيضاً كلّها تذكرة، والأنبياء جاءوا يذكّرو الناس بتلك الحقائق، التي من اهمّها حقيقة الولاية.
ومن هنا نجد الرويات التي تأتي في تبيان التذكرة، تشير الى ذلك المعنى، ففي الحديث عن أبي الحسن الماضي- عليه السّلام-(( قال: قلت: [إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.]قال- عليه السّلام-: الولاية.))
لأنّ من لا يقبل الولاية، فإنّه لا يتجاوز الامتحانات الأخرى، وهكذا على الانسان أن يجعل التذكرة برنامجاً لحياته من أجل تغيير جذري في شخصيته.
ثم يقول ربّنا تعالى: [فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبيلاً]
خرية الاختيار
ربّنا سبحانه وتعالى ميّز البشر عن باقي المخلوقات بأن منحه حق الانتخاب، ومن لا يستفيد من ذلك الحق فإنّه يفقد الميزة الاساسية للإنسان، ويصبح مصداقاً لقول امير المؤمنين عليه السلام حيث قال: ((هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ‏ كُلِ‏ نَاعِقٍ‏ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح‏.))
لأنّه لم يستمع القول فيتّبع أحسنه، ولم يتحمّل مسؤولية اخطاءه، فتراه يلقي مسؤولية اخطاءه على الآخرين، بينما على الانسان أن يتحمّل مسؤولية الاختيار عنده، ولا يبقى في مرحلة اللا اختيار لأنّ ذلك يعني الاختيار الخاطئ.
الصراط المستقيم
والسبيل الذي علينا أن نسلكه هو الذي قال عنه ربّنا في فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ]‏
وهو صراط اهل البيت الذين انعم الله عليهم، ولا سبيل آخر لنا ولا صراط مستقيم غير صراطهم.
ثمّ يقول ربّنا تعالى: [وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
في اللحظات الصعبة على الانسان أن يتوكّل على ربّه فيجبر به ضعف ارادته، لأنّ ارادة المخلوق متّصلة بارادة الله الخالق المُتعال و لا تنشأ لمخلوق مشيئة بدون إذنه، فيسلب البعض توفيق الهداية و يهبه لآخرين.
[إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً]
و لكن ليس اعتباطا، بل على أساس علمه بحال المخلوق و حكمته البالغة.
[يُدْخِلُ‏ مَنْ يَشاءُ في‏ رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً]
و تنتهي السورة بالرحمة، لما ذُكر فيها من النعم الكثيرة التي منحها البشر للمخلوقين، فهو تعالى سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كلّ شيء ولكنّه أيضاً أعدّ للظالمين ومن يستحقّون العقاب عذاباً اليماً.