تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثاني عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

((اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحيىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَ الْمُصَّدِّقَاتِ وَ أَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

يُحيي الأرض بعد موتها

كما تُحيى الأرض بعد أن كانت بواراً كأنّها مقبرة مهجورة؟! هكذا أيضاً يُحيي الرب المُتعال قلب الإنسان بعد موته, وهكذا يُحيي المجتمعات أيضاً, فالسنُة الالهية في ذلك سواء, فالأرض مُستعدة للتحوّل الى حلّة خضراء, وتكون كذلك حين يُنزّل الله من السماء ماءاً, وفي قلب الإنسان أيضاً شُعلة ضمير يستيقظ بالموعظة, وهكذا في المجتمعات اولو بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض قد يُحيي الله بهم البلاد, يقول تعالى: [وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ].[1]

وهكذا يُحيي الله الأرض بوليّه الإمام المنتظر كما جاء في الحديث الشريف عن أبي جعفر (عليه السلام)، في ذيل هذه الآية قال: «يعني بموتها كفر أهلها، و الكافر ميت، فيحييها الله بالقائم (عليه السلام) فيعدل فيها، فتحيا الأرض و يحيا أهلها بعد موتهم.»[2]

فيحكم العدل والقسط والحق, فالآية تُعطي للبشر الأمل في الاستزادة من النفحات الإلهية في إحياء القلب.

بين العلم والعقل

بدء الآية المُباركة بالعلم حيث يقول ربّنا: [اعْلَمُواْ], وتنتهي الآية بالتعقّل حيث يقول تعالى: [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]

لأنّ العلم يسبق التعقّل, فهو يرسم للإنسان المسير, بعد ذلك يملك الإنسان رؤية صحيحة ممّا يوصله الى العاقلية.

بعد الآية التي ذكرت مشكلة البشر الكبرى الا وهي قسوة القلب تُبيّن في الآيات التالية امكانية وطريق التخلّص من القسوة.

يقول ربّنا: [إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَ الْمُصَّدِّقَاتِ وَ أَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا]

الإنفاق هو طريق التخلّص من النفاق,  فحين يأمر الرب المتعال نبيّه (ص) بقوله: [خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِه][3] فالإنفاق يُذهب العُجب والغرور والطغيان, لأنّه استطاع أن يغلب النفس الأمّارة, وليس بالضرورة أن يكون الإنفاق من المال فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «كلّ معروف صدقة إلى غني أو فقير»[4] و قال: «إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، و نهيك عن المنكر صدقة، و ردّك السلام صدقة»[5]

و الصدقة هي ما يصدّق به الإنسان ربّه، فلأنّه الذي أمر و وعد بالثواب ينبعث إلى الإنفاق، و سمّيت الصدقة صدقة لأنّها تثبت صدق الإيمان بالعمل و تثبّته.

 [وَ أَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا]

و من ذلك العام يخصّ اللّه القرض بالذكر وقد جاء في الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: «مكتوب‏ على‏ باب‏ الجنة الصدقة بعشرة و القرض بثمانية عشر»[6]

[يُضَاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ]

الطاقات التي هباها الرب المُتعال للإنسان كثيرة جدّاً, لكن ولعدم وجود الدافع تجد الإنسان لا يستفيد منها, وهكذا المجتمعات تحوي على طاقات هائلة لكنّها لا تستفيد منها لعدم وجود الدافع, لو وعينا قوله سبحانه وتعالى: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ][7]

و بايمان الإنسان بالميزان, وافتقاره لأصغر الأعمال يتحوّل ذلك الى دافع من أجل فعل المزيد من الحسنات, ومن جهة أخرى فما احصاه الله ونسيناه من الذنوب التي اقترفناها, كلّها تدفع الانسان لفعل المزيد من الحسنات التي تذهب السيئات.

ومن ذلك هو دافع الإنفاق في سبيل الله, فلو فكّر الإنسان باقتصاد 10% من مصاريفه وانفاقها للفقراء والمساكين, أو في سبيل احياء شعائر الدين, لكان لذلك آثار كبيرة في الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الأعراف, الآية58.

[2] البرهان في تفسير القرآن، ج‏5، ص: 288

[3] سورة التوبة, الآية103.

[4] بحار الانوار/ ج 96 ص 12.

[5] بحار الأنوار/ ج 75 ص 5.

[6] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏4، ص: 33

[7] سورة الزلزلة, الآية7.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الحادي عشر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

[ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تخَشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنَ الحْقّ‏ِ وَ لَا يَكُونُواْ كاَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيهْمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبهُمْ  وَ كَثِيرٌ مِّنهْمْ فَاسِقُونَ(16)اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يحُيىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهِا  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(17)]

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

أن تخشع قلوبهم

في إحدى الطرق البعيدة وبينما كانت قافلة تتحرّك باتجاه سرخس, حتّى وصلوا الى مكان تردّدوا في المسير فيه ليلاً أو الانتظار الى الصباح لأنّ فيه رجلاً يُدعى فضيل ابن عياض وكان يغير على القوافل و ينهب ما عندهم من متاع, و بينما هم يتحدّثون إذ خرج عليهم الرجل, لكن بسيماء الصالحين, وقال: قد مضى ذلك اليوم الذي كُنتم تخافون منّي, إنّني اليوم تائبٌ الى ربّي عمّا كُنت أًصنع..وحين سألوه عن سبب ذلك, قال كنت ارتقي جداراً لكي اسرق احدى البيوت, فسمعت تالياً يتلو:

[أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تخَشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنَ الحْقّ‏ِ]

فقلت: (بلى و اللّه قد آن) فرجعت باكياً وآويت الى كهفٍ أعبد ربّي حتّى يأتيني اليقين.

ليس الفضيل ابن عياض الّا واحداً من آلاف الأشخاص الذين قالوا في لحظةٍ ما (بلى قد آن) وغيّروا مسيرة حياتهم.

متّى نعود الى ربّنا؟ ونُزيل عن قلوبنا آثار القسوة؟ ونتأثّر بمضامين الآيات والأدعية, آية عظيمة في سورة عظيمة كان النبي (ص) يتلوها كلّ ليلة, لما فيها من المضامين العظيمة فيها.

بعد أن بيّن ربّنا تعالى ما يجري على المنافقين  في القيامة حيث يُقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا لأنّ اليوم لا ينفع فدية ولا من الذين كفروا كما يقول تعالى

[فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَ لَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَئكُمُ النَّارُ  هِىَ مَوْلَاكُمْ  وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ]

فالذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً, وهكذا أعمال الانسان هي التي تجعل النار مولاه.

ألم يأن للذين آمنوا

ثم يقول الباري عزّ وجلّ [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تخَشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ] ال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا و بين هذه الآية إلّا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا، و قيل: أنّ اللّه استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاثة عشر سنة من نزول القرآن بهذه الآية (عن ابن عباس)، و قيل: كانت الصحابة بمكة مجدبين فلما هاجروا و أصابوا الريف و النعمة فتغيروا عمّا كانوا عليه، فقست قلوبهم، و الواجب أن يزدادوا الإيمان و اليقين و الإخلاص، في طول صحبة الكتاب (عن محمد بن سعد). و مع اختلاف هذه الأقوال إلّا أنّها تلتقي في نقطة واحدة هي أنّ الآية جاءت تعالج تحوّلا سلبيّا في حياة الأمّة.

كما الأرض قد تكون فيها الحجر فلا ينفذ فيها الماء, وقد تكون ليّنة ينفذ فيها الماء لتنبت من كلّ زوج كريم, هكذا قلب الإنسان قد يكون ليّناً ينفذ فيه الموعظة والوحي الالهي وقد يكون قلوبهم كالحجارة أو أشدّ قسوة لا يخشع لذكر الله ولما نزل من الحق.

وهكذا تجد اولئك الذين كان قلبهم مُهيّئاً لاستقبال النصيحة كهمّام أو الحرّ الرياحي او الفضيل ابن عيّاض نفذت فيهم فغيّرت مسيرة حياتهم, أمّا اوئلك الذين قست قلوبهم لم ينفذ فيها النصيحة من أمثال عُمر ابن سعد.

ومن أجل الوصول الى خشوع القلب على الانسان تطبيق قوله تعالى من سورة الزمر: [وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَ أَنَابُواْ إِلىَ اللَّهِ لهَمُ الْبُشْرَى‏  فَبَشِّرْ عِبَادِ(17)الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ][1]

اولاً: الكُفر بالطاغوت, فأيّ شخص حارب الطاغوت ولم يخضع للمنظومة الثقافية الطاغوتية هؤلاء هم عباد الله المُخلصين.

ثانياً: [الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ] يُحلّلون الكلام فيُميّزون بين الحق والباطل والحسن والأحسن, و من هنا علينا أن لا نمرّ من هذه الحقائق دون وعيها ودون تطبيقها على ذواتنا.

ثالثاً: ومن أجل الوصول الى خشوع القلب وتحصينه من القسوة على الانسان أن يكون ضمن تجمّع سواءً كان في اطار هيئة او رابطة او ما شاكل, فيتواصى بالحقّ ويستمع الموعظة, وبذلك يخرج من اطار الذاتية الى استماع الموعظة ليتخلّص من الذاتية.

رابعاً: الالتزام بالموازين الشرعية, و تجنّب الوقوع في المُحرّمات, فأكل الحرام يوجب قسوة القلب.

 [وَ مَا نَزَلَ مِنَ الحْقّ]

وتأكيد قولنا ربّنا تعالى بذكر الحق لبيان أنّ محور الدين هو الحق.

[وَ لَا يَكُونُواْ كاَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيهْمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبهُمْ]

إذا وجد الانسان نفسه تعوّد على دعاءٍ ما فليقرء غيره لعلّ فيه خشوع قلبه, وإذا لم يجد من نفسه تأثيراً فليعود المرضى, وليزور الأموات, وهكذا تتعدّد الأساليب ليوصل الانسان الى خشوع القلب.

ولكي لا يدّب فينا اليأس يأتي قوله تعالى: [اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يحُيىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهِا  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]

أرأيت كيف تنبسط على الصعيد حلة خضراء بعد ان كانت الأرض هامدة كأنها مقبرة مهجورة؟ انظر الى الحياة التي تدب فيها، و تفكر في قدرة اللّه، أليس الذي أحياها بقادر على ان يحيي ميت القلوب؟ فما ذا اليأس بلى. قد تحيط بالمؤمنين ألوان المشاكل، فتمسهم البأساء و الضراء، و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و يزلزلون، لكن  لا ينبغي للمؤمنين أن يقنطوا من رحمة الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزمر, الآية17-18.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (العاشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

((يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ  بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ(13)يُنَادُونهَمْ أَ لَمْ نَكُن مَّعَكُمْ  قَالُواْ بَلىَ‏ وَ لَاكِنَّكمُ‏ْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمَانىِ‏ُّ حَتىَ‏ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ

كفى بهذه الآيات من سورة الحديد واعظاً, لو أنّ الإنسان تأمّلها, لأنّ أهمّ هدف لابدّ للإنسان أن يتخذّه في حياته هو الخلاص من نار جهنّم كما يُعلّمنا الامام الحسين عليه السلام في دعاءه يوم عرفه حيث يقول: «اللهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، و إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار».[1] فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز, وذلك الفوز العظيم.

بعد أن بيّن ربّنا الجزاء العظيم لمَن يُقرض الله قرضاً حسناً وينفق في سبيله, يُبيّن بالمقابل جزاء المنافق حيث يقول تعالى:

[يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ]

أي انتظرونا حتى نستضي‏ء بنوركم, و هذه الآية لا تخصّ يوم القيامة، إنّما تنفعنا في الدنيا أيضا، و ذلك بأن نعلم بأنّها الفرصة الوحيدة التي يمكن فيها التغيير و الرجوع عن الخطأ بالتوبة و العمل الصالح، و ربّنا ينقل لنا هذه الصورة من القيامة لنتصور واقع الحسرة فنسعى لاجتنابها و نحن في الدنيا، و لأنّ الآخرة دار الفصل فإنّ اللّه لا يدع للمنافقين فرصة للاختلاط بالمؤمنين..فبينما هم يتحدّثون:

[فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ  بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ]

واحتمل بعض المُفسّرين أنّ وجود الباب في هذا السور السميك إشارة الى أنّ الرب تعالى يغفر لبعض المنافقين في ذلك الموقف و يُلحقهم بالمؤمنين ممّا يُبعد منّا اليأس من رحمة الله تعالى.

الم نكن معكم

و بعد أن يضرب السور بين الفريقين في الآخرة ينادي المنافقون المؤمنين، و النداء يختلف عن القول بأنّ القول يعني المخاطبة عن قرب، أما النداء فهو المخاطبة عن بعد، أو من وراء حجاب، و بصورت مرتفع يقصد به المنادي إسماع الطرف الآخر كلامه.

[يُنادُونَهُمْ] نداء استغاثة و حسرة.

[أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ] فكنّا نحضر الصلاة ونؤدي الواجبات.

و هناك يجيبهم المؤمنون ويُبيّنون خطوات ابليس التي اردتهم والتي قد تغوي كلّ واحدٍ منّا, [قَالُواْ بَلىَ]

اولاً: [وَلَكِنَّكمُ‏ْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ] ماذا تعني الفتنة؟ وكيف يمكن لنا التحصّن منها؟

معنى الفتنة في اللغة إدخال الذّهب النار ليُنقّى من الشوائب و لتظهر جودته من رداءته, وبهذا المعنى سُمّي الامتحان والابتلاء للانسان فتنة, لكنّ تعبير القرآن الكريم عن الفتنة يقول: [فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ] كيف؟

الأموال والأولاد, والمنصب كلّها تكون فتنة إذا لم يؤدّي الانسان حقّها, فوعي مسؤوليتنا تجاه الأولاد و معرفة أصول التربية لابدّ أن تسبق وجودهم, والّا تكن فتنة, والزواج أيضاً لابدّ من وجود معرفة اخلاقيات التعامل الصحيح والواجبات والمسؤوليات لكي لا تُصبح فتنة, وهكذا المال وكلّ الأبعاد الأخرى وبعبارة موجزة أنّ الدنيا إذا جُعلت طريقاً للآخرة فهي ممدوحة والّا فهي فتنة, والسلاح الاساسي للتحصّن من الفتنة هو العلم.

ثانياً:[ وَ تَرَبَّصْتُمْ] اكثر ما يشتكي منه اهل النار هو التسويف, ومن هنا جاءت التأكيدات المُتعددة في القرآن الكريم على المسارعة في الخيرات يقول ربّنا تعالى: [وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ][2]    

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: «ساع‏ سريع‏ نجا و طالب بطي‏ء رجا و مقصر في النار هوى»‏[3]

كثير من الفرص وكثير من اعمال الخير, يُضيّعها الانسان بالتسويف.

ثالثاً: [وَ ارْتَبْتُمْ] بعد الفتنة والوغول في الماديات, والتسويف لأعمال الخير والمُنجيات, تبدء حالة التشكيك والارتياب لدى الانسان, لأنّ شُبهات كثيرة يُلقيها الشيطان قد تبقى بعضها في اذهاننا, وفي ساعة الامتحان تظهر للانسان لتغويه.

رابعاً: [وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمَانىِ]

ذلك أنّ الحق واضح مبين تتلاحق أمام الإنسان آياته، و له ثقل عظيم على الواقع و منافع لا تحصى، و ينسجم مع فطرة الإنسان و سنن اللّه في الخليقة، و الانحراف عن مثل ذلك يتطلّب جهدا، و لا يكون إلّا بوسائل، و من وسائله الغرور بالأماني التي تتلاحق في وعي المنحرفين كشلّال أسود لا يكاد المبتلى به يقدر على مراجعة قراراته و التدبر في عواقب أموره.

يقول امير المؤمنين عليه السلام: «ألا و انكم فى أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل فى أيام أمله‏ قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرره أجله‏».[4]

[حَتىَ‏ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ] أي الموت.

خامساً: [وَ غَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ]

يعني الشيطان إنسيا كان أو جنّيا. و «الغرور» صيغة مبالغة، تدلّ على أن ذلك عمله و ديدنه, ولم يذكر القرآن الكريم البُعد الخامس بشكل مُباشر بل فصل بينه بقوله [حَتىَ‏ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ] ويعني ذلك أن ابليس الرجيم كان له دورٌ في كلّ المراحل السابقة فهو يُزيّن الشهوات من جهة و يُمنّي الانسان من جهة اخرى حتّى يُرديه في درك الجحيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي (ط – دارالحديث)، ج‏9، ص: 33

[2] سورة آل عمران, الآية133.

[3] نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 58

[4] غرر الحكم و درر الكلم، ص: 178

 

 

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (التاسع)

بسم الله الرحمن الرحيم

((مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ(11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى‏ نُورُهُم بَينْ‏َ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِم بُشْرَئكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

قرضاً حسناً

بعد حديث القرآن الكريم عن الإنفاق, ينتقل السياق القرآني ليتحدّث عن (القرض) بقوله تعالى: [مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا].

فهل هو تأكيد لما سبق أم تأسيس لتشريع جديد؟ قبل التأمّل في الآية الشريفة نُبيّن بعض المقدمات

أولاً: من وساوس الشيطان للإنسان حين ارادته فعل اعمال كبيرة, هو ايهامه بأنّه لا يستطيع, بخلاف الآيات القرآنية التي تُعطي للإنسان الأمل, فتُبيّن أنّه يستطيع أن يكون في مقعدِ صدقٍ عند مليك مُقتدر, وأنّك تتسامى لتكون أعلى من الملائكة, حتّى يباهي الله به الملائكة فقد جاء في الحديث عن النبي (ص) أنّه قال: «يا أبا ذر إن ربك عز و جل يباهي‏ الملائكة بثلاثة نفر رجل يصبح في أرض قفر فيؤذن ثم يقيم ثم يصلي فيقول ربك عز و جل للملائكة انظروا إلى عبدي يصلي و لا يراه أحد غيري فينزل سبعون ألف ملك يصلون وراءه و يستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم و رجل قام من الليل فصلى وحده فسجد و نام و هو ساجد فيقول الله انظروا إلى عبدي روحه عندي و جسده ساجد و رجل في زحف فيفر أصحابه و يثبت هو يقاتل»‏[1]

وهكذا حين تلاوتنا  الآيات القرآنية علينا أن لا نصغى لوسوسة الشيطان, بل علينا الاعتقاد كما وعد ربّنا أنّنا نستطيع تطبيق الآيات الكريمة.

ثانياً: بالنسبة الى الأعمال الكبيرة, على الإنسان فعلها ولو لمرّة واحدة, وحين يفعل ذلك يجابه وسوسة الشيطان, بأنّه لو فعل الخير مرّة واحدة, فإنّه يستطيع تكرار ذلك العمل.

ثالثاً: الحديث في الآية الشريفة عن القرض الحسن, وتعبير القرآن الكريم بقوله تعالى: [مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ] يدلّ على أنّ هذه الفرصة مُتاحة للجميع.

شروط القرض الحسن

شروط ثلاثة للقرض الحسن, اولها: هو النية الخالصة, فقد جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «إنما الأعمال‏ بالنيات‏ و إنما لامرئ ما نوى‏».[2]

لأنّ النية في كلّ عمل يُعطي صبغةً للعمل, فما هو الهدف من الإنفاق, واخلاص النيّة هو الشرط الأوّل للقرض الحسن.

ثانياً: أن المال الذي يُنفقه في سبيل الله من الحلال, فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وآله : ‏ «إن‏ الله‏ طيب‏ و لا يقبل إلا الطيب‏»[3]

ثالثاً: الإنفاق من أفضل ما لدى الإنسان حيث يقول ربّنا تعالى: [لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَليمٌ][4]

وبالرغم من صعوبة هذه الشروط الّا أنّ اجرها العظيم يدفع الانسان نحوها, وهذه الآية لا تتحدّث عن الحقوق الواجبة على الانسان كالخُمس والزكاة, كما ورد في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام أنّه قال:«إنّ اللّه لم يسأل خلقه ما في أيديهم قرضا من حاجة به الى ذلك، و ما كان للّه من حق فانّما هو لوليّه»[5].

 [فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ]

ولخلوص نيّة العبد في العطاء ربّنا تعالى يضاعفه له ويعطيه اجرٌ كريم أي أنّه مع العطاء المادّي, ربّنا تعالى يهب عبده عطاءً بما يجعل سعيهم مشكوراً كما يقول ربّنا تعالى في سورة الانسان: [إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً].[6]

بشراكم اليوم

و جزاء اللّه و أجره لا ينحصر في الدنيا، ففي الآخرة يكون الجزاء الأعظم و الأعم: [يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى‏ نُورُهُم بَينْ‏َ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِم بُشْرَئكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]

من دقائق التعبير هنا قوله تعالى وَ الْمُؤْمِناتِ دون ان يكتفي بذكر المؤمنين التي هي لغة القرآن الشاملة للجنسين، و ذلك لكي لا تتصوّر النساء أنّ الإنفاق و الجهاد في سبيل اللّه من وظائف الرجل وحده، كلّا .. فهنّ مكلّفات بقدرهنّ أيضا، و من الخطأ أن تعتمد المرأة على ما يقدّمه وليها أو أقرباؤها، فلكل عمله و سعيه، و نوره و جزاؤه يوم القيامة.

المُخاطب في الآية قد يكون النبي (ص) وقد يكون جميع الناس حيث أنّهم سيكونون في عرصة واحدة, و في حال أنّ الظلمات تعمّ المحشر, ينظر الناس نوراً من طرف المحشر المؤمنين يسعى نورهم بين ايديهم, أي يتحرّك امامهم , وبأيمانهم, لأنّ كتابهم بيمينهم يُنوّر لهم.

[بُشْرَئكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا]

والملائكة يُبشّرونهم بجنّات وهذه من أفضل نعم الجنة، نعيم دائم و حياة أبديّة.

[ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] حيث الخلاص من جهنّم، و الوصول إلى أعظم تمنّيات الإنسان ألا و هي الخلود، و كلّ إنسان يشعر في نفسه كم ينغّص الخوف من الموت و النهاية عيشه و سعادته، و قد ضمن اللّه الخلود للمؤمنين.

[1] مجموعة ورام، ج‏2، ص: 60

[2] دعائم الإسلام، ج‏1، ص: 4

[3] عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج‏2، ص: 70

[4] سورة آل عمران, الآية92.

[5] نور الثقلين/ ج 5 ص 239

[6] سورة الانسان, الآية22.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

((هُوَ الَّذِى يُنزَّلُ عَلىَ‏ عَبْدِهِ ءَايَاتِ  بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكمُ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ  وَ إِنَّ اللَّهَ بِكمُ‏ْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ(9)وَ مَا لَكمُ‏ْ أَلَّا تُنفِقُواْ فىِ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  لَا يَسْتَوِى مِنكمُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قَاتَلَ  أُوْلَئكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَ قَتَلُواْ  وَ كلاُّ وَعَدَ اللَّهُ الحْسْنىَ‏  وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(10)))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

لِّيُخْرِجَكمُ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ 

في سياق حديث القرآن الكريم عن الإنفاق فإنّه يُحدّثنا عن سبب الإنفاق, ذلك أنّ الإنفاق كما مر يقتضي تجاوز الإنسان عقبات نفسية عديدة, ومن هُنا يُبيّن لنا ربّنا أبعاد مُختلفة عن أهميّة الإنفاق وفي عدّة آيات قرآنية ليفتح الانسان اقفال قلبه.

ومن ذلك هو حاجة الإنسان الى النظام, وقد جعل الرب سبحانه وتعالى الرسول محور هذا النظام, وقد أخذ الميثاق من الناس ليؤمنوا بالرسول, وايمان الناس بالرسالة يقتضي اطاعتهم لأوامره ليخرجهم من الظلمات المُختلفة الى النور, فالانفاق ليس بدعاً من الأوامر الالهية, فهو حلقة في سلسلة التشريعات الالهية للخروج من ظلمات الجاهلية الى نور الاسلام.

ولو تأمّلنا سنجد الإنفاق, سبب مهم لسيادة الأمن والرضا, كيف؟

لو تصفّحنا التاريخ سنجد أنّ الأمم التي ساد فيها الطبقية, والإستئثار المالي, انتج ثورات وحروب, فالإنفاق و بأيّ صورة من صوره في الواقع يعود بالنفع على الإنسان نفسه, ورُبّما الذي أنفقت عليه اليوم, سيعود بالإنفاق عليك بصورةٍ من الصور.

بين المُنفق والمُعطي

يُنقل أنّ الميرزا حسن الشيرازي وهو من كبار علماءنا في سامراء, جاءه أحد الأغنياء من مُقلّديه حاملاً معه الحقوق الشرعية, لكنّ وصوله الى بيت الميرزا كان متأخّراً, فاضطرّ الى المبيت في المدينة ليلتقي بالميرزا في الصباح, وحين التقاه سأله الميرزا عن مبيته في سامراء, فأجابه قائلاً, لم استطع النوم..فالفقراء اجتمعوا على بابي وكلّ واحدٍ منهم كان له حاجة, وكنت اساعده بها فلم استطع النوم, فقال له الميرزا, اشكر الله أن جعلهم يصطفّون ببابك ولم يجعلك تطرق أبوابهم!

يقول تعالى: [هُوَ الَّذِى يُنزَّلُ عَلىَ‏ عَبْدِهِ آيَاتِ  بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكمُ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ]

فالرب المُتعال يريد أن يستبدل  مجتمع المصالح و الأنانيات والأهواء, الى مجتمع الإيثار والمحبّة والتعاون, كما حوّل المجتمع الجاهلي الذي كان شعارهم الخوف ودثارهم السيف, ويعيشون الحروب و الغارات بشكل مستمر, فجاء الاسلام ليكرّس الأمن في المجتمع, ولابدّ لأبناء المجتمع أن يتحمّلو مسؤوليتهم في بسط الأمن, ليس فقط في الإنفاق العسكري وتجهيز الغُزاة والمجاهدين بل وأيضاً بالإنفاق الذي يعمّ به الرضا لأبناء المجتمع.

وفي عالم اليوم وحسب الاحصائيات أنّ 4% من الأمن تفرضه السلطات والاجهزة الأمنية, وفي المقابل 96% يؤمنّه الناس أنفسهم.

[وَ إِنَّ اللَّهَ بِكمُ‏ْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ]

ولأنّه الله بكم رؤوف رحيم فهو يريد لكم سعادة الدارين.

وَ مَا لَكمُ‏ْ أَلَّا تُنفِقُواْ

ثم يقول ربّنا:[وَ مَا لَكمُ‏ْ أَلَّا تُنفِقُواْ فىِ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ]

كلّ شيء في الكون جاء من الله وسيعود اليه, ولو أنّ الإنسان أنفق شيء في سبيل الله فإنّه أبقى لنفسه النعمة, لكنّ جشع الانسان و جوع روحه تدفعه لجمع المزيد من الأموال, وعدم انفاقها في سبيل الله.

السابقون السابقون

في عدّة آيات يُحدثّنا القرآن الكريم عن السبق, كما في قوله تعالى: [وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُوْلَئكَ الْمُقَرَّبُونَ(11)][1]

ذلك أنّ الكثير من الناس لم يرتقي ايمانهم لدرجة السبق, فهم ينتظرون غيرهم من أجل اللحوق بهم.

لكنّ المؤمن يستبق الخيرات لأنّه يعمل ببصيرته, ولا ينتظر الناس يقول الرب المتعال: [لَا يَسْتَوِى مِنكمُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قَاتَلَ].

فلا يستوي من أنفق قبل النصر ممّن أنفق بعده ممّا يدلّ على سبق هؤلاء.

أنفق وقاتل

الحديث عن الانفاق في القرآن الكريم يُقارن بالقتال لأنّ الانفاق نوع من الجهاد, فهو جهاد مع النفس وهكذا لو لم يوجد انفاق لا يوجد جهاد, وفي كثير من الأحيان قُدّم ذكر الانفاق عن الجهاد.

أُوْلَئكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً

يقول ربّنا تعالى : [أُوْلَئكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَ قَتَلُواْ  وَ كلاُّ وَعَدَ اللَّهُ الحْسْنىَ]

و لكن لا ينبغي أن يكون هذا التفاضل سببا للتعالي عند فئة، و لا لليأس و الاحساس بالضعة عند الأخرى، كما لا يعني أن اللاحقين لا حظّ و لا فضل لهم، كلّا ..

وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ يعني الجنة و الرضا و الجزاء

وإنّما فضّل الله السابقين لأنّهم تجاوزوا عقبات عديدة من أجل الوصول الى الإنفاق, منها:

اولاً: العقبات الاجتماعية, حيث أنّ السابقين تجاوزا العقبات الاجتماعية كما كان امير المؤمنين عليه السلام حيث كان سيد السابقين فكان اوّل القوم اسلاماً و أقدهم ايماناً.

ثانياً: عقبة النفس, حيث أنّ السابقين يتحمّلون ألوان التعذيب والتشريد في سبيل الله تعالى واعلاءاً لكلمته.

و من هنا فدرجات السابقين أعظم درجة, [وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]

إذا لم نكن من السابقين فلنُخلص النية لله تعالى من أجل اللحوق بهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الواقعة, الآية10-11.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (السابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 ((ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكمُ‏ْ وَ أَنفَقُواْ لهَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

آمنوا بالله ورسوله

عند التدّبر في الآيات المُباركات من سورة الحديد, يقدح في الذهن سؤال عن المُخاطَب في قوله تعالى:[ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ], و أيضاً قوله تعالى: [لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكمُ‏] هل الخطاب موجّه الى المؤمنين فهو تحصيل حاصل لأنهّم مؤمنون، أم هو موجّه لغير المؤمنين فهو غير جائز لأنّ الأمر يلزم المؤمن فقط؟

والجواب أولاً أنّ الإيمان درجات, فالخطاب للمؤمنين ليرتقوا في درجات الايمان, وقد تكون الآية اشارة الى أنّ اكثر الناس ليسوا بمؤمنين حيث يقول ربّنا تعالى: [قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإيمانُ فيقُلُوبِكُمْ].[1]

لأنّ الوصول الى درجة الايمان بحاجة الى تكامل عظيم في شخصية الانسان, وهكذا علينا الوصول الى درجة الايمان, يقول ربّنا تعالى:

[ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ]

ويبدوا أن هناك ترابطً وثيقاً بين الإنفاق وبين الايمان حيث أنّ شرط الوصول الى الايمان هو الانفاق, لماذا؟

لأنّنا لو تأمّلنا سنجد أنّ موانع الايمان كالهوى وحُبّ الدُنيا أو ما أشبه, إنّما يتخلّص الانسان منها بالإنفاق.

معنى الانفاق

ولا يعني الانفاق اعطاء المال في سبيل الله فحسب, بل يعني أن يُنفق الانسان ما اعطاه الله سواءاً كان مالاً او جاهاً او علماً او قدرة, يقول تعالى: [وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو][2]

أي الزيادة, فالعطاء المطلوب من الانسان هو ليس قوامُ معيشته بل الزيادة التي اعطاها الله اليه, ولو تأمّلنا سنجد أن الرب المُتعال قد أعطى للبشر النِعَمِ الكثيرة التي لا يشعر بها, ولا يستفيد منها, وبالتالي لا يُنفقها في سبيل الله.

لم يبق الّا كتفها

رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) ذَبَحَ شَاةً عند احدى زوجاته، فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا فُقَرَاءُ الْمَدِينَةِ، فَجَاءُوا وَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله )، وَ كَانَ يُعْطِيهِمْ، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كتفها، فأخبرته بذلك زوجته قائلة يا رسول الله, لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كتفها.

فَقَالَ ( صلى الله عليه و آله ): “قُولِي بَقِيَ كُلُّهَا إِلَّا كتفها.

وهكذا يتطهّر القلب بالإنفاق في سبيل الله, فالإنفاق طريق الايمان, فلو رأى الانسان في ايمانه ضعفاً فليُنفق في سبيل الله بما يستطيع حتّى لو كان الانفاق اماطة الأذى عن الطريق, أو عيادة مريض, أو حتّى الكلمة الطيّبة, فكلّها صدقات يُطهّر قلب الانسان.

خُذ من أموالهم صدقة

البصيرة الأخرى التي نستفيدها من الآية في قوله تعالى : [ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ] حيث جعل الرب تعالى الايمان بالرسول مقارناً بالايمان به, وفي آية أخرى يقول تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَميعٌ عَليمٌ].[3]

وسبب ذلك أنّ الأمّة الإسلامية, أمةٌ يسودها التنظيم, وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم»[4]

فبدءاً من اطار الأسرة والى الأقارب و مروراً بالتكلتّلات التي هي في قالب هيئات والروابط, والى الأطر الأخرى, وتأكيد التشريع الاسلامي على الاجتماع المُستمر, في صلاة الجماعة او الحج او ما اشبه, كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأمّة الاسلامية أمّة يسودها التنظيم, والدولة لا تكون بديلاً عن الامّة في كلّ حال.

والمحور في ذلك التنظيم يبدء من الايمان بالنبي (ص) والطاعة له, كما يقول الرب تعالى: [وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ][5].

و بعد النبي صلّى الله عليه وآله فالطاعة للامام اميرالمؤمنين والائمة المعصومين, لأنّه من دون ذلك لا بقاء للامّة الاسلامية.

و بعد الائمة عليهم افضل الصلاة والسلام فالطاعة للعلماء الربّانيين وتأييدهم.

و الانفاق أحد الابعاد الترابط للمجتمع الاسلامي وارتباطه بالقيادة الربّانية يُقرّب المجتمع من تحقيق الاهداف الالهية.

ثمّ يقول الباري عزّ وجل: [فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكمُ‏ْ وَ أَنفَقُواْ لهَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ]

فوائد الانفاق

اوّل فوائد الانفاق هو تجدّد الروح وتطهيرها كما اشرنا لأنّ من ينفق في سبيل الله فإنّه يشعر بالراحة القلبية.

ثانياً: تطهير الأموال, فالانسان لا يطئمن تماماً بنقاوة الأموال التي يستحصلها, و بالإنفاق يُطهّر هذه الأموال.

ثالثاً: هو حِفظ العدالة في المجتمع, لأنّنا نعلم وجود الفقراء والمُستحقّين, وبالإنفاق يصِل الانسان الى تحقيق العدالة.

أَجْرٌ كَبِيرٌ

ولمن يُنفق في سبيل الله أجرٌ كبير فمن وضع لبنة في مسجد, فله اجرٌ من كلّ صلاة عبادة تقام فيه.

و اجرٌ كبير أيضاً بتكامل الايمان, فالصلاة بعد الانفاق اكمل من قبله, واجرها اكثر أيضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

 [1] سورة الحجرات, الآية14.

[2] سورة البقرة, الآية 219.

[3] سورة التوبة, الآية 103.

[4]  نهج البلاغة، ص 977

[5] سورة النساء, الآية 64.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (السادس)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

((لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ إِلىَ اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(5)يُولِجُ الَّيْلَ فىِ النهَّارِ وَ يُولِجُ النهَّارَ فىِ الَّيْلِ  وَ هُوَ عَلِيمُ  بِذَاتِ الصُّدُورِ(6)ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكمُ وَ أَنفَقُواْ لهَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

له مُلك السماوات والأرض

الظاهر من الآيات الشريفة هو التحدّث عن الانفاق، وحيث أنّ الإنفاق هو أحد علائم الايمان والتي يصعب العمل به، من هُنا يُمهّد القرآن الكريم الحديث ببيان بعض الحقائق من أجل تربية الإنسان على الإنفاق.

لكن باطن الآيات الشريفة لها أبعاد أخرى، إذ أنّ القرآن الكريم ظاهره حُكمٌ وباطنه علم، و علينا أن ننفذ الى باطنه مع استيعاب ظاهره.

وقبل ذكر البصيرة التي استفيدها من الآيات الشريفة نذكر بعض التمهيدات:

المالكية لله

للمالكية درجات، اولها هي تسخير الطبيعة للبشر كما يقول عزّ وجلّ: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ الْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيم][1]

أمّا الدرجة الثانية فهو المُلك الاعتباري للانسان على الأشياء، لكنّ المالكية المُطلقة فهي لله تعالى ولهذه المالكية عدّة دلائل:

اولاً: قوله سبحانه وتعالى: [ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  يحُيىِ وَ يُمِيتُ][2]، لأنّه تعالى يُحيي ويُميت فهو المالك، ولو ملك الإنسان الملايين لكن بموته ينقطع عن كلّ ما يملك فالمالكية المطلقة هي لمن يُحيي ويُميت.

ثانياً: قوله سبحانه وتعالى: [لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ إِلىَ اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ][3]، فدليل المالكية هي أنّ كلّ شيء يعود له تعالى.

ثالثاً: قوله تعالى: [يُولِجُ الَّيْلَ فىِ النهَّارِ وَ يُولِجُ النهَّارَ فىِ الَّيْلِ] هو الله الذي يتحّكم في الليل والنهار.

الى الله ترجع الامور

من البصائر التي نستفيدها من قوله تعالى: [وَإِلىَ اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] هي تفويض الأمر الى الباري عزّ وجلّ، وجاء في الحديث الشريف أنّه سُئل أمير المؤمنين عليه السلام بماذا عرفت ربك؟ قال: «بفسخ العزائم و منع الهمة لما أن هممت بأمر فحال بيني و بين همتي و عزمت فخالف القضاء عزمي علمت أن المدبر غيري[4]

وما دام البشر يعلم أنّ التدبير بيد غيره، وما فوّض اليه إنّما كان بسبب الامتحان، يطمئن قلبه، و بذلك يتخلّص الانسان من الوان الخوف والقلق والاضطرابات النفسية، ويتسامى الإنسان حتّى يصل الى قول ابراهيم الخليل وهو بين السماء والأرض: «حسبي من سؤالي علمه بحالي».[5]

جعلوا لكلّ حقٍ باطلا

الامم حينما تُغلق على نفسها أبواب العلم والرحمة، تجد الأفكار المنحرفة تسودها، وهو ما ابتلي به اليهود والنصارى، وابتلت به الكثير من المذاهب الاسلامية، فما من نبيٍ جاء الّا وكان في مقابلهم افكار مُنحرفة  في قالب قريب من الدين قالها ابالسة الجنّ والانس!

فالدين الحنيف قال بأنّ الرب خلقنا، وقالوا وَلَدَ الله، وتعالى الله عمّا يصفون.

وقال الدين الحنيف أن الله تعالى بكلّ شيء عليم، وقالوا أنّ الله عالمٌ بنفسه فحسب!

وقال الدين أنّ الله على كلّ شيء قدير، وقالوا يدُ الله مغلولة.

وهكذا جعلوا لكلّ حقٍ باطلا ولكلّ قائمٍ مائلا.

وحينما انحرفت الأمم عن اتباع اوصياء انبياءهم، وحينما انحرفت الامّة الاسلامية عن المسار الصحيح الذي وُضع لها، جعلوا مصدر علمهم من الفلسفات التي كانت في الواقع الوجه النقيض لهُدى الوحي، ومن هُنا تجد أنّ الحكومات الجائرة هي التي اهتمّت في ترجمة مثل هذه الافكار في الأمّة الاسلامية، وجعلت تُرمّز لأشخاص في مقابل الائمة الاطهار عليهم افضل الصلاة والسلام.

بل يداه مبسوطتان

ومن ذلك قول اليهود: [وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة] حيث واجهها القرآن الكريم وفنّدها بقوله: [غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء][6]

وهذا هو الحدّ الفاصل بين الايمان والشرك، وبين ولاية الله تعالى وولاية الشيطان، فالاعتقاد بأنّ يد الله مغلولة يعني عدم الايمان بالمُعاجز، و عدم تأثير الدعاء، وهكذا يعني عدم تغيّر الواقع، لكن الايمان بأنّ يداه مبسوطتان يعني الايمان بقدرته تعالى والايمان بنصرته تعالى حيث يقول: [وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ][7].

كثير من الآيات القرآنية تدلّنا على هذه الحقيقة وبايمان الانسان بربّه تراه يطمئن الى أن التدبير والتقدير بيده تعالى.

[يُولِجُ الَّيْلَ فىِ النهَّارِ وَ يُولِجُ النهَّارَ فىِ الَّيْلِ]

فاذا ولج أحدهما في الآخر أخذ منه و استطال عليه، و هذا التناقص و التزايد المستمر و المتقابل في الحركة اليومية للأرض حول نفسها و بسبب حركتها حول الشمس ينتهي الى تبدّل الفصول، فاذا بالليل يلج في النهار الى الأقصى في منتصف الشتاء، بينما يلج النهار الى الأقصى في منتصف الصيف، و يتعادلان في الربيع و الخريف تقريبا.

[وَ هُوَ عَلِيمُ  بِذَاتِ الصُّدُورِ]

إنّ علمه لا يقف عند ما يظهره الإنسان دليلا على ما في قلبه، و علامة على نيته، إنّما ينفذ الى ذات الصدور نفسها، و لعلّ سائلا يقول: ما هي العلاقة بين شطري الآية، أو بتعبير آخر: ما هي علاقة إيلاج الليل في النهار و العكس بعلم اللّه ما في الصدور؟ و الجواب: إنّ الاثنين يحتاجان الى اللطف و العلم و الحكمة، ثم أنّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فتدبيره لشؤون الكون لا يصرفه عن علم أدقّ الأمور، إنّما يهيمن على كل شي‏ء، و ذلك يسير على اللّه .. كما تحتمل الآية ردّا على الذين قالوا بأنّ اللّه تفرّغ للأمور الكبيرة كحركة الكواكب و الأرض و فوض سائر الشؤون الى خلقه.

ثم يقول ربّنا تعالى: [ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ]

فالشطر الثاني يُكمّل الأوّل فمن يؤمن بالله تعالى، بأنّه الذي يولج الليل في النهار وهو له ملك السماوات والأرض حينذاك يسهل عليه تطبيق قوله تعالى: [وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ].

لأن زكاة المال تنمية للمال وتطهيراً له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الحج، الآية65.

[2] سورة الحديد، الآية2.

[3] سورة الحديد، الآية5.

[4] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 30

[5] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏68، ص: 156

[6] سورة المائدة، الآية 64.

[7] سورة الحج، الآية40.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الخامس)

بسم الله الرحمن الرحيم

((هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فىِ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثمُاسْتَوَىعَلىَ الْعَرْشِ  يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فىِ الْأَرْضِ وَ مَا يخَرُجُ مِنهْا وَ مَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا  وَ هُوَ مَعَكمُأَيْنَ مَا كُنتُمْ  وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

القرآن الكريم مفتاح المعرفة

 

آيات القرآن الكريم مفاتيحٌ للمعرفة، يُمكن للإنسان عبرها الوصول الى معارف أخرى لو استخدمها  وفتح أقفال المعرفة، فهي بابٌ من العلم يُفتح منه ألف باب.

فحينما يقول ربّنا تعالى: [قُلْ سيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق][1]

لابدّ لنا من التحرّك تطبيقاً للآية الكريمة، وهكذا نجد أنّ غير المسلمين طبقّوا تارة آية واحدة من كتاب ربّنا المجيد فتقدّموا في بعض الأبعاد، ولو كنّا نحن نتدّبر في آيات الكتاب الحكيم ونأخذها كخريطة عمل، إذن لاكتشفنا الكثير من الحقائق.

ليس في المجال العلمي فحسب بل حتّى فيما يرتبط بمعرفة الرب المُتعال و سُننه وأحكامه، لابدّ من اعتبار الآيات مفاتيح للوصول الى المعارف.

في ستة أيام

يقول ربّنا عزّ وجلّ: [هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ]

ترِد كلمة الأرض في القرآن الكريم عادة بصيغة المفرد وكلمة السماوات بصيغة الجمع، ذلك لأنّ السماوات عديدة، وفي العلم الحديث اليوم يتحدّثون عمّا يصعب ادراكه من سِعة السماوات وعظمتها.

لكنّ السؤال عن معنى قوله: [فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ] ولماذا كان الخلق فيها والحال أنّ الباري عزّ وجلّ أمره بين الكاف النون؟

يعتقد اليهود أنّ الله تعالى بدء الخلق في يوم الأحد و استمر الى يوم الجمعة وسبَت اليوم الأخير واستراح فسُمّي (السبت) واعتقدوا مع ذلك أنّ يدُ الله أصحبت مغلولة غُلّت ايديهم وتعالى الله عمّا يصفون.

لكنّ الصحيح أنّ اليوم في اللغة العربية يعني بُرهة من الزمان وليس يعني اربع وعشرون ساعة وقوله تعالى: [سِتَّةِ أَيَّامٍ] أي في ستة قطع من الزمان، لا نعلم مقدارها بالضبط.

فاليوم قد يكون بساعات الدُنيا أو الآخرة وقد يعني مليار سنة!

رسالة الزمان

يقول ربّنا تعالى في سورة الروم:[ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى][2]

الباء في قوله [بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى]

امّا أن تكون للمعيّة، او أن تكون سببيّة، و بالتأمّل نجد أنّ كلا المعنيين صحيحٌ، لأنّ الزمان هو الجزء الذي لا ينفك من كلّ الموجودات، فهو جُزءٌ من ماهية الشيء، وفي كلّ آن يشملنا الرب المُتعال بالطافه فيكون به وجودنا ووجود الخلائق، أرأيت ضوء المصباح كيف تمدّه الطاقة الكهربائية ولو انقطعت عنه للحظات لانطفأ وخمد نوره، ربّنا المتعالي عن الأمثال لو أنّه لم يمدّ الخلائق بنور الوجود في لحظة من الزمان واقل لانعدم كلّ الوجود.

وهذا  المعنى نجد ذكره غير مرّة في الآيات والروايات وهو قولنا في الصلاة [بحول الله وقوّته اقوم واقعد].

و جاء في الحديث عن بكير قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: «يا علي ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطة أو بلية فقلبسماللهالرحمنالرحيم‏* و لا حولو لا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله عز و جل يصرف بها عنك ما يشاء من أنواع البلاء[3]

وفي بعض الروايات أنّه أقرب اسم للإسم الأعظم.

فكلّ الخلائق قائمة بالله المُتعال في كلّ لحظة و زمان وهذه الرسالة الأولى من الآية.

الزمان نهر جاري

اذا كان الزمان كالنهر الجاري نحو الفناء فعلينا اغتنام كلّ لحظة منه بأفضل ما يكون، يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

«من كانت مطيتهالليلو النهار فإنه يسار به و إن كان لا يسير»[4].

فنحن قد ركبنا في قطار العُمر وهو يسير بنا، شئنا ام ابينا، وعينا ام كنّا من الغافلين!

الامام امير المؤمنين عليه السلام يقول: «نفس المرء خطاهإلىأجله‏»[5]

وجاء عن الامام الحسن عليه السلام قوله: «يا ابن آدم إنما أنتأياممجموعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك‏»[6]

و هكذا كان دأب الأولياء والصالحون أنّهم يغتنمون فرصة حياتهم بأفضل ما يكون فكانوا يداومون ذكر الله تعالى، وتراهم يجتهدون في العبادة، ويعرضون عن اللغو، لأنّهم عرفوا حقيقة الزمان.

[ثمُ اسْتَوَىعَلىَ الْعَرْشِ]

و هو رمز القدرة و الملك و التدبير، يحمله أربعة من الملائكة المقربين، و اليه يستوي الملائكة يتلقون أوامر اللّه لهم، و استواء اللّه عليه يعني سلطته، و انه يهيمن على الخليقة و يدبّرها، و لكن ليس تدبيرا اعتباطيا، بل حكيما قائما على أساس علمه بكل شي‏ء.

[يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فىِ الْأَرْضِ وَ مَا يخَرُجُ مِنهْا وَ مَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا]

قد تعني البذور التي تلج في الأرض، أو الاشعة التي تنزل الى الأرض، أو من يموت فيُدفن في الأرض، لكنّ الأرجح أنّ المسألة اعمق من ذلك، لاطلاق، فكلّ قطرات الماء او ذرّات الهواء أو الطاقة والاشعة وبمقداره الدقيق هو في علم ربّنا تعالى، وهكذا ما يخرج منها من نبات و كذلك كلّ شي‏ء ينزل من السماء أو يصعد إليها من ملائكة اللّه و أعمال العباد.

[وَهُوَ مَعَكمُ أَيْنَ مَا كُنتُمْ]

جاء شخص الى الامام الحسین علیه السلام فقال: أنا رجل عاص و لا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة فقال عليه السلام «افعل خمسة أشياء و أذنب ما شئت فأول ذلك لا تأكل رزق الله و أذنب ما شئت و الثاني اخرج من ولاية الله و أذنب ما شئت و الثالث اطلب موضعا لا يراكاللهو أذنب ما شئت و الرابع إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك و أذنب ما شئت و الخامس إذا أدخلك مالك في النار فلا تدخل في النار و أذنب ما شئت[7]

و ربنا ليس فقط عليم بظاهر خلقه، بل هو بصير أيضا بباطنهم، ينفذ علمه الى لطائف الأمور و مغيباتها:

[ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]

يعلم ظاهر العمل، كما يبصر صاحبه، و يعلم الدوافع الحقيقية عنده، فقد يكون ظاهره الصلاح و لكنّ باطنه الرياء و حبّ الشهرة و المصلحة، و يكفي بهذه الآية أن تدفعنا إلى المزيد من العمل الصالح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة العنكبوت, الآية20.

[2] سورة الروم, الآية8.

[3]الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 573

[4] تحف العقول ص77.

[5]نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 480

[6]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج‏6، ص: 236

[7]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏75، ص: 126

 

 

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الرابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

((هُوَ الْأَوَّلُ وَ الاَخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ  وَ هُوَ بِكلُشىَءٍ عَلِيمٌ))

 

هو الاوّل والآخر

يمكن للإنسان الوصول الى الغيب والى الحقائق الباطنية كما يُمكنه الوصول الى الشهود، ذلك أنّ الرب تعالى منح للإنسان عين لبصره ومنحه أيضاً بصيرته وهو تعالى ليس بخيلاً بإعلامنا بالغيب كما يقول تعالى:

[وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ][1]

ولكنّ للوصول الى تلك الحقائق على الانسان أن يسير بالطريق الصحيح الذي منحه الرب اياه، فما هو الطريق الصحيح؟

الطريق للبصيرة

سلسلتان من الروايات تتحدّث عن أوّل الخلق، الأولى ما جاءت عن الامام الصادق عليه السلام قوله :

«إن الله خلق العقل و هو أول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له أدبر فأدبر[2]

حیثُ جعلت العقل هو اوّل ما خلقه الله تعالى أمّا الروايات الأخرى فتجعل نور النبي (ص) هو اوّل ما خلقه الله تعالى فعنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال:

«أولما خلقاللهنوريابتدعه من نوره و اشتقه من جلال عظمته»[3]‏.

ووجه الجمع بین الروایات أنّ نور العقل هو نور النبي صلّى الله عليه وآله، وهو أوّل ما خلقه الله تعالى، ثمّ جعل الرب تعالى شُعاع من ذلك النور لكلّ انسان لميّز به بين الخير والشر وكما يقول الباري تعالى:

[وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّئهَا(7)فَأَلهْمَهَا فجُورَهَا وَ تَقْوَئهَا][4]

أمّا الشُعاع الثاني فقد جعله الله تعالى في الكُتُب المُقدّسة، وخصوصاً في القرآن الكريم.

اما الشعاع الثالث فهو عند النبي الاكرم واهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام، وتتكامل هذه الشُعب الثلاثة لتتمّ الحُجّة على الانسان، لأنّ نور العقل عند الانسان يُحجب بهوى نفسه وبوساوس الشيطان الرجيم، وهكذا تجد العقل يُدفن تحت رُكام العوامل الثقافية والتربوية الخاطئة، ويأتي دور الأنبياء كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

«ليثيروا لهم دفائن العقول‏»[5].

وبالوصول الى العقل وتكاملية العقل مع الوحي يمكن للانسان الوصول الى البصيرة، فالعقل الباطن يُصدّق الرسول الظاهر والوحي، و قد جاء عن الامام الرضا عليه السلام حينما سئله ابن سكّيت فما الحجة على العباد اليوم؟ قال:

«العقلتعرفبهالصادقعلى الله فتصدقه و الكاذب على الله فتكذبه فقال ابن السكيت هذا هو و الله الجواب[6]

وبهذا الطريق أيضاً يُمكن التمييز بين التفسير الصحيح من غيره في الآيات القرآنية، وبالخصوص في مثل هذه الآية التي كثُر الآراء في معناها فيما يربوا على الثلاثين رأي، فبالعودة الى العقل والى الروايات يُمكننا الى الاطمئنان الى المعنى الصحيح من الآية الشريفة.

هُوَ الْأَوَّلُ والآخر

معرفتنا للباري عزّ وجلّ هي باخراجه تعالى من الحدّين، وهكذا فهمنا للمعاني التي ترتبط به تعالى، فربّنا أوّل ولا أوّل لأوليّته، فهو اوّل ولا شيء واوّل ليس باعتبار شيء، لأنّه خارجٌ عن الزمان والمكان جاء في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام أنّه قال:

«إن الله تبارك اسمه و تعالى ذكره و جل ثناؤه سبحانه و تقدس و تفرد و توحد و لم يزل و لا يزال و هو الأولو الآخر و الظاهر و الباطنفلا أوللأوليتهرفيعا في أعلى علوه شامخ الأركان رفيع البنيان عظيم السلطان منيف الآلاء سني العلياء الذي عجز الواصفون عن كنه صفته و لا يطيقون حمل معرفة إلهيته و لا يحدون حدوده لأنه بالكيفية لا يتناهى إليه[7]

وقد سأل رأس الجالوت الامام امير المؤمنين عليه السلام قال:  أسألك عن ربك متى كان فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «كان بلا كينونية كان بلا كيف كان لم يزل بلا كم و بلا كيف كان ليس له قبل هو قبلالقبلبلا قبلو لا غاية و لا منتهى انقطعت عنه الغاية و هو غاية كل غاية».[8]

لم يكن مثله أحد فهو أزلي، و حيث تأخّر الوجود عنه فهو محدث من صنعه عزّ و جل، و تتجلّى هذه الحقيقة مرة اخرى حيث يصير الخلق الى العدم و يبقى وجهه تعالى، و لأنه الاول فهو الذي أحيا الخلق و أوجده، و لأنه الآخر فهو الذي يميته بقدرته.

وفي الرواية قال ابو يعفور سألت الامام الصادق (ع) عن قول اللّه عز و جل: «الاول و الآخر» و قلنا: أمّا الاول فقد عرفناه، و أمّا الآخر فبيّن لنا تفسيره؟ فقال: «إنّه ليس شيء إلّا يبدأ و يتغيّر أو يدخله التغير و الزوال، و ينتقل من لون إلى لون، و من هيئة الى هيئة، و من صفة الى صفة، و من زيادة الى نقصان، و من نقصان الى زيادة، إلا رب العالمين، فانّه لم يزل و لا يزال بحالة واحدة، و هو الاول قبل كل شيء، و هو الاخر على ما لم يزل، و لا تختلف عليه الصفات و الأسماء، كما تختلف على غيره مثل الإنسان الذي يكون ترابا مرة و مرة لحما و دما و مرة رفاتا و رميما، و كالبسر الذي يكون مرة بلحا و مرة بسرا و مرة رطبا و مرة تمرا، فتتبدّل عليه الأسماء و الصفات، و اللّه عزّ و جل بخلاف ذلك»[9].

جاء عن الامام الصادق (ع) شرح و توضيح لمعنى القبل و البعد فقال: «جاء حبر من الأحبار الى أمير المؤمنين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين! متى كان ربك؟

فقال له: ثكلتك أمك! و متى لم يكن حتى متى كان؟ كان ربّي قبل القبل بلا قبل، و بعد البعد بلا بعد، و لا غاية و لا منتهى لغايته، و انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية».[10]

ولو تأمّلنا سنجد أنّ ذلك من معاني التسبيح لله تعالى ونفي الصفات عنه.

الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ 

كلّ شيء في الكون له جانبان، جانب الوجود (الاثبات) العدم (النفي)، اما الاثبات فيدلّ عليه الوجدان، وأمّا العدم فلأنّه محدود، فهو في حيّزٍ من الزمان والمكان، سبقه العدم وهو صائرٌ الى الفناء، فالشمس مثلاً لم تكن موجودة ثم وُجدت و سترجع الى الفناء مرّة أخرى، ووجود جانب النفي في الاشياء دليلٌ على أنّها لم توجِد نفسها، فهي محدودة وفانية، ووجود جانب الاثبات في الاشياء دليلٌ على أنّ لها خالقاً كاملاً لا نقص فيه، وهكذا تدلّ كلّ المخلوقات على بارئها فهو الظاهر، وهو تعالى يُعطي للشمس نورها آناً بآن وللخلائق وجودها كذلك فحياة البشر بين العدم والوجود، فما مضى عدم وما يأتي عدم وخلايا الانسان تتجدّد وكلّ ذلك يدلّ على الباري عزّ وجلّ فهو الظاهر.

وهو باطن بذاته التي لا يعلم كنهها أحد من خلقه.

وقد يكون الظاهر هو نعمه تعالى والباطن مغفرته، أو أن يكون الظاهر الدنيا والباطن الآخرة، أو غير ذلك..فكلّ المعاني قد تكون صحيحة لأنّ في القرآن الكريم آفاق من المعرفة ومثله كالشمس يشرق كلّ يوم باضاءات جديدة وافكار نيّرة.

روي عن الامام الرضا (ع) و هو يبين ان الكلمات تشترك بيننا و بين ربّنا اشتراكا لفظيّا لا معنويّا، و يستعرض بعض أسماء اللّه التي تختلف معانيها عمّا يوجد عندنا من أمثالها، الى أن قال في معنى الظاهر و الباطن:

«وأمّا الظاهر فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها و قعود عليها و تسنّم لذراها، و لكنّ ذلك لقهره و لغلبته الأشياء و قدرته عليها، كقول الرجل:ظهرت على أعدائي، و أظهرني اللّه على خصمي، يخبر عن الفلج و الغلبة، فهكذا ظهور اللّه على الأشياء، و وجه آخر انّه الظاهر لمن أراده، و لا يخفى عليه شيء، و أنّه مدبّر لكلّ ما برأ، فأي ظاهر أظهر و أوضح من اللّه تبارك و تعالى، لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت، و فيك من آثاره ما يغنيك، و الظاهر منا البارز لنفسه و المعلوم بحدّه، فقد جمعنا الاسم و لم يجمعنا المعنى، و اما الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها، و لكنّ ذلك منه على استبطانه للأشياء علما و حفظا و تدبيرا، كقول القائل: أبطنته، يعني خبرته، و علمت مكتوم سرّه، و الباطن منا الغائب في الشيء المستتر، و قد جمعنا الاسم و اختلف المعنى».[11]

ولكنّ ذلك لا يعني انّه غائب عن الخلق، بل انّه نافذ علمه الى أعماق كلّ شي‏ء

{وَ هُوَ بِكلُشىَءٍ عَلِيمٌ }

و نتساءل مرّة أخرى كيف يمكن أن نُقرّب أنفسنا من اسماء الرب المُتعال، فهو تعالى بكلّ شيء عليم، ولو شعر الانسان بذلك لراقب نفسه و أفعاله.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة التكوير, الآية24.

[2]المحاسن، ج‏1، ص: 196

[3] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏25، ص: 22

[4] سورة الشمس, الآية7-8.

[5] «نهج البلاغه»/ 33؛ «عبده» 1/ 17.

[6]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏1، ص: 105

[7]الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 137

[8] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 8

[9] تفسير نور الثقلين ج5ص240.

[10] تفسیر نور الثقلین ج5 ص233.

[11] نور الثقلين/ ج 5 ص 234

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثالث)

بسم الله الرحمن الرحيم

((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحْكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  يحُيىِ وَ يُمِيتُ  وَ هُوَ عَلىَ‏ كل شىَءٍ قَدِيرٌ(2)))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

العزيز الحكيم

العزيز والحكيم اسمان للباري المُتعال يتضمنان أسماء أخرى كالقُدرة وإنفاذها وهكذا إذعان الخلائق بها، فما من شيء في الوجود الّا وهو خاضع لربّه يقول تعالى:

[وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ][1]

تعبيرات مُختلفة في القرآن الكريم تدلّنا على ذات الحقيقة وهي خضوع كلّ الخلائق لله.

لا عاصم من أمر الله

وكلّ تعلّق للإنسان بغيره تعالى سيخيب لا محالة، كما خاب تعلّق ابن نوح بالجبل ليعصمه من الماء، حيث تدكدك الجبل وانهار ولم يعصمه من أمر الله تعالى.

ليس الجبل فحسب، بل حتّى الكواكب والشموس لها عقاب فيما يُسمّى اليوم بمقبرة الشموس.. حيث موت الشموس العملاقة! وذلك بعض تجليّات عزّة الرب المُتعال.

أمّامن تجليات حكمة الباري عزّ وجلّ فما تسقط من ورقة ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، لو تأملت فيها تجد آثار حكمته تعالى.

ويتضمّن اسم الحكمة، معنى العلم والقدرة على استخدامه أيضاً.

لكنّ السؤال كيف يمكن لنا أن نُجسّد العزّة والحكمة في واقعنا؟

خواصّ الاسماء

قال بعض الأعلام: أنّ لكلّ إسمٍ من أسماء الرب تعالى خواصّ مُعيّنة ترتبط بمعناه، فتكرار [يا عليم] لمن أراد العلم، و [ياقدير] لمن أراد القُدرة وهكذا لأنّ أسماء الرب تعالى تتجلّى في الإنسان، حينما لا يكون قوله مجرّد لقلقة لسان، فالمطلوب أن نُقرّب أنفسنا من هذه الاسماء.

هنا نستاءل كيف يمكن الوصول الى العزّة والحكمة؟

في الجواب على ذلك نقول:ربّنا تعالى أجرى سُننه في الكون و خلق الكون وفقها، وحينما يسير الانسان وِفق هذه السُنن والنظام، فإنّه سيكون عزيزاً حكيماً.

جاء في الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال:

«إن الله عز و جل فوض إلى المؤمن أموره‏ كلها و لم يفوض إليه أن يكون ذليلا أ ما تسمع قول الله عز و جل يقول- و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين‏ فالمؤمن يكون عزيزا و لا يكون ذليلا ثم قال إن المؤمن أعز من الجبل إن الجبل يستقل منه بالمعاول و المؤمن لا يستقل من دينه شي‏ء.»[2]

وهكذا قال امامنا الحسين عليه السلام:

«لا والله لا اعطيهم بيدى اعطاء الذليل‏، و لا اقر اقرار العبيد!.»[3]

وللوصول الى العزّة شروط ثلاثة سواءاً على صعيد الفرد أو على صعيد الأمّة أو الدولة:

  • الغنى: للوصول الى العزّة لابدّ أن يكون الانسان غنياً، ومن هنا جاء في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وآله: «الفقر سواد الوجه‏ في الدارين.»[4]

وعنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «نعم‏ العون‏ على تقوى الله الغنى.»

وجاءت التوصيات تترى في كيفية الوصول الى ذلك فعن الامام امير المؤمنين عليه السلام وهو يصِف المُتقّين قوله: «فالمؤمنون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب و ملبسهم‏ الاقتصاد»[5]

وهكذا الامّة حينما تكون فقيرة فإنّها تصبح خاضعة ذليلة أمّا الامّة الغنيّة فإنّها امة عزيزة.

  • القوّة: يقول ربّنا تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ].[6]

وجاء في الحديث الشريف: «المؤمن‏ القوي‏ خير من الضعيف».

  • عزّة النفس: حينما يجعل الانسان قيمة الكرامة شعاراً له فلا يقبل بالمهانة والذلّة ويُربّي نفسه دائماً على العزّة و المناعة فإنّه يصل الى ذلك.

الوصول الى الحكمة

هذا فيما يرتبط بالعزّة.. أمّا الحِكمة فالوصول اليها يكون من خلال معرفة السُنن الالهية، ودليلها القرآن الحكيم، ففيه تبيان لكلّ شيء، فالقرآن الكريم حِكمة الحياة ومن تدبّر فيه ووعاه فإنّه يدرك السُنن الالهية وبذلك يُمكنه الوصول الى الحكمة.

لأنّ الرب سبحانه جعل نظام التشريع متناغماً مع نظام التكوين ولكنّ الانسان لم يؤتَ من العلم الّا قليلاً.

فنظام التشريع كعقارب الساعة يتبع بعضها بعضاً وفيه من الحِكمة العظيمة التي لم يفقهها الكثير منّا بسبب ما نعانيه من التسطيح الثقافي وبسبب الابتعاد عن مصادر الثقافة الاسلامية.

[لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ]

بما فيهما، و هو حقّا ملك واسع مطلق و حقيقي، أمّا تملّك الناس للأشياء فهو اعتباري محدود زمنا لأنّهم يموتون عنها، و كمّا لأنّه قليل جدا بالنسبة إلى ملك اللّه الذي ينضوي تحته كلّ الوجود و كيفا لأنّ قدرتهم على التصرف فيه محدودة، و للّه الملك المطلق و القدرة اللّامحدودة، و التي من مظاهرها الإحياء و الإماتة.

[يحُيىِ وَ يُمِيتُ]

كيف يشاء، و متى أراد، لا يمنعه عن ذلك مانع أبدا، و ليس لسواه هذه القدرة في الملك، و الهيمنة عليه. و ما دامت حياة الإنسان بيد اللّه فهل هو المالك أم اللّه؟

بالرغم من التطوّر الكبير الذي وصل اليه العلم الحديث الّا أنّه لم يستطع أن يُفسّر حقيقة الحياة والموت.

فربّنا المُتعال هو الذي قهر عباده بالموت والفناء فلا أحد يستطيع دفع الموت عن نفسه أو عن غيره، ولو اجتمعت الانس والجن على أن يمنعوا موت انسان ولو للحظات لا يقدروا على ذلك، وذلك أحد أبعاد عزّة الله تعالى حيث يُذيق جميع الخلائق بما في ذلك ملك الموت والملائكة المُقرّبين يذيقهم الموت وهو القائل:

 [كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ][7]

و مع أنّ الحياة و الموت من أبرز مظاهر الملك و الهيمنة الإلهية على الخلق، إلّا أنّ قدرته تعالى ليست محدودة في ذلك حسب، بل هي مطلقة.

[وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ]

أمّا نحن فلا نستطيع ان نفعل كلّ شي‏ء و كيفما نشاء فيما نملك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النحل, الآية 49.

[2]الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏5، ص: 63

[3] وقعة الطف ص209

[4]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏69، ص: 30

[5]كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج‏2، ص: 849

[6] سورة الأنفال الآية 60.

[7] سورة العنكبوت, الآية 57.

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 ((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحْكِيمُ))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

 

التسبيح كمال المعرفة

ما إن يشرع الانسان بالتدبّر في آيات القرآن الحكيم الّا ويجد نفسه في محيط مترامي الاطراف من المعارف في بطون آيات الذكر الحكيم.

بصائر عدّة نستلهمها من الآية الأولى من سورة الحديد و قبل بيانها نُذّكر الأخوة أنّ التزوّد بالآيات الشريفة والاستفادة الحقيقية منها إنّما تكون [لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهيدٌ][1].

أي لمن يكون حاضراً بجسده وقلبه.

البصيرة الأولى: في قوله تعالى: [سَبَّحَ لِلَّهِ].

ما هو التسبيح؟

مهما ابتعد البشر عن ربّهم الّا أنّ الرب المُتعال ليس حقيقة بعيدة عن عباده، فهو أقرب الينا من حبل الوريد، ِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا، وهكذا كان بُعد الانسان من الله سبحانه بدليل الحُجُب الموجودة بينه وبين ربّه، فقد يدعوا الانسان غير ربّه، وقد سئل قوم الامام الصادق عليه السلام: «ندعوا فلا يستجاب‏ لنا قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.»[2]

ولعلّ أكبر حجاب  بيننا وبين الرب المُتعال هو أنّنا نريد معرفته كما نعرف مخلوقاته، وذلك لن يكون لأنّ الله تعالى خِلوٌ من خلقه وخلقه خِلوٌ منه، لا يحَدُّه مكان ولا زمان فهو أيّن الاين وكيّف الكيف.

وهكذا جعل طريق معرفة الرب ذات طريق معرفة مخلوقاته يستلزم تصوّره، وهو تعالى أجلّ من أن تناله الأوهام أو تُدركه الأبصار، وهذا هو معنى التسبيح..أي تنـزيهه تعالى من شبه خلقه وكما يقول امير المؤمنين عليه السلام:

«أول‏ الدين‏ معرفته‏ و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده و كمال توحيده الإخلاص له و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة»[3].

فهو عالمٌ لكن لا كعلم المخلوقين وقادرٌ لكن لا كقدرتهم، لأنّ غاية معرفتنا له عزّوجل باخراجه من الحدّين، حدّ التعطيل وحدّ التشبيه فهو تعالى شيء لا كالأشياء، وطريق ذلك الفطرة والوجدان والتفكّر في آيات الله في الأنفس والآفاق، يقول امير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح: «يا من‏ دل‏ على‏ ذاته‏ بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و جل عن ملائمة كيفياته‏.. يا من أرقدني في مهاد أمنه و أمانه و أيقظني إلى ما منحني به من مننه و إحسانه و كف أكف السوء عني بيده‏»[4]

بالتفكير في هذه الآيات وشؤونه الانسان المُختلفة في يقظته ومنامه،  وبالتفكير  فيمن يرعى الانسان في ساعات الشدّة حيث لا مُنجي غيره سبحانه، هناك  حيث يتعلّق قلب الانسان بربّه تسقط عنه كلّ الحُجب والأوهام.

جوهر الأذكار

و بالتأمّل في معنى التسبيح نصِل الى أنّ جوهر كلّ الاذكار هو التسبيح، فالتكبير يعني «الله اكبر من أن يوصف» و «الحمد لله» يعني أنّه تعالى هو من يستحقّ الحمد في أي زمان وبأي لسان وهكذا التهليل.

رسالة الكون

كان نبيّنا الأكرم (ص) يستيقظ كلّ ليلة مرّات عدّة، وفي كلّ مرّة كان ينظر الى النجوم ويتلو قوله تعالى من سورة آل عمران :[وَيَتَفَكَّرُونَ فىِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَاذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  وَ مَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(192)رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْايمَنِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَامَنَّا  رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّاتِنَا وَ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(193) رَبَّنَا وَ ءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلىَ‏ رُسُلِكَ وَ لَا تخُزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  إِنَّكَ لَا تخُلِفُ المْيعَادَ][5]

وهكذا نظر المؤمن اعتبار فهو ينظر الى الشمس والقمر والى كلّ المخلوقات ويفهم منها رسالة التسبيح، وفي تعاليم ديننا الحنيف ما يُقربّنا الى هذا المعنى، فقد كان من دعاء الامام زين العابدين عليه السلام إذا نظر الى الهلال أنّه يقول:

«أيها الخلق‏ المطيع‏، الدائب السريع، المتردد في منازل التقدير، المتصرف في فلك التدبير.  آمنت بمن نور بك الظلم، و أوضح بك البهم، و جعلك آية من آيات ملكه، و علامة من علامات‏ سلطانه، و امتهنك بالزيادة و النقصان، و الطلوع و الأفول، و الإنارة و الكسوف، في كل ذلك أنت له مطيع، و إلى إرادته سريع  سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك! و ألطف ما صنع في شأنك! جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث  فأسأل الله ربي و ربك، و خالقي و خالقك، و مقدري و مقدرك…»[6]

وبخلاف الفلسفات التي جعلت حياة الانسان في تضادّ دائم مع المخلوقات.. فإنّ تبصّر المؤمن بكتاب ربّه يجعله ليس فقط يتكامل مع أخيه الانسان، بل مع جميع الخلائق.

وهو العزيز الحكيم

عادة ما تُختَتم الآيات التي تبدء بالتسبيح بقوله تعالى: [الْعَزِيزُ الحْكِيمُ].

كلمة العزّة تحوي في طياتها الكثير من المعاني، فهي  تعني القدرة، و أنّه تعالى قد أنفذ قدرته، وهكذا تعني أنّ الجميع يُذعن بقدرته، فإسم العزّة أصل لكثير من الاسماء التي سيأتي تفصيلها في الآيات القادمة.

إنّه كذلك سواء سبّحه الخلق أو لم يسبّحوه، فهو بذاته عزيز لا يزيده التسبيح عزّا، و حكيم تتجلّى حكمته في النظام الدقيق الذي فطر عليه خلقه و حكمه به، كما تتجلّى في تدبيره لشؤونه المختلفة، و ليس بحاجة إلى الاعتراف من قبلنا بحكمته سبحانه، كما لا تنصرف هاتان الصفتان إلى غيره لو اعتقدنا بألوهيّته، و لعلّ الحكمة من بيان هاتين الصفتين أنّ اللّه لا يدبر الكائنات بقوته و حسب، بل بالحكمة أيضا، و أنّه يحقّ للكائنات أن يسبّحنه لأنّه تعالى مهيمن عليها بالقوّة و الحكمة فهو أهل لذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة ق, الآية 37.

[2] التوحيد (للصدوق)، ص: 289

[3]نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 39

[4] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏91، ص: 243

[5] سورة آل عمران الآية 191-194.

[6]الصحيفة السجادية، ص: 184

 

تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الاول)

بسم الله الرحمن الرحيم

((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحْكِيمُ))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

الاطار العام

للحديث عن الاطار العام لهذه السورة المباركة عدّة أبعاد, منها ما يرتبط باسم السورة المباركة, والآية التي جاءت في هذه السورة وحملت ذات الاسم, وهو قوله سبحانه وتعالى:

 [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ  وَ أَنزَلْنَا الحْدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ  إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ][1]

ولارتباط الاطار العام مع اسم السورة والآية التي حملت الاسم يمكننا القول أن الاطار العام للسورة هو الحديث عن القسط والعدالة.

البُعد الثاني الذي جعله بعض المُفسّرين الاطار العام لسورة الحديد هو الانفاق لأنّ آيات كثيرة في هذه السورة تتحدّث عن الانفاق.

وبالتأمّل في القولين نجد الارتباط الوثيق بين الانفاق وبين القسط والعدالة في المجتمع إذ أنّ الإنفاق في سبيل الله يُعدّ من مقوّمات المجتمع الاسلامي كما سيأتي تفصيل ذلك.

لكن بمزيد من التأمّل في محاور السورة و خصوصاً الحديث عن المعارف الألهية والتوحيد في بدايات السورة المُباركة حيث جاء في الحديث عن الامام زين العابدين عليه السلام وقد سُئل عن التوحيد قال:– عليه السّلام-: {إنّ اللّه علم أنّه يكون في آخر الزّمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، و الآيات من سور الحديد- إلى قوله-: بِذاتِ الصُّدُورِ. فمن رام وراء ذلك فقد هلك.}[2]

و هكذا نجد في مُستهلّ السورة أسماء الرب الحُسنى, ومن هنا يبدوا أنّ الاطار العام لهذه السورة أعمق ممّا ذُكر.

-نقول- مفتاح الوصول الى الاطار العام هو التسبيح, كيف؟

أليس التسبيح يعني التنزيه من عبادة غير الله تعالى, ثمّ إنّ العبادة لها معاني شتّى لا تنحصر بالصلاة و الركوع والسجود, بل تعني ممّا تعني التعلّق, فحين يتعلّق الانسان بشيء بحيث يجعله في مصافّ الرب المُتعال فإنّه يعبده, وذلك من مصاديق الشرك الخفي الذي يهوي بصاحبه الى درك الجحيم, ولو تساءلنا عمّا هو مورد تعلّق الغالبية العظمى من البشر سنخلصّه بكلمة [حُبّ الدنيا] من مالٍ وجاه أو السلطة ومتاع, وأنّى يمكن للإنسان أن يطهّر قلبه من التعلّق بالدنيا ويُجسّد كلمة التوحيد [لا اله الّا الله] عمليّاً في حياته؟

لا يستطيع الانسان ذلك الّا بالإنفاق في سبيل الله المُتعال.

وهكذا يُطهّر المؤمن قلبه من التعلّق بالدنيا بالانفاق, أمّا غيره فقد يفقد ايمانه في أيّ امتحان او يفقده عند الموت كما يحدث لكثيرين.

اذن الحديث عن الانفاق و ارتباطه بالقسط الذي يُعدّ من مقوّمات المجتمع الاسلامي هو أحد  الابعاد, لكنّ البُعد الثاني من الانفاق والأهم هو فيما يرتبط بالتسبيح أي تطهير القلب من العبودية لغير الله وهذا هو الاطار العام لسورة الحديد.

تسبيح الكائنات

لكي لا يكون الشيء حجاباً بين الانسان وبين الله فإنّ على الانسان تسبيح الله بل ومعرفة أنّ الشيء الذي تعلّق به هو أيضاً يُسبّح لله يقول الله تعالى:

[سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ]

جاء في بعض التفاسير أنّ المُراد بتسبيح ما في السماوات والأرض هو التسبيح التكويني, حيث شهادة جميع الكائنات في هذا العالم بطهارة ذاته من كلّ عيب، حيث أنّ النظم و الحساب و الحكمة و العجائب في نظام الكائنات .. هذه جميعها تذكر (اللّه) بلسان حالها و تسبّحه و تحمده و تنزّهه و تؤكّد أنّ لخالقها قدرة لا متناهية، و حكمة لا محدودة.

نعم, فالتسبيح التكويني موجود لا محالة لكن هل يعني تسبيح [ما في السماوات والأرض] ذلك فحسب؟

بالتدبّر في الآيات القرآنية نجد أنّ المُراد من التسبيح ليس بمقولة الحال وإنّما بمقولة القال ومن هنا جاء في قوله سبحانه:

[تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تسبيحهم][3]

فبقرينة قوله: [وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تسبيحهم] نفهم أنّ المراد ليس التسبيح التكويني فقط إذ أننا نفقهه بل المُراد أنّ كل شيء في الكون يُسبّح لله المُتعال, وهكذا على الانسان أن لا يشذّ عن ذلك ولا يجعل تعلّقه بالاشياء حجاباً بينه وبين الله المتعال.

يقول تعالى:[وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلينَ][4]

فوائد التسبيح

أرأيت نور الشمس لو تعرّضت لها فانّك تستضيء بها فحسب, وهكذا حينما تتصّل بالباري عزّ وجلّ تُتساقط الحُجُب لتصل اليك الالطاف الربّانية, فالخالق غني عنّا وهو القائل:

[وَ مَا خَلَقْتُ الجْنَّ وَ الْانسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزْقٍ وَ مَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ][5]

وقد جاء في الحديث القُدسي قوله تعالى: {يابن آدم لم أخلقك لأربح عليك إنّما خلقتك لتربح علي].[6]

وهكذا قوله تعالى في سورة النور: [أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبيحَهُ وَ اللَّهُ عَليمٌ بِما يَفْعَلُونَ].[7]

فالصلاة من الصِلة و الارتباط بالباري عزّ وجلّ لتشمل الالطاف الالهية كلّ المخلوقات.

الفرق بين ما ومن

تارة يستخدم تعبير [ما] كما في هذه السورة المباركة قوله: [سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْض].[8]

وتارة يستخدم التعبير القرآني [من] كما في سورة النور وقوله: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوات وَ الْأَرْض].[9]

من فما هو الفرق بينهم؟

يقول اللغويون أنّ [ما] يُراد به غير العاقل و[من] العاقل من الموجودات, وقد يكون المعنى صحيحاً الّا أنّ الظاهر من المعنى الأوّل هو للدلالة على تصوّر البشر وظنّهم أنّ هذه الخلائق لا تنطق وللإشارة الى [لا تفقهون تسبيحهم], واستخدام من للدلالة الى أنّ لجميع الكائنات شعورا يسبّحن عبره بحمد ربّهن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1] سورة الحديد, الآية25.

[2] الكافي 1/ 91، ح 3

[3] سورة الإسراء , الآية 44.

[4] سورة الأنبياء, الآية 79.

[5] سورة الذاريات, الآية 56- 58.

[6] شرح نهج البلاغة,ج 20 ص319.

[7] سورة النور, الآية41.

[8] سورة الحديد, الآية 1.

[9] سورة النور, الآية 41.

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس الثامن عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)وَ إِذا رَآكَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)}

 

من أعقد المشاكل التي يبتلى بها البشر حالة الخلط بين القيم المتصلة بعقله وروحه والتي تستمد قوتها من ربه ورسالاته، وبين الحقائق المادية، فيتصور بأن النبي –أي نبيٍ- أو أي وصيٍ أو عالمٍ يجب أن يتمتع بالإمكانات المادية كالمال الوفير والجاه العريض والقوة الجسدية الهائلة كي يكون على الحق.

النبي والوصي والداعية إلى الله، يهدف تذكير الإنسان بربه، وهو متكاملٌ من هذه الجهة، أما الجهات الأخرى فلا شأن لها بهدفه، بل هو بشرٌ كسائر البشر يبتلى بالمرض والضعف الجسدي والهزيمة في الحرب، ويبتلى بالقتل بأبشع الطرق، وهذا كله لا يعني بطلان رسالته ودعوته، لأن الرسالة من مقولةٍ أخرى، إلا أن البشر يخلط بين الأمرين دوماً، فيتصور أن العالم إن لم يكن غنياً أو صاحب حزبٍ وسلطة، فهو ليس بعالم، وتحجبه هذه الرؤية عن الإنتفاع بعلمه.

بلى؛ لقد قطعت البشرية شوطاً في هذا المجال، حيث صارت تقدّر العالم لعلمه لا لشيءٍ آخر مثلاً، ولكنه تبقى في منتصف الطريق، وطالما أكدت النصوص الشريفة على أن قيمة الأنبياء ليست في المال والكنز والجسد، بل قيمتهم الأساسية في ربط الإنسان بربه، وإلا فهم بشرٌ كسائر البشر.

{ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ}

لم يكتب الله سبحانه الخلود في الدنيا لبشرٍ قط.

{ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)}

فهل يبقى –يا رسول الله – أحدٌ غيرك إن مت أنت؟

كلا؛ فلا خلود للبشر في دار الدنيا، والنبي بشرٌ أيضاً.

{كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ }

بالرغم من أن السياق القرآني عن الأنبياء، ولكن مفاهيم الكتاب لا يحددها السياق، فالمورد لا يخصص، ومن هنا فكل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن لماذا التعبير بـ” النفس”، دون غيره من تعبيرات كالجسد أو الإنسان؟

لكل كلمة معنى مشترك مع مترادفاتها وضلال خاص بها، ويبدو أن النفس في لغة القرآن مغايرة للروح، وهي الجانب المادي للبشر، أو الجانب الأعم من المادة والمعنى؛ قال الله سبحانه: { وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها *  فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها}[1]، ومادامت النفس متصلة بالمادة ( الجسم) فهي تذوق الموت، والتذوق يعني تلمسها والتألم منه.

وقد إستفاد البعض من هذه الكلمة أن الشهداء الذين هم أحياءٌ عند ربهم، هم أيضاً يموتون لأنهم نفوسٌ أيضاً.

{وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)}

الشر شرٌ والخير خير، ولا يصح المزج بينهما، نعم الشر الذي يؤدي إلى الخير حسنٌ، ولكنه يبقى شراً أيضاً في حينه، والإبتلاء بهما يكون من أجل إظهار حقيقة الإنسان، فالإبتلاء يعني لغةً إظهار الشيء بعد خفائه، والفتنة هي الأخرى تفيد قريباً من معنى الإبتلاء، حيث تعني إظهار جوهر الشيء، فإفتان الذهب يعني تعريضه للنار لأخراج الذهب المصفى من شوائبه.

ومعنى ذلك وجوب تكامل الإنسان في الدنيا، حيث جيء به إليها لهذا السبب، أي لكي يبتلى بالشر والخير فتظهر خفايا وخبايا نفسه، ومن ثم تعالج وتفتتن كي يتهيأ لدخول الجنة.

فالله خلق البشر ولكن جعل أمامه فرص للتقدم درجةً فدرجة عبر معراجٍ إلهي، للوصول إلى الله سبحانه.

ومن هنا، فلا هرب من الفتنة أولاً، وثانياً: للفتنة جوانب إيجابية حيث يظهر عبرها مشاكل الإنسان، كما المريض يفحص جسده بمختلف التحاليل لتشخيص امراض بدنه، وبالفتنة تظهر بعض خصائص الذات، وبعضها قد تكون بسبب الظروف كالتربية والشهوات، ولكن بعض الخصائص هي بسبب طبيعة الإنسان وضعفه وجهالته، وهذه السلبيات أعظم مما ساقتها الظروف إلى الإنسان والتخلص منها أهم.

فالحسد والكبر ذاتيان للإنسان بسبب جهله، والإنسان بحاجة إلى المزيد من الجهد للتخلص منهما.

{وَ إِذا رَآكَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً}

وفي نفس السياق حديثٌ عن إستهانة الكافرين بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وربما كان إستهزائهم بسبب الصورة الخاطئة عن انبياء الله من حيث المال والجسم، ولما رأوا النبي صلى الله عليه وآله على غير تلك الصورة الذهنية، صاروا يستهزئون به.

{ أَ هذَا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)}

لم يبين القرآن الكريم متعلق ذكر الآلهة هنا، هل هو ذكرٌ بسوء أو غيره، وكأن هؤلاء أنكروا على النبي أصل ذكره للآلهة فضلاً عن الإسائة إليها، والحال أنهم يذكرون الرحمن ويكفرون به.

التواضع لله

والصورة الخاطئة التي كانت في أذهان الكافرين محاها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأفعاله وسلوكياته، فلم يكن النبي يحتاج إلى التكبر والتجبر ليكون عظيماً، بل كان عظيماً وهو متواضعٌ لله سبحانه، ففي يوم الفتح دخل مكة وهو متواضعٌ لله سبحانه.

ومن هنا، على الدعاة إلى الله سبحانه أن يربوا أنفسهم على التواضع، إذ يجب أن تظهر جوهر العبودية في أفعال الداعية إلى الله سبحانه، ولا يهمه في ذلك من يحبذ الختل والتفاخر، بل يهمه إجتذاب القلوب الطيبة التي تبحث عن العالم الذي يذكرهم بالله رؤيته.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الشمس: الآية 7-8

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

 

إذا دخلت داراً فوجدت التنسيق الكامل يحكم أثاثه، فكل شيء وضع في محله فأولى الملاحظات التي تسبق إلى ذهنك هي أن عليك أن تستخدم كل شيء وفق ما عيّن له فلا تستعمل غرفة المعيشة للطبخ ولا موضع النوم لإستقبال الضيوف لأنه لا يتناسب والتنسيق الموجود.

والأمر كذلك مع العالم من حولنا، حيث نرى كل شيء قد نظّم بدقة وله هدفٌ وصنع لغاية في حدود مقدّرة بدقة تامة، فنعرف ضرورة أن لا نخالف القواعد والأنظمة الكونية، على أن مخالفة الأعراف في منزلٍ واحد قد يستحق بها المرء مجرد اللوم، بينما المخالفة في الطبيعة ربما تكون مهلكة.

ولعل السبب في بيان القرآن الكريم لدقيق أنظمة الكون، لكي يلتزم الواحد منا بحدوده ويقوم بما عليه من فرائض وواجبات.

 

لكيلا نتسافل معرفياً

تؤكد الدراسات الحديثة اليوم على تراجع المستوى العام للعقل البشري، حيث كان الناس يستوعبون الحقائق بشكل أفضل سابقاً، حتى أن البدوي في الصحراء كان يستنتج حقائق دقيقة من ملاحظته لآثار حركة الناقة مثلاً.

وهكذا على المؤمن أن يلتفت بأن لا يكون ضحل التفكير وبليد المشاعر، بل لابد أن يمعن النظر في ما حوله من آيات لكيلا تخدعه أدوات الضلال وأبواق الشيطان التي تسحب زرافات تلو زرافات من البشر نحو الهاوية بعد أن تستخف بعقولهم، وكما قال الله سبحانه عن فرعون وقومه: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقين‏}[1].

ونستفيد هذه البصيرة الهامة من الربط بين تعبيرين وردا في سياق هذه الآيات، الآول قوله سبحانه { أولم ير الذين كفروا} الذي يدل على الرؤية المباشرة، والتعبير الثاني هو قوله سبحانه في الآية الثانية والثلاثين: { وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ }، والذي يعني القرار المسبق بعدم الرؤية والإستفادة، فتارةً لا يبصر الإنسان الأمور بسبب بعدها أو خللٍ في بصره، وتارة لا يريد أن يبصرها، وهو المعرض، وبالجمع بين التعبيرين نستفيد أن الآيات واضحة ومبصرة ولكن الإنسان لا يريد أن يلتفت إليها لإهتمامه بأمور آخرى ثانوية، ككيفية كسب لقمة العيش والتنزه في الدنيا، وهذا يسبب تسافل الإنسان معرفياً.

رتقاً ففتقناهما

{أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) }

التفسير المعقول لهذه الآية، والذي وردت فيه نصوص عن الأئمة عليهم السلام هو أن السماء كانت رتقاً لا تنزل المطر، والأرض رتقاً لا تخرج نباتاً، ففتقل الله السماء بهطول المطر والأرض بخروج النبات، وبالرغم من صحة هذا التفسير إلا أنه من الخطأ الجمود عليه، وذلك لأن السياق ليس عن الأمطار فقط بل الحديث عن قضية أكبر وهو ما يستفاد من الآية التالية.

إلا أن مشكلة البشر أنه يريد الجمود على صغائر الأمور، دون أن يرتقي بمستوى تفكيره إلى عظيم الحقائق، كما ذلك الرجل الذي راح يسأل أمير المؤمنين عن عدد شعيراته لحيته بدل أن يسأله عن طرق السماوات والأرض، ويكون مثل الإنسان كمثل من يعطى مفتاحاً لكنز فبدل أن يستفيد من الكنز يتشبث بالمفتاح، فالقرآن يدعو الإنسان الى الإنطلاق في رحاب الحياة ليستفيد الحقائق منه ولكنه يترك ذلك.

ومن هنا ربما تشير الآية إلى نظرية الإنفجار الكبير –لا كما زعمها البشر- بل كما بينها الأئمة الطاهرون عليهم السلام حيث في الروايات دلالة تفصيلية على كيفية خلق الله للكون من الماء.

فهناك تقارب بين ما ينّظر له البشر وبين ما دلت النصوص الشريفة عليه، ولكن بعيداً عن هذا التقارب على الإنسان أن يقوم بنفسه بالتأمل في خلق الله سبحانه، فينظر إلى الجبال وعظمتها وكيف جعلها الله سبحانه رواسي ودروع للأرض تمتد في أعماق الأرض إلى مسافات بعيدة، وتجري تحتها مياه من مناطق إلى أخرى كالأنهار فوق الأرض.

فالجبال تحمي الأرض من الزلازل المتكررة بسبب الأبخرة في جوفها، كما أنها تحمي ظاهر الأرض من الرياح العاتية وتحوي في باطنها المعادن المختلفة، وكل ذلك آياتٌ على قدرة الله سبحانه:

{وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)}

كما للفلك مرساةٌ لتثبتها وتمنعها من الحركة، كذا الجبال رواسي للأرض، ولم يجعلها الله سبحانه كجدارٍ عالٍ بل جعل بينها فجاجاً لتكون سبلاً للناس ليهتدون، إلى منافعهم في الدنيا عبر التحرك من خلالها، وإلى ربهم الذي جعل لهم هذه الأرض لمصلحتهم.

 

{ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

اما السماء فسقفٌ مرفوعٌ محفوظ، يحفظ البشرية من ألوان النيازك والأخطار، واليوم صار حديث العالم عن الإحتباس الحراري وما ينتجه من أخطار للبشرية، حيث خرق جزءٌ بسيطٌ منه بسبب ما كسبت أيدي الناس بما سبب من أضرار كبيرة على الطبيعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزخرف: الآية 54

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس السادس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمينَ (29) أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

كل إنسانٍ مجزيٌ بعمله، ولكن هل كل الناس مجزيون بأعمالهم بصورة متساوية أم هناك تفاوت في النتائج؟

قيل أن ” خطأ الشاطر بألف” فليس سواء أن يخطئ قائد طائرة فيستعمل ما يزيل عقله وشخص في الشارع يقوم بنفس العمل، إذ الأول يعاقب ويطرد من وظيفته بينما الثاني لا شيء عليه، لأن الأول تتعلق حياة المئات من الناس به دون الثاني.

فحين يكون الإنسان في مقامٍ مرموق تكون خطايا محسوبة بصورة أدق، كما أن حسناته ستكون أثمن، فالعالم الرباني النائم خيرٌ من العابد القائم والمجاهد المقاتل في سوح الجهاد، والحاكم العادل ساعةٌ واحدة من حكمه تعدل عبادة العباد لعدل الثاني وكون الأول عالماً ربانياً يسعى لهداية الناس.

فالأعمال يجازى عليها الإنسان، ولكن بالتناسب مع مقام العامل، ف:” ُيُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ”[1]، كما قال الإمام الصادق عليه السلام.

ومن هنا لو فرض إدعاء ملكٍ من الملائكة مع أوتي من قوة الربوبية أو إدعى نبيٌ من الأنبياء ذلك، فالجزاء ليس غير الرمي في جهنم، إذ ليس في نظام الرب سبحانه فسادٌ أو محسوبية يتساهل فيها مع المقربين إن أخطأوا وعصوا ربهم:

{ وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ }

دعوى كون النبي طريق ووسيلة إلى الله سبحانه شيءٌ، ودعوى الربوبية شيءٌ آخر، فالأنبياء والأوصياء كانوا يقولون أنهم حجج الله، لا أنهم آلهة من دون الله، لأن من يدعي أنه إله فيستحق جهنم:

{فَذلِكَ نَجْزيهِ جَهَنَّمَ }

لفظة” ذلك” إشارة على البعيد، وفيها دلالتان: الأولى أن هذه الدعوى بعيدةٌ عن الأنبياء والملائكة لمقامهم، والثانية: من يدعي هذه الدعوى يكون بعيداً عن رحمة الله سبحانه، ولكن لماذا الجزاء بجهنم؟

لأنه ظالمٌ:

{كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمينَ (29)}

التعابير القرآنية في نهايات الآيات قد ترد لبيان العلة، ولأنها كذلك فهي تعم كل من إتصف بذات الصفة، فكل ظالمٍ يستحق جهنم، كما أن كل محسنٍ يجازى بإحسانه في مثل قوله سبحانه: { وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنين‏}[2] فالمورد لا يخصص.

فمتى ما إتصف الشخص بالظلم يستحق هذا الجزاء وإن كان من قبل عابداً – كبلعم باعورا- أو من أصحاب الأنبياء – كقارون الذي بغى على النبي أو زبير بن العوام الذي إصطف ضد خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله-، فلا يغرنّ أحدٌ تقواه وتدعوه نفسه لإرتكاب الأخطاء، بل لابد أن تكون التقوى مدعاةً للمزيد من الإلتزام، لأن خطأ المقرّب أخطر، فبعض الناس يقع في أخطاء كبيرة إعتماداً على تاريخه الحافل بالعمل الصالح أو وجاهته في المجتمع أو غير ذلك.

وقد يعتمد الإنسان على هذه الأمور في دعاواه الباطلة، غافلاً عن أن كل هذه إنما هي نعم الله سبحانه عنده، فبدل أن يشكر النعمة يجعله وسيلةً للطغيان، فيعتمد عليها من دون الله ويقع في شرك الشرك.

قدرة الله

بعد بيان عقوبة من يدعي الألوهية من دون الله، يذكّر السياق القرآني بأن المشركين سواءاً من يتكبر على الله سبحانه، أو من يشرك بالله غيره، ليس لديهم مثل عمل الله سبحانه، فحين يحدثنا الله عن المشركين يذكرناً بقدرته وآياته العظيمة، ومن هنا فحين يذكر المؤمن ربه يوجل قلبه ويهتز لذكر الله سبحانه.

 {أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30)}

قبل أن نورد الإحتمالات التي أوردها المفسرون في تفسير هذه الآية نكتفي ببيان نقطة منهجية هامة، لو هدانا الله إليها إستفدنا منها في حياتنا كثيراً، وهي أن حكم الأشباه فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، بمعنى أن عود ثقابٍ التي تحرق ورقة صغيرة ينطبق عليها ذات القوانين المنطبقة على القنبلة التي تحرق غابةً كاملة، غاية الأمر الإختلاف في المقياس.

ونستفيد ذات الحقيقة من القرآن الكريم، كيف؟

حين يحدثنا القرآن الكريم عن الأرض التي أصابها الجفاف ثم هطل عليها الغيث من السماء، فتدخل قطرات الماء في الأرض التي يعجز الإنسان عن إثارتها إلا بشق الأنفس، فتثيرها قطرات الماء وصولاً إلى البذرة فتكون النباتات المختلفة، فالسماء كانت رتقاً ( مغلقة) فصارت فتقاً ( مفتوحة) بالغيث والأرض كانت مصمدة ( رتق) ففقت بقطر الماء.

أقول: حين يحدثنا القرآن عن ذلك، فإن نفس السنة الإلهية والقدرة الربانية، تنطبق على كل المجرات والكواكب والمخلوقات، ومن هنا؛ ما قاله بعض المفسرين من أن الآية تتحدث عن المطر، وقال آخرون أنها تدل على الإنفجار العظيم، فكلاهما صحيحٌ، لأن القدرة هي ذاتها والمعطيات ذاتها، بالرغم من إختلاف المقياس.

وهكذا حين يعاقب الله سبحانه شخصاً لظلمه، فهو يعاقب أمةً كاملةً إن إتصفت بالظلم أيضاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الکافی: ج1، ص 47

[2] سورة يوسف: الآية 22

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الخامس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضىوَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

كلما إرتفع الإنسان إلى مستوى القيم هوى إلى التراب الذي خلق منه، نحو قاع الذاتيات، إذ يعيش الإنسان في موقفٍ حرج، فمن جهة يتبع أصله حيث حفنة من التراب، فيقدس التراب وما يخرج منه ويقدس الذاتيات والماديات، ومن جهة أخرى تدفعه روحه المتعالية لتقديس القيم، فلا يسأل حينئذٍ بالماديات والعصبيات بل عن الصلاح والصدق والإحسان، أي القيم.

قناعة الناس بالقيم ليس أمراً هيناً، فيجب أن تتكامل نفوسهم، حتى الكملّين من البشر لا يبقون دوماً في مستوى واحد من تقديس القيم لأنهم قد يزلون إلى حيث تقديس الذاتيات والعنصريات والإثنيات وكل ما يرتبط بالتراب.

ونحن –كبشر- ذاتنا ظلامية، فذاتنا العجز والجهل والمحدودية، وما ورد على هذه الذات من الوجود والإرادة والعقل فمن نور الله سبحانه وبأمره، وكلما قدسنا الذات إبتعدنا عن الله سبحانه، وبالعكس أيضاً كلما إهتمننا بالقيم إزددنا قرباً إلى الله سبحانه، وهنا الحراجة بين الذات والقيم.

حين تحدث البشر عن الأنبياء والملائكة صوروا كمالاتهم بأنها أمور ذاتية لهم، والحال أنهم عبادٌ مكرمون فبالرغم من كمالاتهم يبقون عبيداً لله ولا يخرجون عن أمره وإرادته، وحين نسب الإنسان الكمالات لشخص النبي أو الملك – حين قال أن الملائكة بنات الله- تورط في الذاتيات وتسافل نحوها، قال الله سبحانه: { { وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) }

وهنا كلمتان ينبغي التأمل فيها:

الأولى: ” نوحي إليه” فالوحي على النبي يدل على أنه ليس عبداً لله فحسب، بل يحمل راية العبودية إلى الآخرين، ليرفع الناس إلى مستوى العبودية لله سبحانه.

الثانية: ” الإله” فماذا يعني الإله؟

قالوا معناه الذي يتحير فيه الناس، ولكن الأقرب أن معنى “الإله” الذي يؤله إليه حين الحيرة والإنقطاع من كل الأسباب الأخرى، فلا يتأله الإ إلى الله سبحانه، إلا أن الإنسان قد يخطئ الطريق فيرجع إلى غير الله محاولاً أن يستمد الخلاص فلا يجده، وحتى المؤمن حين يتوسل بأولياء الله فإنه يعلم أنهم سبيلٌ إلى الله حيث يدعون الله ليقضي الحاجة، فالشفاعة تعني الدعاء والإستغفار لا الحكم بعيداً عن أمر الله سبحانه، كما أن الرسول والولي لا يشفع بدون إذن الله سبحانه، بل ولا نفع بالشفاعة بدون إذن الله سبحانه؛ قال تعالى: { ْإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم‏}[1].

{وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) }

هل هذه الكلمة مرتبط بالملائكة ام الأنبياء؟

يبدو أنها ترتبط بالأنبياء لأن الكفار كانوا يعتبرون الملائكة بنات الله، ولذا إعتبروا الأنبياء أبناء الله، ولكن الحق أن العلاقة بين النبي وربه هي علاقة العبودية أيضاً، وقربهم كان بسبب المزيد من طاعتهم لله سبحانه، فكلما كانت عظمة الله تتجلى في قلوبهم أكثر كانوا يزدادون إلى الله قرباً، فإعطتهم العبودية كرامةً ومنزلة.

{لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) }

تتجلى عبودية الله في قلوبهم فلا يسبقونه بالقول، إذ لا يحق للنبي أن يشرّع حكماً، بل هو مفوّضٌ في حدود تشريع الله سبحانه، وقد نهى الله سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وآله بأن يعجل بالقرآن بعد أن كان قد أوحي إليه القرآن دفعةً واحدة، فقال سبحانه: { وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُه‏}[2].

وقد عاتب الله سبحانه نبيه داوود عليه السلام حين تسّرع في إصدار الحكم، بالرغم من صحته.

ومن هذا نستفيد معرفةً بالفقيه حقاً، حيث لا يتسرع في إصدار الفتوى، بخلاف من يفتي دون تأملٍ ومراجعةٍ للنصوص الشرعية وكأنه هو المشرّع في الدين.

{يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضىوَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

قول الأنبياء قول الله وفعلهم بأمره، لأنهم لا يملكون قوةً ذاتيةً من أنفسهم بل يخافون الله لأنه محيطٌ بهم، كما أنهم لا يملكون الشفاعة من دون إذنه سبحانه؛ فلا يتصورنّ أحدٌ أنه يستطيع الهرب من الله إلى أولياءه.

لمن الشفاعة؟

وقال بعض المفسرين في ذيل هذه الآية أن الأنبياء لا يشفعون لأن الكبائر، ولكن الحال أن كل ذنبٍ كبيرة إلا ما كان لمماً، وقد يغفر الله ويعفو عن أهل الكبائر إن تابوا توبةً نصوحة، كما يمكن أن يتعذب أهل الصغائر بها مع عدم توبتهم وإصرارهم عليها.

فالتوبة الحقيقية ترضي الرب سبحانه، وحين تتوب إلى الله يشفع لك النبي والأولياء – بإذن الله سبحانه-.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة التوبة: الآية 80

[2] سورة طه: الآية 114

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم 

{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْليبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26)}

 

أعظم برهان على صدق الرسالات، هو تطابقها مع العقل، فالرسالة الإلهية تخاطب عقل الإنسان بعد أن تبعد عنه شوائب الهوى والعصبيات وما ترسب في ذهنه من آراء، وفور ما تصل الرسالة إلى العقل يستقبلها فيكون كالتقاء النور بالنور يزداد ضياءاً وتلألأً.

فالأنبياء عليهم السلام، كانوا يحدثون الناس بمنطق وجدانهم وضميره، فترى النبي إبراهيم عليه السلام مثلاً يسأل قومه عن فائدة عبادتهم للأصنام وهل هي تقضي لهم حاجةً أو  تدفع عنهم خطراً، فمن دون تعقيدات يوصلهم إلى سخف معتقدهم، ومن هنا جاء في الأثر عن أمير المؤمنين عليه السلام: “ اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَة[1] بلى؛ فيما يرتبط بإثبات الوسطاء بين الخلق والخالق لابد من وجود برهانٍ صادق، في مقابل من إتخذ من دون الله سبحانه آلهةً.

والرسول هو الذي يعرف من خلال سلوكه وزهده في الدنيا، من خلال حديثه الذي يدخل شغاف القلب فيملأه نوراً وضياءا، من خلال تطبيقه للرسالة على نفسه أولاً، ولذلك فهو حريٌّ بأن يتبع ويتوسل به إلى الله، أما الآخرون فهم بحاجة إلى أن يقيموا برهاناً على ما يتبعون، قال الله سبحانه:

{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ }

أما برهان المؤمنين الموحدين فهو:

{هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلي}

فبرهاننا أن الرسالة ذكرٌ تذكر الإنسان بالله سبحانه، وبذلك يعرف صدق كلام الرسل، ولكن ماذا يعني التعبير بـ ” ذكر من قبلي”؟

البشر يتأثر بمجموعة عوامل ومنها ماضيه وتراثه، فالإنسان إبن ماضيه، وليس من تراثنا وتاريخنا عبادة الأصنام، لأن عبادة الأصنام جائت أساساً من منطقة هيت حيث جاء بها بعض القوافل التجارية لقريش، وإلا فأهل مكة كانوا حنفيين قبلئذ، فالتراث الحقيقي هو عبادة الله سبحانه.

والمؤمن على هذا الذكر، ومن هنا إكتشف صدق رسالة النبي وإستدل على صدقه، وهكذا نحن عرفنا أئمتنا عليهم السلام بإعتبارهم أهل الذكر، فلما عرفنا سيرتهم وسلوكهم وأقوالهم، علمنا بأنهم هم أهل الذكر الذين أمر الله سبحانه بسؤالهم في الآيات الأولى من هذه السورة.

‏{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)}

معرفة الحق ومعرفة أهله كمالٌ للإنسان عليه أن يسعى جاهداً للوصول إليه، كما يدعو المؤمن ربه دائماً: ” ِ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي”[2].

أما من لم يؤت حظاً في العلم ونصيباً من الهدى فإنه يعرض، فبالرغم من وضوح معالم الإيمان وشواهده إلا أن حجب النفس تمنعه من الإذعان والإقرار.

الإنبهار سبب الغلو

من أسباب الضلالة عند البشر الغلو، ومن أسبابه الإنبهار بشخصٍ أو شيءٍ ما، وهو ناتجٌ عن محدودية عقله وضيق أفقه.

وذات الأمر يصدق عند الإنسان في تعامله مع الأنبياء، فحين رأوا كراماتهم ومعاجزهم إنبهروا بهم إلا أن الله سبحانه يبين مقامهم وهو مقام العبودية لله سبحانه:

{ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)}

فلم يبعث الله رسولاً إلا وقد شرط عليه من قبل أن يعبدوا الله سبحانه وحده، وحين يعبد النبي ربه مخلصاً فإنه يعني ترك عبادة الأصنام – وهو تاركٌ لها من قبل- وترك عبادة العصبيات والقوميات وعبادة الذات والخضوع للمال والشهوات.

ومن جهة أخرى يؤكد الرب سبحانه على أن هذه المقامات ليست لأنهم أبناء الله سبحانه فتكون من ذواتهم، بل هي من الله سبحانه أكرمهم بها:

{وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26)}.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي: ج1، ص 85

[2] الكافي:ج1، ص 337

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثالث عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْليبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) }

 

حين يؤمر شخصٌ بدخول بابٍ معين، فقد يخالف الأمر فيتسور الجدار بدل الدخول من الباب، وقد يخالف بالتشبث بالباب دون الولوج فيها، والصحيح هو أن يطيع الأمر بدخول الباب دون الوقوف عندها فيذهب منها إلى حيث يريد.

هكذا هم البشر فيما يرتبط بأولياء الله سبحانه الذين جعلهم الباري أبواب رحمته والوسائل إليه، حيث أمروا بأن يتخذوها وسائل إلى ربهم، كما جعل النبي صلى الله عليه وآله وصيه علياً عليه السلام باباً لمدينة علمه وحكمته، فالمفترض هو المجيء إلى أمير المؤمنين ومنه إلى مدينة العلم، هذا هو المفترض عليهم ولكن بعضهم يأبى الخضوع للأونبياء والأولياء، فيتسور باب الله ظناً منه أنه سيصل، كما ذلك دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله معترضاً على تنصيبه علياً ولياً للمؤمنين، حيث روي أنه خاطب النبي قائلاً: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبِلْنَا مِنْكَ ذَلِكَ وَ أَنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ وَ نَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَ نُزَكِّيَ أَمْوَالَنَا وَ نَحُجَّ الْبَيْتَ فَقَبِلْنَا مِنْكَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَرْضَ بِهَذَا حَتَّى رَفَعْتَ بِضَبْعَيِ ابْنِ عَمِّكَ فَفَضَّلْتَهُ عَلَى النَّاسِ وَ قُلْتَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَهَذَا شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ قَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهُ مِنَ اللَّهِ وَ لَيْسَ مِنِّي قَالَهَا ثَلَاثاً فَقَامَ الْحَارِثُ وَ هُوَ يَقُولُاللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَوَ فِي رِوَايَةٍ إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقّاً فَأَرْسِلْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا بَلَغَ بَابَ الْمَسْجِدِ حَتَّى رَمَاهُ اللَّهُ بِحَجَرٍ مِنَ السَّمَاءِ فَوَقَعَ عَلَىهَامَتِهِ فَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ فَمَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَىسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ الْآيَةَ[1].

وفي مقابل هؤلاء، صنفٌ إبتلوا بمشكلة أخرى وهي التوقف عند الباب دون الدخول، وبعبارة أخرى الغلو في الأولياء، وهو ما جعل اليهود يقولون أن عزيراً إبن الله وجعل النصارى يقولوا المسيح إبن الله ، وجعل غيرهم يغلون في الأنبياء والصالحين، وجعل أكثر المؤمنين بالديانات الإلهية يشركون من حيث لا يشعرون.

والقرآن الكريم يبين النمرقة الوسطى، ففي الوقت الذي يجب أن نعرف مقاما الأنبياء والأولياء والملائكة ونعترف بمقاماتهم، في ذات الوقت ينبغي أن لا نتوقف عندهم، بل نجعلهم وسائل إلى الله سبحانه، ومن نعم الله على البشر بل أعظم منة منه عليهم بأن جعل منهم أنبياء وأولياء يتوسلوا بهم إلى الله سبحانه ليغفر لهم، قال الله سبحانه: {  وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيما}[2].

عدم المعرفة من جذور الشرك

والبصيرة الثانية التي نستفيدها من سياق هذه الآيات، أن للشرك جذورٌ ومنها عدم معرفة الله سبحانه، فمن يعتبر عيسى إلهاً فإنه لم يعرف الله سبحانه المودعة أسمائه كل مكان والمتجلية آياته في كل شيء، فلعدم معرفة البشر بربه تراه يقيس خالقه بخلقه، وإذا أراد الإنسان أن يتخلص من شوائب الشرك عليه أن يزداد توجهاً إلى الله ومعرفةً به بالنظر إلى آياته سبحانه والتأمل في أسمائه الحسنة والتضرع إليه في أن يتم له نوره.

الجهل سبب الإختلاف

من المشاكل المعرفية لدى البشرى تكمن في كثرة الإجابات والنظريات، والحال أن الحق واحدٌ، فلو سكت الجاهل لما اختلف الناس – كما قيل- لأن الإجابة الواحدة قد توصل الإنسان إلى هدفه بينما كثرة الأجابات المتناقضة ستخفي عليه الصواب.

ومشكلة الكافرين أنهم حيث جهلوا الحقيقة لم يسألوا أهل العلم، ولم يسكتوا أيضاً، بل راحوا ينسجون النظريات ويحوكونها دونما برهان، وهكذا الفلاسفة حين عجزوا عن فهم كيفية الخلق راحوا يقولون بالفيض، وإن سئل هؤلاء واولئك عن سبب تبنيهم لهذه الأفكار لأجابوا لأنهم لا يعلمون الحقيقة، والحال أن الجهل لا يبرر التخريص والرجم بالغيب، والجهل لا ينتج علماً بل العلم هو الذي يأتي بالعلم.

 

المسؤولية للجميع

قد يكون الإنسان عاجزاً وقد يكون قادراً، ولكنه يبقى مسؤولاً وإن كان عاجزاً، نعم تبقى مسؤوليته بحسبه، فالكل مسؤول عن فعله وعن مواقفه وعن اقواله، سوى الله سبحانه، وهذا أعظم دليل على أنه سبحانه هو الخالق الصانع الذي لا يسئل عن فعله، فهو يفعل ما يشاء.

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

تعني عبارة ” سبحان الله عما يصفون” أن الكافرين بسبب جهلهم بالله وعدم معرفته وصفوه بهذه الصفات، والحال أن الإنسان قد منع من تكلف ما لا يقدر عقله أن يتحمله ويدركه، كما يمنع من أن يحمل حملاً أثقل من قدرة بدنه.

ومشكلة البشر أنه يريد التأسيس على جهله بدل الإعتراف به وطلب الهدى.

ثم يبين ربنا سبحانه صفة السبوح قائلاً:

{لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) }

نحن – البشر- محكومون بقوانين كثيرة، بدءاً من الجاذبية والنور وما يجري في داخلنا وحولنا، ولكن لا قانون يحكم الله سبحانه لأنه هو خالق القانون وخالق كل شيء ، فهو يرزق من يشاء بغير حساب لأن الحسابات لا تحكم أمره، وينصر من يشاء كيف يشاء.

{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً }

إتخذوا من دون الله سبحانه آلهة ليكونوا شفعاء إليه – بزعمهم-، فيخاطبهم الرب سبحانه:

{قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ}

فمجرد الإدعاء لا يكفي، بل لابد من البرهان لإثبات الدعوى، ولكن البشر أشركوا بالله بإتخاذ آلهة من دونه دون أن يكون لديهم حتى دليلاً على ما يفعلون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العدد القوية لدفع المخاوف اليومية: ص 186

[2] سورة النساء: الآية 64

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثاني عشر)

بسم الله الرحمن الرحیم

{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23)}

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

هناك تناقضٌ بين بصيرة الموحدين بربهم والمشركين، وهو في نوع العلاقة بينه وبين كل شيء، فعلاقة المؤمن بالله هي محور علاقته بخلق الله، ملائكته ورسله وسائر البشر وكذا سائر المخلوقات، حيث تسودها الإيجابية، وهي في النهاية تحقق الهدف الرئيس للخلق وهو التكامل، إذ بالنظر إلى خلق الله سبحانه تجده يكمّل بعضه بعضاً، فالشمس بشروقها تسهم في تبخير مياه البحار والسحب تحملها، وجاذبية الأرض تساهم في حركتها، الجبال الراسيات وطريقة نصبها هي الأخرى تسهم في موضع هطول المطر، والأرض حين تستقبل مياه الأمطار تتكامل مع أشعة الشمس وهكذا سائر المخلوقات تسهم في هذه الدورة العظيمة.

وهكذا ما من شيء في إطار المنظومة الشمسية التي ننتمي إليها أو خارجها، إلا وهو يؤثر بغيره ويتأثر به، وهو ما يعبّر عنه الفيزيائيون حديثاً بنظرية ” جناح الفراشة”.

ومن هنا؛ تجد المؤمن تسود علاقته بربه علاقة الحاجة والعبادة والطاعة، وعلاقته بملائكة الله بإعتبارهم حملة أمر الله تشريعاً وتكويناً، وبمخلوقات الله بإعتبارهم آيات الله سبحانه، كلها تكون علاقات إيجابية، ومن ثم فعلاقته بالبشر هي الأخرى إيجابية بإعتبارهم خلق الله سبحانه، وما أروعها من كلمةٍ أطلقها أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر حيث قال:” ْفَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق‏”[1] وسياق هذه الكلمة جاء في ضمن وصيته عليه السلام بعدم إيذاء أحدٍ من البشر، وليس ببعيدٍ من أمير المؤمنين عليه السلام هذا الخطاب عن البشر لأنه يأبى أن يظلم النملة في رزقها حيث قال: ”  وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا وَ اسْتُرِقَّ قُطَّانُهَا مُذْعِنَةً بِأَمْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا شَعِيرَةً فَأَلُوكَهَا مَا قَبِلْتُ وَ لَا أَرَدْت‏”[2].

وقد خاطب القرآن الكريم البشرية جمعاء بقوله سبحانه: { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىوَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبير}[3] فهناك إطاران: إطار الأكرم وهو بسبب التفاضل في درجات التقوى، والإطار الثاني هو الإطار العام الذي يشمل الجميع، وقريبٌ من الآية قول النبي صلى الله عليه وآله: ”  النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ”[4].

والمؤمن يريد للكافر أن يهتدي ونعم من أجل هدايته، فلو كان المؤمن عنصرياً لما سعى أبداً في دعوة الكافرين إلى الهدى والصلاح أبداً.

ولكن مع شديد الأسف أن هذه الكلمات والتوصيات كلها ألغيت في عصر حكم بني أمية حيث ساد الناس الكراهية والعداء، بعيداً عن قيم الدين في التعامل والتعاون والتواصي بين الناس بعضهم البعض، إذ سعى حكام بني أمية لإلغاء الرحمة من قاموس الدين، تبعاً لأسلافهم الجاهليين الذين قالوا – كما حكى القرآن الكريم عنهم- : { وَ إِذا قيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمن‏}[5]

وهذه هي النظرية المعاكسة تماماً للنظرية التوحيدية، منذ عهد أفلاطون والسبراطه وغيرهم وهي التي تجعل البشر في مقابل البشر، والبشر في مقابل الطبيعة، حتى أعدم الإنسان بأسلحته أنواعاً كثيرة من الأحياء كما أعدم الملائيين من بني جنسه، كل ذلك لأنهم ينظرون إلى الطبيعة نظرةً سلبيةً ويعيشون حالةً نفسية لإعدام الأشياء ولتدمير الطبيعة.

بل وصل الأمر بالإنسان أنه يتنافس مع الآخر في صنع أسلحة التدمير الشاملة، ويصرفون في سبيل ذلك مليارات الدولارات دون أن يهتم بالجائعين من البشر الذين بلغوا المليار، والذين يمكن إشباعهم بإستخدام التقنيات الحديثة.

فحين ترك الناس التوحيد وإتجهوا إلى عبادة المادة صار يقتل بعضهم بعضاً، فلا ترى في كلماتهم وأدبياتهم موضعاً للرحمة والتعاطف، وهذا من آثار الشرك بالله سبحانه وتعالى السلوكية.

ومن هنا فإن قول الله سبحانه : {لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا} له آثار مرتبطة بالسلوك والرؤية والإتجاه العام للإنسان، وتوحيد الله سبحانه يحملنا إلى حيث المحبة والألفة.

فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) }

 

{لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23) }

وإن سئلوا عما فعلوا من أخطاء فاحشة وإنحرفات، لمنّوا أنفسهم بشفاعة الشافعين، نعم؛ الشفعاء يشفعون ولكن لا يشفعون إلا لمن إرتضى الله، إذ هناك شرطان للشفاعة أولاهما إذن الله بشفاعة الشافع وثانيتهما أن يرتضي الله لمن يشفع له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نهج البلاغة: عهده عليه السلام إلى مالك الأشتر حين ولّاه مصراً.

[2]  الآمالي ( للصدوق) : ص 623

[3] سورة الحجرات: الآية 13

[4] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: ص 39

[5] سورة الفرقان: الآية 60

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الحادي عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}

 

الحقيقة الكبرى التي باتت محوراً للصراعات والتبريرات والمعاذير هي حقيقة المسؤولية، فمن أجل التملص منها تجد كل ثقافات التبرير التي لا تكاد تنتهي تصطف الواحدة تلو الأخرى، فينفي الإنسان وجود الرب يوماً فلما يكتشف أمرهُ ينكر الرسالة، ولما لايجد بداً من قبولها يدعي تفويض الله أمر العباد إليهم، وحيث نظريته هذه تؤول إلى الفوضى، يقول الدين حقٌ ولكن الدين الذي أصوغه أنا وأختاره، وهكذا تراه يعيش في دوامةٍ فكرية متناقضة حتى نهاية عمره.

والقرآن الكريم كتاب المسؤولية حيث يوجه صدمات متتالية للإنسان تمنعه من التهرب من المسؤولية مهما حاول.

اللا نظام من أجل التحلل من الإلتزام

ومن جملة الأفكار المصاغة من أجل الهروب من المسؤولية، تصوير البعض الكون بأنه لانظام له وأنه لعبٌ ولهو في مقابل القوانين والأنظمة، وهذه الفكرة يرد عليها القرآن الكريم في أكثر من مناسبة، حيث يوجه السؤال لهؤلاء: أوَهل سيبقى حجرٌ على حجر إن كان العالم بلا نظام، فالشمس والقمر والكواكب كلها تتحرك وفق أنظمة دقيقة، والجاذبية تحكم الجبال والبحار ، فكل شيءٍ في الوجود يسير وفق نظامٍ دقيق لا دخل للأهواء فيه، قال الله سبحانه:{ وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِن‏}[1].

وإذا أقرّ بوجود نظامٍ قال أنه مستثنى عنه، فلماذا يكون الإنسان مسثتنى من الخضوع للنظام بين جميع الكائنات؟ كلا؛ بل هو الآخر مشمولٌ بالمسؤولية، ومن هنا حين يبصر المؤمن ما حوله من مخلوقات مذهلة كالكواكب والنجوم يتلقى هذه الحقيقة العظمى حيث يقولون: { وَ يَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار}[2]، وكل العلوم الحديثة دالةٌ على حقيقة النظام الواحد والمتكامل في كل شيء وفي كل زمانٍ ومكان، فلو سافر الإنسان إلى كواكب أخرى سيجد الأنظمة ذاتها هي الحاكمة، مما يدل على وحدة الخالق من جهة وقوة النظام وهيمنته من جهة أخرى.

وهذه الآيات التي أعدنا تلاوتها هامةٌ في حياتنا، ومع الأسف جرّد بعض المفسرين هذه الآيات عن واقعنا فراح يبحث عن أمور مجردة فيها، بل الأساس هو أن نطبق الآية على واقعنا كي نستفيد منها فائدةً لسلوكنا وحياتنا، فتتحول الآية إلى جزءٍ من شخصية الإنسان وجزءٍ من منجهه في الحياة، وخطاب هذه المجموعة من الآيات للآنسان: ” أيها الإنسان إنظر إلى الحياة ما حولك وأدرس كل العلوم الطبيعية والإجتماعية، فإذا عثرت على خطأٍ واحد فلك أن تنفي حكمة الرب ولكنك لن تجد ذلك أبداً وسترجع حسير البصر، متفطر الفؤاد دون أن تصل إلى ذلك، وهذا دليلٌ على أن الكون لم يخلق باطلاً.

وما دام الأمر كذلك فعليك أن توفّق نفسك وفق الحق”.

الدنيا مزيجٌ بين الحق والباطل

وقد يقول البعض، إن كان كل شيءٍ حقاً فلماذا نرى الظلامات والإعتداءات في الدنيا، فيقتل البشر بعضه بعضاً ظلماً وعدوانا؟

ههنا نكتشف حقيقة هامة، أن الدنيا بمجملها مشوبةٌ بالباطل، إذ جزءٌ من حياتنا مؤجلٌ إلى العالم الآخر وهو عالم الحساب، وبذا تتبلور فكرة المعاد عند المؤمن، حيث إستعاذ من ربه النار لأنه وصل إلى نتيجة أن من يعمل وفق الباطل هنا قد لا يحاسب ولكن سيحاسب يومٌ ما.

{ وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

 

الآلهة المزعومة والهروب من المسؤولية

وبعد ذلك يحذر القرآن الكريم الإنسان بأن عدم خضوعه للحق سيعقبه حسابٌ عسير، ولن ينفعه حينئذٍ تمسكه بشفاعة الآلهة المزعومة أو الملائكة والأولياء، فالملائكة والمصطفين من خلق الله خاضعون لربهم، بل إن قربهم إلى الله بسبب عبادتهم وخضوعهم له تعالى: { وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }.

فالشفاعة الموجودة إنما هي عمل خيرٍ يشفع لعمل خيرٍ آخر للإنسان وكلاهما منه، فليس شيءٌ اجنبيٌ عن عمله.

أما الآلهة المزعومة فيقول عنها الرب:

{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}

ترى؛ لماذا إتخذ البعض آلهةً من دون الله سبحانه وإعتبروها شركاء للرب ؟

لأنهم أرادوا التهرب من المسؤولية أيضاً، فزعموا أن الشركاء – المزعومين- يخلصونهم من حساب الرب وعذابه، ولكن الرب يؤكد أن الجميع عبيد الله سبحانه.

وبالتأمل في التعبير القرآني نفهم أن لا تناقض أو تعارض في المقام العلوي، فليس لجبرئيل أن يعصي أمر الرب أو يمنع النبي إرادته الخالق، قال الله:

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

ما قالته المجوس من وجود إلهين إثنين أحدهما للخير والآخر للشر واضح البطلان، وكذا ما ذهب إليه اليهود من العداوة لجبرئيل –بإعتباره المكلف بعذابهم- ، لأن جبرئيل عليه السلام خاضعٌ لإرادة الله سبحانه فلا يخرج عنها أبداً.

ومن هنا يتضح أن كل الأنبياء والأوصياء وحتى العلماء الخلص لا يتناقضون فيما بينهم، لأنهم يمثلون خطاً واحداً هو خط الله سبحانه، نعم قد يكون بين العلماء فرقاً في بعض التفاصيل ولكن لا يرقى إلى الإختلاف في أصل الدين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المؤمنون: الآية 71

[2] سورة ال عمران: الآية 191

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس العاشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }

ينقسم اللفظ من حيث الدلالة إلى حقيقة ومجاز، والمجاز يعني قصد دلالة بعيداً عن معنى اللفظ الموضوع له، فحين يقول المتحدث ( أنا عطشان) فقد لا يقصد بذلك الإخبار بل يقصد الأمر بالإتيان به، فليس الهدف نفس اللفظ بل الإنتقال من معنى هذه الكلمات إلى معنى آخر ولذا سمي بالمجاز.

كل كلماتنا وإشاراتنا إلى الله هي من النوع الثاني أي هي مجازية، لأن اللغات –جميعاً- وضعت من أجل تفاهم الناس فيما بينهم لا الحديث عن الخالق العظيم، بل نتوجه بها إلى ذلك النور الحي القيوم الذي به قام كل شيء، ومن هنا لابد أن نتجاوز الكلمات ونتركها ونأخذ بالغايات.

ومشكلة البشر في أنه أراد الحديث عن الله وأسمائه، كما يتحدث عن بعضهم البعض، ولذا صار يعيش الوهم في معرفة ربه، وهكذا كان أفضل ذكرٍ وأقربه إلى الله سبحانه قول العبد :” سبحان الله”، فحين تسبح ربك ففي الواقع أنك تطهر نفسك من الوهم ومن الأمثال التي تتصورها لله سبحانه، وتطهر قلبك من القصور في معرفة ربك.

وقد قلنا بأن الله يدمغ الأفكار الباطلة فتتلاشى كما يدمغ الإنسان فيموت، حيث قال { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ} واستفدنا من لفظ الدمغ أن الضربة تتوجه إلى لب الباطل ومخه.

وقد ذكرنا أعراض الشرك وجذوره النابعة من عدم معرفة الله سبحانه، فمن لم يعرف ربه يذهب يمنةً ويساراً، ومعرفة الله تكون بتنزيهه عن خلقه، وحين ينزه الإنسان ربه ويسبحه فحينئذ تكون نظرية الشرك واهية جداً.

ومن آثار عدم معرفة الله سبحانه هو قولهم أن الله محتاجٌ إلى خلقه، أوَهل يحتاج الغني إلى خلقه الفقير؟

يجيب الرب سبحانه قائلاً:

{وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ }

حرف “من” يعني أن كل شيء في عالم التكوين مخلوقٌ وله شيء من الشعور الذي وهبه الله له، فكل شيء في الخليقة يسبح لله ويعبده وإن لم نعيَ ذلك، حتى الطيور في السماء والحيتان في البحار، بل حتى الجبال التي ذكر القرآن الكريم أنها أوّبت مع نبي الله داود عليه السلام.

فكل شيء لله سبحانه، مفتقرٌ إليه، والله هو الغني عنهم، ومن ثم قد يقال أن خيرة الخلق كالملائكة والأنبياء هم أبناء الله سبحانه، ولكن ويجيب القرآن عن ذلك بالقول:

{وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)}

فلو كانت لهم ذاتيات تختلف عن سائر المخلوقات لاستكبروا عن العبادة، بل هم الأكثر عبودية وخضوعاً لله سبحانه لأنهم أقرب إليه تعالى، وأكثر خوفاً من أن يسلبهم الله تعالى ما هم فيه.

وكذلك لا يستحسرون أي لا يملون أو يتعبون من عبادتهم لله سبحانه، بل قيل أن الملائكة يتغذون بالعبادة ويتكاملون بها.

{ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20)}

قد يصلي الإنسان الفرائض والنوافل فيتعب، ولكن هؤلاء لا يتعبون فحسب، بل لا يخففون وتيرة عبادتهم أيضاً، فصلاتهم الثانية أفضل من الأولى، لأنهم يسبحون الليل والنهار.

فالتسبيح – كما قلنا- تكاملٌ للإنسان، فبتسبيحه لربه يطهر الإنسان نفسه من الشرك والوهن والجهل، وكلماطهر كلما رغب في المزيد من الطهر والنقاء، وهكذا هم عباد الله الصالحين، فلولا أن فرض الله عليهم الإنشغال ببعض أمور الدنيا لأهلكوا أنفسهم بالعبادة، بتركهم الطعام والشراب والراحة، ولكن حيث فرضها الله عليهم تراهم يأكلون من أجل العبادة، ويستريحون من أجل التعبد والطاعة.

{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }

وفي المقابل أولئك الذين إتخذوا آلهةً من دون الله، وهم عبدوا آلهةً من الأرض لأنهم لم يعرفوا الملائكة في السماء، بل عبدوا ما رأتها أعينهم كالبقر والفأرة والشمس وغير ذلك.

هل يقدر آلهة هؤلاء على إحياء فأرةٍ أو أقل منها ونشرها بعد موتها ؟

ربما يمكن أن يدعي المشرك بأنها كانت السبب في شفائه أو قضاء حاجته، ولكن هل يمكنها أن تحيي الأموات؟

بهذا السؤال الصادم يهدم القرآن الكريم بنيان الشرك، حيث لا يقدر الآلهة المزعومة على نشر شيءٍ واحد، ولكن الله سبحانه يبعث كل الأموات يوم القيامة، كما نشر بعض الأموات في الدنيا كشاهد على قدرته كطيور إبراهيم وعزيرٍ وحماره.

ومن حيث المجموع: كل فساد يتورط فيه الإنسان سواءاً العقيدي أو السلوكي أو الخلقي، فهو بسبب عدم معرفة الله، فإذا أردت أن تطهر حياتك في كل جوانبها فعليك بتوثيق علاقتك بالله سبحانه.

 

 

 

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس التاسع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }

 

كما البناء الشامخ يعتمد على أساسٍ لو تزعزع فإن البناء كله ينهار، كذلك البنيان الفكري، فنظرية متكاملةٌ كنظرية هيجل أو ماركس أو غيرهما تراها نظرية قائمةً على أسس متينة لخلط أصحابها الحق بالباطل، ولكنها قائمة على أساس فكرة معينة، لو إنهارت لأنهارت النظرية كلها.

وتلك الفكرة تشكل مخ النظرية، والله سبحانه يضرب هذا الأساس فترى النظرية كلها تتلاشى، فإذا تلاشت فلا يبقى سوى وزرها على من إفتراها وعلى من قالها.

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ }

يأتي الحق كقذيفةٍ يصيب أساس الباطل ومخه.

{فَيَدْمَغُهُ }

والدمغ تعبيرٌ عن الضرب على الرأس.

{فَإِذا هُوَ زاهِقٌ }

وبذلك يزهق الباطل كله، ولكن لا ينتهي كل شيء، بل :

{وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

فحينئذٍ يكون حساب المتمسكين بها عسيراً، فكل من تمسك بالباطل ووصفه وقال به يسأل عن فعلته، فبالرغم من حرية الإنسان في الإختيار فإنه ليس حراً مطلقاً بأن يعتنق كل فكرةٍ شاء، أو ينظّر كيف شاء ، فيرى الحق ما قاله هو أو ما جادت به بنات فكره، لأن مجرد إنتساب الفكرة إليك لا يجعلها صحيحة، لأن الحق هو الصحيح الباقي.

وعانت البشرية من أولئك الذين يرون أفكارهم محوراً للحقيقة، وقد سمي بعضهم بالـ ( مصوبة) الذين عرّاهم الإسلام مما هم فيه.

وقد ذهب البعض بعيداً في ضلالاته حتى عدّ السجود لله والصنم سيّان، وقال الآخر أن الإختلاف بين موسى عليه السلام وفرعون لم يكن على إعلان فرعون ربوبيته بل على حصرها فيه وغيرها من النظريات الشيطانية السخيفة المعتمدة محور الهوى في مقابل محور الهدى.

ومن هنا يجب على الإنسان أن يعرف خطأ الإعتقاد بأن كل يدخل فكره يصبح جزءاً منه، أرأيت لو أكلت طعاماً فاسداً هل كنت تعتز به أم تحاول إخراجه بأسرع ما يمكن؟

فالفكر الخطأ كالسم الفتاك يهدم روح الإنسان كما يهدم السم جسمه.

وهذه الآية بمثابة تمهيد للحديث عن الشرك وجذوره، وهنا نحتاج إلى تقديم بعض المقدمات:

العلاقة بين الخالق والخلق

أولاً: الله سبحانه هو الذي خلق الخلق، والعلاقة بينه وبينهم علاقة واحدة هي الخالقية والمخلوقية من جهتهم، إلا أن مشكلة البشر الأساسية مشكلة الأنا والذات، حيث يريد تفضيل نفسه وعنصره على الآخرين كما فعل إبليس في إعتبار جنسه ( النار) خير من جنس البشر( الطين).

ومن هنا فإن جذر الشرك هو العنصرية كما رآى الآلمان الأفضلية للنازية أو اليهود لمن كان يهودياً، وبضرب محورية الذات في فهم الحقائق ومواجهة روح العنصرية ينتهي داء الشرك.

الله الخالق الحي

ثانياً: نعتقد نحن بأن الله سبحانه خلق الخلق لا أولدهم، فهو لم يلد ولم يولد، حيث لم يتجزأ – سبحانه- إلى جزئين أحدهما أعلى والثاني أسفل فيكون بينهما قوس صعودٍ ونزول، بل هو الخالق للخلق، والدليل على ذلك أنه أعطى الإنسان أيضاً صفة الخاقية، فبقوة الله ومشيئته كان الإنسان مريداً والإرادة مخلوقة الإنسان، أفلا يستطيع الرب المعطي للإنسان الخالقية أن يكون خالقاً؟ أوليس الكون كله دليلاً كافياً على قدرة الله سبحانه على الخلق؟

بلى؛ ولكن الكفار يدورون في نظرية سخيفة لا يخرجون منها أبداً رغم إختلاف تعابيرهم عنها، وهي نظرية الفيض التي تعني أن الخلق كله خرج من الله – سبحانه- كما يخرج الشعاع من الشمس والموج من البحر، وهكذا تنتهي نظريات الفيض إلى فكرة هلامية عن الله، تخالفها كل حقائق الكون، لأن الله سبحانه خالقٌ قادرٌ يفعل بقدرته ما يشاء.

وهكذا ردّ القرآن الكريم على اليهود الذين قالوا بأن يد الله مغلولة تعبيراً عن عجز الخالق تعالى، بقوله: { وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ}[1]، كما أنه رد على اليهود والنصارى الذين أدعوا أنهم أبناء الله وأحباءه بقوله: { وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى‏ نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم‏}[2].

وهذه النظريات الباطلة هي التي أودت بالبشرية إلى الإنحطاط المستمر.

تفضيل الخالق لمن يشاء

نعم، لأن الله هو الخالق الحكيم، فله أن يميز بعض خلقه على بعضهم كما قال سبحانه:{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْض‏}[3] وذلك لحكمةٍ ذكرها أم لم يذكرها، وكذا تفضيله للرجال على النساء حيث ذكر الحكمة حيث قال:{ الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ}[4] فليس التفضيل مطلقاً بل ضمن حكمة معينة، وبالإمكان أن تصبح المرأة خيرٌ من زوجها بكثير.

فتفضيل الرب ليس بلا حكمة أو سبب، فحتى تفضيل البشر على سائر المخلوقات لتحمله الامانة، ولكن إستعمل هذا التفضيل من قبل الشياطين ووساوسهم في جعل مثل عيسى إبن الله سبحانه.

{وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)}

فالعظماء مما خلق الله مثل الملائكة كجبرئيل عليه السلام القوي الأمين، هؤلاء يعبدون ربهم ليلاً نهاراً ، بل إنهم يتكاملون بها وينمون بها، ولذلك لا يستكبرون عن العبادة لخضوعهم لله وعبوديتهم له، ولا يتعبون منها.

ونحن نعرف الأنبياء وقربهم إلى الله بسبب عبادتهم لله، وكذا نعرف مقام العالم بحسب عبوديته وخضوعه لله تعالى وإبتعاده عن الذاتيات والأنانيات.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المائدة: الآية 64

[2] سورة المائدة : الآية 18

[3] سورة البقرة: الآية 253

[4] سورة النساء : الآية 34

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثامن)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

 

لإنحراف البشر  جذور ولعل من أخبثها اللهو واللعب، فماذا تعني هذه الكلمة ولماذا يقول القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْو}[1]، وما هي علاقة اللعب بإنحرافات الإنسان وضلالاته؟

ربما تختلف أسماء الأشياء من عصرٍ إلى آخر وإيحائاتها تتفاوت، ويصاب الإنسان في هذه الحالة بعدم فهم الحقائق بوضوح.

في حياته يبتلي البشر بحالة اللامبالاة، فكل ما أخبر بأمرٍ أو قضية أخلى مسؤوليته عنها، واللامبالاة واللاجدية هو اللهو واللعب، والبشر مصابٌ بهذه الحالة شاء أم أبى، وبمقارنة بسيطة يقارن فيها الإنسان نفسه مع أولئك الذين يعتقدون بحسابٍ وكتاب ويظنون أنهم ملاقوا ربهم، سيجد نفسه وكأنه يعيش في سباتٍ عميق، والأيام تمر عليه مرور السحاب، بل قد يصل المرء إلى حالة عدم الإلتفات إلى تحرك الزمان، نتيجة الإنغماس بالتوافه وإذا به يواجه المشيب.

والسؤال: كيف نواجه هذا اللاجدية في حياتنا؟

هناك وسائل:

الأولى: الوسيلة الأولى والتي يبينها الرب في هذه الآيات وعي أن الحياة ليس لهواً ولعباً، أرأيت حوادث السير التي تقتل الكثير من الناس أو تصيبهم بإعاقات دائمة، أو حوادث تحطم الطائرات، أوليس كلها نتيجة غفلة لحظة أو خطأ ضئيل في المحاسبات؟

وهذه الغفلة البسيطة التي تؤدي إلى دمارٍ كبير مثل لكل ما في الحياة، فكل غفلةٍ فيه تنتج نتائج عظيمة ولكن لا يشعر الإنسان به، فمن يقوم بجريمة في لحظة الغفلة وإنحسار العقل فهو يلقى عقوبته عمراً طويلا.

تركيبة الدنيا وخلقها ونظامها قائمٌ على الجد وليس اللعب : {وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ} ، والتعبير بـ “ما بينهما” يشمل كل شيء ، مما يدل على عدم وجود لعبٍ في شيءٍ بسيط حتى بمقدار ذرةٍ أو خلية من خلايا جسم الإنسان، التي لو أصيبت بخلل في التواصل مع الخلايا ستشكل كتلة من الخلايا المريضة والتي تصبح ورماً سرطانياً فتاكاً.

فمن أجل كبح جماح النفس البشرية يجب الإلتفات دوماً إلى حقانية كل شيء في الخليقة، الذي أدى إلى إتقانه من جهة ودقة أحكامه ونظمه من جهة أخرى.

ومن هنا، فعلى الإنسان أن يتخذ الحياة وما يجري فيها مدرسةً له، ولولا ذلك تكون ملهيةً ومنسأةً له عن الحقائق، فكل شيء في الخلق يمكن أن يعبر به الإنسان إلى ذكر الله سبحانه ألذي لا يعني مجرد الكلمات فقط، بل يعني أيضاً فهم الحياة من خلال نافذة الإيمان.

الثانية: والوسيلة الثانية تكون عبر دراسة تجارب السابقين والإتعاظ بمصيرهم.

الثالثة: التفات الإنسان إلى مصير أعماله هو، حيث مرض حين لم يتجنب البرد، ومرض حين أكل كثيراً، فرب ساعةٍ في حياة الإنسان كانت سبباً في شقائه، فيعمم تلك التجارب على الحياة كلها.

وبهذا يمكن للإنسان أن يوافق نفسه مع الخليقة، فيكون مع الحق الذي بنيت وسارت عليه، وإن لم يعلم بالحق فعليه تعلمه وهو فريضةُ عليه.

  • {وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16)}

كما ذكّرنا القرآن بسبب هلاك الأقوام الماضية المتلخص في ظلمهم الذي فسرناه بتجاوزهم للحقوق، وههنا يبين القرآن أنه لا لعبٌ ولا لهوٌ في الحياة، وقد بينا الفرق بينهما، حيث في اللعب بعض النظام، كاللعبة السياسية لوجود هدفٍ فيه ولكنه غير حقيقي وأساسي، واللهو أقل من اللعب حيث الحركة بلا هدف.

والله سبحانه ينفي اللعب في هذه الآية وينفي اللهو في الآية التالية حيث يقول:

  • {لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا}

أي نعرف كيفية إتخاذ اللهو ولكن لا نريد ذلك، ولو تصوّرنا أن الحوادث التي تصيب الإنسان من زلازل وفيضانات والتي تحدث بحكمة، أقول لو تصورنا أن الله أراد أن يتخذ لهواً بها، فيزلزل الأرض تحت أقدامنا كل ساعة، أو تثور البراكين يومياً، فما كان مصير الإنسان؟

  • { إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17)}

إن كانت الإرادة الإلهية متجهة نحو اللعب واللهو – سبحانه- فإن ذلك لا يصعب عليه.

إذاً فما هو أساس الخلقة؟

أساس الخلقة هو الحق، حيث يقول الله:

  • {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ}

فحين يأتي الحق يأتي بقوة كالقاذفة على الباطل، فيدمغه، والدمغ هو الضرب على أم الرأس بقوة، وإذا بالباطل ينتهي .

  • { وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

هناك باطل، ولكنه في هامش الحق، كيف؟

الإنسان حق، ووجوده والسماء والأرض وكله حق، ولكن الباطل قد يكون في فعل الإنسان، بسبب إبتلاء له وإعطاءه الحرية، فيصف الإنسان الباطل ويعمل به، ولكن سرعان ما يزول الباطل بمجيء الحق.

وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان مسؤولاً عن وصفه للباطل الذي دمغه الحق وإنتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة محمد : الآية36

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس السابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىما أُتْرِفْتُمْ فيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدينَ (15)}

 

ليست من حقوقنا أن نختار الهداية أو عدمها، فالهداية مفروضةٌ علينا ونحاسب عليها نعاقب بتركها، والعقاب شديد.

والسبب في ذلك أن من لا يهتدي إلى الحق لا يعمل به، ومن لا يعمل بالحق سيعمل بالباطل، فسيشمله جزاء عمله الباطل، كما الجائع الذي يحتاج إلى طعام، فإن لم يملأ جوفه بالطيبات سيملأه بالخبائث وحينئذ سيلقى تبعاته حيث تضر به الخبائث.

الله سبحانه أرحم الراحمين ولا ريب في ذلك، ومن رحمته أنه يمهلنا، ومن رحمته أنه يذكّرنا بالهدى، ومن رحمته أنه يضرب لنا الأمثال مثلاً بعد آخر للإعتبار، ولكن حين يتجاوز الإنسان كل الحدود فإنه سوف لا ينتفع بمهلة الرب وتذكرته، بل ينال جزاء إنحرافه حيث يقول ربنا:

{وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ }

فليست القصة قصة قرية أو أثنتين، بل هي قصة كل قومٍ حادوا عن الصراط وعتوا عن أمر ربهم، ولا يزال البشر يجد يوماً بعد آخر آثار حضاراتٍ دمّرت شر تدمير، والقرآن الكريم يبين لنا الأمثلة فقط، فحين يذكر لنا قصة قوم لوط فهناك أمم أخرى دمروا كما دمّر الله قوم لوط.

ومن جملة ألوان العذاب قطع النسل، ونرى اليوم بعض البلدان تواجه مشكلة عدم التناس حيث النمو البشري عندهم في الإتجاه السالب الذي سيؤدي إلى هلاكهم وإنتهائهم.

وليس المقصود من ” القرية” هنا المكان الصغير، بل كل مدنية لم تؤمن بالله يعبّر القرآن عنها بالقرية وإن كانت كبيرة كمدن قوم لوط، وقد قال البعض أن المقصود من القرية هو الأبنية والمساكن والمرافق الحضارية كمجاري المياه والمزارع، ولكن الذي يبدو لي أن القرية أعم من المساكن ومن الساكنين، وكما في قوله سبحانه: {  قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُون‏}[1].

و”القصم” يعني التكسر المصحوب بصوت، ويستعمل في قصم الظهر، فلماذا يقصم الله سبحانه القرية كلها فلا يبقي منها أحدا؟

 

{كانَتْ ظالِمَةً }

لأنها كانت ظالمة، والظلم يعني تجاوز الحق، فتجاوز حق الله ظلم، وتجاوز حق النفس ظلم، وتجاوز حق الناس ظلم، وعادةً يكون الظالم ظالماً للحقوق كلها، فكما السيارة التي تخرج من الطريق فإنها ستتخبط يمنة ويسرة، كذلك حين يخالف الإنسان صراط الحق يتيه في أنواع الباطل، فلا يؤدي حق الله ولا حق نفسه ولا حق أسرته.

والقرآن الكريم لا يقول أن أهلها أو بعض أهلها كان ظالماً بل الخطاب يعم القرية كلها، بمعنى أن الظالمين أستولوا على القرية، وكما قال تعالى: { وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميرا}[2] لأن الله سبحانه لا يعذب الناس مع وجود مصلحين يحاولون إعادة الناس إلى رشدهم، قال الله سبحانه: { وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرىبِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُون‏}[3].

وإذا خرج المؤمنون أو أخرجوا من مكانٍ ما فإن أهلها يستحق العذاب بفعل ذنوبهم ومعاصيهم وظلمهم، وقد يكون ذلك بمطر السوء أو الزلازل أو الإحتلال أو الحروب الأهلية أو غيرها.

فالقرية دمرت ولم يبق منها أحدٌ ولكن هل ينتهي كل شيء بإنتهائهم؟

قال الله:

{وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11)}

يخلق الله أقواماً آخرين يحلون محلهم، يختلفون عن السابقين كلياً في عاداتهم وسلوكياتهم وحضارتهم، وفي كلمة “الإنشاء” دلالة على الإبتداء من الصفر لا الإستمرار.

 

{ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا }

لا يأتي البأس الإلهي دفعةً واحدة، بل لكل عذابٍ إلهي إرهاصاته، فإذا إنتبه إليه الإنسان وتاب من ذنبه ربما يتوب الله عليه كما في قوم يونس الذين رفع الله عنهم العذاب بإنابتهم.

وهؤلاء أحسوا بأس الله سبحانه وإنتقامه، فأرادوا المفر:

{إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12)}

حاولوا الخروج من القرية، ولكن هل ينفعهم ذلك؟ وهل يخرجون من سلطان الرب بخروجهم عن القرية؟

{ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىما أُتْرِفْتُمْ فيهِ }

لا ينفعهم الهرب، ولذا فلفظة ” لا تركضوا” ليست نهياً فحسب، بل نفيٌ أيضاً ، بمعنى أن هربهم لا ينفعهم، فكم من شخصٍ حاول الهرب من العذاب فلحقه العذاب؟ كما اولئك الذين هربوا من الوباء إلى الصحراء وكان الوباء معهم فاهلهكم حيث هم في الصحراء.

فليرجعوا إلى أموالهم وأثاثهم وتجاراتهم التي طالما أهتموا بها علها تنفعهم.

{وَ مَساكِنِكُمْ }أعمر الإنسان داراً يسكنها وتؤمنه من غوائل الدهر وصروف الزمان، بنى المسكن ليؤويه من الحر والبرد، ولكن هل لهذه المساكن أن توفر لأهلها الحماية من أمر الله سبحانه؟

كلا، فأمر الله إن جاء لا شيء يمكنه أن يحمي الإنسان منه، فالزلازل من تحتهم تهدم بيوتهم من فوقهم والأعاصير ترفعها إلى السماء.

{لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13)}

ما يلوح في البال من هذه العبارة بأن الإنسان حين يصطدم بالواقع الشديد كالبأس الإلهي، حينئذٍ يرجع إلى رشده ويعترف بخطأه؟

والنفع في ذلك أن يعترف بإستحقاقه للعذاب فلا يعذب الله سبحانه أحداً إلا بعد إعترافه.

{ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمينَ (14)}

إعترفوا بذنبهم وظلمهم، ولم يكتفوا بذلك مرةً واحدة بل:

{ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدينَ (15)}

إستمروا في إعترافهم وندمهم، حتى أهلكهم الله سبحانه.

والحصيد هو المحصود من الزرع والخامد ما سكن وسكت، فالله سبحانه يحصدهم دون أن تبقى لهم باقية بل يكونوا منزلة الرماد الخامد.

وهذه هي نهاية الظلم، فمن أرادها فليسترسل في غيّه، أما من أراد تجنبها فليسأل ربه طريق الهدى ليتبعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النمل : الآية 34

[2] سورة الإسراء: الآية 16

[3] سورة الهود: الآية 117

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس السادس)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (10) وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11) }

صدق الله العلي العظيم

 

هناك صراطٌ مستقيم يتوسط فكرتين منحرفتين يجب علينا أن نلتمسه ونسلكه دون أن ننحرف عنه نحو اليمين أو الشمال، فبعض الناس غالوا في الأنبياء والائمة عليهم السلام، والغلو نتيجة جهل الإنسان وعدم إهتمامه بالمقاييس الدقيقة في الحياة، بل وكل من يفرطِ أو يفرّط فهو جاهل بها، فالذي يأكل أزيد أو أقل من حاجته فهو جاهلٌ بحاجته، وكذا التبذير والبخل، وفي مقابل الغلو كان الكفر بالأنبياء والضلال عنهم، وهو الآخر إنحرافٌ عظيم.

أما السبيل الوسط والصحيح فهو الإعتقاد بالأنبياء بأنهم كرامٌ عظام، وهم قدواتٌ يهتدى بهداهم، لأنهم قمة البشرية بل قمة الخلق، ولكن كل ذلك بأمر الله سبحانه، ومن خلال إرتباطهم بالله، وكما الأنبياء الائمة عليهم السلام، فحين يقرأ المؤمن زيارة الجامعة لهم يجد فيها أمثل الأوصاف لهم عليهم السلام ولكنها جميعاً مقرونة بإسم الله سبحانه، فليس ثمة مديحٌ لهم كما في زيارة الجامعة، كما أنها ملئى بذكر الله تعالى.

فلم يرسل الله الأنبياء كملائكة يمتلكون قوىً خارقة لتستقطب قواهم وجمالهم الناس، فيشركون بالله بسببهم، ولذلك قال سبحانه:{ و ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ} فلو كان النبي لا يأكل أو لا يموت لعبد من دون الله، ولذا صارت الحالات البشرية تنتابه، فحتى المصائب التي وردت على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعليهم، هي في ذات الإطار، فلولاها لكانت نزعة الشرك في البشر تنحو نحو الغلو بالنسبة إليهم عليهم السلام، فبالرغم من تأكيد النصوص وتأكيد الأنبياء والائمة أنفسهم بأنهم بشر إلا أن بعضاً من الناس غالوا فيهم، فكيف لو كانوا خالدين.

ومن جهة أخرى كانت علاقة الأنبياء بربهم وثيقة، وما حدث لهم من إنتصارات باهرة لم يكن بسبب فعلهم فقط، بل بإرادة الله سبحانه، فالله هو الذي ينصر عباده ويؤيدهم بملائكته، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَه‏”[1]، قال الله سبحانه: { ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ}.

وقوله سبحانه أنجيناهم، يدل على مواجهتهم لمشاكل هددت حياتهم حتى أنجاهم الله، هم ومن إتبعهم من المؤمنين، كما أنقذ الله إبراهيم من نار نمرود المتسعرة، وهود وأصحابه من الأعاصير العاتية وغيرهم من الأنبياء واتباعهم.

{وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

الحديث عن الإسراف ورد في هذه الآية مرة ببيان عاقبتهم المتمثلة بالهلاك، ومرة أخرى في الآية الثالثة عشر حيث الحديث عن عاقبة المترفين، ومعرفة حقيقة الإسراف وكيفية إجتنابه أمرٌ، و ينتج الإسراف ثلاثة نتائج:

الأولى: لمحدودية وعاء الإنسان فإن الإسراف يضر به، كما الذي يأكل أكثر من حاجته فيصاب بمختلف الأمراض والأوجاع.

الثانية: ما يأكله المسرف فإنما يأكله – غالباً- من رزق الآخرين، وكما في الحكمة: ما رأيت نعمةً موفورة إلا وبجانبها حقٌ مضيع.

الثالثة: من يفرط في مكان يفرّط في مكانٍ آخر، فمن يسرف في جانبٍ من جوانب حياته سيصاب بخلل في توازن حياته.

ومن هنا يحدثنا القرآن عن عاقبة الإسراف في أكثر من موضع الذي كان هلاك المسرفين، الذي كان نتيجة كفر الإنسان.

{ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ}

بإمكانك أيها الإنسان أن تكتشف خارطة الطريق من خلال كتاب ربك الذي منّ به عليك وعلى الناس، وأمر سائر الشعوب أن يأخذوا به، فـ ” ذكركم” يعني أمرين أساسيين:

الأول: أن تتذكروا به.

الثاني: يذكركم الناس به، فإلى اليوم العرب موضع إحترام بسبب القرآن.

وقد قيل بأن ( ذكركم) يعني القرآن ، وقيل المقصود منه النبي،  وقيل معناه تذكركم، وقيل يعني شرفكم ، وكل ذلك صحيح وهو نتيجة القرآن العزيز.

{ أَ فَلا تَعْقِلُونَ}

بالرغم من ان الله أنزل القرآن وحملته الملائكة إلى قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وبلّغه النبي بأحسن وجه، إلا أن الناس لا يقرأونه أو يقرأونه هذرمة، وهذا منتهى السخف، كما المريض الذي يصف له الطبيب الدواء ويشتري له أهله ذلك ثم لا يستعمل الدواء.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نهج البلاغة: ص 55