تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الخامس)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

صدق الله العلي العظيم 

 

حين يبحث الواحد منا عن مهندسٍ فإنه لا يهتم بالمظهر الخارجي للفرد بقدر إهتمامه بعلمه بالهندسة، وكذا حين مراجعة الطبيب سوف لا يجعل المريض الوسامة وحسن الهندام معياراً للطبيب، بل علمه بالطب ومدى تشخيصه للمرض.

ومشكلة البشر أنهم –وعبر التاريخ- خدعوا بالمظاهر وتركوا وعي الحقائق، فأعترضوا على الأنبياء مثلاً لعدم إمتلاك النبي أموالاً طائلة أو كنوزاً أو موقعية إجتماعية مرموقة، إذ ليس المطلوب من النبي هذه الأمور ليكون فقدانها عيباً فيه، نعم ربما هي مطلوبة للسلطان والحاكم ولكنها غير معتبرة في نبوة النبي، إذ المطلوب منه تزكية نفوس البشر وهدايتهم نحو الحق وتوجيههم إلى طريق الجنة، المطلوب منه أن يعلم البشرية ما يوصلهم إلى رضوان الله سبحانه.

بلى، هناك آية يستدل على صدق نبوة الأنبياء وهي آية عظيمة تتلخص في ” خواتيم الأمور”، حيث جعل الله سبحانه العاقبة للمتقين –وهم الأنبياء والأولياء- مهما كانت الظروف معاكسة، حيث تجد أن نبياً يواجه أعتى طاغوتٍ في عصره، وليس على بدنه سوى ثوب راعٍ وبيده عصى، ولكن النصر يكتب له في نهاية المطاف، فلم تكن الأموال ولا المظاهر معياراً لصدقه –كما طال وأن إنخدع الناس بهما – بل كان الإنتصار النهائي على الأرض، كما قال الله سبحانه: { وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرين‏}[1].

فالنبي صلى الله عليه وآله، كان يثق بربه – كما كان سائر الأنبياء- ولذلك تراه يقدم أهل بيته وأقرب الناس إليه في مباهلته مع نصارى نجران، وقد فطنوا أولئك لهذه الحقيقة أيضاً حيث قال قائلهم : أنظروا فإن جائكم محمد صلى الله عليه وآله بأصحابه فباهلوه ، ولكن إن جائكم بأهل بيته فلا تباهلوه فتهلكوا”، وحين شاهدوا النبي صلى الله علي وآله مقبلٌ ومعه عليٌ وفاطمة والحسنان عليهما السلام تراجعا عن المباهلة ودفعوا الجزية.

  • { وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

فليست الإمكانيات المادية معياراً، بل الرسل رجالٌ يوحي إليهم الرب لتبليغ رسالته وهذا هو الهدف من بعثتهم وهو الأساس.

  • {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}

من جملة ما تصلحه آيات سورة الأنبياء، أنها تصلح منهجنا في الحياة ومن ذلك منهجنا في التفكير، فالسؤال من أجل التعلم ليس عيباً، فمن يتحاشى السؤال كي لا يعيش في ذله ساعة، سيبقى في ذل الجهل دهراً.

والسؤال وحده ليس نافعاً إن لم يكن حسناً، وإن لم يوجّه لأهل، فلا ينبغي سؤال الجاهل، بل لابد من توجيه السؤال إلى العالم، فرجوع الجاهل إلى العالم أمرٌ فطر عليه الإنسان.

والعالم وحده لا يكفي، بل لابد من البحث عن عالمٍ عاملٍ بعلمه، نفعه علمه، لأنك لا تأخذ بنصح من لا يعمل بما يقول، كما العالم يرغبك في الآخرة وهو متشبث بالدنيا، والعالم العامل هو من أهل الذكر الذين يدعون إلى الله وحده لا إلى الذات أو الحزب.

وقد قال بعض المفسرين بأن المراد من ” أهل الذكر” أهل القرآن لأن القرآن الكريم هو الذكر، وبالرغم من صحة هذا التفسير إلا أنه يبدو لي أن أهله ليس كل من قرأه، بل من وعى القرآن بقلبه وطبقه في سلوكه.

وهكذا كان على المرء أن يحاول في إكتساب العلم بنفسه مهما أمكنه، فإذا وصل إلى ما لا يقدر على وعيه عليه أن يتوجه بالسؤال في النقاط الصعبة.

  • {وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدينَ (8)}

الغاية التي جاء من أجلها الرسل هي الدعوة إلى الله سبحانه، فما ضيره بعدئذٍ أكل أو لم يأكل، وما الفرق حينئذٍ بين أن يكون خالداً أو لا يكون.

  • { ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ}

في نهاية المطاف صدق الله رسله وعده، فنصرهم على أعدائهم، وهكذا نصر الله سبحانه نبيه في مواقف كثيرة، بل حمله من إنتصارٍ إلى إنتصار.

والنظر إلى النهاية من أبسط المناهج وأشهرها في معرفة صحة أو خطأ الدعوة، فالذي يوصلك إلى الماء بدلالته تعلم صدقه فتتبعه في غيرها من القضايا، كذلك حين أنقذ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله العرب في أكثر من موقف لابد أن يثقوا بأنه لم يأت إلا لصلاحهم، وإحدى تلك المواقف حين أنقذ صلى الله عليه وآله أهل المدينة من الإنقراض، لأنهم كانوا محاطين بثلاثة أمور تهدد وجودهم:

الأول: اليهود الذين كانوا ينهشون بهم إقتصادياً.

الثاني: المعارك الدامية بين الأوس والخزرج.

الثالث: الأمراض القاتلة مثل الملاريا بسبب إنتشار المياه الأسنة فيها.

وقد جاء النبي صلى الله عليه وآله فصالح بين الأوس والخزرج، وملأ المستنقعات بالتراب وزرع مكانها النعناع، وطرد اليهود من المدينة أخيراً، فتحولت ” يثرب” إلى ” طيبة” لسيادة النقاء والمحبة بينهم.

  • {فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفينَ (9)}

فوعد الله سبحانه كان إنجاء النبي وكل من صدّق به، وفي المقابل إهلاك المسرفين، وفي عبارة ” أهلكنا المسرفين” إنذارٌ لكل من يبتعد عن الحق لأن مصيره هوالهلاك والدمار لا محالة.

ونستفيد هنا بصيرة هامة في حياتنا، بجعل الأهداف نصب أعيننا، دون أن نشغل ذهننا بالحواشي والمسائل الثانوية.

فإذا كان الهدف من الدرس التعلم، فلابد من البحث عن عالمٍ يعلمك جيداً، وإن كان هدفك القرب من الله فأبحث عمن يقربك إلى الله بقوله وفعله وإن لم يكن لديه المؤهلات المادية التي قد تخالها أساساً لما تروم إليه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة يونس: الآية 20

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الرابع)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

صدق الله العلي العظيم

 

يتأرجح البشر بين الهوى والهدى، فالنفس والشيطان يسولان له جانب الهوى أبداً، بينما عقله وضميره وأهل الذكر من حوله يدعونه إلى الهدى.

فإذا إتبع هوى نفسه فإنه سيرى كل شيء في الحياة، من نافذة الهوى ويقيس كل شيء بحسب ما ينفعه أو يضره، بينما إذا إتبع الهوى كان له نظرة واقعية وموضوعية لكل شيء.

ومن هنا، إذا إتبع المرء هواه فإنه لا يرى لأحدٍ أو لشيءٍ حقاً إلا ذاته أو ما إرتبط بها، ومن ثم سيدخل في إطار الظلم للآخرين، فإذا رأى لأبيه أو أمه أو من حوله حقاً ما، فذلك من زاية نفسه وذاته، لأنه يرى نفسه المحور في الوجود، ترى كيف يمكن الخلاص من هذه الحالة؟ ولماذا أسرّ الظالمون النجوى ولم يصرحوا بما لديهم من مخالفات للرسالة؟

أسرّوا قولهم لأنه ليس حقاً، فكانوا يريدون إستقطاب الآخرين معهم، إذ قد يريد البعض عمل عملٍ ما في بعض الأحيان دون أن يتحمل مسؤوليته، فيسعى لطرقٍ ملتوية تخلصه من ذلك.

ومن هنا فإن الإنسان مطالب بأن لا يرى الأمور من نافذة العواطف والمصالح والمسبقات الذهنية، ولذلك فإنا كلفنا بأن نطلب من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، لأن النفس الأمارة بالسوء لا تتركنا لحظة واحدة، كأمواج البحر التي ترمي المركب بعيداً عن الشاطئ.

وهكذا كان لزاماً البحث عن مقياس يعرف به الإنسان الحق والباطل، فما هو ذلك المقياس؟

المقياس هو الله سبحانه، فمن خلال الرجوع إليه عبر الوسائل يمكن التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والهوى، إذ لكل ميزانٍ في العالم أصلٌ يرجع إليه، كما في ميزان الوزن والوقت حيث يرجع إلى الأصل إذا حصل الخلاف فيها، وأصل الحق الذي يرجع إليه إذا إختلف فيه هو الله سبحانه، ومن هنا قال الله سبحانه:

  • {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ}

يعلمه، ويحدد الحق منه عن الباطل، كما أنه سبحانه يعلم نجوى الذين أسروه.

  • { وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ}

سميعٌ بما يقول الناس وعليمٌ بدوافعهم.

عقبات الهدى

سورة الأنبياء وردت للإيمان بهم عليهم السلام، وفي البدء لابد من التمهيد لذلك عبر بيان العقبات وسبل ومواجهتها، ومن تلك العقبات المسبقات الذهنية، التي هي أخطر ما لدى الإنسان من موانع في طريق الإيمان، فهي تخلق الثقافة الباطلة والمهيمنة على الإنسان، وحينذ فلابد أن يحكّم الإنسان عقله على نفسه دوماً لكيلا تؤثر فيه مسبقاته، والسبيل إلى ذلك هو ذكر الله سبحانه دوماً قال الله سبحانه:{ ُوَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَ قُلْ عَسىأَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدا}[1].

 

الآية المبصرة

  • { فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}

بعد تلك التهم، طالبوا النبي صلى الله عليه وآله بأن يسأل ربه بتسيير جبال تهامة لكي يتسنى لهما الزراعة في مكة كآيةٍ ليؤمنوا به، وحين سأل النبي صلى الله عليه وآله ربه ذلك فأوحى إليه الله أنه يفعل ما يريدون ولكن إن لم يؤمنوا بعدئذٍ سيعذبهم عذاباً شديداً، ولكن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه أن لا يفعل ذلك رحمةً بهم.

وكل آيةٍ مبصرةٍ أرسلها الله سبحانه على قومٍ في التاريخ، إنتهت بدمار الذين لم يؤمنوا بها، كآيات موسى عليه السلام التسع، حيث إنتهى المطاف بإغراق قوم فرعون وإدخالهم النار، وكذا ناقة النبي صالح عليه السلام، وقوم ثمود الذين عقرواها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها.

ومن هنا، إذا سأل أحدنا حاجةً من ربه فأستجاب له عليه أن يؤدي شكر تلك النعمة بالقول والعمل، وإلا سيكون مصيرها إلى الزوال أولأً، وربما إنقلاب الحال إلى الأسوء ثانياً.

  • { ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) }

كما قريش، طلب الأقوام السابقة من أنبيائهم أن يأتوا بآية مبصرة، ولكنهم حين لم يؤمنوا بها أهلكهم الله سبحانه، فإذا كفر هؤلاء فسيكون مصيرهم ذات المصير.

  • {وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحيإِلَيْهِمْ}

في الآية الثالثة من السورة، ذكر الرب سبحانه إعتراض الكفار على كون المرسل بشراً كما هم، والحال أن إرادة الرب سبحانه تقتضي ذلك، حيث يرسل إلى البشر من هو منهم وقريب إليهم، فلا وجه للإعتراض، خصوصاً أن العرب كانوا يعرفون برسالات الأنبياء السابقين، وأنهم – الأنبياء- لم يكونوا من الملائكة أو الجان، بل كانوا بشراً أيضاً.

ولفظ ” الرجال” لا يعنى منه صفة الذكورية فقط، بل يراد منه توفر كل صفات الرجولة في النبي المرسل، فالنبي تتوفر فيه صفتان:

الأولى: صفة ذاتية، فهو مختارٌ من أفضل الناس.

والثانية: الوحي الذي يعتبر صفةً موضوعية للنبي.

  • فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)}.

سؤال أهل الذكر سبيل للوصول إلى الحقيقة تكلمةً للمنجهية التي ذكرناها سابقاً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الكهف: الآية 24

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثالث)

بسم الله الرحمن الرحيم

{لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)}

 صدق الله العلي العظيم

بالتأمل في هذه الآيات نستفيد بصيرة هامة تفتح لنا بها آفاق معرفية واسعة، فما هي تلك البصيرة؟

قد يجرب أحدنا في حياته شيئاً فيستفيد علماً مستئنفاً، وقد يلاحظ تجارب الآخرين أمامه فينتفع منها العلم والعبرة، ولكن ذلك لا يشكل إلا جزءاً بسيطاً من منظومته المعرفية، إذ أن أغلب مواقفنا وآرائنا وتوجهاتنا تقوم على أساس ما نتلقاه بأسماعنا من الآخرين، سواءاً الآباء أوالأساتذة أو سائر الناس، وإن لم تكن لدينا معايير واضحة لتقييم ما نسمعه ومعرفة نسبة الصواب والخطأ فيه فسوف تجرنا أفكار الآخرين إلى ضلالات تبدأ ولا تنتهي.

وليس هذا الأمر مقتصراً على فردٍ أو إثنين بل هذا حال غالب الناس حيث يسترسلون مع الأفكار الباطلة وهم لا يشعرون.

ولعل القرآن الكريم في هذه المجموعة من الآيات من السورة المسماة بالأنبياء الذين تقوم رسالاتهم على أساس هداية الناس، يبين لنا جانباً من هذا الأمر، أعني سبل تقييم القول وذلك عبر مقارنات:

بين السحر والآية

ما هو السحر وما هي الآية؟

كل واحدٍ منا يعترف –بالرجوع إلى نفسه وإستكناهها- بوجود قوى هائلة في نفسه ومنها قوة الخيال، وهذه القوة ذات آفاق واسعة يثيرها الفنانون والأدباء وكل من يحاول التأثير في الإنسان، وفي عصرنا الراهن يستثمر أهل السينما الخيال في التأثير بالمتلقي مع علم الطرفين بكذب ما في الأفلام وانها ليست سوى أداة لإثارة المشاعر.

وهذا هو مبنى السحر أيضاً، فهو يريد إثارة مشاعر المتلقي، وقد إستبدلت البشرية اليوم السحر بما يسمى بالسرك، حيث يتم إثارة أحاسيسهم إعتماداً على جهلهم بالأمور من جهة ومحاولة المتلقي الإبتعاد من الواقع من جهة أخرى، كما أن الساحر بسحره يهدف تجهيل المقابل وتعميته.

أما الآيات فهي بالعكس تماماً، إذ تحمل متلقيها إلى رحاب الحقيقة عبر إثارة عقله ومحاكاة ضميرة وإيقاظ وجدانه، ونتيجة الآيات بناء حضارة، حيث بنيت الحضارة الإسلامية في أقل من خمسة وعشرين عاماً ونشرت الخير للبشرية، بالعكس تماماً من السحر الذي لا يهدف سوى الهرب من الحقائق.

بين أضغاث الأحلامو آيات القرآن

المفارقة الأخرى في هذا المجال، هي المفارقة بين أضغاث الأحلام وآيات الكتاب العزيز، فما تعني أضغاث الأحلام؟

الضغث هو القبضة من عشب المختلط، والحلم هو يراه النائم وقد يكون في حالة اليقظة، كما كان في قصة صاحبي النبي يوسف عليه السلام في السجن، حيث نقلا له رؤيا، كان أحدهما قد رآى في المنام أنه يعصر لسيده والآخر لا، بل كان حلماً من أحلام اليقظة، ولذلك فسّر النبي يوسف عليه السلام كلا الحلمين.

ودعوى الكفّار بأن القرآن أضغاث أحلام كان يهدف إتهام النبي صلى الله عليه وآله فيما أتى به، بأنه كلامٌ لا معنى له ومختلط، كما يقال لمن يغلب عليه المرض أو النوم بأنه يهجر ولا معنى لقوله، الذي هو حال الكثير من كلمات وسائل الثقافة والإعلام في بلداننا اليوم، حيث تراه كلاماً غير متناسق بل ويناقض بعضه بعضاً.

بين الإفتراء والصدق

وهناك نوعٌ آخر من الكلام، هو الإفتراء الذي يقابل الصدق، ولكن ليس الإفتراء كأضغاث الأحلام متناقضاً ومبعثراً، بل هو الكذب المحبوك، كما يفعله اليوم مراكز صناعة الفكر والثقافة في البلدان المتقدمة.

ولكن بالرغم من أن الإفتراء كذبٌ منظم ومحبوك إلا أنه لا يخلو من فجوات تنخر في كيانه.

بين الشعر والحق

الشاعر يشبه الساحر في حركته، وإن إختلف معه في الوسائل، فإن كان الساحر يسحر العيون بحركاته، فالشاعر يسحرهم بكلماته، وقد إشتهر قولهم ( إن من الشعر لسحرا).

وكما يعلم الساحر ومتلقيه أنه خيالٌ لا واقع فيه، كذلك يعلم الشاعر والمتأثر بشعره أنه مجرد كلمات لا تصنع واقعاً، ولذلك يبقى كوسيلة للتشتيت والإلهاء فقط، فإنك لا ترى متأثراً بالشعراء يراجعهم إذا مرض ليعالجوه، أو ليبنوا له داراً.

ولكن قول الحق، هو الذي يصنع الواقع ويغير الفاسد منه.

سبيل التقييم

ترى، كيف نقيّم الكلام ونحدد نوعه بين الأنواع السابقة، هل هو سحرٌ أم من أضغاث الأحلام، أم هو إفتراء أم هو كلام حقٍ وصدق؟

إنما يتم تقيم القول بنور العقل عند الإنسان، وبيان ذلك بما يلي:

قد يكذب عليك شخصٌ أو يخطئ في فعله، ولكي يخفي خطأه يأتي بكمٍ من التبريرات المتتالية في محاولة منه لإشغال ذهنك بكثرتها كي لا تستطيع التفكير في صدق قوله، ومن يحشر معلومات كثيرة وغير مترابطة في كلامه فإنه يحاول إخفاء كذبه، بينما كلمة الصدق بسيطة وواضحة ولا خفاء فيها.

وإذا توقف الإنسان عند كل كلمة يحوكها أمثال هؤلاء ويتأملها على حدة فإنه سيكتشف التناقضات والأكاذيب الموجودة فيه.

ولكن هذا الأمر لا يكون مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله، فإنه كلامٌ منظم وليس مبعثراً، وهو متكامل لا تناقض فيه، وكل كلمةٍ فيه تعكس إثارة من عقل المتلقي، وكل عبارةٍ منه تلقى تصديقاً في وجدان المستمع، فكل معنىً من معاني كلمات الوحي تصنع واقعاً وتؤثر فيه.

  • { الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

إتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله بالسحر، ولكنا لم نر ساحراً يغير واقعاً أو يبني حضارة كالحضارة الإسلامية.

  • { قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4)}

سنتعرض للتدبر في هذه الآية لاحقاً ولكن الآية التالية تتحدث عن سائر التهم التي وجهت لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله:

  • { بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)

فكما قال قائلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه يهجر في أواخر حياته، قال الكافرون أن أقواله أضغاث أحلام، ولكنهم حيث لاحظوا إرتباط بعضه ببعض وتناسقه ودقته، قالوا أنه إفتراء، ولكن حيث كان النبي صادقاً وكان ما أتى به هو الصدق والحق، قالوا أنه شاعر.

ولما رجعوا إلى أنفسهم ولاحظوا أن قوله صلى الله عليه وآله ليس قول شاعر طالبوا بآيةٍ معجزة كما هي آيات السابقين من الأنبياء كعصا موسى عليه السلام أو ناقة صالح عليه السلام، والحال أن القرآن الكريم كان هو الآية المعجزة، وهي الآية المهيمنة على كل الآيات الأخرى، إذ كانت تلك المعاجز مؤقتة بإطار زمني خاص، والحال أن القرآن يبقى معجزاً في كل عصرٍ ومكان.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فيغَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (4)}

صدق الله العلي العظيم

إذا عرفت العقل فلا تحتاج إلى البحث عن الجهل لأنه ضد العقل، وإذا أحطت علماً بالنور فلا تبحث عن الظلام لأنه إنعدام النور.

ذكرنا أن الإنسان في الوسط بين التكامل والتسافل، فلا هو في القمة ولا في القاع، ويستافل بالعوامل الست التي ذكرناها، والتكامل يكون في عكسها، فإذا تجاوز الإنسان حاجز الغفلة وإستمع إلى الذكر إستماعاً واعياً ولم يلعب أو يلهُ فآمن بالحقائق، فإنه يتكامل وبعبارة أخرى: إذا كانت الغفلة وسيلة للتسافل فإن التذكر عاملٌ للتكامل.

ومن هنا، فكل صفةٍ سيئة تدعها فإنك تكتسب بذلك أمرين، الأول تجنبك للعقوبة والثاني إرتقائك درجةً أعلى، فمن ترك معصيةً عرضت له أعلى مقاماً ممن لم يتعرض للمعصية أصلا.

كلماتٌ صاعقة

الكلمات الأولى في كل سورة تكون صادمةً وصاعقة، تهز مشاعر الإنسان من الأعماق، فلنستمع إليها:

  • {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ }

لم يقل الرب ” قرب” بل إقترب، كما أنه لم يخصص الإقتراب بفئةٍ دون أخرى بل بالناس، والحساب هو حسابهم.

أما الإقتراب فيدل على أنه قرب منهم كثيراً، إذ الأفعال في اللغة العربية تزداد معنى بإزدياد الحروف فيها، كما في كسب وإكتسب حيث الثاني يدل على المزيد من الكسب.

أما ورود لفظ الناس فلأن القضية ليست قضية شخصٍ دون آخر أو فئة دون آخر، بل هو عامٌ لكل مولودٍ في هذه الدنيا، إذ لابد أن يلقى كلٌ حسابه.

حقاً ما أعظمها من كلمة تصعق الإنسان الذي يحاول عادة الهروب من إطار المسؤولية، فلا يؤمن أو يؤمن بالحقائق لكن لا على نفسه، كمن يصدق بالموت لكن لجاره، وحين يعمم الخطاب القرآني الأمر للجميع ( الناس) يعني أنه لا فرق بين أحدٍ أبداً.

وكلمة ” حسابهم” تحوي معنيين:

الأول: المحاسبة على ما فعله الإنسان وإكتسبه.

الثاني: المجازاة بعد المحاسبة.

والكلمة تحوي المعنيين دلالةً على أن الجزاء الإلهي عادلٌ لأنه مرتبطٌ بمحاسبةٍ دقيقة لفعال الناس.

إختراق حاجز الزمن

وللكلمة ظلال وبصيرة ترتبط بالبشر ، فهو يعيش في إطار الزمان( الماضي- الحاضر- المستقبل) وكلما كان الإنسان أقدر على إختراق الزمان كان أقدر على كشف الحقائق، لأن الحقائق لا تتركز في زمن واحد بل هي مبثوثة عبر عصورٍ مختلفة، فإذا إخترق الإنسان حاجز الماضي كان كمن يعيش معهم من الأنبياء والأمم السابقة ويستفيد من عبرهم، وإذا إخترق حاجز المستقبل فإنه يعيش أيضاً حقائق المستقبل.

فالطالب الذي يعيش المستقبل بخياله لا يقصر في دراسته، وكذا الجندي الذي يستحضر المستقبل فإنه لا يتوانى عن بذل الجهد في المعركة، والمؤمن كذلك لأنه يعيش القبر وأهوال القيامة والصراط والجنة والنار بقلبه، فهو يخترق الزمن نحو المستقبل ويحايث حوادثه، وهذا هو أنجع دواء لمواجهة مرض الغفلة، لأن الغفلة تأتي من تبلد مشاعر الإنسان.

  • { وَ هُمْ فيغَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}

والغافل على نوعين، فقد يكون غافلاً بسيطاً، فإذا نبّه إنتبه، وقد يكون مركباً لا يقبل التذكير ويعرض عنه، وإذا أعرض الإنسان سوف لا ينتفع بالمواعظ.

  • ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ

قد لا يستفيد الغافل من المواعظ لتحولها إلى شيء رتيب في حياته وروتين يمر عليه، ولكن قد تأتيه صدمة عبر الذكر المحدث، ولكنه مع ذلك يعرض عن الحق ويلهي نفسه، فما هو الذكر؟

قالوا أنه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وهو صحيح ولكن يبدو أنه يشمل أي ذكر إلهي، وأعظمه القرآن الكريم.

والمحدث هو الجديد، لا بمحتواه بل بأسلوبه.

  • {إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)}

يلعب الغافل محاولاً إبعاد نفسه عن تأثير الذكر، كما فعل أولئك الذين قاتلوا سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، في كربلاء، حيث راحوا يضربون على الدفوف والطبول لكيلا يؤثر فيهم كلام السبط الشهيد، ولكن لماذا يستعمل القرآن لفظ الإستماع في المقام؟

الإستماع هو السماع بإرادة وإختيار، الأمر الذي يدل على إنحراف هؤلاء عن الصراط كان بخبث إرادتهم وسوء إختيارهم، فبدل الإستجابة لما إستمعوه صاروا يلعبون.

  • { لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أَبْصَرَ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ : “إِنَّهُ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ[1].

ومعنى الحديث أن المصلي كان بعيداً بقلبه عن الصلاة ولاهٍ عنها، وهكذا الغافل يستمع ولكن قلبه لاهٍ عن الذكر.

وينوه القرآن إلى أن مشكلة اللاعب لا تبدأ من سلوكه بل تبدأ من لهو قلبه، فقلب الإنسان قد يتحول إلى مثل الصخرة الصماء التي ينزلق عنها الغيث، فينزلق عن قلبه الذكر دون أن ينفذ فيه

  • { وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا }

من الناحية اللغوية كان المفترض أن يقال ( أسرّ النجوى الذين ظلموا) بإعتبار كون ( الذين ظلموا) فاعلاً ، فلماذا جائت الآية بهذا الأسلوب؟

قيل أنها جائت على لغة ( أكلوني البراغيث) ولكن الذي أعتقده أن الفاعل هو الواو في ( أسروا) إشارة إلى الغافلين، وحينئذ تكون ( الذين ظلموا)  منصوبة بالإختصاص مثل قولهم ( نحن المسلمين )، مما يدل على أن الظلم هو أساس كل إنحرافٍ لدى الإنسان كما مر.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الجعفريات ( الأشعثيات) : ص 36

تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الاول)

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ في‏ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

صدق الله العلي العظيم

 

الإطار العام للسورة

يبدو أن الإطار العام لسورة الأنبياء هو ذاته لسورة طه المباركة، الذي يبين أن الناس درجات حتى في إيمانهم، وحينئذ فلابد من وجود معيارٍ واضح لمن أراد التقدم عبر مراقي الكمال، فما هو ذلك المعيار؟

الحديث في سورة “طه” كان عن عيسى وأمه عليهما السلام وموسى عليه السلام ومن كان معه كأخيه هارون، وتتميماً لذات الإطار يبين الرب في سورة “الأنبياء” مسيرة الأنبياء الكرام كأمثلة متقدمة جداً في مجال الإنسانية، فحين يتأمل الإنسان القيم المثلى يجد في نفسه صراعاً عن سبيل الوصول إليها، وكذا حين يدرس سيرة الأنبياء والأئمة يجد نفسه بعيداً عن مقامهم بعد السماء والأرض، فربما يصاب باليأس، ولكن الرب سبحانه يضرب لنا الأمثال بالأنبياء وهم بشر، رفعهم الرب إلى القمة، بل وربما إنتشل بعضهم ورفعهم إلى القمة كما مع أبينا آدم حيث قال الله سبحانه عنه: { وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ * ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏}[1].

فلماذا لا تستطيع أنت – أيها الإنسان- من بلوغ المراتب العليا؟

بلى؛ قد لا تصل إلى تلك القمم السامقة لسببٍ آو لآخر، ولكن من الممكن أن تصل إلى مراتب عالية، أولم يقل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:” عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ[2]وحين يذكر الرب قصص هؤلاء الأنبياء في السور القرآنية يأمرنا أن نقتدي بهداهم لنقترب من مقاماتهم، قال الله سبحانه: { أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه‏}[3].

 

عوامل السقوط

أول بحثٍ تتعرض له آيات هذه السورة هو الحديث عن عوامل السقوط وأسبابه، فما السر في بيانها قبل الحديث عن عوامل الرقي؟

السر في ذلك أن مبتغي الكمال عليه أولاً تجنب عوامل السقوط كي يتمكن من الأخذ بعوامل التعالي والرقي، كما المريض الذي ضعف بدنه بسبب المرض لا يعطى جرعات مقوية قبل أن يتم معالجة المرض، لأن تقوية الجسم سيسهم في تقوية المرض أيضاً.

وما زالت البشرية تعاني من مشكلة التهرب من دراسة أسباب التسافل وعدم التفكير فيها، وربما هرباً من مواجهة الواقع المرّ والإتعاظ به.

فما هي عوامل السقوط؟

إذا وقف الواحد منا على سفح جبل، فإنه سيجد أمامه طريقاً طويلاً نحو القمة، كما أنه يرى خلفه طريقاً بعيداً نحو قعر الوادي، وهو بينهما يختار سبيله نحو التعالي أو التسافل.

وهذا مثال كل واحدٍ منا في الحياة، حيث لم يخلق الله أحداً وهو على القمة أو القاع، بل خلقه وهو في الوسط على الفطرة، فإذا إستسلم لعوامل السقوط تسافل وإن قاومها سلم وترقّى.

العامل الأول: الظلم

الظلم هو تجاوز الحق، أي حق؟

أي حقٍ مفروضٌ على الإنسان سواءاً لله أو للنفس أو للآخرين من حوله، فلكلٍ منها حقٌ بيّنها الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالته للحقوق، وبتجاوزٍ أيٍ منها يمسي المرء ظالماً لنفسه أو لغيره.

والظلم أصل كل إنحرافٍ في البشرية، وبالذات الفكرية منها.

ومن هنا فإن تعرّض الإنسان للظلم من قبل أبويه وأسرته وبيئته لا يسوّغ له أن يمارس هو الآخر الظلم على الآخرين، فلا يجوز للمظلوم أن يظلم غيره بداعي ظلامته.

وبأيسر ظلمٍ ينكت في قلبه نكتةً سوداء قابلة للتوسع بقدر الظلم وحجمه، حتى يستوعب السواد القلب كله، فيسوّد القلب وينحسر النور ويسود الظلام.

العامل الثاني: الغفلة

وبعد حالة الظلم تأتي مرحلة الغفلة، لأن ذكر الله نورٌ وبتركه يدخل القلب في ظلمات الغفلة، وسبيل معالجة ذلك بمداومة الإستغفار من الظلم والمعاصي.

العامل الثالث: قسوة القلب

تستتبع مرحلة الغفلة مرحلة أخطر منها، هي قسوة القلب حيث لا ينتفع قسي القلب بنصح الناصحين، سواءاً المكررة منها أو المستجدة.

العامل الرابع: اللعب

وفي مسلسل التسافل ينشغل الإنسان بعد قسوة قلبه باللعب، فما هو اللعب؟

إنه الإلتهاء ببعض الأمور ذات الفوائد الظاهرية دون أن يكون لها فوائد حقيقية، هرباً من المسؤولية الملقاة على عاتقه، ارأيت الذي يمارس صيد اللهو؟

إنه يصطاد لا لينتفع من لحم صيده، بل لكي يقتل وقته وعمره بقتل فريسته، ويهرب من مسؤوليته باللحاق بصيده.

 

العامل الخامس: اللهو

وبعد اللعب تصل النوبة إلى اللهو، وهو محاولة الإلتهاء عن الحقائق بما لا نفع لها أبداً، قال الله سبحانه: { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُون‏}[4].

فإن كان للعب نفعٌ ظاهري فليس للهو ذلك أبداً، كما الذي يلهو بيده في الماء دونما هدفٍ أو فائدة.

العامل السادس: الإضلال

وبعد كل تلك الدركات، وإبتعاده عن الجادة، يصل الظالم إلى مرحلة محاولة إضلال الآخرين ومنعهم من الإستضائة بالهدى، لأن الإنسان يحسد الآخرين بطبيعته، فهو يحاول منعهم من الإرتقاء ويريد جرّهم إلى حضيضه، كما المريض بالجذام يسعى لنقل العدوى للآخرين لا لشيء، إلا ليكونوا مثله ولا يتميزوا عنه بالصحة.

وطبيعة كل ساقطٍ تدعوه إلى إسقاط الآخرين معه ومنعهم من الهدى، ومن أجل ذلك يسعى لصناعة ثقافات تبريرية وأفكار منحرفة من أجل التعمية على الحق، وبذلك يتحول من مجرد ضال إلى مضل، وبتعبير آخر من ضالٍ إلى مغضوبٍ عليه.

ومعالجة هذه الدركات الست لا تتيسر إلا بمنع العامل الأول والتخلص منه، أعني الظلم، وتطهير القلب من براثنه بكثرة الإستغفار ومداومته، لأمكان أن يكتب المرء ظالماً وهو لا يشعر، كما يمكن بقاء بعض عوالق الظلم في القلب دونما علمٍ.

وهكذا كان على الإنسان المداومة على تطهير قلبه والسعي نحو ذلك بشتى الوسائل والطرق، كما يسعى من إتسخت يداه إلى تطهيرها بالماء فإن لم ينفعه فبالمطهرات المختلفة، لكيلا يبقى عليها الدرن المادي.

 

  • {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ }

ليس الحساب بعيداً، بل هو مغيّبٌ عنا، فإذا مات إبن آدم قامت قيامته، فليس بينه وبين حسابه إلا الموت الذي يتم في لحظات يسيرة، إذ الموت يكون كلمح البصر وإن طالت بعض مقدماته.

فحيث لا يدري الإنسان ساعة موته الذي قد يكون في أي لحظة، فلابد أن يستشعر إقتراب حسابه.

 

  • {وَ هُمْ في‏ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) }

لغفلتهم عن الحقائق تراهم معرضين عنها، كمن هو مقبلٌ على حفيرةٍ في طريقه لغفلته عن وجودها.

  • ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)

يلعبون بسبب قسوة قلوبهم، الأمر الذي يمنعهم من التأثر بالذكر.

 

  • {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ }

لا يوجهوا قلوبهم إلى ما ينبغي التفكير فيه بسبب اللهو بما لا ينفع.

وفي عصرنا اليوم حيث زحمة المعلومات المختلفة وتراكمها الرهيب، أمست البشرية لاهية، لا تفكر في الحقائق والقضايا المرتبطة بمصيرها، بل وقد أبتدع البعض أساليب ماكرة لصرف إنتباه الإنسان وإلهائه عن واقعه ومسؤوليته.

  • {وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}

بالرغم من أن عامل الظلم ذكر في هذه الآية، لكنه هو الأساس كما يبدو، فهو مبدأ الوصول إلى هذه النتيجة الخطيرة، أي مرحلة حمل راية الشيطان، التي تبدأ من خلال حركة سرية حتى تسري إلى العلن.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة طه: الآية 121-122

[2] بحار الأنوار: ج2، ص 22

[3] سورة الأنعام: الآية 90

[4] سورة المنافقون: الآية 9

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس التاسع والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً (80) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (81) وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِي الْمَدينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذلِكَ تَأْويلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)}

صدق الله العلي العظيم

 

ماذا كان الإختلاف بين النبيين العظيمين موسى عليه السلام الذي كان من أولي العزم والخضر عليه السلام، وما هي حكمة بيان هذه القصة بهذا التفصيل في كتاب الله وما الذي نستفيده منها؟

في هذا المجال نذكر بعض النقاط:

الأول: سنة الإختلاف

لا يجوز لنا أن نسرع الحكم على الآخرين لما نراه من بعض الأعمال الصادرة منهم دون أن نعرف الخلفية وراء الفعل والسلوك المعين، والكثير من مشاكل البشر إنما هي لهذه الحالة في الإنسان، والحال أن الرب سبحانه جعل لكلٍ شرعةً ومنهاجاً ولا يجلّي الحكم النهائي بين الحق والباطل إلا يوم القيامة.

أما أن يحكم كلٌ على الآخر فهو خاطئ، وذلك لأن الإختلاف من سنن الله في الخليقة فهو جعل الناس مختلفين في كثير من شؤونهم، حتى ترى الأخوَين التوأمين في بيئة واحدة يمتلك كلٌ منهما فوارق تميزه عن الآخر.

ومن الحكم وراء هذا الإختلاف هو التكامل والتعاون، فما في الخليقة من مخلوقات مختلفة يكمل بعضها الآخر ويفتقر بعضها إلى البعض، ولو فرض فقدان بعض حلقات هذه السلسلة لدمرت الحياة، ولا يختص ذلك في الحيوانات فقط بل حتى في النباتات والأحجار، أرأيت كيف أن تأثير عمل الإنسان على جزءٍ من أجزاء الطبيعة ظهر في الأجزاء الأخرى، فإنبعاث الغازات مثلاً حين زاد عن حده أثرّ في البيئة ولكنه لم يقتصر على تلويثها ، بل أضر بالغلاف الجوي وبالتالي في كل الطبيعة.

ومن هنا؛ على الإنسان أن يقبل الآخرين على إختلافاتهم، ويترك الخلافات الجزئية ، نعم في الإختلافات المبدئية والمبنائية لابد من المناقشة وإظهار الحق ولكن عبر النقاشات الموضوعية والهادفة، وقد نهى الإمام الصادق عليه السلام بعض أصحابه حين أمره بأن يدعوا أهل البادية لزيارة الحسين عليه السلام، نهاه أن يتبرأ منهم لضعف إلتزامهم بالدين، وحذّره من أن ينظر إليه الإمام بنفس النظرة التي ينظر إليهم بها.

وقد كنت في زيارة أحد المراجع العظام فتكلم أولاده على بعض الجيران في ضعف إلتزامهم بأمر الطهارة، فنهرهم المرجع و قال أنهم أفضل منكم، فهم أهل نخوة ويجيرون المستجير بهم، وراح يمدح بهم في مقابل ذم الأولاد لهم.

وفي قصة النبي موسى عليه السلام والعالم ( الخضر) عليه السلام نجد أن الزاوية التي كان النبي موسى ينظر منها الواقع تختلف عن الزاوية التي يرى بها الخضر الأمور، وكان كلاً منهما على حق.

بين الولاية التشريعية والتكوينية

يبدو أن جزءاً من تصرفات العالم كانت ترتبط بولايته، فالولاية على قسمين، تشريعية وتكوينية.

وفي إعتقادنا أن للأئمة عليهم السلام ولاية تكوينية، وذلك بأن الله سبحانه فوض إليهم الأمر، لا بمعنى أنه ترك الأمر كلياً ولا هيمنة له، بل أنه بهيمنته وسلطانه فوض إليهم الأمر، فلا منافاة بين الولاية التكوينية والولاية الحقيقية لله سبحانه وتعالى.

فأمير المؤمنين عليه السلام آية الله سبحانه ووسيلةٌ للوصول إليه فبه عرف الله عزوجل، فلا يصح تأليهه كما لا يصح إنكار فضائله ومقاماته التي يعرفها العلماء الربانيون.

علي بن جعفر إبن المعصوم وأخ المعصوم ، وكان فقيهاً عظيماً في زمانه وكان يحضر درس حفيد أخيه الإمام موسى الكاظم أي الإمام الجواد عليهما السلام، ويقبل رأس الإمام الجواد على صغر سنه، فلما سئل عن ذلك أجاب أن الله لم ير في شيبته صلاحية الإمامة ورأى في هذا الصبي تلك الأهلية فجعله الحجة علينا.

وكانت للنبي خضر عليه السلام ولاية، إما تشريعية أو تكوينية، والولاية التشريعية تعني إدارة الولي الأمور ونظمها، فلا بأس بأن يكتسب أحد أبناء المجتمع الثروة، ولكن إن أضرت هذه الثروة على الآخرين منعه من الولي الفقيه من الإثراء، فهو يمنعه من ذلك بالعنوان الثانوي لا الأولي.

وهكذا لم يكن الخضر عليه السلام يفعل ما يفعله بالعنوان الأولي، بل كان بالعنوان الثانوي الذي يكون مردّه إليه من جهة الولاية.

الحياة المباركة

وصف الله سبحانه نبيه عيسى عليه وعلى أمه الصديقة مريم السلام بأنه مباركٌ وكما قال سبحانه: { وَ جَعَلَني‏ مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ}[1]، وهكذا هم بعض الناس يعيشون حياةً ملؤها البركة ويجري على يديهم الخير للجميع، حتى تجده يفكّر في الخير للآخرين وإن لم تترجمه أعضاؤه إلى سلوك.

وهكذا يدعونا سلوك العالم عليه السلام في بناء الجدار أن يكون هدفنا إيصال النفع إلى الناس وإماطة الأذى عنهم، فقد أكدت نصوصنا الشريفة على أن إماطة الأذى من الطريق صدقة، والصدقة بدورها تسبب رفع البلاء عن الإنسان، فلا ضير إذاً في أن يكون الشخص منبع الخيرات للآخرين ؟ ومن ذلك قيامه ببناء جدارٍ يريد أن ينقض؟

صحيح أن إعتراض النبي موسى عليه السلام كان في محله بعدم إستحقاق أهل القرية لهذا الخير الذي يقدمه الخضر عليه السلام لهم.

ويبدو من السياق أن اليتيمين لم يكونا في نفس القرية، لأن التعبير القرآني عن القرية يقصد به المجتمع الفاقد للقيم الربانية وإن كبر، ولذلك قال عمن لم يطعموهما أنهم في قرية، بينما عبّر عن محل تواجد اليتيمين بالمدينة، فالمدينة تحوي المدنية والحضارة والجوانب الإيجابية.

وأينما كان محل تواجدهم، فقد أمر الله نبيه ببناء الجدار لحفظ كنز أبيهم، والذي يبدو من النصوص أنه كان جدهم وليس والدهم.

القتل بسبب الفساد

ذكرنا أن لقتل أي شخص لابد من وجود أحد مبررين هما فساد المقتول أو الإقتصاص منه، وإلا كان القتل ظلماً.

وفيما يرتبط بقتل الغلام رجحنا كون الغلام بنفسه مفسداً ويؤدي فساده إلى ضلالة أبويه، كما كان من أمر عبد الله بن الزبير الذي سبب هلاك أبيه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ” ما زال الزبير منّا حتّى نشأ ابنه عبد اللّه‏”[2]، فقد أمر الله الخضر بقتل الغلام كي يبدل الله أبويه خيراً منه، قال الله سبحانه: { فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً}.

والتعبير بالزكاة إشارة إلى فساد الغلام فأبدلهما الله خيراً منه زكاةً بكونه صالحاً وأقرب رحماً من صلة الرحم.

وتشير النصوص إلى أن الله رزقهما بالفعل فتاةً كانت أما ًلأنبياء الله، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: ” أبدلهما اللّه- عزّ و جلّ- مكان الابن ابنة، فولد منها سبعون نبيّا”[3].

وهكذا قد تكون الفتاة منشأ الخير والبركات للإنسان، فلا يجوز أن يحزن المرء على رزق الله له بالفتيات –كما يفعل البعض- بل عليه شكر النعمة الإلهية عليه.

أمر الله سبحانه

لم تكن أفعال الخضر عليه السلام ناشئة هوى أو غضب أو جهل، بل كانت كلها إمتثالاً للأمر الإلهي، قال الله سبحانه : { وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري }، سواء كان الأمر الإلهي بصورة مباشرة بالوحي كما يحتمل، أم عبر العلم الذي أعطاه الله سبحانه له.

الخضر عليه السلام

أما الخضر عليه السلام فهو نبيٌ عظيم أبقاه الله سبحانه حياً لحكمته وربما بسبب شربه لماء الحياة، وسمي بالخضر في اللغة العربية لإخضرار موضع قدمه.

وفي حياة الخضر عليه السلام دليلٌ على إمكان بقاء شخصٍ آلاف السنين حياً، وهو قولنا في إمام زماننا عجل الله فرجه الشريف، حيث أبقى الله إمامنا لحفظ دينه، كما أبقى الخضر منذ زمن موسى عليه السلام وإلى يومنا هذا، وتشهد النصوص على لقاءه بأمير المؤمنين في أكثر من موضع وكذا زيارته لقبر أمير المؤمنين عليه السلام بعد شهادته حيث كان أول زائر للإمام عليه السلام.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة مريم : الآية 31

[2] سفينة البحار: ج6 ص 66

[3] تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب: ج8، ص 128

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثامن والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فيها جِداراً يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77) قالَ هذا فِراقُ بَيْني‏ وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78) أَمَّا السَّفينَةُ فَكانَتْ لِمَساكينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصْباً (79) وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً (80) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (81) وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِي الْمَدينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذلِكَ تَأْويلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)}

 صدق الله العلي العظيم

كما خلق الله في عالم التكوين له أبعاد مختلفة، كذلك وحيه سبحانه في عالم التشريع له أبعاد مختلفة، وبأخذ آيةٍ واحدة نظر التأمل والتدبر نستفيد منها مطالب عدة،وكلها مرتبطة ببعضها البعض أيضاً  فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

ومما نستفيده من هذه الآيات الشريفة أمورٌ عدة نحاول تسليط الضوء على بعضها :

قيمة الصبر

أكد القرآن الكريم في أكثر من موضع على قيمة الصبر ، فقال سبحانه في سياق جعل الأئمة: { وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُون‏}[1]، وقال أيضاً: { وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور}[2]، فما هو الصبر وما هو جذره؟ وما دوره في المجال التربوي والتعليمي؟

الصبر في حقيقته هو تغليب العقل على الهوى، كيف؟

لأن أهواء الإنسان تضغط عليه باتجاه الإستجابة لها فيما يرتبط بالحاضر فهي وليدة الساعة الحاضرة، بينما العقل يتشرف المستقبل وينظر نحو الأمد البعيد، ارأيت كيف أن أكلةً مضرةً يشتهيها الإنسان ربما تمنعه من أكلات كثيرة في المستقبل كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ” كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ”[3]، وهكذا هي غفلة ساعة تجر للإنسان ندماً طويلاً.

وبتغليب العقل على الهوى يضعف الهوى وبضعف الهوى يتقوى العقل شيئاً فشيئاً حتى يكون هو المسيطر في الإنسان، ومن هنا كان الصبر أحد دعائم الإيمان الأربع التي بينها أمير المؤمنين عليه السلام، وله مكانة عظيمة من الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:” الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ”[4].

وللصبر دورٌ محوري فيما يرتبط بمسألة التربية والتعليم، إذ العلم في حقيقته أمرٌ لا يتأتى بسهولة وفي فترة قصيرة، بل إكتساب العلم بحاجة إلى زمنٍ طويل والزمن بحاجة إلى الصبر بصورة طبيعية.

ومن هذه الجهة يحتاج المرء إلى عقد العزم على الصبر والمداومة في تغليب العقل على الهوى ليصل إلى المقامات العلمية العالية، بينما الواقع يحكي خلاف ذلك، فالكثير من الشباب يبدأون مسيرتهم العلمية بجدية ولكن ما أن يواجهوا بعض المشاكل تراهم يتراجعوا عن طلب العلم والإرتقاء في المجال العلمي بحجة معالجة تلكم المشاكل، كما هو الغالب عند من يتزوجون فيفقدون الجدية في المواصلة، والحال أن لا منافاة بين العمل والزواج والعلاقات الإجتماعية و.. وبين طلب العلم، خصوصاً في عصرنا الراهن حيث يمكن للإنسان الوصول إلى العلم من خلال الأجهزة المختلفة وبصورة سهلة.

ومما ينبغي ذكره في هذا المجال أيضاً، أن مجرد التقدم العلمي لا يعد ميزةً للإنسان أو المجتمع، بل الإمتياز الحقيقي هو بالعطاء العلمي، فالأخذ لا قيمة له إن لم يتبدل إلى عطاءٍ جديدٍ متقدم، وهكذا كان المعيار الأساس لتقدم مجتمعٍ ما، هو المقالات العلمية والعطاءات المعرفية الجديدة وليس شيء آخر، وبالتطور العلمي يتطور المجتمع في سائر مجالاته.

وعوداً على موضوع الصبر، نجد أن العالم ( الخضر عليه السلام) أعاد على موسى عليه السلام عدم إمكانه الصبر معه ثلاث مرات، وفي الموقف الأخير قال له هذا فراقٌ بيني ويبنك، وقبل الحديث عن الموقف الثالث نكمل ما بدأناه سابقاً عن موضوع القتل.

سبب القتل

ذكرنا أن مسوغ القتل أحد أمرين ، الإفساد والقصاص ، ولكن لماذا قتل العالم الغلام ولم يبدر منه في الظاهر أياً منهما؟

الذي يبدو للبال أن المقتول لم يكن طفلاً وإلا لعبّر عنه القرآن بالصبي، ولكنه كان غلاماً أي الشاب في بداية شبابه، وبعبارة أخرى كان قد بلغ الحلم، ويحتمل قوياً أنه كان مفسداً في عمله ، ولكيلا ينتقل إفساده وإجرامه إلى أبويه المؤمنين، وليحفظهما الله سبحانه من شروره قتله العالم.

فهو كان مستحقاً للقتل بحد ذاته، لا أن يكون القتل لأجل أبويه فقط، وبذلك يرتفع الإشكال الوارد على قتله وهو بريء.

حق الوالدين

موردان من الموارد الثلاث يرتبطان بحقوق الوالدين، الأول في أمر الله سبحانه بقتل الغلام لكيلا يبتلى الوالدان المؤمنان، لأن الله سبحانه أعلى مقام الأبوين الصالحين، وحتى أنه سبحانه لا يخلق من الصالح إلا صالحين أجيالاً متعاقبة تقديراً له،ونحن نرى هذا الأمر جلياً في سلالات الصالحين في التاريخ.

ومن أهداف المؤمن الصالح أن يلحق الله سبحانه به ذريته في الجنة فيستجيب الله له ذلك وإن لم يكونوا في مقامه ، كما قال سبحانه: { وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهين‏}[5].

كنز اليتيمين

والمورد الثاني هو في قصة الكنز الذي حفظه العالم من التلف، ومختصر القول في القصة أن النبيين عليهما السلام وصلا إلى قريةٍ وهما في حالة تعبٍ وجوع، فطلبا من أهلها أن يضيفاهما بطعامٍ وشراب، ولكن أهل القرية أبوا ذلك بخلاً، فهما بالخروج من القرية.

وفي طريق الخروج رأيا جداراً آيلٌ للسقوط فأقامه العالم، ولا يدرى هل أقامه بالبناء بالصورة الطبيعية – كما يبدو من السياق – أم بصورة إعجازية، وكيف كان إعترض موسى عليه السلام في هذا الموقف أيضاً، وإنتهت فرصته الثالثة.

وكان تحت الجدار – كما تبين الآية- كنزٌ ليتمين أبوهما صالحاً، ولو كان ينهد الجدار لربما تلف أو عثر عليه غيرهما، فأراد الله ببناءه حفظه لهما ليعثرا عليه حين يكبرا، ولكن ماذا كان الكنز؟

قيل أن الكنز – بطبعه- هو الذهب والفضة، وهكذا كان كنز الغلامين كذلك شيئاً مادياً، ولكن ما تدل عليه الروايات الشريفة أنه لم يكن ذهباً أو فضة بل كان مجموعة كلمات كما روي عن ٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما فَقَالَ :أَمَا إِنَّهُ مَا كَانَ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً وَ إِنَّمَا كَانَ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَضْحَكْ سِنُّهُ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَفْرَحْ قَلْبُهُ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ”[6].

فكيف تكون الكلمات كنزاً؟

قبل الإجابة نذكر حادثةً تاريخية هامة : بعد إستشهاد الإمام الحسين عليه السلام نهض أولاد علي وفاطمة عليهم السلام في كل بقاع العالم الإسلامي بحركات مختلفة، واستشهد كثيرٌ منهم في سبيل نهضتهم ضد بني أمية، ومن هنا إجتمعوا وقرروا تأسيس حركة سرية منتشرة في البلدان الإسلامية ليتمكنوا من إقتلاع جذور الشجرة الخبيثة.

وبالفعل بدأوا بعملٍ منظم في مختلف المناطق وأسسوا شبكة واسعة ومخفية وكانت خيوطها جميعاً تجتمع عند شخصٍ واحد – وكان هذا من أخطائهم- وفي إحدى سفراته بين الشام والمدينة مرض الرابط فلم يجد سيداً هاشمياً من ولد علي وفاطمة عليهما السلام ليعطيه الأسماء والمناطق و..، بل وجد شخصاً من بني العباس فأعطى أسراره كلها له، وبذلك إنتقلت النهضة من بني فاطمة إلى بني العباس، وكان ذلك من المنعطفات التاريخية الصعبة.

ومن هنا ربما كان الأب الصالح رجلاً مصلحاً وقائماً في سبيل الله سبحانه، فربما كانت لديه أسرار وأدعية وحكم – كما الحديث- فأخفاها لأولاده ليعثروا عليها ويستفيدوا منها حين يكبروا.

إعتراض موسى والفراق

ولكن النبي موسى عليه السلام إعترض ثالثاً ولكن هذه المرة بكل أدب وبصيغة سؤال: { قالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77)}

وههنا إنتهى عهدهما ، فأجابه العالم : { قالَ هذا فِراقُ بَيْني‏ وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}.

وقد روي أن موسى عليه السلام سئل عن أصعب موقف له في حياته – رغم كثرة المواقف الصعبة – فأجابه أن أصعبها هو لحظة فراقه للعالم.

وبالفعل فإن أصعب الأمور واشدها على المؤمن التفريق بينه وبين أولياء الصالحين، بل إن من آلم ألوان العذاب في القيامة هو ذلك.

نسأل الله سبحانه أن لا يفرق بيننا وبين أئمتنا وسادتنا في الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة السجدة : الآية 24

[2] سورة الشورى: الآية 43

[3] وسائل الشيعة: ج15، ص 221

[4] الكافي: ج2 ،ص 88

[5] سورة الطور: الآية 21

[6] الكافي: ج2 ،ص 58

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس السابع والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{  قالَ سَتَجِدُني‏ إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصي‏ لَكَ أَمْراً (69) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني‏ فَلا تَسْئَلْني‏ عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً (72) قالَ لا تُؤاخِذْني‏ بِما نَسيتُ وَ لا تُرْهِقْني‏ مِنْ أَمْري عُسْراً (73) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً (75)}

صدق الله العلي العظيم

من تكاليف المؤمن تجاه ربه ونبيه وأئمته هو التسليم، إذ هو شرط الإيمان الحقيقي وبدونه لا يكون المؤمن مؤمناً، وكما قال الله سبحانه: { فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في‏ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْليما}[1].

ومعنى التسليم الإنصياع التام للأمر والنهي الصادر من النبي وأهل بيته ، قال الله سبحانه:{ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي‏ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْليما}[2]، وينبغي أن يكون تسليم المؤمن كتسليم ذلك الصحابي الذي سأله الإمام عن مدى تسليمه، فقال لو أخذت تفاحةً وقسمتها قسمين وقلت هذا حلال وهذا حرام لسلمت لحكمك.

وحين طلب النبي موسى من العالم أن يصحبه قال له إنك لن تستطيع معي صبراً، قال له موسى عليه السلام:{ قالَ سَتَجِدُني‏ إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصي‏ لَكَ أَمْراً (69)}

وفي تقييد صبره عليه السلام بمشيئة الله معاني، منها أنه وعد بالصبر حيث لا يكون الفعل خلاف أمر الله وخلاف الشرع، وتساؤلات النبي وإعتراضاته كانت لله سبحانه وليس لنفسه.

ومنها أيضاً أنه وعد بالصبر أكثر من الإستطاعة الطبيعية وألاستعانة بالله سبحانه في ذلك.

التكليف والإستطاعة

وهنا بحثٌ فهي عن مسقطات التكليف التسع التي عددها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في حديث الرفع، فهي كلها تسلب شرط القدرة والإستطاعة من الإنسان، فالنائم والمكره والصبي قبل البلوغ والمجنون كلهم فاقدوا الإرادة والقدرة.

فالإستطاعة شرط التكليف، وكما الله سبحانه : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[3] وقال النبي الاكرم ، صلى الله عليه وآله: ” فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْ‏ءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم‏”[4]، ولكن أي إستطاعةٍ هي المطلوبة؟

قيل أنها الإستطاعة العقلية، وهذا بعيدٌ عن الصواب، إذ معنى للتكليف أصلاً مع عدم الإستطاعة العقلية، إذ من اللغو تكليف الشيخ أن يعود شاباً لإستحالة الأمر عقلاً.

ومن هنا فإن الإستطاعة المطلوبة هي الإستطاعة العرفية، فالتكليف يسقط بوصوله إلى مرتبة الحرج أو العسر، كما يتحول الأمر بالوضوء إلى التيمم فيما لو كان الوصول إلى الماء حرجياً أو في التوضؤ بالماء ضرر ، وكذلك يسقط وجوب الصوم على الذين يطيقونه ( وهم الشيخ والشيخة) الذين يصعب عليهم الصيام مع إمكان تحملهم له بصعوبة.

وبناءاً على ذلك فإن أدلة الحرج مثل ( ما جعل عليكم في الدين من حرج) والإكراه مثل ( لا إكراه في الدين) و الإضطرار كلها في إطار الإستطاعة العرفية.

والنبي موسى عليه السلام وعد بالصبر بمشيئة الله سبحانه، بعد أن قال له العالم: لن تستطيع الصبر معي أبداً بإعتباره مكلفاً باعمال تخالف الشريعة ظاهراً بينما النبي موسى مكلف بحفظ الشريعة.

{وَ لا أَعْصي‏ لَكَ أَمْراً (69) }

من واجبات التلميذ تجاه معلمه ومربيه أن لا يعصي أوامره ، وهكذا وعد النبي موسى عليه السلام أن لا يعصي أمر العالم ( الخضر) عليه السلام.

{قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني‏ فَلا تَسْئَلْني‏ عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) }

قبل العالم طلب النبي موسى عليه السلام ولكن إشترط عليه شرط السكوت وعدم السؤال عما يفعله إن اتبعه، بل ينتظر أن يحدثه العالم بحكمة فعله متى ما رآى ذلك مناسباً.

وهذا أدبٌ آخر من آداب المتعلم، إذ عليه أن ينتظر العالم يحدثه لا أن يزحمه بالاسئلة والإشكالات، فالعالم – كما في الروايات- كالشجرة المثمرة، على المرء أن ينتظر لتعطي الثمر ولا يستعجلها.

{فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفينَةِ خَرَقَها }

الإنطلاق في اللغة العربية تعني الحركة السريعة والمفاجئة، فيقال إطلق الرصاصة.

وقد ورد في كتب التفسير أنهما تحركا حتى وصلا إلى البحر ( وربما كان نهراً كبيراً يطلق عليه بحراً) فأرادا العبور بالسفينة ولكن أهل السفينة لم يركبوهما بادئ الأمر لكونهما غريبين، ولكن لما توسموا فيهم الصلاح سمحوا لهما بركوب السفينة معهم.

وما أن ركبا السفينة راح العالم يخرق السفينة، ولكن لا يدخل الماء فيها ، وربما كان ذلك بإعجاز أو ملأ الخرق بالقير أو القماش، وكيف كان فقد خرق الخضر عليه السلام سفينة القوم.

{قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) }

لغضبه لدين الله سبحانه، إعترض النبي موسى على هذا الفعل، وقال له أخرقتها كي تغرق أهلها دون أن يسأله عن سبب خرقه لها.

والإمر يعني الداهية العظيمة الذي يقع موقع الخلاف والبحث.

{قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً (72)}

ذكّره العالم بقوله بعدم إستطاعته الصبر، وأنّبه على إستعجاله.

{ قالَ لا تُؤاخِذْني‏ بِما نَسيتُ }

إعترى النبي موسى هيجاناً عظيماً لمخالفة الأمر الإلهي، الأمر الذي أنساه عهده مع العالم بعدم الإعتراض.

وربما لو كان النبي عليه السلام يتوكل على الله سبحانه يزداد صبراً في هذه المواقف.

{وَ لا تُرْهِقْني‏ مِنْ أَمْري عُسْراً (73) }

الإرهاق هو تغطية الوجه أو الشيء بالقهر والغلبة، مما يثقل عليه.

والنبي موسى عليه السلام طلب من العالم أن لا يرهقه فوق ما هو فيه فعلاً من نسيانه الوعد، فطلب أن لا يكثر ملامته الأمر الذي يشق عليه.

وفي هذا درسٌ لنا بعدم الإكثار من ملامة المخطئ، وليكن أسوتنا في ذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حيث لم يكن يواجه المخطئ بخطأه، بل كان يخطب في الناس فيقول مالي أرى أقواماً يفعلون كذا وكذا، وفي بعض الحكم أن لا تواجه المخطئ بخطأه ولا تتحدث في غيابه، ولا تسكت، بل كنّ له خطأه، لكيلا يهراق ماء وجه المؤمن.

{فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ }

تحركا في مسيرتهم ، ولا يدرى كم مضى بين الموقفين الأول والثاني، ولكن يحتمل قوياً أن النبي موسى تعلم من العالم أموراً كثيرة في البين – كما قلنا سابقاً- وتخصيص القرآن للمواقف الثلاثة كان لأهميتها.

وصلا إلى مجموعة غلمان وتصفح العالم وجوههم فطلب من أحدهما أن يأتي معه، فأخذه العالم إلى موضعٍ خالٍ فقتله.

وهنا ثارت ثائرة موسى عليه السلام مجدداً لما رأى من إهراق دم بلا سبب – ظاهراً- ، فقال :

{قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ }

القرآن الكريم لا يسوّغ قتل النفس إلا لأحد سببين:

الأول: القصاص، حيث يقتل القاتل، والثاني: بسبب الفساد في الأرض، قال الله سبحانه: { مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى‏ بَني‏ إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَميعا}[5]، ولا يجوز القتل في غير هذين الموردين.

والنبي موسى عليه السلام أشار إلى المسوغيّن ،حيث قال ( زكية ) ويقصد منها أنها نفسٌ لم تفسد في الأرض لتستحق القتل، كما أنها لم تقتل نفساً لتقتص منها ( بغير نفسه).

{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74) }

فهذا العمل عملٌ منكر ولابد أن أنهى عنه.

وفي الواقع لم يكن فعل موسى خاطئاً كما لم يكن فعل الخضر خاطئاً أيضاً، فلابد من الإعتراض على المنكر ولذلك كان موسى على حق، كما أن العالم كان على حق لأنه كان مكلفاً بهذا الأمر ويعلم الحكمة من وراءه دون أن يعلم موسى عليه السلام بها.

ولكن لم يكن ينبغي للنبي موسى أن ينكر الأمر أو يعترض، لأنه كان قد قبل شرط العالم بعدم السؤال، ومن هنا أجابه العالم:

{قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً (75)}

أعاد العالم تذكيره بقوله السابق بأنه لا يستطيع صبراً على ما يقوم به.

وقبل أن نبين الفصول التالية للقصة في البحث القادم نؤكد على ضرورة الأعتبار بهذه القصص وجعلها نماذج للإقتداء بما يمكننا الإقتداء به في حياتنا، فالصراط المستقيم الذي نسأل الله أن يهدينا إليه يومياً ، هو صراط الذين أنعم الله عليهم، وهؤلاء ينبغي أن يقتدي المرء بهم ويتأسى بسلوكياتهم وسيرتهم.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النساء: الآية 65

[2] سورة الأحزاب : الآية 56

[3] سورة التغابن: الآية 16

[4] بحار الأنوار: ج22، ص 31

[5] سورة المائدة : الآية 32

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس السادس والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً (64) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65)قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68)}

صدق الله العلي العظيم

تحوي هذه المجموعة من الآيات مطالب قيّمة عن العلم والتعلم وكيفية العلاقة بين العالم والمتعلم، إذ لا تهتم الآيات القرآنية بالجانب التعليمي فحسب، بل يهدف التربية والتزكية أيضاً من خلال بيان القصص الواقعية والحقيقية.

والقرآن الكريم كرر ذكر النبي موسى عليه السلام أكثر من مائة مرة بتعظيمٍ وإجلال، ولكن هذه المرة يذكره بصفته تلميذاً للعالم، الأمر الذي حدى بالبعض إلى أن يعتبر هذا الشخص غير النبي موسى بن عمران عليه السلام، لصعوبة أن يكون موسى العظيم تلميذاً ومتعلماً لغيره، ولكن هذا القول بعيد عن حكمة البيان في القرآن الكريم، إذ لو كان غيره لكان لزاماً أن تبين الآيات مرادها من موسى، فحين أطلق الإسم انصرف إلى المعهود والمتكرر ذكره وهو النبي موسى عليه السلام، مضافاً إلى أن الروايات الشريفة ذكرت أنه هو موسى بن عمران وكان معه فتاه يوشع بن نون وصيه، وكان العالم هو الخضر عليهم السلام.

النسيان آفة العلم

ومن الأمور التي تكررت في هذا السياق هو النسيان، لأنه من آفات العلم، إذ لا يجتمع العلم مع النسيان أو قل لا ينفع العلم معه، ولكن هل النسيان أمرٌ بيد الإنسان لكي يذكّر بإبعاده عنه أم خارجٌ عن إرادته؟

بلى؛ النسيان بيد الإنسان ، إذ للإنسان قدرات وإمكانات كبيرة، ولما يستفد منها بعد، حتى الكملين من البشر لم يستفيدوا من كل طاقاتهم، ومن تلك القدرات تسلط المرء على نفسه وهيمنته عليها، حيث يمكنه أن يتحكم في أمر النسيان، ودليله عدم نسيان المرء للأمور التي تهمه حيث ينشغل ذهنه بها فتبقى محفورة لا تنسى.

ومن هنا على الإنسان أن يبعد النسيان عن نفسه ويكون ذكوراً لكي يصل إلى المقامات العلمية والعملية العليا، ولكن كيف نبعد النسيان؟

هناك كتب ومقالات تبين طرق التذكر والأبتعاد عن النسيان، ولكن القرآن الكريم يبين أن أصل النسيان هو من الشيطان:{ وَ ما أَنْسانيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ}، فلماذا الشيطان؟

في القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تتحدث عن الشيطان ودوره في غواية الإنسان، بدءاً من قصة رفضه السجود لآدم عليه السلام وحتى دخوله النار، فهو العدو الذي أقسم على إضلال البشر،فعلى قلب كل واحدٍ منا اذينين على أحدهما شيطان وعلى الآخر ملائكة، يحدثان التضاد في نفس الإنسان والتنازع بين الخير والشر، ولابد أن نعرف الشيطان كي نتمكن من الإبتعاد عنه.

وبإبعاد الشيطان عن النفس يقل نسيان الإنسان، إذ يسعى الشيطان من خلال إحداثه النزاعات والخلافات المادية والنفسية والإشغال بتوافه الأمور إلى صرف الذهن عما ينبغي على الإنسان، وبالتحرر من هذه الأمور والنوازع يتحرر الذهن فتقل نسبة النسيان كثيراً.

وفي قصة النبي موسى عليه السلام نجد أن الفتى قد نسي أن يذكر أمر الحوت للنبي؟ ربما كان ذلك بسبب إنشغال ذهنه بأمور أخرى ثانوية ما كان ينبغي ان يهتم بها بقدر إهتمامه بأمر الحوت أو على الأقل إهتمامه بأمر طعام النبي موسى عليه السلام.

السعي للوصول إلى العلم

ذكرنا أن تحرك النبي عليه السلام وفتاه للوصول إلى العالم كان تحركاً صعباً للغاية، فقد قطعوا مسافات طويلة وزماناً كثيرة حتى وصلوا إلى حيث ينبغي، بعد أن تجاوزا المحل وعادوا إليه، وفي هذا الأمر دلالة على ضرورة بذل الجهد والسعي الكبير من أجل الوصول إلى العلم، فلا يتأتى العلم بالدعة والكسل، بل يحتاج إلى أجتهاد.

وعلمائنا العظام بذلوا طاقات هائلة من أجل كسب ونشر العلم، ولم يكن ذلك بالمجان أبداً، فالسيد البروجردي رضوان الله عليه كان يتعب أثناء الدرس، ولكيلا يغلب عليه النعاس يطالع وهو واقف على قدميه، إهتماماً منه بالعلم والمعرفة.

اللقاء بالعالم

{فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65)}

الله سبحانه أعطى لعبده الخضر عليه السلام نعمتين، إحداهما أعظم من الأخرى، الأولى هي نعمة العلم والأعظم منها الرحمة، والرحمة هي النبوة، فبالرغم من أن العلم مهم جداً ولكنه بدون الإيمان بالله سبحانه يبقى بلا قيمة، قال الله سبحانه:{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجات‏}[1]، ولكن حيث يجتمع العلم مع النبوة يكون نعمة عظيمة.

وعلم العبد لم يكن تحصيلياً، بل علمه الله سبحانه من لدنه ، أي بالعلم اللدني.

وحيث وجدا هذا العبد راح النبي موسى عليه السلام يحدثه، ويبدو أنه ترك فتاه لعدم وجودٍ ذكرٍ له لاحقاً ، فماذا قال النبي موسى عليه السلام؟

{قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) }

بتواضعٍ عظيم وأدب رفيع راح النبي موسى عليه السلام يسأل العالم أن يسمح له بإتباعه.

ترى أي خلق كان يحمله النبي موسى عليه السلام، الذي قارع فرعون وأنقذ الآلوف منه وقام بجهادٍ عظيم، فيأتي متواضعاً إلى العالم كي يتعلم منه.

طلب منه أن يعلمه مما علمه الله، ومما أعطاه الله رشداً، فما هو الرشد؟

الرشد يعني بلوغ الكمال، فلكل شيء حدٌ في نموه وتكامله، إذا وصل إليه كان رشيداً، ولكي يصل الإنسان إلى مراتب الكمال يحتاج إلى العلم وكلما زاد علماً زاد رشداً، فالنبي أراد أن يرتقي في كمالاته فطلب من العالم أن يعلمه.

ونستفيد من هذه الآية عدم البحث عن علمٍ لا يفيد الإنسان كمالاً، ولا ينفعه، بل يصب إهتمامه للعلم النافع.

{قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68)}

أجابه العالم أنه لا يقدر معه صبراً ، لماذا؟

لإختلاف مستويات علمهما أو بالأحرى إختلاف أبعاد علمها، كيف؟

ليتضح الامر نضرب مثلاً بمريضٍ يعاني من أعراض معينة فيراجع طبيباً يشخص مرضه في أذنه، والثاني في معدته، والثالث في كليته والرابع يرجع الأعرض إلى علة رابعة، وقول الجميع صحيح مع إختلاف المستويات، حيث ينظر كلٌ منهما إلى المرض من بعدٍ لا يراه السابق.

وهكذا هو الأمر بين علم النبي موسى عليه السلام الذي كان مكلفاً بعلم الشريعة، وعلم العالم الذي كان مأموراً بعلم الغيب، وكلاهما من الله سبحانه ، وكان النبي موسى مأموراً بالأول.

وبقدر تواضعه للعلم كان النبي موسى يغضب لله سبحانه ، وإذ لا يجوز لأحد أن يقتل البريء أو يخرق السفينة او.. علم العالم أنه سيعترض ولا يصبر على هذه الأفعال، حيث لا يدري ما وراء الأمر من حكمة من إصلاح الأمر كما بينها العالم لاحقاً، فالسفينة كانت لمساكين يعملون في البحر وكان هناك حاكم يفتش عن سفن ليصادرها فأعبتها لكيلا يأخذ السفينة منهم، فكانت نتيجة فعله الصلاح والإصلاح وإن بدى ظاهراً خلاف ذلك.

فهدف الإصلاح هو الأصل وراء الأعمال، وحيث يكون الإصلاح هدفاً يجوّز الله ما لايجوّز في غيره، كما الكذب لإصلاح ذات البين الذي يكتبه الله سبحانه صدقاً، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام لعبد الله بن زرارة: ” اقْرَأْ مِنِّي عَلَى وَالِدِكَ السَّلَامَ وَ قُلْ لَهُ إِنِّي أَعِيبُكَ دِفَاعاً مِنِّي عَنْكَ فَإِنَّ النَّاسَ وَ الْعَدُوَّ يُسَارِعُونَ إِلَى كُلِّ مَنْ قَرَّبْنَاهُ وَ حَمِدْنَا مَكَانَهُ لِإِدْخَالِ الْأَذَى فِيمَنْ نُحِبُّهُ وَ نُقَرِّبُهُ وَ يَذُمُّونَهُ لِمَحَبَّتِنَا لَهُ وَ قُرْبِهِ وَ دُنُوِّهِ مِنَّا وَ يَرَوْنَ إِدْخَالَ الْأَذَى عَلَيْهِ وَ قَتْلَهُ وَ يَحْمَدُونَ كُلَّ مَنْ عَيَّبْنَاهُ نَحْنُ وَ إِنْ يُحْمَدُ أَمْرُهُ فَإِنَّمَا أَعِيبُكَ لِأَنَّكَ رَجُلٌ اشْتَهَرْتَ بِنَا وَ بِمَيْلِكَ إِلَيْنَا وَ أَنْتَ فِي ذَلِكَ مَذْمُومٌ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مَحْمُودِ الْأَثَرِ بِمَوَدَّتِكَ لَنَا وَ لِمَيْلِكَ إِلَيْنَا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعِيبَكَ لِيَحْمَدُوا أَمْرَكَ فِي الدِّينِ بِعَيْبِكَ وَ نَقْصِكَ وَ يَكُونَ بِذَلِكَ مِنَّا دَفْعُ شَرِّهِمْ عَنْكَ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبا”[2].

وهكذا قال العالم للنبي موسى أنه لا يصبر على ما لم يحط به خبرا.

وفي الواقع اصطحب النبي العالم لفترة ليست بقليلة وتعلم منه أموراً كثيرة، وبيان القرآن الكريم للمواقف الثلاث كان للحكمة الموجودة فيها، وليست حصراً لما تعلمه النبي موسى عليه السلام من العالم.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المجادلة : الآية 11

[2] بحار الأنوار: ج2 ، ص 247

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الخامس والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ تِلْكَ الْقُرى‏ أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59)وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60)فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61)فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62)قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63)قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً (64)}

صدق الله العلي العظيم

قبل الخوض في التدبر في هذه الآيات المباركات لابد من بيان مقدمة:

وهي أن البشر سيد خلق الله سبحانه وجعل الله له كل شيء في هذا الوجود، ولكي يسخر الطبيعة من حوله لابد أن يمتلك قوة التسخير والإستفادة، بل قيمة الإنسان هي في هذه القدرة، فقيمة الطيّار في تسخيره للطائرة وتحريكه لها، وقيمة السائق في تحكمه في السيارة.

فالرب سبحانه أراد للإنسان أن يكون متحكماً في الطبيعة لا محكموما لها، ومن لم يقدر على التحكم في نفسه وشهواته والهيمنة عليها فإنه لا يصلح للتحكم فيما حوله، وليست له أهلية للقيادة والهيمنة، ومن هذه الجهة نجد أن آيات الكتاب وروايات العترة ومجمل تعاليم الإسلام تهدف بناء الإنسان القوي والمسيطر على ذاته وصاحب الإستقامة تجاه ضغوط الحياة، وهذا ما نجده واضحاً في آيات سورة الكهف التي يهدف سياقها العام بناء الإنسان القوي.

وقلنا أن الإنسان يكتسب القوة بإلتجاءه إلى الله سبحانه وذلك من خلال الإلتجاء إلى السبل التي جعلها الرب تعالى وهي:

أولاً: الإلتجاء إلى الطبيعة والإستعانة بالوضع الجغرافي، كما فعل أصحاب الكهف في إلتجاءهم بالكهف، وكما يأمر الشرع المؤمنين بالهجرة من بلدانهم إلى بلدان أخرى إن عجزوا عن إقامة شعائر دينهم ولم يتمكنوا من إعمال التقية.

ثانياً: التسلح بسلاح العلم، لأن العالم متقدمٌ على الجاهل بأشواط، سواءاً كان عالماً بالدين والاخلاق والمعارف الدينية –وهو الأساس- أو عالماً بسائر العلوم أيضاً، كما في قصة النبي موسى عليه السلام والعالم.

ثالثاً: اللجأ بالسلطان العادل ونظام الحق والقسط، كما في قصة ذي القرنين التي ستأتي لاحقاً.

وحسب السياق بقيت آية ترتبط بالموضوع السابق لم نوضح معانيها هي قوله سبحانه:

{وَ تِلْكَ الْقُرى‏ أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا }

القرية – في الأدب القرآني- هي كل تجمعٍ بشري لم يؤمن بالله ورسله، ولا فرق بعدئذ في حجم هذا المجتمع وإن كان مدينة كبيرة.

فالرب أهلك أهل القرى بظلمهم وسلوكهم المنحرف، ولكن لم يعذبهم بمجرد فعلهم المعاصي بل:

{وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59)}

فلم يؤاخذهم الرب سبحانه سريعاً، بل أمهلهم ليتوبوا من ذنوبهم ويرجعوا إلى الجادة.

سلاح العلم

العلم قدرة قوة كبيرة ،والعالم أعلى من غيره: {  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير}[1]، لأن العلم يمكّن الإنسان من النجاة من المشاكل والمتاعب.

ينقل أن سلطاناً زوّج إبنته لعبده فأبِق عبده، وتورّط السلطان بأمر تزويج إبنته الباقية بذمة العبد الآبق، فقام بزيارة أحد علماء المدينة راجياً منه إيجاد مشكلة لمعضلته، ولكن العالم إشترط عليه تمشية ألامور المالية لحوزة المدينة لمدة شهر، فقبل السلطان الشرط.

قال له العالم: حل معضلتك في أن تهب العبد لإبنتك ، وبهبتك إياه لها يبطل النكاح ويمكنك حينئذ تزويجها ممن تشاء.

فالعلم قوة وسلاح لعلاج المشاكل وللتقدم، وما نجده من الآيات والروايات المؤكدة على العلم والمبينة لمقام العلماء لم يأت إعتباطاً، بل جاء ليكون المسلم متقدماً في هذا الحقل وبتبعه يتقدم في سائر مجالات الحياة.

وبالفعل كان المسلمون متقدمين على أهل العالم بكثير حين إهتموا بالعلم وقبل أن يقوموا بتفسيرات خاطئة للنصوص الشريفة ليبرروا تقاعسهم وتكاسلهم.

ولو إهتم شبابنا اليوم بالعلم – بمختلف مجالاته- بدل الإهتمام بتوافه الأمور لتقدمت أمتنا وتحصنت من ضغوط الدول المستكبرة وهجماتهم المختلفة، وكفى بهذا دافعاً يحمل الشاب المسلم على الإهتمام بهذا المجال.

النبي موسى عليه السلام والعالم

أمر الله سبحانه نبيه موسى عليه السلام بإتباع عالمٍ من العلماء، فما هي الحكمة في ذلك ؟ أولم يقدر ربنا على إعطاء العلوم جميعاً للنبي؟

يبدو أن الحكمة في الأمر هي رسم الطريق للناس في مجال طلب العلم، كما فعل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بإرسال صحابيين إلى اليمن ليتعلموا كيفية صناعة السلاح الحديث، بينما كان النبي عالماً بهذا السلاح وكيفية صنعه، ولكنه أرسلهم ليريهم الطريق المتبع لإكتساب العلم.

فلابد إذاً من طلب العلم وإن كان في مناطق بعيدة وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:”  اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَ لَوْ بِالصِّين”[2].

إنطلق النبي موسى عليه السلام في مسيرته وبصحبته فتاه الذي يبدو أنه يوشع بن نون عليه السلام، ليلتقي بالعالم سواء كان هو الخضر او غيره، ومعهم طعامهم الذي كان عبارة عن سمكة كبيرة ( حوت) ، والتي كانت في الوقت ذاته وسيلة للوصول إلى العالم حيث أمره الله بأن يلتقي بالعالم حيث تحيى السمكة في الماء.

ويبدو أن هذه العلامة هي من طبيعة اللقاءات السرية للثوار والمصلحين، حيث لا يحددون مكاناً وزماناً محددين، بل ينوهون لذلك تنويهاً.

{وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}

كلمة ( إذ ) تفيد معنى ذلك الوقت أي إذكر أو أقرأ قصة موسى حيث قال..

والفتى هو المرافق للإنسان والذي يقوم بخدمته كما أنه يتربى على يد من يرافقه، فهي للخدمة والتربية، والتربية بالفعل والسلوك، كما كان أمير المؤمنين عليه السلام يأخذ معه بعض أصحابه في تحركاته وسفراته، ككميل بن زياد وميثم التمار ونوف وغيرهم.

أعلن النبي موسى عليه السلام عزمه على لقاء العالم مهما بعدت المسافة إلى مجمع البحرين حيث يلتقي بحران، فحين يعزم الإنسان الوصول إلى مكانٍ ما فلابد أن يأخذ بعين الإعتبار السعي الذي سيبذله في هذا السبيل.

واختلفوا في موضع مجمع البحرين إلى ثلاثة آراء:

الأول: مجمع البحر الأبيض والمحيط الأطلسي عند جبل طارق.

الثاني: محل إلتقاء البحر الأحمر بخليج عدن عند باب المندب في اليمن.

الثالث: شمال البحر الأحمر الذي ينقسم إلى قسمي خليج العقبة وخليج السويس.

والأقرب هو القول الثالث لبعد المكانين الأولين من الناحية الجغرافية.

{ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60)}

قيل عن الحقبة أنها مائة عام، وقيل أنها سبعون عاماً، ولكن الذي يبدو أن المراد من الحقبة هنا هي مدة من الزمن، وفي هذا الأمر درسٌ في عدم تراجع الإنسان عن أهدافه بسهولة.

{فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما }

حين وصلا إلى مجمع البحرين نسيا حوتهما الذي هو السمكة أو السمكة الكبيرة، ولكن لماذا هنا نسبة النسيان إلى كليهما، بينما في الآية الثالثة والستين نسبة النسيان إلى الفتى فقط؟

يبدو أن النسيان كان من الفتى، ولكن نسب إلى النبي أيضاً لإعتماده على الفتى وعدم سؤاله عنه حين التحرك، فالمسؤول والقائد عليه أن لا يوكل الأمور إلى الغير تماماً فينساه، دونما متابعة.

نسيان الأنبياء

وهل ينسى الأنبياء؟

لا ينسى الأنبياء في ما يرتبط بمسائل الدين والرسالة، ولكن ربما ينسيهم الرب سبحانه فيما يرتبط بالأمور الدنيوية.

{فَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61)}

قيل أن مجمع البحرين كان فيه ماء الحياة، لذلك حييت السمكة وراحت تغوص في البحر، ولكن يبعد أن يكون ذلك الماء ماء الحياة، بل ربما كان في السمكة شيء من الحياة – لبطئ موت بعض أنواعها خارج الماء- فلما وصلها الموج اتخذت سبيلها في البحر.

والسرب هو أسفل الماء وعمقه، والسارب هو الذي يسير إلى الأسفل.

{فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا }

تجاوزا موضع الميعاد، وربما وصلا إلى الشاطئ الآخر ، قال النبي لفتاه أن يحضر غدائهم، الذي كان عبارة عن تلك السمكة.

والغداء طعام الغدوة، وهي وجبة تختلف عن الفطور التي تأكل على الريق، بدليل أنهم كانوا قد تحركوا منذ الصباح فوصلا إلى الموضع في أول النهار.

{لَقَدْ لَقينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62)}

كان سفرهما صعباً وشديداً، الأمر الذي أتعبهم وأنصبهم.

{قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }

طلب الفتى من النبي عليه السلام أن يعودوا إلى حيث  توقفوا للإستراحة ، لأنه نسي الحوت وأنساه الشيطان أن يذكر للنبي عليه السلام أنها دخلت الماء.

وَ اتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63)}

حيث اتخذت السمكة سبيلها في البحر بشكلٍ عجيب.

{قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً (64)}

قال له النبي عليه السلام أن ذلك الموضع هو المكان المنشود، وهناك حيث كنا نريد اللقاء بالعالم.

ولذلك عادا في الطريق ذاته الذي سلكوه ووصلوا إلى مرادهم، وعودهم هذه المسافة كان شاهداً على جدية النبي موسى عليه السلام في تحركه للوصول إلى العالم.

النبي موسى عليه السلام أراد الوصول إلى العالم، ونحن أيضاً نبتغ الوصول إلى إمام زماننا، فلابد أن نكون جادين في الأمر بالدعاء للإمام والمناجة والإستمرار في زيارته والتوسل إليه.

أما أن يكون همنا هماً آخر وبجانبه نريد اللقاء بالإمام عليه السلام والتشرف برؤيته فلا يكون ذلك، كما أراد أحد العلماء اللقاء بالإمام وطلب ممن كان يلتقي بالإمام أن يصحبه معه علّه يتشرف برؤية الإمام عليه السلام، وبعد تكرار الزيارات إلى مسجد السهلة، وفي إحدى الليالي أراد العالم أن ينام قليلاً لشدة تعبه، فنهاه صاحبه عن ذلك لإحتمال مجيء الإمام، وبعد أخذٍ وعطاء، إتفقا على أن ينام الرجل وإذا جاء الإمام يوقظه صاحبه.

والذي حصل هو مجيء الإمام عليه السلام والتقاء ذلك الولي به ولما أراد الولي أن يوقظ صاحبه، نهاه الإمام عن ذلك.

نسأل الله سبحانه أن يعجل في فرج إمامنا عليه السلام.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]سورة المجادلة : الآية 11

[2]مصباح الشريعة : ص 13

تدبرات في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الرابع والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ في‏ آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58)}

صدق الله العلي العظيم

أوليست فرص البشر متساوية فيما يرتبط بالهداية؟ أو لم يجعل الله سبحانه للجميع فرصة الوصول إلى الهدى؟ فإذاً لمَ يختم الله على قلب البعض بالضلالة وتعمى بصائر قلوبهم وتصم آذان أرواحهم فلا يهتدون أبدا؟

قبل الإجابة على ذلك نضرب مثالاً يسهم في فهم السبب، كما يساعد في معالجة حالات قسوة القلب لدى الكثير منا، لو حفظت حديثاً من أحاديث أهل البيت عليهم السلام كقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ” مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ”[1]. وأردت نشره بين الناسفصادفك شخصٌ خارجٌ من المسجد بعد الصلاة والدعاء وذكرت له الحديث، ستراه يتأثر ويعزم على أن يقلل من نومه لكي لا تنقض عزائمه.

وصادفت شخصاً آخر كان في نزهةٍ محلله وذكرت له النص ذاته، ستكون ردة فعله بصورة مختلفة، حيث سيقول –ربما- أن هذا الحديث ينفع الذين ينامون في أول الوقت ولا ينفعنا نحن، أو يقول ربما اطبق ما في النص لاحقاً.

وإذا لقيت ثالثاً كان على معصيةٍ وعملٍ محرم، وذكرت له الحديث نفسه، فإنه سيرد الحديث من البداية وربما يسيء الكلام عليك.

فهذه ردود أفعال مختلفة لحديثٍ واحد ، الأول مذعن، والثاني متردد، والثالث رافض للقبول، وإختلاف هذه الردود ناتجٌ من إختلاف حالاتهم، فالأول كان قلبه متصلاً بالله سبحانه ومتنوراً بالصلاة والقيام في المسجد، والثاني كان بين وبين، أما الثالث فكان بعيد عن الله سبحانه.

ومن هنا نعرف أن عمل الإنسان وسلوكه يؤثر على روحه وقلبه شاء أم أبى، فالمصلي الصائم العابد يختلف عن الآخرين في مدى تفاعله مع الحق.

وختم الله سبحانه على قلب البعض إنما هو نتيجةً لظلمهم وسلوكهم الخاطئ.

أنواع الظلم

والظلم أنواع، فمنه ما يكون ظلماً واحداً، كما يظلم الشخص زوجته بضربها، ومنه ما يكون الظلم الواحد مضاعفاً، كما يظلم الشخص زوجته الحامل حيث تتوجه الظلامة عليها وعلى جنينها.

والقرآن الكريم يعتبر الإعراض عن الحق أشد أنواع الظلم، لماذا؟

لأنه تجاوزٌ لعدة حقوق، أولها حق الله سبحانه الخالق للإنسان وربه، وثانيها ظلمه للداعي الذي ذكّره بالحق سواء كان نبياً أو وصياً أو عالماً ربانيأً، وتجاوز حق الداعي ظلمٌ له، وثالثها ظلم النفس، وبظلم النفس تبدأ سلسلة المظالم على الناس، وذلك لأن الذي يتجاوز آيات الله سبحانه سيهون عليه ظلم الآخرين.

{ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها }

ليس هناك أظلم ممن ذكر بآيات الله سبحانه ، سواء آياته في الكتاب أو المبثوثة في الخليقة أو الأفراد الذين هم آيات الله سبحانه.

فالإعراض عن التذكير بأيٍ من هذه الآيات يؤدي بالمرء أن يكون أظلم الناس.

{وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ }

والسبب في إعراضه يكمن في ما جنته يداه من المعاصي، بينما هو لا يدري سبب إعراضه وعدم تأثره بالموعظة، فهو قد نسي ظلمه للناس وأكله للمال بالباطل والآن هو يعرض عن الحق، كما قال الإمام الحسين عليه السلام لأعدائه حين أبوا أن ينصتوا لنصحه: ” وَيْلَكُمْ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْصِتُوا إِلَيَّ فَتَسْمَعُوا قَوْلِي وَ إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ فَمَنْ أَطَاعَنِي كَانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَ مَنْ عَصَانِي كَانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَ كُلُّكُمْ عَاصٍ لِأَمْرِي غَيْرُ مُسْتَمِعٍ قَوْلِي فَقَدْ مُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُمْ”[2].

وهكذا نستفيد من الآية بصيرة هامة أن سلوكيات الإنسان الخاطئة تؤثر في توفيقاته للأعمال الصالحة، حيث يسلب الرب توفيق المذنب من الأعمال الصالحة التي تكسبه الأجر، كما روي عن عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي لَا أَقْوَى عَلَى الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ فَقَالَ لَا تَعْصِ اللَّهَ بِالنَّهَارِ .وَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ حُرِمْتُ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ قَيَّدَتْكَ ذُنُوبُكَ”[3].

فإذا ما حرم أحدنا توفيقاً ما فعليه أن يراجع نفسه ويحاسبها على ما اقترفه من ذنوب، نعم ذلك لا يعني أن كل عدم توفيقٍ ناتجٌ من المعاصي، بل المراد من ذلك أن الفارغ السليم الذي هيئت له ظروف العمل الصالح لو لم يوفق له فإن ذلك بسبب معاصيه.

{إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ في‏ آذانِهِمْ وَقْراً }

الكن هو الغطاء الذي يجعل على الشيء وجمعه أكنة، وقد جعل الله سبحانه على قلوب هؤلاء – بسبب فعلهم وإعراضهم- أكنةً أن ينتفعوا بالتذكير، وفي آذان قلوبهم ثقل ( وقر) يمنعهم من الإستماع إليها.

{وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)}

ومن كان حال قلبه الإنغلاق وعمى البصيرة وصمم الآذان، فلن يهتدي مهما سعى الداعية ( النبي أو الوصي أو أتباعهما) إلى دعوته إلى الهدى، وهذه أسوء عاقبة يمكن أن يصل إليها الإنسان.

{وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ }

ولكن لا يقنط الرب أحداً من عباده، فهو الغفور ذو الرحمة يعفو ويصفح، فالقنوط من رحمة الله سبحانه أعظم من كل الذنوب الأخرى.

والدليل على أن الرب غفورٌ ذو رحمةٍ واسعة أنه لا يستعجل العاصين بالأخذ بذنوبهم.

{لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ }

العالم اليوم مليء بالمعاصي والذنوب والمظالم، فالذنوب التي ترتبك جهاراً وتحدياً لله ليست قليلة، كم من دمٍ حرام يهرق يومياً على هذه الأرض؟ كم من المظالم تقع كل لحظة ؟

لو لم يكن الله سبحانه غفوراً رحيماً لأخذ أهل المعاصي بالعذاب ، ولكن عدم أخذه الآن لا يعني إهمالهم وتركهم:

{بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58)}

فالموعد الذي جعله الله سبحانه لا مفر لهم منه ولا ملجأ.

وعلى الإنسان أن ينتفع بالمهلة التي جعلها الله له سبحانه ليتوب إليه متاباً من ذنوبه ومعاصيه.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]عيون الحكم والمواعظ: ص 481

[2]بحار الأنوار: ج 45، ص 8

[3]التوحيد ( للصدوق) : ص 97

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثالث والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ إِلاَّ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ وَ يُجادِلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَ اتَّخَذُوا آياتي‏ وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً (56)}

صدق الله العلي العظيم

يعيش البشر بين قطبين ضاغطتين، فمن جهة يكمن قطب العقل والفطرة وتوفيق الله سبحانه، ومن جهة أخرى تجد قطب الجهل والشهوة وفتن الدنيا تجرّ الإنسان نحوها، ويعتصران البشر بصورة مستمرة، وكلما زادت الضغوط والإبتلاءات نقى جوهر الإنسان – إن نجح فيها- كما ينقى الذهب كلما زيد في إفتتانه بالنار، ومن هنا كان الإبتلاء للأنبياء والأوصياء ثم الأمثل فالأمثل – كما في النصوص-، فالبئر والسجن والحوت والتهجير والتقتيل، كلها كانت نصيب رسل الله وأنبياءه.

ولكل قطب من القطبين ما يجرّ الإنسان نحوه ، فالقطب السلبي يجذب الإنسان بالدنيا والأرض والتراب، أوليس البشر يحبّ التراب فيحن إليه، فيبني الدور ويعمر القصور ويحب شراء الأراضي والمزارع و..؟

أما القطب اللآخر فلا علاقة له بالأرض ومتعلقاتها بل يدعوا الإنسان إلى الإهتمام بالآخرة، تلك الدار التي ينتقل إليها بخروجه من الدنيا، وتلك الدار التي لا ينال فيها إلا بالعمل والسعي والجد.

ولكي يخلص المرء نفسه من جواذب القطب الدنيوي وتأثيراته عليه أن يعمل إرادته بشدة، لأن الأمر يقتضي بطولة وشجاعة كافية للتغلب على النفس والهوى وجواذب الدنيا، فقد روي  عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بقوم يربعون (أي يرفعون) حجرا فقال: ما هذا؟ فقالوا: نعرف بذلك أشدنا و أقوانا فقال صلى الله عليه و آله و سلم:الشديد من غلب نفسه‏”[1].

ولا يكون ذلك إلا عبر إحداث تحوّل حقيقي في داخله ويبني روحه لتتحول من حالٍ إلى خير حال، ويخطىء من يتصور أن إسترساله مع الحياة ومنعطفاته يوصله إلى حيث يريد، ودليل ذلك اولئك الذين أرادوا المعالي وسألوا الله –حتى- دون أن يعقدوا العزم ويصرفوا مثقال خردلٍ من الإرادة لم يصلوا ولن يصلوا إلى شيء، فالقيمة الأساسية هي لمن أراد وسعى، قال الله سبحانه: {  وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورا}[2].

والمشركون والكفار وكثيرٌ غيرهم ينتظرون تحريك الآخرين لهم سواءً الرب أو المحيط والبيئة، ومن ذلك توقعهم –الخاطئ- بأن يجبرهم الرب على الإيمان والهدى، في حين أن الله سبحانه لا يكره أحداً على الهدى، وإنما يبعث الرسل مبشرين ومنذرين، لأن تقدير الرب سبحانه كان في ترك الإنسان حراً ليختار بمحض إرادته طريق الهدى ومن ثم يأخذ بيده ويعينه على التحديات الضاغطة عليه من نفسٍ ومحيطٍ معاكس و..

فما نجده من وجود مؤمنين أعانهم الله على أمرهم وآخرين لا حظّ لهم من ذلك هو بسبب قيام المؤمن بالخطوة الأولى وهي الإختيار الصواب والإرادة للتحرك نحو الهدى.

{ وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ}

ترى؛ ما الذي منع الناس أن يؤمنوا بالحق الذي يحكم به عقلهم ووجدانهم وتثبته كل الأدلة والبراهين؟ وبعد الإيمان بالحق يستغفروا ربهم على ماضيهم؟

{ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)}

العذاب نوعان:

الأول : عذاب الإستئصال الذي لا يبقي أحداً من الكفار، كما كان في قوم نوح وقوم عادٍ وثمود.

الثاني: العذاب المستمر والمتتالي، قال الله سبحانه عن نوعي العذاب: { قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون‏}[3].

الذي منع الناس من الإذعان للحق، توقعهم الخاطئ بوجود قوة تقهرهم على الإيمان وتحملهم على الهدى، فينتظرون سنة الأولين ، أي العذاب الذي جاء على من كان قبلهم من الأمم الكافرة بالله، حتى يضطرهم ذلك إلى الإذعان بالحق ولكن دون أن يكون ذلك الإذعان قيمة ساعة العذاب، أو تتابع الوان العذاب عليهم ( قبلاً) كي يذعنوا بالحق.

الأمة الإسلامية والعذاب

وبالرغم من أن الأمة الإسلامية لا يعذبها الله بعذاب الإستئصال – كما تدل على ذلك بعض الروايات- إلا أنها ليست بمأمن من الوان العذاب الأخرى، حيث نجد اليوم إبتلاءها بالعذاب الذي قال الله عنه { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}، إذ تصرف مليارات الدولارات التي لابد أن تعمّر بها البلدان في مجال القتل والتخريب والتدمير، قتل من؟ قتل المسلمين من ابناء الأمة.

{وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ إِلاَّ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ }

إقتضت حكمة الله سبحانه أن لا يرسل الرسل وبيدهم مقامع من حديد يكرهوا الناس على الإيمان، بل يرسلهم بالبشارة والإنذار، تاركاً أمر الإيمان وعدمه إلى الإنسان نفسه.

{وَ يُجادِلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ }

بإدعاءتهم الباطلة وإظهارهم للباطل يسعى الكفار أن يبطلوا الحق ويخفوه، والدحض في اللغة هو الزلق الشديد المؤدي إلى الزوال.

 

{وَ اتَّخَذُوا آياتي‏ وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً (56)}

وحيث لا ينفعهم سلاح خلط الحق بالباطل، يتخذوا سلاحاً أخطر وهو سلاح الإستهزاء بآيات الله وبإنذار الرسل.

فالكفر بالحق شيء، والإستهزاء به شيء آخر وهو من أسوء مزالق أتباع الباطل، والذي قد يستتبع ختم الله على قلب المستهزء فلا هداية بعده أبداً، كما فعل أبو سفيان حين استهزء بآية طعام اهل النار ( الزقوم) حيث جاء بتمرٍ وزبد ودعا من حوله بأكل الزقوم.

ونشهد اليوم البعض يستهزء بالحق وبالنصوص الشرعية وبالعلماء، وهذه ظاهرة خطيرة تودي بصاحبها إلى الهلاك.

وبكلمة

مشكلة الكثير من الناس لا يملكون حسا مرهفاً يستشعروا بالخطر ويأتمروا بأوامر الرب سبحانه في إتباع الحق،بل يريدو أن يكونوا كالعبيد المقهورين على أمرهم، بينما هناك من الناس من أرواحهم حساسة للمواعظ فيتأثرون بكلمة الحق ويغيرون مسير حياتهم بالإنذار.

نسأل الله أن نكون منهم لنعقد العزم على إتباع الهدى، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ج13، ص 10

[2]سورة الإسراء: الآية 19

[3]سورة الأنعام : الآية 65

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثاني والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ لَقَدْ صَرَّفْنا في‏ هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً (54) وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)}

صدق الله العلي العظيم

 

في الأية الأولى بصائر ترتبط بالثقافة الإلهية نذكر بعضها:

الأولى: القرآن الكريم وبيان الحقائق

القرآن الكريم ظاهره حكم وباطنه علم، ففي الظاهر يأمر وينهى ولكنه في باطنه ينبئ عن الحقائق والعلوم، وبناءاً على ذلك فإن القرآن يحوي في طياته جميع المعارف الإلهية التي تحتاجها البشرية.

وربما يقال أننا لم نجد آيةً تتحدث عن الطب أو الكيمياء أو غير ذلك، فيقال في الجواب على ذلك أن العلوم تنقسم إلى كليات وقوانين مطلقة وعامة وإلى جزئيات وتطبيقات لتلك القوانين العامة، ففي النحو مثلاً تنطبق قاعدة ( الفاعل مرفوع) على ملايين الجمل وكذا الأمر في سائر العلوم، والقرآن الكريم يبين تلك الحقائق الكلية والقوانين العامة، ففيما يرتبط بالطب مثلاً يكفينا قوله سبحانه: { وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين‏}[1]في مجال صحة البدن وسلامته من الآفات والأمراض.

الثانية: القرآن وتصريف الأمثال

ولكن السؤال عن كيفية بيان القرآن الكريم لتلك الكليات؟

إنما ذلك يتم عبر المثال، وقد بينا في حديث سابق أن المثال يعني الجزء الواضح والبيّن من الحقيقة الذي يوضح سائر الأجزاء أيضاً، إذ يضرب الرب مثلاً بقوم نوح وقوم عاد وثمود للأقوام الهالكة في الأمم السابقة لكي تتبين حقيقة هلاك الظالمين، وحيث كانت أقوام النبي نوح وقوم صالح وقوم هود عليهم السلام مجتمعات كبيرة فإن هلاكهم أمرٌ واضح وبيّن يبيّن هلاك الآخرين، ومن هنا قيل في المثل ( ضرب المثل) لأنه يؤثر ويعلن عن الحقائق المشابهة.

والقرآن الكريم يبين القواعد الكلية والسنن العامة في قوالب الأمثلة والقصص التاريخية والحقائق التي يعاينها الإنسان في حياته.

الثالثة: القرآن الكريم مفتاح المعارف

وبذلك يكون القرآن الكريم مفتاحاً للمعارف، ولا ينبغي الإكتفاء بإمتلاك المفتاح بل لابد من فتح مغاليق المعارف به، وهذا ما يأمر به القرآن ذاته حيث يأمر بالسير في الأرض لمشاهدة ما يقوله القرآن دون الإكتفاء بالموجود في الكتاب العزيز، قال الله سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبين‏}[2].

ومشكلة المسلمين أنهم أكتفوا بإمتلاك المفتاح دونما سعيٍ للبحث عن الأقفال التي يفتحوها بتلك المفاتح، بينما سبقهم غيرهم في بعض المجالات، الأمر الذي حذّر منه أمير المؤمنين عليه السلام في آخر وصاياه للأمة حيث قال عليه السلام: ” اللَّه اللَّه في القرآن و لا يسبقنكم إلى العمل به غيركم”[3].

وبجمع هذه الآية ( الآية الرابعة والخمسين) التي تدل أن الله بين كل الحقائق في كتابه بصورة أمثلة، مع قوله سبحانه: { أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها}[4]، لاستفدنا ضرورة التدبر لإستخراج تلك الكنوز والحقائق من الآيات الشريفة.

{ وَ لَقَدْ صَرَّفْنا في‏ هذَا الْقُرْآنِ في هذه الآية وردت عبارة ( تصريف) الأمثال، بينما تعبّر الآيات الآخرى بـ( ضرب الأمثال) فما الفرق بين التعبيرين؟

صرفنا من التصريف، وهو التقليب والتحريك، كما يقال للصراف صرافاً لأنه يحول المال من جنسٍ إلى آخر، فتصريف الأمثلة في القرآن الكريم يعني ضربنا مثالاً تلو مثال، لكي تتضح الحقيقة بالمثال الثاني إن لم تتضح للبعض عبر المثال الأول، وهكذا ترى قصص الأنبياء ترد لبيان مطلبٍ واحد في حين يمكن الإكتفاء بمثالٍ واحد.

والتعبير بـ ( في هذا القرآن) للدلالة على أن تصريف الأمثال في هذا الكتاب، إذ لو كان التعبير بالكتاب، لكان يستفاد منه اللوح المحفوظ مثلاً، ولكن جاءت الآية بهذا التعبير للتأكيد على أنها في هذا القرآن.

{لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ }

تصريف الأمثال إنما هو للناس جميعا، فلا يقال أننا لا نفهم القرآن وليس يفهمه سوى الكمّلين من العلماء، كلا؛ فكل إنسانٍ يستفيد من القرآن الكريم لكن بحسب مستواه هو، وقد قال الله سبحانه :{ فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها}[5].

وهذا لا يعني عدم الحاجة إلى الراسخين في العلم، فالرجوع إليهم ضرورة، ولكن الأمر بالرجوع إليهم لا يعني إقفال الفهم عن إدراك ما في الكتاب من الحقائق.

وفي القرآن من كل مثلٍ شيئاً أي لكل حقيقةٍ مثال، فليس ثمة حقيقة لم يبينها القرآن الكريم بصيغةٍ أو بأخرى، وقد أمر الإمام الصادق عليه السلام أصحابه أن يسألوه عن أي شيءٍ يقوله في القرآن الكريم.

{وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلاً}

لفظ الناس يدل على الجميع، بينما الإنسان يعني فرد فرد هذا المجموع، أي طبيعة الإنسان وماهيته، فماهية الإنسان وطبيعته أنه أكثر شيءٍ جدلاً، ولم يقل الرب سبحانه أنه أكثر حيٍ جدلاً بل عبّر بالشيء الذي هو أعم لفظٍ في اللغة العربية، فما هو الجدل؟

لكي تتضح دلالة الكلمة نضرب مثلاً بأنواع الرياخ المخالفة، فهناك نوعان منها هما العاصفة والإعصار، فالعاصفة تهب بإتجاه واحد، بينما الإعصار يدور في إتجاهات مختلفة، والجدل هو شبيه بالإعصار، كيف؟

خلق الله الإنسان من مواد مختلفة ومن جهات مختلفة، ففيه النورية وفيه النارية، فيه جانب الجنة وفيه جانب النار، فيه الملائكية وفيه الحيوانية، ولذلك فإن تمايلات البشر مختلفة بل ومتناقضة، فهو من جهة ميّالٌ إلى الشهوات والماديات فيصير لله سبحانه خصيماً مبيناً، ومن جهة أخرى تراه يميل إلى كل خير.

من جهة يستشعر الذل والصغر أمام الله سبحانه، ومن جهة أخرى يتكبر فيدعي الألوهية وكما قيل ” كل نفس أضمرت ما أظهره فرعون” ، وتبقى هذه الصراعات قائمة في الإنسان حتى آخر لحظة من لحظات حياته ولابد أن يرجح كفة النور على كفة النار ليكون من الفائزين.

وما أخسر الإنسان إن لم يستطع الإنتفاع برحمة الله سبحانه الواسعة والشاملة لتغليب جانب الخير ودحر الشيطان والمساوئ في نفسه، خصوصاً وأن الله سبحانه قد جعل لرحمته محطات مختلفة مثل ليالي القدر ومواسم الزيارات لكي يتزود عزيمة وإرادة في معركته مع النفس والشيطان.

نسأل الله سبحانه أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الأعراف: الآية 31

[2] سورة آل عمران : الآية 137

[3]  الوافي: ج2 ،ض 330

[4] سورة محمد :الآية 24

[5] سورة الرعد: الآية17

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الحادي والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحیم

{ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)وَ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)}

صدق الله العلي العظيم

ليكون توحيد الإنسان بالله سبحانه صحيحاً، عليه أن ينقيه من شوائب الشرك، ومشكلة الكثيرين أنهم كلما أبعدوا هذه الآفات عن الإحاطة بإيمانهم بالله تنمو مجدداً،ومن هنا کان على المرء أن يبحث عن جذور الشرك ليقتلعها كما يقتلع المزارع الآفات المحيطة بالزهور من الجذور.

لماذا يشرك البشر، وبأي سبب تراه يتبع الجن تارةً ويعبد الحجر أخرى ويطيع الطغاة ثالثة، وفي كلها يترك الله سبحانه؟

إنه يظن أن تلك الأشياء أو الأشخاص شركاء لرب العزة في الخلقة، فيقولون في أنفسهم لنعبدهم ونطيعهم مع الله سبحانه، أو يعبد البعض الشيطان لأنهم يعتبرونه مصدر الشر في مقابل الله مصدر الخير، وحيث لا يأتي من الله إلا الرحمة – حسب زعمهم- فلنخضع لإبليس كيلا نصاب بشروره.

والحال أن النفع والضرر بيد الله سبحانه، ولا يقدر أحدٌ على الإضرار بالإنسان إذا لم يشأ الله سبحانه ذلك.

ولكي يقتلع الرب هذه جذور الشرك من قلب الإنسان ينبه الإنسان على أن هؤلاء الذين تعبدها من دون الله سبحانه، لم يكونوا شركاء لله في خلق الخليقة ولم يستعن بهم الرب في أمره، هم – كما أنتم- مخلوقون مربوبون، غاية الأمر أن بعضهم غوى وأتبعهم الغاوون.

فليسو شركاء في الخليقة لأنهم خلقوا بعد خلق السماوات والأرض فأنى لهم بخلق ما خلقوا بعده؟ مضافاً إلى أنهم لا يقدرون  على السيطرة على أنفسهم أو حفظها من الموت أو دفع الأشرار عنها، فكيف لهم أن يحفظوكم أنتم من أمر الله سبحانه؟

هل قدر نمرود على أن يحفظ نفسه من حشرة صغيرة تدخل أنفه فتصل إلى مخه وتبدأ بأكله حتى مات؟ أم قدر فرعون الذي ادعى الربوبية على حفظ نفسه – فضلاً عن جنده وأتباعه- من الغرق؟

كلا؛ الأمر كله بيد الله سبحانه، حتى أن مشيئته اقتضت أن ينجي فرعون ببدنه – دون سائر المغرقين- ليمر بجسده على إمرأة كانت قد لاقت الظلم من فرعون وقومه قبل أربعين سنة حتى شكت أمرها إلى الله قائلةً: أتهملنا يا رب؟

.. يمرّ بها جسد فرعون وتسمع نداءاً : ( إن الله يمهل ولا يهمل).

فالطغاة والسلاطين بشرٌ كسائر البشر، ولا يجوز أن يرفعوا أعلى من شأنهم، لا كما فعل ذلك الشاعر مع أحد الحكام العباسيين حيث أنشده ( ما شئت لا ما شائت الأقدار** فأحكم فأنت الواحد القهار) جاعلاً الحاكم إلهاً من دون الله، والحال أن الحاكم كان منشغلاً بذبابة تزعجه يذبها عنه فتعود، وليحظى الشاعر على الجائزة راح يكرر المصرع الأخير والحاكم مشغولٌ عنه بالذبابة حتى سقط من كرسيه على الأرض، ضعف الطالب والمطلوب.

{ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ }

ليسوا لله شركاء في الخلق، بل حتى لم يشهدهم الله سبحانه خلق السماوات والأرض كي يدعي مدعٍ شركهم.

{وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)}

ولو فرض حاجة الرب إلى من يعضده – سبحانه- فلا يتخذ الرب أعوان مضلين، ولا يستعين بأعدائه، وهذه قضية طبيعية في أن العدو لا يمكن أن يكون عوناً وعضداً.

فولي الله هو من كان في طريق الله وداعياً إلى الله – لا إلى نفسه -، كما هم الأنبياء والأوصياء والعلماء، فالأنبياء يدعون الناس لعبادة الله ولا يدعونهم إلى أن يتخذونهم أرباباً من دون الله، كما قال الله سبحانه: { ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لي‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُون‏}[1].

وكذلك العلماء الربانيون لا يتحدثون عن أنفسهم، بل يبينون رأي الدين والشرع المقدس، وبالتالي يدعون الناس إلى الله سبحانه لا إلى ذواتهم وأنفسهم، وكما في الحديث قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجُلَسَاءِ خَيْرٌ قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ رُؤْيَتُهُ، وَ زَادَكُمْ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَ ذَكَّرَكُمْ بِالْآخِرَةِ عَمَلُهُ[2]، وهكذا هم علمائنا من يزيدون الناس علماً ويذكرونهم بالله سبحانه ويزهدوهم في الدنيا بأعمالهم وسلوكياتهم.

وبوعي هذه الحقيقة جيداً تزول كل شبهة شركٍ عند المرء ، فالله لم يشهد أحداً على خلق السماوات والأرض ليكون شريكاً، كما أنه لم يستعن بالمضلين أبداً.

هذا في معالجة الشرك من ناحية المبدأ، أما معالجتها من حيث العاقبة والنتيجة فيقول الله سبحانه:

{وَ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذينَ زَعَمْتُمْ }

يوم القيامة يطالب الله المشركون أن ينادوا من زعموا أنهم شركاء لله فعبدوهم وأطاعوهم، لينقذوهم من مخمصتهم، أوليسوا أشركوا بهم لينقذوهم ساعة العسرة؟

{فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)}

يدعوهم لينقذوهم ولكن دون جدوى، فلا يستجيب الشريك المزعوم، فهو مشتغل بورطته، ومنها إشتغاله بالحرب المستمرة مع قرينه من الشياطين.

ولو فرض استجابتهم لهم فبين الشركاء و المشركين هوة سحيقة و مهلكة، يسميها القرآن بالموبق و هيالفجوة العميقة الفاصلة بين شيئين.

{وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها }

من ألوان عذاب المجرمين أنهم يعرضون على النار ويرونها بأم أعينهم قبل أن يعذبوا بها، وهم يعلمون أنها مصيرهم، وكلمة الظن هنا تعني أنهم يتصورون حالتهم في النار وهم مواقعوها أي تكون النار من تحتهم ومن فوقهم فتكون محيطة بهم.

{وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)}

ولا منقذ أو مصرف عن النار حينئذٍ أبداً.

بالتأمل في هذه الحقائق بين الماضي والمستقبل يقتلع المرء جذور الشرك من قبله فيرسخ التوحيد في قلبه ولا يزيله شيء، حتى تراه لا يهاب العالم كله ولا ينصاع لهم، كما حصل مع سحرة فرعون الذين آمنوا بالنبي موسى عليه السلام وهارون، وحين هددهم بالقتل بتلك الصورة البشعة أجابوه كما ينقل القرآن الكريم عنهم: { قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى‏ ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضي‏ هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏}[3].

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]سورة آل عمران: الآية 79

[2]الأمالی ( للطوسي) : ص 157

[3]سورة طه : الآية 72-73

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس العشرون)

بسم الله الرحمن الرحیم

{ وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْليسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُوني‏ وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمينَ بَدَلاً (50)}

صدق الله العلي العظيم

كان التقدير الإلهي في خلق الإنسان أن يبني الإنسان نفسه ليكون مؤهلاً لتجاوز الإبتلاءات والإمتحانات بتفوق، وشاء الإنسان أم أبى تبقى هذه سنة الله سبحانه التي لا تتغير بأن يجبر الله عبده على الهداية ويضطره إلى دخول الجنة. كلا؛ فالحكمة في جعل الإنسان حراً يختار كيف يشاء طريقه، ومن هنا كان على المرء أن يخطو هو الخطوة الأولى للهدى كي يأخذ الله سبحانه بيده.

والخطوة الأولى هي الأساس وهي بحاجة إلى عزم إرادة ليكون الإنسان من أهل الجنة، قلها لنفسك وإتخذ القرار وسيوفقك الله لما هو أرضى، أما أن تتوقع إجبار الرب لك بدخول أبواب الهدى فذلك لا يكون، والقرآن الكريم يخاطب الناس جميعاً، صغيرهم وكبيرهم، حرهم وعبدهم، ذكرهم وأنثاهم، مؤمنهم وكافرهم، يخاطبهم جميعاً بلسانٍ واحد ويدعوهم لأن يخطو هم خطوات الوصول إلى الهدى أولاً.

إبليس المهتد الذي هلك

كان إبليس من الجن الذين خلقهم الله من مارجٍ من نار، يطيع الله سبحانه في الأرض ويعبده، فرفعه الله إلى مستوى الملائكة فصار يعبد الله معهم، فأعجب بمقامه وكان هلاكه في عجبه بالنفس، وكذا يكون هلاك كل مؤمنٍ وعابد في إعجابه بنفسه وعبادته ودمعته التي يجريها من خشية الله حيث يتحول كل ذلك إلى وبال، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ”  لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ الْعُجْب‏”[1].

أعجب إبليس بمقامه ولكن لم يبد ما في نفسه، فلم يحاسبه الله، إذ لا يحاسب الله على الصفات النفسية ما لم تظهر، ولكن يفتن الإنسان ليظهر جوهره فيحاسبه حينئذ، وهكذا كان الأمر مع إبليس أيضاً، حيث كان إمتحانه الأكبر في سجوده لخليفة الله في الأرض.

ولا يدرى إمتحان الرب أين يكون ومتى يكون، حيث لا يستشير الرب أحداً في إمتحاناته، وهي تكون صعبة غالباً، كما أمر الناس أن يحجوا إلى بيته الحرام في وادٍ غير ذي زرع، ولم یأمرهم بالحج إلى منطقة طيبة الهواء وسهلة الوصول حيث كان الأمر.

أمر الله سبحانه الملائكة المخلوقون من نور ، كلهم بالسجود لآدم عليه السلام المخلوق من طين، وفي الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش عليهم جميعاً سلام الله، والملائكة المأمورون بالسجود هم المهيمنون على كل الخليقة بأمر الله سبحانه، فأطاعوا جميعاً إلا إبليس الذي أظهر ما كان في نفسه وأعتبر نفسه أعلى من أن تسجد لما خلق الله من طين ظناً منه أن النار التي خلق منها أفضل من طين لازب، فتكبر..

الكبرياء رداء الله سبحانه ولا يتقمص أحدٌ هذا الرداء إلا أرداه الله سبحانه، فطرده الله سبحانه وأمهله لا إلى يوم القيامة بل إلى يوم الوقت المعلوم، ويبدو أن أبليس ذاته لا يدري متى تنتهي مهلته، بل يطمع أن يكون من أهل الجنة قبل إنتهاء مدته حيث يسأل الله التوبة بحق الأنوار الخمسة الأطهار، ولكن ينسيه الله سبحانه ذلك قبل هلاكه –كما هو مضمون قول الإمام الصادق عليه السلام-.

وبيننا وبين إنتهاء فرصة إبليس، لا يزال إبليس متعهدا لغواية البشر وإظلالهم، ومن أساليبه أنه يتحرك بالقرب من الحق، فبجانب ولاية الله التي عاقبتها الحسنى هناك ولاية إبليس التي تزيّنت للناظر ولكن عاقبتها الدمار.

والله سبحانه بعد ذكره لحادثة طرد إبليس بشكل سريع يحّذرنا من إتباعه والإغترار به.

{ وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْليسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ }

الملائكة من نور وكانوا هم المخاطبين بالأمر الإلهي، ولكن إبليس الذي كان من الجن شمل بالخطاب لرفعه معهم، فأطاع الملائكة وعصى إبليس.

{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }

الفسق يعني تجاوز الحد، وإبليس تجاوز الحدود الإلهي بمخالفة الأمر الإلهي المباشر.

{أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُوني‏ وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ }

هذا هو إبليس وسيرته ، فهل يستأهل أن يتخذه الإنسان ولياً من دون الله سبحانه، والحال أن إبليس هو وذريته أعداء للبشر وقد أقسم بعزة الله على غوايتهم.

ولا يهمنا كيفية تكاثر وتوالد إبليس، ولكن يهمنا أنه ليس وحده بل له ذرية وكلٌ منهم يختص في إغواء البشر من زاويةٍ خاصة، فبعضهم موكّل بالصلاة وآخرين بالشباب وأخرين بغواية النساء وهكذا..

بِئْسَ لِلظَّالِمينَ بَدَلاً (50)}

بئس البديل عن الله سبحانه هو إبليس، ولكن لماذا الحديث عن الظالمين؟

ذلك لأن الظلم صفة قبيحة وأغلب البشر مبتلي بهذه الصفة بنسبة أو بأخرى ، كيف؟

مقام الإنسان حين خلقه الله سبحانه مقامٌ سامي ومسؤوليته في المقابل مسؤولية عظمى، تلك المسؤولية التي رفضت السماوات والأرض والجبال أن يتقبلوها وتقبلها الإنسان، وبمقدار تقصيره في تلك المسؤولية والأمانة يكون ظالماً.

والإمام زين العابدين عليه السلام يبين في رسالته للحقوق خمسين حقاً واجباً على الإنسان أن يؤديها بدءاً من حقوق الله سبحانه وإنتهاء بحق نفسه، ومروراً بحق الأم والأب والزوجة والمعلم وغيرهم، وعدم تأدية تلك الحقوق تجعل الإنسان في خانة الظالمين.

والظالم يختار طريق إبليس بصورةٍ أو بأخرى، إلا أن ينجيه الله سبحانه وينقذه، ومن هنا علينا أن نحرص على عدم الظلم ولو قليلاً لكي لا نكون من اولياء إبليس، وإن كان منا من هو كذلك فليعزم على التوبة والعودة، لأن التقصير في حقوق الآخرين ظلمٌ وذنبٌ لا يغفره الله سبحانه، فقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله :” ذنب لا يغفر و ذنب لا يترك و ذنب يغفر فأمّا الّذي لا يغفر فالشّرك باللَّه و أمّا الّذي يغفر فذنب العبد بينه و بين اللَّه عزّ و جلّ و أمّا الّذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا” [2] حتى أفتى بعض فقهائنا بوجوب اداء حقوق الآخوان السبعين، ومع عدم أداءها يحاسب عليها يوم القيامة.

نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا إنه غفور رحيم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] بحار الأنوار: ج 69، ص 329

[2] نهج الفصاحة : ص 494

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس التاسع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ الْمالُ وَ الْبَنُونَ زينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً (46) وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47) وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48) وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَ لا كَبيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)}

صدق الله العلي العظيم

 

بين الضغوط اليومية على الإنسان من بيئة وأسرة ومجتمع، من عصبياتٍ وحميات، من شهواتٍ وأهواء وبين الآمال المستقبلية من البرزخ والجنة والنار و..، للإنسان صراعٌ دائم، ولابد من إيجاد التوازن بينهما، فمن جهة تفرض الضغوط نفسها لأنها حاضرة ومباشرة، ومن جهة أخرى ليست الآخرة أمراً هيناً لديموميتها وإستمرارها في مقابل الدنيا الزائلة، فمهما كان الحاضر شديداً إلأ أنه غير دائم، بينما الباقي والدائم هام وإن كان قليلاً، ارأيت لو خيّرت أيها الإنسان بين ألمٍ شديد في رأسك لساعتين و ألمٍ خفيف يدوم معك إلى نهاية عمرك، أيهما كنت تختار؟

بطبيعة الحال ستختار الأول لأنك تعلم أنه يزول بعد قليل، ولا تختار ما به إبتلائك إلى نهاية عمرك، وكان من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام بعد رفع بلية أو دفع مكروه: ” وَ إِنْ يَكُنْ مَا ظَلِلْتُ فِيهِ أَوْ بِتُّ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْعَافِيَةِ بَيْنَ يَدَيْ بَلَاءٍ لَا يَنْقَطِعُ وَ وِزْرٍ لَا يَرْتَفِعُ فَقَدِّمْ لِي مَا أَخَّرْتَ، وَ أَخِّرْ عَنِّي مَا قَدَّمْتَ، فَغَيْرُ كَثِيرٍ مَا عَاقِبَتُهُ الْفَنَاءُ، وَ غَيْرُ قَلِيلٍ مَا عَاقِبَتُهُ الْبَقَاءُ، وَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ”[1].

وبين ضغط الحاضر وأمل المستقبل يبقى الإنسان متردداً في التقديم، وإيجاد التعادل بينهما أمرٌ صعب على الإنسان لطبيعته الميالة إلى الشهوة الحاضرة من جهة وطموحه إلى الكمال الدائم من جهة أخرى.

والعقل يرجح دائماً كفة الدوام على الزوال مهما طال أمد هذا الزائل، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام في آخر لإبن أبي العوجاء، في آخر حوارٍ معه: ” إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَ نَجَوْتَ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَقُولُ وَ هُوَ كَمَا نَقُولُ نَجَوْنَا وَ هَلَكْتَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوهُ فَمَاتَ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ”[2].

ترجيح كفة الآخرة

إن ترجيح كفة الآخرة لدى المؤمن تساهم في معالجة الضغوط عليه، فيكون أسمى منها ومن التحديات كلها، فترى الموظف البسيط يرفض قبول رشوة بالف ضعف راتبه لا لشيء سوى أنه يعلم حرمة الرشوة، ولكن في المقابل ترى المتأثر بالدنيا يفعل أي شيء من أجل الحصول على المال أو المنصب، وقد يرتكب أقبح الجرائم في فورة غضب.

ويذهب برتراند راسل في كتابه ( في التربية ) إلى أن تربية المؤمنين بالله واليوم الآخر أبناءهم المبنية على جعل العقبى والجزاء الأخروي نصب عين الطفل خير نمط من أنماط التربية، إذ أنهى تربي في الفرد قوة التحدي للضغوط المفروضة عليه.

القرآن يخلق التوازن

والقرآن الكريم عبر تصويره المستمر والدائم للآخرة وتجسيم مواقفها في الجنة أو النار يخلق حالة التوازن في نفس المؤمن، فإذا ما تأملها المرء وإعتقد بصدق ما جاء به القرآن وأنه حقٌ لا باطل وجدّ لا هزل، سيتوقف لحظة الشهوة أو فورة الغضب فلا يتبعها كما يتبعها غيره ممن أشخص ببصره إلى الدنيا.

نقل أحد الأخيار أنه رآى في منامه أبليس وحوله حبال وسلاسل وبينها سلسلة ممزقة، فسأله عن السلاسل والحبال فقال هي سبله لإجتذاب ولد آدم، فسأله عن السلسلة الممزقة فقال هي سلسلة الشيخ الأنصاري مزقها أمس ولم أستطع إجتذابه.

فذهب الرجل في اليوم التالي إلى الشيخ الأنصاري وسأله عن حاله بالأمس، وبأصراره على الشيخ وإنباءه بالمنام قال له الشيخ بأن زوجته كانت مقربة ولم يكن لديه مالاً سوى مال وديعةٍ لأحد المؤمنين، وكلما أراد أن يأخذ من هذا المال ليشتري لزوجته شيئاً تذكر الآخرة والحساب ودقته، فتراجع عن أخذه المال.

وكم من المؤمنين عاشوا في حياتهم مراعين للموازين الشرعية بدقة متناهية لأنهم أرادوا الآخرة وإنتهت حياتهم كما إنتهت في المقابل حياة اللذين لم يبالوا بالحلال والحرام.

{ الْمالُ وَ الْبَنُونَ زينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا}

إنها زينة وهي تضغط على الإنسان وتجتذبه إليه، ولكن:

{ وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً }

فالعمل الباقي هو العمل الصالح، وليست الباقيات الصالحات مقتصرة على الصلاة والصيام وبناء المساجد وغيرها، بل يمكن أن يكون العمل للدنيا ضمن الباقيات الصالحات، كمن يستحصل المال ليوسع على عياله ويقصد بذلك وجه الله سبحانه، فهو من الباقيات الصالحات، وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:” خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَ أَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي”[3].

{ وَ خَيْرٌ أَمَلاً (46)}

محكمة الضمير من أشد المحاكم على الإنسان، ويعيش المجرم والمذنب حالة تأنيب الضمير بصورة مستمرة الأمر الذي يسلبه قراره ونومه، بينما المؤمن بالآخرة يعيش حالة الإستقرار النفسي والطمأنينة التامة من نفسه.

أن يكون الإنسان في مشاكل مالية أو إجتماعية أو صعب ولكن لو قورن بحالة إرتياح الضمير من المستقبل، والأمل بأنه نقي الثوب في الآخرة ستهون المشاكل كلها.

اليوم الآخر

{وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ }

هل هناك أشد من الجبال في الأرض؟

كلا؛ فهي الأكبر حجماً والأثقل وزناً، وبها تضرب الأمثال في الشدة والقوة، ولكن الجبال ذاتها سيجعلها الله سبحانه تسير يوم القيامة، فتكون كالعهن المنفوش الذي يتحرك بهبة ريح أميالاً.

{وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً }

والأرض هي الآخرى يجعلها الرب سبحانه مسطحة بعد أن يسجر البحار فتتخبر مياهها وتندك الجبال، تصير أرضاً مستوية : { لا تَرى‏ فيها عِوَجاً وَ لا أَمْتا}[4].

{ وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47)}

حينذاك يحشر الله كل بشر فلا يغادر أحداً منهم ، حتى الجنين السقط يحشره الرب سبحانه – كما تدل على ذلك النصوص- و يبقى الإنسان حينئذ وحيداً لا ينفعه والدٌ ولا ولد، فيخلى بينه وبين عمله.

{ وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّكَ صَفًّا }

مائة وعشرين ألف صفٍ بين مشرق الأرض ومغربها، في حرارةٍ شديدة حتى يلجمهم العرق، وأحسنهم حالاً من وجد موطئ قدم على الأرض.

{لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }

ذهبت كل العناوين وزالت كل الإمكانات المادية وإنتهى كل شيء، فيأتي الإنسان كما خلقه الله سبحانه أول مرة عارياً فقيراً.

{بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48) }

مشكلتكم كانت في عدم إيمانكم لهذا اليوم ، بل عدم تصوركم له، ولو تصور الإنسان ذلك الموقف لكف يده عن كثيرٍ من الإنحرافات، فلو تصوّر المجرم نفسه أمام محكمة العدل ومجازات فعله ، لما قدم على جريمته أبداً.

{وَ وُضِعَ الْكِتابُ }

لكل امرء كتابٌ فيه ما عمله في حياته من حسناتٍ وسيئات، فكل إنسانٍ يلزمه الله طائره في عنقه.

{فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ }

لأنهم يعلمون ما ارتكبوه في الحياة فإنهم مشفقين مما في الكتاب.

{وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَ لا كَبيرَةً إِلاَّ أَحْصاها }

يدعون بالويل على ما في الكتاب من إحصاء لدقائق الأفعال وصغائرها حتى النوايا التي عقدوا قلوبهم عليها.

{وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)}

ولا يقتصر الأمر على الكتاب ، بل عملهم ذاته يتجسد أمامهم، ولا يظلم الله سبحانه أحداً من خلقه بل يعاملهم بعدله.

هذه صور من مشاهد يوم القيامة ولابد أن يستذكرها الإنسان دوماً لكيلا ينحرف عن الجادة، كما أنه بحاجة إلى أن يبحث عن شفيعٍ يرتضيه الرب سبحانه ليشفع له عند الله سبحانه، وخير شفيع للمؤمنين هو أميرهم أعني الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي جعله الله سبحانه قسيم الجنة والنار، وكما قال الله سبحانه: { وَ بَيْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُون‏}[5].

نسأل الله سبحانه أن يشفّعه عليه السلام فينا، بمنّه وجوده وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الصحيفة السجادية: من دعائه عليه السلام إذا دفع عنه ما يحذر او عجل له مطلبه.

[2]  الكافي: ج1 ،ص 78

[3] من لا يحضره الفقيه : ج3، ص 555

[4] سورة طه :الآية 107

[5] سورة الأعراف: الآية 46

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثامن عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مُنْتَصِراً (43)هُنالِكَ الْوَلايَةُ ة الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً (44)وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (45)الْمالُ وَ الْبَنُونَ زينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً (46)}

صدق الله العلي العظيم

حين قدّر الرب أن يخلق خلقاً يكون خليفته في الأرض ويكون سيّداً على سائر المخلوقات وسخّر ما في الطبيعة لأجله، قدّر له أن يصل إلى منزلة يقول الرب عنه:” عبدي أطعني تكن مثلي، تقول للشي‏ء: كن، فيكون»[1]، إلى حيث يكون جليس الرب كما قال سبحانه: {  في‏ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِر}[2]، قدر له الرب أن يرتقي حتى قال سبحانه في حديثٍ قدسي: ” لَا يَسَعُنِي أَرْضِي وَ لَا سَمَائِي وَ لَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ”[3].

إختار الرب هذا المخلوق ليكون سيداً على كل المخلوقات، فأحسن خلقه، بل قال حين خلقه: {  فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقين‏}[4]، وأمر ملائكته بالسجود له فسجدوا أجمعين إلا أبليس الذي قاس جنسه ( النار) بجنس الإنسان ( الطين) فلعنه الله وطرده فكان رجيم.

وحين أخبر الرب ملائكته بأنه يريد خلق خليفةٍ له في الأرض أعترضوا بأنه يفسد فيها ويسفك الدماء ولا حاجة لخلقه فنحن الملائكة نسبح لك يا ربنا ونقدس لك، أجابهم الرب قائلاً: { إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون‏}[5]، ففي هذا الخلق الأنبياء وأوصياءهم، فيهم النبي محمد صلى الله عليه وآله ووصيه المرتضى عليه السلام، ولم يكن الملائكة يعلمون بهذا الأمر.

الإنسان صاحب الطموح

ومما أودع الله سبحانه فطرة الإنسان أن جعله صاحب همةٍ عالية، فهو بطبعه يطمح للتكامل والتقدم، يرغب في التسامي والتعالي، وما التطور الذي نشهده لدى البشر والطموح الذي نراه فيه حيث يرغب في غزو الفضاء بعد أن ضاقت به الأرض إلا بسبب تلك الفطرة التي بها يريد الحصول على كل شيء.

ولا يريد الدين من الإنسان أن يعمي هذا الطموح ويعطله، ودليله ما نجده عند الأنبياء من الطموح العالي، فمنهم من دعا الله أن يؤتيه ملكاً لا ينبغي لأحدٍ بعده كالنبي سليمان عليه السلام، ومنهم من دعا ربه أن يجعل له لسان صدقٍ في الآخرين كالنبي إبراهيم عليه السلام الذي يذكره اليوم أكثر من خمس مليار إنسان بخير ويعظمونه.

فالدين لا يعطل الفطرة ولكن يوجهها في الإتجاه الصحيح، فيجعل الإنسان يهدف الغايات العليا لا سفاسف الأمور، ومن أجل تلك الأهداف السامية عليه أن يسلك طريقها الصحيح، وقد قال ربنا سبحانه في سورة الحمد التي هي خلاصة ما في كل القرآن: { اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيم‏}[6].

وحين نعلم أن الملائكة الذين أمرهم الله بالسجود للإنسان هم المهيمنون على ما في الوجود من شمسٍ وقمر ورياح وسحب و..، حينذاك نستشعر بأهمية إختيار الهدف السامي والطريق المستقيم له، وأن لا نضيّع العمر في الطريق الخاطئ والهدف الخطأ.

وفي قصة الرجلين في سورة الكهف ، اللذين تحاورا بينهما نجد أن صاحب الجنتين عمل كل شيء وأنفق ما يملك في سبيل أحياء الجنتين، ولكنه إنحرف عن الجادة ولم يسلك السبيل الإلهي، فبدل أن يشكر ربه ويسأله المزيد، أعجب بنفسه وأغتر بما يملك فدمّر الله كل شيء.

وداء العجب أسوء داءٍ يمكن أن يبتلى به أي إنسان، لأن بداية إبتلاءه تعني بداية نهايته، كما كانت نهاية فرعون حين إغتر بجنوده وسلطانه، بالرغم من أنه عاين معجزة الرب المبصرة بإنفلاق البحر لموسى عليه السلام وقومه، ولم يدعهم يخرجوا من مصر بسلام ، فدخل البحر فكان من المغرقين، وهكذا كل صاحب سلطان يعجب بسلطانه سيؤخذ من حيث أعجب، والشاب يغتر بشبابه وبطشه وبما يملك من مال فتراه يغتر بسيارته أو دراجته فيقودها بلا إنضباط فتكون عاقبته الدمار أو الموت.

وأغتر صاحب الجنتين بهما وأعجب بما يملك، فشكك في الآخرة وأعتبر عطاء الرب له بسبب حبه له، فقال لو رددت إلى ربي سيؤتيني خيراً منها.

أما صاحبه فنبهه بخطأ طريقته، والصواب في عدم الشرك بالله سبحانه، وبعد النصيحة وعدم الإنتفاع بها عذّبه الرب بإحراق كل شيء، إذ لا يعذب الله سبحانه أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه.

{ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ }

في الآية الرابعة والثلاثين ذكر الله سبحانه إعتزاز الرجل بما يملك من الرجال والأفراد من حوله، وفي هذه الآية يذكر السياق عدم وجود فئة ينصرونه من الله.

{وَ ما كانَ مُنْتَصِراً (43)}

وحتى لو وجدت الفئة والرجال، فلن يقدروا على مقابلة أمر الله والإنتصار عليه.

{هُنالِكَ الْوَلايَةُ  الْحَقِّ }

الولاية بالفتح تعني الصداقة، فالله سبحانه نعم الصديق، والرب سبحانه حقٌ و كل شيء خلقه حقٌ أيضاً ، فالحق جوهر المخلوقات كلها.

{هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً (44)}

فالله سبحانه الحق يشخص الطريق الذي تكون عاقبته الفضلى.

الشاب الذي يلهث وراء أعراض الناس لإشباع الشهوة يسلك سبيل الهلاك، بينما الشاب الذي يشبع شبقه بالزواج الشرعي اختار طريقاً عاقبته الخير، والتاجر الذي يفكر دوماً في الربح بواسطة الغش والكذب لا يفلح، بينما الصادق في تجارته خيرٌ ثواباً وخير عقباً، والحكومة التي لا تعتمد على صناعتها وزراعتها بل تمد يد الإستجداء من الآخرين أو السرقة منهم لا تدوم، بينما الحكومة التي تتوكل على الله سبحانه وتعتمد على قدراتها وإمكانياتها خيرٌ عاقبةً.

وكل ذلك لا يقتصر على الدنيا فحسب، بل هو خيرٌ في الدنيا والآخرة أيضاً.

مثل الحياة الدنيا

{وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ }

يعلن الربيع بداية خيراته فتهطل السماء ماءاً مباركاً وبه تخضّر المزارع والبراري لتكون ذات بهجةٍ للإنسان، ولكن لا تمضي الأيام إلا ويبدأ موسم الصيف الذي يسلب بهجة الربيع فلا يبقى إلا طلٌ، وما أن تهب رياح الخريف إلا وتذروا ما صيره الصيف هشيماً، وينتهي كل شيء..

فكما دائرة الطبيعة ، كذلك دائرة الحياة الدنيا، مع بعض الفارق في المدة الزمنية، حيث تكون في الأول خمسة أشهر أو ستة، وفي الثاني سبعون أو ثمانون عام، تبدأ بالولادة والطفولة ثم المراهقة والشباب، ثم الكهولة والشيخوخة فالموت.

{وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (45)}

ينتهي كل شيء ويزول ، والله سبحانه هو الباقي، ويضرب الرب مثالاً آخر للحقيقة ذاتها في الآية التالية:

{الْمالُ وَ الْبَنُونَ زينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا }

الأموال والبنون ليست سيئة، ولكنها تبقى زينة يجب أن لا يغتر بها الإنسان، وذلك لأن هناك ما هو خيرٌ منها وأبقى:

{وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً (46)}

فالذي يبقى هي الصالحات، وهي التي تنفع المرء يوم القيامة.

وقد ذكرنا سابقاً أن كل خمس وأربعين سنة من سني الدنيا تساوي ساعةً واحدة من ساعات الآخرة، فهل يخسر الإنسان كل شيء هناك بلذة ساعتين ( من ساعات الآخرة) في مقابل الخلود في الجنة؟

روي أن أمير المؤمنين عليه السلام اشتهى كبدا مشوية على خبزة لبنة، فأقام حولا يشتهيهاثم ذكر ذلك الحسن عليه السّلام يوما و هو صائم،فصنعها له. فلما أراد أن يفطر قرّبها إليه، فوقف سائل بالباب.

فقال: يا بني احملها إليه، لا تقرأ صحيفتنا غدا «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيَا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها»[7].

وهكذا نجد علياً عليه السلام لم يلتفت إلى الدنيا وزينتها لأنه أراد الآخرة ، بعكس السلاطين الذين نسوا الدار الآخرة وراحوا يلتذون بالدنيا مهما قدروا على ذلك، وقد روي أن المتوكل العباسي استدعى إمامنا الهادي عليه السلام يوماً فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ وَجَدَهُ فِي قُبَّةٍ مُزَيَّنَةٍ فِي وَسَطِ بُسْتَانٍ وَ بِيَدِهِ كَأْسٌ فِيهَا خَمْرٌ فَقَرَّبَهُ وَ هَمَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْكَأْسَ فَامْتَنَعَ الْإِمَامُ عليه السلامفَقَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مَا خَامَرَتْ لُحُومُنَا وَ دِمَاؤُنَا سَاعَةً قَطُّ قَالَ فَقَالَ أَنْشِدْنِي شِعْراً .

فَأَنْشَدَهُ الْإِمَامُ عليه السلام بما فيه نصيحة له ولكل إنسان:

بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ             غُلْبُ الرِّجَالِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الْقُلَلُ‏

وَ اسْتَنْزَلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ             فَأُسْكِنُوا حُفَراً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا

نَادَاهُمُ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا دُفِنُوا             أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَ التِّيجَانُ وَ الْحُلَلُ‏

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُحَجَّبَةً             مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَ الْكِلَلُ‏

فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ             تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ تَنْتَقِلُ‏

قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَ مَا شَرِبُوا             فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا[8]

فراح المتوكل يبكي وضرب بكأسه على الأرض، ولكن المتوكل نفسه خلع من كرسي حكمه بعد أسابيع أو أشهر من قبل الجيش، وعاقبته في الآخرة العذاب الإلهي الأليم.

نسأل الله سبحانه أن نكون من السالكين سبيل الحق ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]دلائل الصدق لنهج الحق: ج5 ،ص 181

[2]سورة القمر: الآية 55

[3]عوالي اللئالي :ج4، ص 74

[4]سورة المؤمنون: الآية 14

[5]سورة البقرة: الآية 30

[6]سورة الحمد: الآية 6

[7]شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار: ج2 ،ص 363

[8]كنز الفوائد: ج1 ،ص 342

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس السابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَ وَلَداً (39) فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَباً (41) وَ أُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى‏ ما أَنْفَقَ فيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ يَقُولُ يا لَيْتَني‏ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)}

صدق الله العلي العظيم

الأحاديث الشريفة المبينة لأول الخليقة مختلفة، فمنها ما تبين أن أول شيء خلقه الله هو المشيئة وبالمشيئة خلق سائر الأشياء، ومنها ما تبين أن أول ما خلق الله سبحانه هو العقل، وفي رواية ثالثة نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، ولكن يمكن أن تجمع هذه الروايات المختلفة في إطارٍ واحد، فالحقيقة واحدة بالرغم من اختلاف التعابير.

وبناءاً على أن العقل هو نور نبينا وأنه هو المشيئة، يمكن جمع الروايات.

خلق الله العقل من نورٍ مكنونٍ عنده وكما قال الإمام الباقر عليه السلام: ”  لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ إِيَّاكَ آمُرُ وَ إِيَّاكَ أَنْهَى وَ إِيَّاكَ أُثِيبُ وَ إِيَّاكَ أُعَاقِبُ”[1]، وبعد أن خلق الله الإنسان على هيئة الذر وأخرجهم من ظهور آبائهم، خاطبهم الرب قائلاً: { أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلين‏}[2]. وهذا هو الميثاق.

وفي يوم الميثاق بعالم الذر أشهد الله سبحانه ملكاً على شهادات الخلق ودونها في طومارة وابتلعها ثم أنزل الله سبحانه الملك إلى الأرض على هيئة الحجر وهو الحجر الاسود، وما يقوم به الحاج عند استلامه للحجر هو تأكيد الميثاق وتأديته ليشهد الملك ( الحجر) له بالموافاة يوم القيامة.

وبعد العقل والفطرة بعث الله سبحانه الأنبياء ليستأدوا الانسان ميثاق تلك الفطرة ويثيروا له دفائن عقله المدفون تحت الركام، كما قال امير المؤمنين عليه السلام: ” فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَ يَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول‏”[3].

وفي مقابل هذه الثلاثة هناك جهل الإنسان وغفلته، وبسببهما يخطئ في مسيرته كلياً، فتراكمت على عقله وفطرته حجباً جعلتها مدفونة وهي :

اولا:ً الآباء، فالحجاب الأول هو الإتباع الأعمى للآباء الذي كان سبباً وراء إنحراف الكثير من البشر، حين اعتبروهم معيار الصواب والخطأ، قال الله سبحانه: {  وَ إِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُون‏}[4].

على الإنسان أن يترك طاعة الآباء إن كانت مخالفة للعقل والشرع مع إحترامه لهم وإحسانه إليهم، قال الله سبحانه:{ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بي‏ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون‏}[5].

ثانياً: الخضوع للمجتمع ، فبعد أن يتبع الآباء ويخضع لهم تبدأ مسيرة الخضوع للمجتمع، حيث يخضع وبطابع حس التوافق الإجتماعي لمحيطه، حتى قيل بعدم وجود إرادة للفرد في مقابل الروح الإجتماعية.

ثالثاً: والقوة السياسية هي المحطة الثالثة لإنحراف الإنسان وهي الحجاب الثالث على عقله وفطرته، وهي ناشئة من المجتمع أيضاً، ويعبر القرآن عنها بـ ( الطاغوت) الذي يفرض قوته وثقافته على المجتمع رهباً ورغباً.

وهذه الحجب الثلاث تجر الإنسان غالباً إلى ثقافة الشرك، الناشئة من الإغترار بالدنيا وتكذيب الآخرة، وبذلك تكّون للإنسان ثقافة التشكيك بالحقائق..ثقافة العصبيات والقوميات التي تظهر على السطح كلما ضعفت الروح الدينية.

وتتوافق هذه الثقافة مع اهواء الإنسان وشهواته، اليست توفر له مصالحه ورغباته؟ بلى؛ ولذلك فإن محاربة هذه المجموعة من الثقافات الباطلة بحاجة إلى قوة جبّارة، تكمن في معالجة جذور المشكلة، والتي يختصرها القرآن الكريم في كلمتين هما الأنانية والهوى، قال الله سبحانه: { وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏*  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏}[6].

دور الإرادة

وبين الحجب الثلاثة والأنوار الثلاثة يأتي دور الإرادة ليختار بينهما الطريق، قال الله سبحانه: {  إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُورا}[7]، وقال تعالى أيضاً: {  وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْن‏}[8]، فأي سبيلٍ تختار وأي طريق ستسلك؟ إنه إختيارك وعليك أن تختار أحدهما.

ولحظة إرادة لإختيار طريق الحق يؤدي إلى أخذ الرب بيد المؤمن، وتيسير أموره وتغليبه على كل شيء، وهكذا المؤمن لا يخشى من دون الله شيئاً لأنه إختار جانب القوة.. جانب الله العزيز، قال الله سبحانه: { قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُم‏}[9].

حوارٌ بين مؤمنٍ وكافر

في المثل الذي ضربه الرب سبحانه عن الرجلين كانت في هذا الإتجاه ، حيث اختار أحدهم جانب الدنيا، بينما أختار الثاني الله سبحانه وطريقه، فحين افتخر الأول بما يملك من مال ورجال وثمارٍ متنوعة من جنتيه العامرتين راح يكّذب بالآخرة ويشرك بربه ، قال له صاحبه الذي عزم على عدم الشرك بالله سبحانه واختار الجنة مصيراً نهائياً له :

{ لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) }

لا أبيع عبادة الرب وإيماني بالله سبحانه بتمرٍ وعنب ومجموعة من الرجال وبعض الأموال، فلا أشرك بالله سبحانه أحداً.

{وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ }

راح المؤمن ينصح صاحبه بقوله: لولا أن تقول ما شاء الله عند دخولك جنتك، فكل ما فيها من نعم هي تجليات لمشيئة الله سبحانه وقوته:

{لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ }

قوتك وأياديك العاملة و.. كلها من الله سبحانه فلا تغتر بما تملك.

لماذا هذه النصيحة؟

لأن البشر – عموماً- ضيق الأفق ووعاء روحه هو الأخر صغير وضيق، ولذلك يخسر نفسه بمجرد حصوله على شيءٍ من المال والمنصب والجاه والعلم، فكما ينهد ركن البدن إذا حمّل أكثر من إمكانيته، كذلك لا تتحمل الروح الثقل ولا يمكنها أن تهضم الأنباء الخطيرة محزنةً كانت أو مفرحة.

ومن هنا؛ إمرنا بأن نذكر الله سبحانه كلما واجهنا شيئاً عظيماً أو سمعنا خبراً هاماً فنقول ( سبحان الله) لكيلا تنهدّ الروح أمام ما ترى أو تسمع، ولا يغتر الإنسان بما آتاه الله سبحانه من نعمة.

{ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَ وَلَداً (39)}

إنطلق المؤمن من الواقع الذي جعل المقابل يتفاخر عليه وهو قلة المال والولد، فقال : إن كنت أنا أقل مالاً وولداً منك، لا يعني أن ذلك أمرٌ دائم : بل ربما يؤتيني الله خيراً مما تملك:

{ فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعيداً زَلَقاً (40) }

فربما يبدلني الله بجنتك قصراً، أو أولاداً صالحين يكونوا خيراً من كل ما تملك، أو يؤجل الله الإنعام علي ليوم القيامة.

وفي المقابل، من قال لك بأن جناتك خالدة؟

فربما يرسل الرب سبحانه عليها عذاباً تحولها أرضاً طينية زلقة بعد أن كانت أرضاً عامرةً بالأشجار والثمار.

{أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَباً (41)}

والإحتمال الآخر لتدمير جنانك يكمن في جفاف النهر وعدم وصول الماء الى الزرع، حيث تجف العروق وينتهي كل شيء في الجنة.

{وَ أُحيطَ بِثَمَرِهِ }

لا يحدثنا السياق عن كيفية تدمير الجنتين، ولكن يذكر العاقبة ، وهي أن الثمار قد انتهت، وكانت تلك ساعة ندامة الكافر:

{فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى‏ ما أَنْفَقَ فيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها }

دخل جنته وهي خاوية وقد انتهى كل شيء، فصار يقلب كفيه –دلالة على الندم – على ما بذله من مال ومجهود لإحياءها، ولكن الندم الحقيقي كان في شركه بالله سبحانه:

{وَ يَقُولُ يا لَيْتَني‏ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)}

 

لم يذكر الله سبحانه إسم الرجلين، كما لم يذكر أسم الجنة ومكانها وسائر التفاصيل الهامشية، لكي نستفيد من هذا المثل عبرةً لانفسنا، إذ تتكرر هذه القصة في حياة البشر، فقد يكون كل واحدٍ منا بدل المغتر الذي ندم في نهاية المطاف، إذا إغتررنا بما آتانا الله سبحانه من نعمة ولم نؤد حقها، وكم هم اولئك الذين حكموا اليوم فصاروا في قعر السجون في غداة الغد وهم يظنون أنهم خالدون على كرسي الحكم.

ومن هنا لابد أن يثير المرء عقله ويستأدي فطرته حين حصوله على نعمة من النعم، لكيلا يخسر نفسه وينسى مكانته، ولو قسنا أي شيء في الدنيا بالعقل والفطرة وبما قاله الأنبياء عليهم السلام، نجده صغيراً ولا يرقى ليكون أكبر منا ، فالإنسان أكبر ومقامه أسمى من كل الماديات إن إنتبه لذلك، وحينذاك يستفيد من كل شيء في الدنيا خير استفادة دون أن تخدعه الدنيا أو تسخّره في خدمتها.

نسأل الله سبحانه أن نكون ممن لم يغتروا بالدنيا.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي: ج1 ،ص 26

[2] سورة الأعراف: الآية 172

[3] نهج البلاغة: خطبته عليه السلام في اختيار الأنبياء.

[4] سورة المائدة: الآية 104

[5] سورة العنكبوت: الآية 8

[6] سورة النازعات : الآيات 40-41

[7] سورة الإنسان :  الآية 3

[8] سورة البلد: الآية 10

[9] سورة الأنعام : الآية 91

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس السادس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (33) وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً (34)وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبيدَ هذِهِ أَبَداً (35) وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (36) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38)}

صدق الله العلي العظيم

قبل أن نتدبر في هذه المجموعة من الآيات لابد من بيان نقطتين:

بين الحاضر والمستقبل

الأولى: في بداية السورة قال الله سبحانه: { إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زينَةً لَها}[1]، ولكن هذه الزينة ليست دائمية وابدية { وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعيداً جُرُزا}[2]، بمعنى أن الإنسان لو كان ينظر إلى عواقب الامور فيفكر في المستقبل وما ستؤول إليه الأمور، أما إن لم يكن بعيد المدى إهتم بوضعه الحاضر، والحلال والحرام دائماً هكذا، حيث يكون الحلال العاقبة، بينما الحرام هو الحاضر، ولو صبر عن الحرام سيرزقه الله من الحلال كما بينت النصوص.

ولتثبيت هذه الفكرة يذكر الرب سبحانه عدة قصص قرآنية، منها قصة أصحاب الكهف الذين لم ينظروا إلى ما لديهم من منصب وزخرف، بل رموا بناظرهم إلى ما أعد الله للمؤمنين من عظيم الجزاء، فإنتهى بهم المطاف أن يبني أهل المدينة مسجداً على محل نومهم ليكون ذكرى لهم، كما أن الجنة نصيبهم في الآخرة.

والقصة الأخرى هي قصة الرجلين الذين يذكرهما الله سبحانه، وأن أحدهما إهتم بالدنيا وما فيها بينما الثاني ألقى بناظره إلى الآخرة، وكان مصير الأول الندامة والخسران، وهذه هي القصة الدائمة للدنيا ولكن لا ينتبه الناس إليها.

الدنيا وموقف الإنسان منها

الثاني: مواقف الناس تجاه الدنيا على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: هم الذين يطلقون الدنيا تماماً وينزوون عن الدنيا ويجلسون في زوايا بيوتهم.

القسم الثاني: يأتون إلى الدنيا ويعبدونها فتركبهم وتحكمهم.

القسم الثالث: يأتون إلى الدنيا ويحكمونها ويحققون قيمهم عبر الدنيا.

ولابد أن نكون من القسم الثالث، إذ لا يمكن أن نترك الدنيا تماماً، لوجود مسؤوليات على عاتقنا من أهلٍ وعيال وأخوة، وكذلك لا يمكن أن نكون محكومين ومنبهرين بالدنيا،  فليس الزهد أن لا تملك شيئاً إنما الزهد أن لا يملكك شيءً ” كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، والبعض لا يملك البيت والسيارة بل يملكانه لأنه يصير عبدٌ لهما، او تراه يضيّع نفسه وقيمه وإنسانيته لمنصبٍ وكرسي، كما فعل حميد بن قحطبة الذي نحر ستين علوياً بأمر هارون الرشيد من أجل ملك ري.

فمن الخطأ إذاً أن نكون من القسم الأول لأن الوظائف الشرعية والواجبات الإنسانية تقتضي الدخول في خضم الحياة، والإنطواء على الذات يعني التقصير فيها، فلابد أن يقوم المؤمن بوظيفته الشرعية والإجتماعية والحضارية، بأن يكون مساهماً في تنمية وتطوير الأمة الإسلامية ولكي تكون كلمة الإسلام هي الحاكمة في العالم.

على المسلمين أن يكونوا هم المسيطرين في العالم كله، لا أن يكونوا محكومين، فالإسلام الحقيقي الذي جاء به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله جعل المسلمين خير أمةٍ أخرجت للناس وجعل المسلمين قوة عظمى في العالم كله، بينما اليوم يخسر المسلمون هويتهم وبذلك يخسرون كل شيء.

كما أن يكون المرء من القسم الثاني مغتراً بالدنيا ومنبهراً بها ولاهثاً وراءها هو خطأٌ جسيمٌ أيضاً.

وقد باتت هذه القضية مثلاً للناس علّهم يفيقوا من غفوتهم:

{ وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً }

المثل هو الجزء الواضح والبيّن من الحقيقة، ولذا يقال إضرب مثلاً لوضوحه ولأنه أيضاً يوضّح كل الحقيقة.

ولكن بماذا يأمر الله نبيه أن يضرب مثلا؟

{رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ}

مثلاً برجلين أعطينا لأحدهما جنتين، فالجنتان بعطاء الله وبجعل الله سبحانه لا الفرد ذاته ، والجنة هي البستان الذي لا تصل الشمس إلى الأرض بسبب كثافة الأشجار والأغصان.

{ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (32)}

الجنتان كانتا من عنبٍ في الوسط يحيط بها النخيل وبين الجنتين منطقة فراغ لزراعة الغلات والمحاصيل الزراعية.

{ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (33) }

قد تمنع الشجر ثمارها في بعض المواسم، ولكن ذلك الموسم آتت الجنتان كل ما فيها من ثمار ولم تمنع منه شيئاً، ومضافاً إلى كل ذلك كان النهر الذي فجره الله سبحانه خلال الجنتين، وربما كان هو سبباً في عدم ظلم الأشجار شيئاً من ثمارها.

التفاخر بعطاء الله

{وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ}

إغتر الرجل بما آتاه الله من الثمار، فابتدأ بحوار الفخر مع صاحبه فقال له:

{ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً (34)}

إفتخر بماله وبمن حوله من الرجال الذين يبحثون عن المال ، فقال لصاحبه أنا أكثر منك مالاً وثروةً وأكثر قوة بشرية غافلاً عن أن من حوله من الرجال والعبيد و..، إنما تجمعوا حوله ليستفيدوا من ماله لا أكثر، ولو زال المال انفض الرجال.

{وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ }

دخل الجنة ليستعرض بما أوتي وهو ظالمٌ لنفسه بما يفعل دون أن يشعر، ظلم نفسه وفقد عقله لإغتراره بأشجارٍ وثمارٍ زائلة ، ولكنه قال:

{قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبيدَ هذِهِ أَبَداً (35)}

إعتبرها خالدة كما إعتبر نفسه ضمناً خالداً أيضاً، ولكن كل ذلك دون برهان ودليل، وهل ثمة خلود في الدنيا؟

إنكار المعاد

{ وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً }

ظنه الأول أدّى به إلى الظن الثاني الذي مفاده تكذيب الآخرة، وإنكاره للمعاد كان بسبب محوه في ما لديه من مال ورجال، كما يفعل أصحاب الثروات اليوم في تهربهم من التفكير في الموت وما بعده من حساب.

{وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (36) }

قال أيضاً: لو افترضنا جدلاً وجود الساعة، فسيكون نصيبي خيراً من هذه، أوليس الله الذي أعطاني هذه الجنات في الدنيا آتانيها لحبه لي سيؤتيني مثلها في الآخرة أيضا؟

كلا؛ إن معايير الآخرة تختلف عن معايير الدنيا تماماً، فالمال والمنصب والجاه قد تنفع الإنسان في الدنيا ولكنها لن تفيده في الآخرة، فكما لا تنفع عملة بلدٍ في بلدٍ آخر، كذلك لا قيمة للمال في الآخرة، بل القيمة للإيمان والعمل الصالح.

إن مشكلة أغلب الناس هي في عدم إيمانهم الحقيقي بالموت وما بعده، فهم يؤمنون بالموت وبكونه حق ، ولكن للجار، بينما هو للجميع وكلنا يذهب إلى ربه، وتبدأ مسيرته في القيامة ،وتبقى الحياة من بعدنا إلى أن يشاء الله سبحانه، قال أمير المؤمنين عليه السلام وَ قَدْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ أَنْتُمْ لَنَا سَلَفٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ خَلَفٌ وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَمَّا الْمَسَاكِنُ فَسُكِنَتْ وَ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَنُكِحَتْ وَ أَمَّا الْأَمْوَالُ فَقُسِمَتْ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَلَيْتَ شِعْرِي مَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِنْ نَطَقُوا لَقَالُوا وَجَدْنَا التَّقْوَى خَيْرُ زَادٍ.[3]

نصيحة المؤمن

{قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37)}

إنتقل الحوار إلى صاحبه، فأنكر عليه كفره بهذه السهولة، ولكن لم نجد من الرجل كفراً فلماذا نسب إليه الكفر؟

صحيح إنه لم يكفر بالله صراحةً ولكن مؤدى كلامه ذلك كان هو الكفر، حيث اغتر بالمال وإعتبره من كد يمينه، مضافاً إلى تكذيبه بالمعاد وظن الحصول على خير منها من الله سبحانه.

فهو في نهاية المطاف كفر بالرب الذي أوجده لا من شيء، خلقه طوراً بعد طور، من ترابٍ ثم من نطفة ثم نقله من مرحلة إلى أخرى حتى صار رجلاً مستوياً.

{ لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38)}

بينما أنا فأعبد الله سبحانه ولا أشرك به أحداً مهما تغيرت ظروفي، ومهما آتاني من نعم.

 

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن يهتم بالآخرة ولا ينس نصيبه من الدنيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الكهف: الآية 7

[2] سورة الكهف: الآية 8

[3] بحار الأنوار: ج75، ص 71

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الخامس عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ يَسْتَغيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئينَ فيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)}

صدق الله العلي العظيم

 

العالم الذي نعيش فيه أوسع بكثير مما نتصوره نحن، ولكنه وعلى سعته وعظمته ترتبط أجزاءه ببعضها البعض، من أصغر ذرة فيه إلى أعظم مجرة، فهي ترتبط ببعضها ارتباط حلق السلسلة المتصلة، وكذلك أجسامنا فيها من الخلايا ما يفوق العد والحصر، وما يتجاوز المليارات من الخلايا، كلها مرتبطة ببعضها ومتناغمة مع بعضها البعض، ولو فقد هذا التواصل والتناغم مرض الجسد بما يسمى اليوم بمرض ( السرطان).

ترى؛ ماهي القوة التي ربطت خلايا جسمنا كما ربطت أجزاء الكون ببعضها البعض وفرضت عليها هذا الترابط، وأي قوةٍ هذه التي ربطت وجودي البسيط بوجود سائر الموجودات في الكون، وأي نظامٍ هذا الذي إذا سألت أي أخصائيٍ في أي تخصص لأذعن لك بوجوده وأقرّ بأنه حاكمٌ في ما يعلم وما لا يعلم، بدءاً من الفيزياء والكيمياء ومروراً بعلم الذرة والنانو وإنتهاءاً بعلم الأفلاك والنجوم.

الحق هو النظام

بلى؛ هو شيءٌ واحد يربط وينظّم أجزاء الوجود وهو ( الحق)، فالحق هو النظام الحاكم على جميع الموجودات، ومثال الحق هو النظام المسمى بالجاذبية، والذي لم يكتشف البشر بعدُ حقيقتها وجوهرها – حسب إطلاعنا- ولكنّها تحرك الأفلاك حول الشمس والشمس في مسارها بدقة متناهية، وكما قال الله سبحانه: { وَ الشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْديرُ الْعَزيزِ الْعَليم‏ * وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَديم‏ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغي‏ لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ في‏ فَلَكٍ يَسْبَحُون‏}[1]، ووحده الرب سبحانه يعلم سعة المجرات والكواكب، وكل ما فيها يسبح في بحر الجاذبية بحركة متناهية الدقة لو إختلت قيد أنملة لأندكت ببعضها وتهاوت، ولو شئنا لضربنا بمغناطيسين يجران حديدة صغيرة في الهواء بحيث لا تنجذب إلي إيٍ منهما ولا تسقط أرضاً، هكذا هي الجاذبية دقيقة.

فالحق هو النظام الذي يجب الإيمان به والخضوع له، شاء الإنسان ذلك أم أبى، ولو أراد أحدٌ التمرّد على الحق ( النظام) لسحق وهو مليم، كما لو أنكر أحدهم الجاذبيةو رمى بنفسه من شاهق، فما الذي سيجنيه سوى الدمار؟

وغفلتنا عن الحق لا تعني عدم وجوده، والسبب في غفلتنا إشتغالنا بالجزئيات وصغائر الأمور دون أن نهتم بالحقائق الكبرى، والذي يعيها هم الخبراء والعلماء في المجالات المختلفة، لما يلحظونه من نظام حاكمٍ فيما يعلمون.

الحقوق من الحق

ومن الحق تنشأ الحقوق، فحقوق الوالدين والإخوان والزوجة والأولاد كلها ضمن الإطار ذاته، فظلم الأبوين يغضب الرب، ويستتبع ظلم الأبناء وعقوقهم له، كما أن ظلم الزوجة والأبناء من أشد الظلم، فأسوء الظلم هو ظلم ولي الأمر ومن بيده الأمور، كالزوج الذي يلي شؤون زوجته وبيده أمر طلاقها، فإن ظالم أهله وإن كان في الظاهر عادلاً يكتب ظالماً عند الله سبحانه ولا يستجيب الرب دعاء الظالم.

وقد يكون العكس أيضاً، بأن تظلم الزوجة زوجها في شؤون مختلفة، كما قد يتقابلان في ظلم بعضهما البعض، كما قال الله سبحانه عن المجتمع الظالم أهله: { وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُون‏}[2].

ومن هنا يجب مراعاة كل الحقوق المتبادلة بين الناس، والتي بينها الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالته للحقوق، وهي كلها تقع ضمن الإطار العام للحق.

وبالرغم من أن المؤمنين ملتزمون بأغلب الحقوق إلا أنها ينبغي أن تراعى جميعاً، فأول موقف في القيامة هو موقف مظالم الناس وهو الذنب الذي لا يترك، حيث يؤخذ لكل ذي حقٍ حقه ممن ظلمه، ومن هنا يسأل المؤمن في أدعيته، أن يحمل عنه التبعات كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاءه: ” اللَّهُمَّ وَ عَلَيَّ تَبِعَاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ، وَ تَبِعَاتٌ قَدْ نَسِيتُهُنَّ، وَ كُلُّهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَ عِلْمِكَ الَّذِي لَا يَنْسَى، فَعَوِّضْ مِنْهَا أَهْلَهَا، وَ احْطُطْ عَنِّي وِزْرَهَا، وَ خَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَهَا، وَ اعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أُقَارِفَ مِثْلَهَا”[3].

{ وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ }

لماذا الأمر بالقول والنطق كما في غيرها من الآيات؟

لأننا يجب أن لا نكتفي بالعمل بالدين وواجباته، بل لابد فوق ذلك من دعوة الآخرين إليه وحثهم عليه.

الأمر بالأخذ بالحق والإلتزام به، والحق من عند الله سبحانه، فهو في آيات الكتاب وروايات أهل البيت عليهم السلام وفي العقل الخالص من شوائب الهوى.

{ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ }

في الدنيا أعطي الإنسان حرية الإختيار، فخلقه الله سبحانه مختاراً ليذهب إلى الجنة بإرادته وإختياره وسعيه، أو يهوي إلى النار كذلك بإرادته وعمله، وكما قال الرب سبحانه: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيرا* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُورا}[4].

ولكن هذه الحرية ليست إلى مالا نهاية، فالرب أرسل الإنبياء ليعلموا الإنسان كيفية إستغلال حريته في الإتجاه الصحيح ولكي يكون ممن يدخلون الجنة التي هي دار ضيافة الرب سبحانه قبل أن تفوتهم الفرص.

ولكي يكون المرء من أهل الجنة لابد أن يعقد عزمات قلبه ويشحذ إرادته ليستأهلها، وبالتأكيد لا يسمح الشيطان له أن يعقد العزم، بل يسوف له الإختيار النهائي دوماً.

ولكي يسرع المرء في إتخاذ القرار وتعيين مصيره، يبين الرب سبحانه مصير الإتجاهين:

{إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها }

لم يستعمل الرب لفظ الكافر أو الفاسق، بل أورد كلمة الظالم، لأن السياق عن الحق، وعدم العمل بالحق ظلمٌ، ومن هنا أعد الله سبحانه للظالمين ناراً محيطة بهم.

ويبدو أن أصل السرادق الخيم المتداخلة، فمن كان في النار فإن النار تحرقه من جهة ومن جهة أخرى تحيط به فهو مسجونٌ فيها لا يمكنه الفرار.

{وَ إِنْ يَسْتَغيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ }

لشدة حرارة الحريق والعطش يستغيث الظالم، فيغاث ( أي يستجاب لنداءه) ولكن لا بماءٍ يروي غليله، بل بماءٍ كالنحاس المذاب( المهل) تشوي حرارته وجهه قبل أن يشربه، فيذوب لحم وجهه فيه.

{بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)}

ما أسوءه من شراب وما أسوءه من مستقر ومحل إقامة.

{ إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ}

في مقابل الظالم هو المؤمن الذي آمن بالحق وعمل به.

وما أعظمها من نعمة يعجز المؤمن عن أداء حق شكرها حيث منّ الله عليه بالإيمان به، ووفقه لعمل الصالحات ليجازيه بعدئذ بالجنة.

{إِنَّا لا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)}

وفي ضمن الحديث تبين الآية قانوناً كلياً وقاعدةً عامة مفادها: أن الله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، مؤمناً كان أم كافراً، بلى يجازى المؤمن بعمله الصالح دنياً وآخرة، بينما يقتصر جزاء عمل الكافر في الدنيا.

فما هو جزاء المؤمن العامل للصالحات في القيامة؟

{ أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ }

جزاءهم أن يؤتيهم الله سبحانه جناتٍ خالدة، لا تنتهي ولا تذبل ثمارها، ولا تتبدل بتبدل الفصول، وتجري الانهار من تحت هذه الجنات، وليست نهراً واحداً، بل هي أنهارٌ أربع : ماءٌ ولبن وعسلٌ مصفى وشرابٌ لا إثم فيه.

{يُحَلَّوْنَ فيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ }

مضافاً إلى نعمة المكان، نعمة الزينة والملبس التي تكون أساور ذهبية يحلّون بها وثياب من حرير يلبسونها، والسندس والإستبرق كلاهما من الحرير ، ولكن الأول حرير ناعم لطيف، والإستبرق حرير ضخم يتلألأ.

{مُتَّكِئينَ فيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)}

وحيث لا شغل لأهل الجنة يتعبهم ويهمهم، تراهم متكئين على الأرائك حيث لا هم وشغل لهم، وعمل أهل الجنة إما أن يكونوا ضيوفاً للمؤمنين أو مضيفين لهم.

كما أن كل يومٍ يمضي على المؤمن في الجنة تأتيه رسالة من رب العزة مطلعها ( من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت) وهي تكفي تعظيماً له وبشارةً له بالخلود، وفي كل جمعة يجتمع أهل الجنة في ضيافة الرب تحت عرشه فيضاعف لهم الله سبحانه ما آتاهم، ولا حد للمضاعفة كما لا حد لرحمة الله سبحانه.

هذه هي الجنة وحسنت مرتفقاً ومقاماً للمؤمن.

أليس حرياً بالمؤمن أن يتمسك بالجنة ولا يتركها – وهي بهذه الصفات – إلى غيرها؟ فيصبر على مضض الحياة وعلى ضغط الشهوات كي يكون من أهلها الخالدين فيها، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه لدعائم الإيمان:”  فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اتَّقَى الْمُحَرَّمَات‏”[5].

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل الجنة وأن يجعلنا من عتقائه من النار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

[1]سورة يس : الآيات 38-40

[2]سورة الأنعام : الآية 129

[3]الصحيفة السجادية: من دعائه عليه السلام في ذكر التوبة وطلبها.

[4]سورة الإنسان : الآيات 2-3

[5]كتاب سليم بن قيس: ج2 ،ص 614

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الرابع عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27) وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُريدُ زينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)}

صدق الله العلي العظيم

القرآن الكرم كتاب هداية ، فما معنى الهداية؟

الهداية هي إراءة الطريق والدفع للسير في، فالمهتدي هو من يعرف الحق ويعمل به، فيصل إلى الحقيقة وجداناً ، ولكن كيف يؤمّن الكتاب العزيز هذه الهداية للإنسان؟

سبيل الهدى

لدى الإنسان مشاكل كثيرة تمنعه من الوصول إلى الهداية ومنها الحجب المحيطة بقلبه وعقله، ومادامت هذه الحجب باقية فإن عقله وعلمه وفطرته تبقى ملوثّة، فإما تراه لا يلتفت إلى الحقيقة كلياً، أو يأخذ منها ما يتوافق مع منافعه ومصالحه.

فالخطوة الأولى تكمن في إزالة الحجب عن القلب والغشاوة عن النفس.

وبعد ذلك تأتي المرحلة الثاني والتي تكون في إراءة الطريق، ويؤدي ذلك دور النور في الواقع المادي، ارأيت كيف يحتاج من نظّف عينه من الأدران إلى نورٍ لكي يبصر الطريق؟ كذلك الهدى تمثل النور الذي يري المهتدي الطريق الصحيح.

وفي المرحلة الثالثة حيث زالت الحجب وبصر الحقيقة واطمأن قلب الإنسان يأتي دور الإتباع والعمل، فقد يكشف المرء بعقله حسن شيء أو قبحه ولكن مادام القلب لم يطمئن تراه لا يتبع النور.

القرآن يهدي

هذه هي المراحل الثلاث للوصول إلى الهدى ويؤمّنها جميعاً القرآن الكريم ، فالمرحلة الأولى تكمن في التزكية، وآيات القرآن زاخرة ببحوث مفصلة عن تزكية النفس وسبل تخلص الإنسان من الأنانية والعصبية والأمراض القلبية الأخرى، ولا نجانب الحقيقة إن قلنا أن هناك عشرات المراحل – إن لم تكن مئات- يجب أن يطويها الإنسان ليكون قلبه قلباً زكيّاً.

وكل آية من آيات الكتاب تهدف تزكية الإنسان، فترى الآيات تتحدث عن السخرية تارةً وعن التنابز بالألقاب أخرى، وعن العجب ثالثة وعن الكبر رابعة، ويحدثنا القرآن أيضاً عن مصير الطغاة وعاقبة عبدة الدنيا ليحذرنا من الصيرورة مثلهم وإتباع سبيلهم.

وعمل الأنبياء عليهم السلام وجهودهم في مجال التزكية كانت عظيمة، خصوصاً الجهود التي بذلها الرسول الأعظم، صلى الله عليه واله في سبيل تزكية الناس حتى صاروا مؤمنين، والفرق بين المؤمن وغيره واسع جداً، كما الفرق بين الدرة والحجارة، وحريٌ بالمؤمنين أن يشكروا الله سبحانه على أن خلقهم في بيئة مؤمنة بالله وموالية لمن أمر الله بولايتهم.

فالقرآن الكريم يرفع حجب الجهل والغفلة عن القلب شيئاً فشيئاً، وكلما زاد الإنسان تلاوةً وتدبراً لآيات الكتاب إقترب من الحقيقة حتى تصبح وجدانية ولا يحتاج حينئذ إلى دليلٍ أو برهان لإثباتها، وهناك فعلاً من قد وصل إلى هذه المرتبة _ وإن كانوا عاجزين عن التعبير عنها لفظياً_ ولكنهم بلغوا مراتب عالية من التزكية حتى تراهم أنكروا ذواتهم تماماً ومحضوا العبودية لله سبحانه فرفعهم الله مكاناً عليّاً.

مرحلة التعليم

وبعد مرحلة التزكية تأتي مرحلة التعليم والتي تعني بيان الحقائق، قال الله سبحانه: { وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ في‏ هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورا}[1]، ففي كل بعدٍ من أبعاد حياة الإنسان تجد في القرآن الكريم مثلاً يبين لهم الحقائق، وكلما تطورت البشرية توصلت إلى حقائق بينها القرآن الكريم في قوالب مختلفة ، بل كلما تطورت البشرية وجدوا القرآن الكريم متقدماً أمامهم بكثير، ذلك لأن القرآن خطاب الرب بل وفيه تجلي الرب كما قال الإمام الصادق عليه السلام: ” لَقَدْ تَجَلَّى اللَّهُ لِخَلْقِهِ فِي كَلَامِهِ وَ لَكِنْ لَا يُبْصِرُونَ”[2].

ومن هنا لا ينبغي للمؤمن أن يقرأ القرآن سريعاً وهذرمةً وبلا تدبر وتأمل، بل عليه أن يتوقف عند آياته الكريمة.

الحث على العمل

وبعد مرحلة التعليم تأتي مرحلة العمل وللقرآن الكريم أسلوبه في الحث على العمل والتطبيق بما تعلمه الإنسان ، وذلك من خلال الترغيب عبر ذكر الجنة وما أعدّ الله فيها للمؤمنين والعاملين، والترهيب من خلال ذكر صور مؤلمة للعذاب في النار للكافرين والعاصين.

وهذه المراحل الثلاث هي خطوات الإنسان نحو الكمال، وهي محور الآيات القرآنية للوصول إلى الحقائق.

{ وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ }

التلاوة يعني القرائة المتابعة، كما تعني التلاوة الإتباع العملي، أي إتباعه بإعتباره قائداً وإماماً، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ مَاحِلٌ مُصَدَّقٌ وَ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّار”[3]، وكلا المعنيان صحيحان.

{ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ }

فلا تتبدل آياته وكلماته لأنها محض الحقيقة، فهي مرآةً للسنن الإلهية، وكما لا تتغير سنن الرب في خليقته كذلك آياته في كتابه ثابتة ولا مبدل لها.

{وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27)}

ولن تجد غير القرآن الكريم متكئاً تعتمد عليه.

{ وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ }

من شروط الإستفادة من القرآن الكريم هو الصبر والإبتعاد عن زخارف الدنيا.

هكذا يأمر الله سبحانه نبيه بالصبر، وعدم الإستسلام للضغوطات المختلفة، بل البقاء مع اولئك الذين يدعون الله سبحانه بالغداة والعشي – كأصحابه من أصحاب الصفة من الفقراء-  .

والغداة والعشي هما الوقتان الأصليان للعبادة حيث يتغير فيها كل شيء في الطبيعة، ويعبّر عنهما في مكانٍ آخر من القرآن بـ( اطراف النهار).

وينذر الرب نبيه من الأبتعاد عنهم إلى أصحاب الثروة والمال، فالقضية قضية دين وحق ، وليست قضية مال ومنصب، فدين الله سبحانه لا يقاس بالماديات أبداً، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لعمه حين عرض عليه سادة قريش بأنه لن يتنازل عن دعوته وإن أعطوه الشمس في يمينه والقمر في شماله.

العلم يختلف عن المال ولا تلازم بينهم، فليس كل صاحب مال يعني أنه عالمٌ بالحقائق، أرأيتك تذهب إلى ثريٍ يمتلك الأموال الكثيرة ليعالج أمراضك إن لم يكن عالماً بالطب؟ كلا؛ لن تذهب إليه كما لا تذهب إليه لبناء دارك أو حل مشاكلك إن لم يكن عالماً متخصصاً، وهكذا الأمر في أمر الحق والباطل، يبقى الحق حقاً والباطل باطلاً سواء كانا مع الحق أو بدونه.

ومشكلة البشر اليوم أنهم خلطوا الأمرين، فصارت الماديات هي الأصل وهي رمز الحق والباطل، فصاحب الثروة هو الحق بينما الفقير دوماً باطل، وهذا الأمر أدى إلى أن يزداد الفقير فقراً يوماً بعد يوم حتى ترى المرضى في أفريقيا يفتقرون إلى دولار واحد ثمناً للعلاج من مرض الموت،  ويزداد الثري ثراءاً فلا يدري أين يصرف أمواله فيصرفها على حيواناته وهواياته الباطلة.

ولا نعني بذلك أن المال شيءٌ سيء، كلا؛ فالروايات تؤكد على أنه أمرٌ جيد بحد ذاته ولكنه لا يكون معياراً للحق والباطل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ” نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنَى”[4]، و روي أنه قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ اللَّهِ إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا وَ نُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا فَقَالَ تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَا ذَا ؟

قَالَ أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وَ عِيَالِي وَ أَصِلُ بِهَا وَ أَتَصَدَّقُ بِهَا وَ أَحُجُّ وَ أَعْتَمِرُ.

فَقَالَ عليه السلام: لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا هَذَا طَلَبُ الْآخِرَةِ”[5].

{ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُريدُ زينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا}

أي لا تبعد عينك عن هؤلاء الذين يدعون ربهم ، وهم الفقراء والمعدمين، فهم الذين ينفعونك في ساعة العسرة.

والفقراء شكلوا دوماً ثقلاً في المعادلات المختلفة، بل هم قلبوا المعادلات في التاريخ، ارأيت أصحاب الثورات والجنود في العساكر و.. كلهم من طبقات الفقراء، كما أن كثيراً من الفقراء هم أولياء الله سبحانه الذين لا يرد الله لهم حاجة.

فلا يكن تركك لهؤلاء من أجل زينة الدنيا، لأن الدين لا يبنغي أن يلحق أصحاب الثروة والزينة.

وما نراه في تاريخنا من إتباع الشيعة للحوزات العلمية بعد الغيبة الكبرى ، إنما كان لزهد العلماء في الدنيا وعدم سعيهم وراء المال وأصحابه، وقد عايشت أكثر من مرجع وكبرت في بيوت المراجع ولدي قصص كثيرة شاهدتها عن زهدهم وإعراضهم عن الدنيا والماديات.

وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)}

في مقابل الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي هم الذين أغفل الله قلوبهم عن ذكره، فلا يجوز أن يتبعهم النبي والقائد، لأن الغافل يلهث وراء شهواته ومصالحه ، يلهث وراء الدنيا، وبذلك يكون أمره فرطاً لا إستقامة فيه، يسير يميناً يوماً وشمالاً في اليوم الآخر.

نسأل الله سبحانه أن ينقذنا من هوى النفس، إنه سميع مجيب.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الإسراء: الآية 79

[2] بحار الأنوار: ج89 ،ص 107

[3] الكافي: ج2 ،ص 599

[4] الكافي: ج5، ص 71

[5] المصدر.

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثالث عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23)إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24)وَ لَبِثُوا في‏ كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (25)قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا يُشْرِكُ في‏ حُكْمِهِ أَحَداً (26)}

صدق الله العلي العظيم

في الرؤية الإسلامية كيف ينبغي أن يعيش الإنسان في حياته، بلا تخطيط أم يبرمج ويخطط لحياته، وكيف ينبغي أن يخطط لحياته؟

اساساً الدين أعم من العقائد والأحكام والواجبات والمحرمات والمكروهات والمستحبات، هو برنامج وخطط للحياة منظمة من كل الجهات، والمتدين شاء أم أبى يسير في إطار برنامج منظم، متى يستيقظ من نومه وأي صلاة يصلي و.. ولكن بالنسبة إلى سائر جهات الحياة المختلفة ينبغي أن تكون تلك أيضاً منظمة ومخطط لها، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في آخر وصاياه لولديه الحسن والحسين وبالتبع سائر الشيعة:” أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وَلَدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ وَ صَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صلى الله عليه وآله يَقُولُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَام‏”[1].

لا للفوضى

وهذه الوصية لنا جميعاً ، فلا يصح أن يعيش المرء في فوضى عارمة، وفي الآيات التالية من سورة الكهف يقول الرب سبحانه: { وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطا}[2]، فلا يجوز إطاعة من يطيع هواه وأمره فوضوي.

فالذي يعيش حياته فوضى لا يمكن أن يكون قائداً، والآيات الكريمة والروايات الشريفة تؤكد كثيراً على نظم الأمور، فلابد أن يكون الإنسان منظماً لحياته أولاً ليكون قادراً على قيادة الآخرين.

الخطط ومدى إمكان تطبيقها

ولكن فيما لو وضع الإنسان لحياته خططاً دقيقة وبرامج محددة هل سيتمكن من تطبيق خططه تماما وبما فيها من تفاصيل ولطائف؟

كلا، لا يمكنه أن يقوم بذلك وذلك لدليلين:

الأول: ان المستقبل غيبٌ بالنسبة للإنسان، ومادامه كذلك لا يمكن للإنسان أن يحتّم على نفسه ما ستؤول فيه الأمور، وقد ورد في الأثر عن رجل سأل أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا ذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ عليه السلام : بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَ مَنْعِ الْهِمَّةِ لَمَّا أَنْ هَمَمْتُ بِأَمْرٍ فَحَالَ بَيْنِي وَ بَيْنَ هِمَّتِي وَ عَزَمْتُ فَخَالَفَ الْقَضَاءُ عَزْمِي عَلِمْتُ أَنَّ الْمُدَبِّرَ غَيْرِي‏”[3].

فالمدبّر الحقيقي غيري وتدبيره غالبٌ على تدبيري، وتدبيره أفضل من تدبيري فهو الحكيم العلمي الرحمن الرحيم، ولكن لا يعني ذلك عدم التخطيط والتدبير، بل يعني التدبير مع العلم بأنها قد لا تتحقق إذا لم يشأ الله سبحانه، ومن هنا لابد من القول دائماً ( إن شاء الله) فهذه الجملة إستثناء أي إن لم يشأ الله سبحانه لا يكون ما أريده.

والهدف من هذا الإستثناء هو منع الإنسان من الإغترار بتدبيراته وتخطيطاته في مختلف الجوانب الإجتماعية والإقتصادية والعسكرية، فأفضل الأنظمة وأكثرها تطوراً لا يمكنها أن تطبق مخططاتها كما تريد تماماً لحاكمية الإرادة الإلهية فيما هو غيبٌ بالنسبة للإنسان، قال الله سبحانه: {وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}[4]، وقال أيضاً: { وَ ما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبير}[5]، فلكي لا يتكئ الإنسان على مخططاته كان هذا الإستثناء ( إن شاء الله) ضرورة، بل إن المؤمن جعل الله مستقبله مجهولاً بالنسبة إليه حتى رزقه كان من حيث لا يحتسب لكي يكون متوجهاً إلى الله سبحانه في كل حالاته، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” أبى اللَّه أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم”[6].

وقال صلى الله عليه وآله أيضا: ” أَتَانِي مَلَكٌ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ- إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ- وَ يَقُولُ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتُ لَكَ بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَباً- قَالَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ- يَا رَبِّ أَشْبَعُ يَوْماً فَأَحْمَدُكَ وَ أَجُوعُ يَوْماً فَأَسْأَلُكَ”[7].

ولو سألت ربك – أيها المؤمن- في حاجةٍ لك فاستجابها عليك أن تؤدي شكرين، شكرٌ لتحقق ما تريد وشكرٌ لإستماع الرب إلى دعائك وإستجابته، فالرب يبتلي المؤمن أو يوقعه في مخمصة لكي يتوجه إلى ربه ويسأله فيكتب له ثواب الدعاء والمناجاة، ويزيد من إرتباطه به.

الثاني: على المؤمن أن يوافق كل برامج حياته مع الشرع المقدس، فلا يتجاوز حدود الله ولا يغفل عن أوامره ونواهيه، فهناك الكثيرون ممن نذروا حياتهم لله سبحانه من المؤمنين والرساليين الذين يطبقون حياتهم مع أحكام الشريعة، ولكن هل يقدر هؤلاء أيضاً أن يدونوا التفاصيل الدقيقة لمخططاتهم وفقاً للشرع المقدس؟

كلا، إذ ليست أحكام الله سبحانه ثابتة لكل الظروف، بل لكل ظرفٍ حكمه الخاص، والظروف متغيرة وبالتالي تتغير الأحكام والأولويات الشرعية ، ومثاله ما لو نوى المؤمن أن يصل رحمه غداً وبرمج يومه لهذا العمل الصالح، ولكن قبل أن يوفق لصلة الرحم جاءه إتصال من أخيه المؤمن يطلب منه إنقاذ نفسٍ محترمة، وفي هذه الحالة عليه أن يقدم إنقاذ النفس على صلة الرحم، بل قد تكون صلة الرحم والحال هذه – مع عدم وجود منقذٍ غيره- مخالفة للشرع، وقد روي عن أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام يكنى أبا أحمد أنه قال : كُنْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي الطَّوَافِ وَ يَدُهُ فِي يَدِي إِذْ عَرَضَ لِي رَجُلٌ إِلَيَّ » حَاجَةً فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِ بِيَدِي فَقُلْتُ لَهُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ طَوَافِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا هَذَا؟

فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ رَجُلٌ جَاءَنِي فِي حَاجَةٍ فَقَالَ لِي أَ مُسْلِمٌ هُوَ؟

قُلْتُ نَعَمْ.

فَقَالَ لِي :اذْهَبْ مَعَهُ فِي حَاجَتِهِ.

فَقُلْتُ لَهُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فَأَقْطَعُ الطَّوَافَ ؟ قَالَ نَعَمْ.

قُلْتُ وَ إِنْ كُنْتُ فِي الْمَفْرُوضِ ؟ قَالَ نَعَمْوَ إِنْ كُنْتَ فِي الْمَفْرُوضِ قَالَ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام:  مَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ  كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَ مَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَ رَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ”[8].

فلا يمكن إذاً أن نحدد وندبّر برامجنا – حتى الدينية منها- مائة بالمائة، إذ قد يتغير تكليف الإنسان الشرعي في لحظةٍ ما، فقد يكون مكلفاً بحضور المسجد يوماً ويكون مطالباً بالجهاد في اليوم التالي، والوعظ والإرشاد في اليوم الثالث وهكذا.

ومن هنا لابد أن يقيد المرء خططه بقيدين إلهيين، الأول القيد التكويني أي مشيئة الله سبحانه التكوينية، والثاني القيد التشريعي، أي مشيئة الله سبحانه الشرعية، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام في قوله «وَ لا تَقُولَنَ‏لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ» أن تقول إلا من بعد الأربعين، فللعبد الاستثناء في اليمين ما بينه و بين الأربعين يوما إذا نسي”[9].

{ وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23)}

أي لا تحتّم فعل شيء ما في المستقبل.

{إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ }

سواءاً مشيئته في الجانب التكويني أو مشيئته في الجانب التشريعي.

{وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ }

أي إذا نسيت ذكر ( إن شاء الله ) فقله حين تذكره ، كما قال الإمام الصادق عليه السلام.

ولهذه الجملة معنىً آخر وهو أن ذكر الله سبحانه رافعٌ للنسيان، فإذا نسي أحدٌ شيئاً ما فليذكر الله سبحانه وسيزول نسيانه.

{وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24)}

المرء يخطط ولكن لا يدري تدبير الرب كيف سيكون، فعسى أن يكون تدبير الرب خيرٌ من تدبيري وأقرب من تدبيري رشدا.

والرشد يعني الوصول إلى الكمال كما قال الرب سبحانه: { وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمين‏}[10]، وقال تعالى: {وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‏ حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا}[11]، ففي الدنيا أمام الإنسان إمكانيات للنمو وفرصاً للتكامل، فيقال للبالغ أنه رشيد لوصوله إلى كمالٍ جسمي.

والشرع المقدس يريد للإنسان أن يصل إلى جميع الكمالات، وبطبيعة الحال لا يمكنه تحقيقها جميعاً، ولكن يمكنه أن يتقدم خطوات نحو ذلك الهدف السامي.

وكل مؤمن طوى ليله بالعبادة ونهاره بالجهاد سيندم يوم القيامة التي تسمى أيضاً ( يوم التغابن)، يندم لوجود فرصاً أكبر لم يستغلها ولم يستفد منها، ومن هنا علينا أن نتحلى بالعزيمة والهمة العاليتين للوصول إلى أعلى الدرجات، وسبيل ذلك التوكل على الله سبحانه.

مدة لبث أصحاب الكهف

{وَ لَبِثُوا في‏ كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (25)}

اللبث يعني البقاء في مكانٍ مع حياة الباقي، فلا يقال للميت أنه لابثٌ في قبره.

وقد سئل أحد العلماء عن آية تدل على إمكان حياة الإمام الحجة عجل الله فرجه أكثر من ألف سنة فأستدل بقوله سبحانه: { فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحين‏* لَلَبِثَ في‏ بَطْنِهِ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُون‏}[12].

ومن كلمة اللبث نفهم بقاءهم أحياء كما هو معناها اللغوي.

ونسبة الكهف إليهم في الآية لأن الكهف تشرف بهم وصار لهم، وهم لابثون فيه إلى يومنا هذا.

ثلاثمائة زائد تسعة

لماذا فرّق الرب سبحانه سني بقائهم في الكهف، فقال أولاً أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وأضاف تسع سنوات إلى ذلك؟

سأل يهوديٌ أمير المؤمنين عليه السلام عن مدّة لبثهم، فأخبر بما في القرآن.

فقال: إنا نجد في كتابنا ثلاثمائة.

فقال- عليه السّلام-: ذلك بسني الشّمس، و هذا بسني القمر”[13].

ولكن ماذا ينفعنا بيان هذا التفريق بين السنين الشمسية والقمرية؟

الطبيعة من حولنا تسير وفق مسير الشمس وبالتالي وفقاً للسنين الشمسية فالأشجار والأحياء وحتى جوانب من جسد الإنسان مرتبطة بالشمس ، بينما عقل الإنسان ودماغه – الذي يشكل الماء أكثر من سبعين بالمائة منه – ترتبط بحركة القمر أكثر، ومن هنا فإن إرتباط البشر بحركة القمر أكثر منها بحركة الشمس.

ويبدو أن الثلاثمائة كان للجهة البدنية بينما السنين القمرية للجانب الروحي لأصحاب الكهف.

الله أعلم

{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا }

لماذا يتكرر هذا المضمون في هذه السورة ، ولماذا وردت هذه الجملة بعد أن بيّن الله سبحانه عدد سنين لبثهم ؟

قلنا سابقاً أن الآخرة غيب والدنيا شهود، والغيب محيط بالشهود، وعلى هذه الإحاطة إشارات في آيات كريمة مثل قوله سبحانه: {  إِنَّ الْأَبْرارَ لَفي‏ نَعيم‏ * وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفي‏ جَحيم‏* يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّين‏}[14]، فالأبرار والفجار اليوم في النعيم والجحيم ولكنهم يصلونها يوم الدين.

فالغيب محيطٌ بالشهود ولكنه خفيٌ علينا، ومع العلم بأن الزمان عند الرب يختلف عنه عندنا، فكل يومٍ عند ربنا كألف سنة مما نعد، فقد يكون مدة لبثهم في الكهف – بإنتقالهم إلى عالم الغيب كما في طعام عزير النبي- سويعات قليلة عند الرب، ولكنها عندنا وبحسابنا ثلاثمائة وتسع سنين.

{لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ }

لله سبحانه غيب السماوات والأرض ولا ترى غير الجلال والجمال ولا تسمع سوى الحمد والثناء لله سبحانه.

{ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا يُشْرِكُ في‏ حُكْمِهِ أَحَداً (26)}

لا صديق وولي من دون الله للمشركين ، ومن دونه تعني أن من أمر الله سبحانه بولايته يكون ولياً لله ، فلا ولي بدون إذن الله وأمره.

ونحن إذ نتولى الأئمة الطاهرين عليهم السلام ، إنما ذلك لأمر الله عزوجل ، ولا يشرك الرب في حكمه أحداً أبداً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]نهج البلاغة : ص 421

[2]سورة الكهف : الآية 28

[3]روضة الواعظين: ج1 ، ص 30

[4]سورة الأعراف: الآية 188

[5]سورة الفرقان : الآية 34

[6]الوافي : ج5 ،ص 1061

[7]صحيفة الإمام الرضا عليه السلام: ج 57

[8]وسائل الشيعة : ج13 ، ص 383

[9]كتاب التفسير: ج2 ،ص 325

[10]سورة الأنبياء : الآية 51

[11]سورة النساء: الآية 6

[12]سورة الصافات: الآية 143-144

[13]تفسير كنز الدقائق:   ج8، ص 63

[14]سورة الإنفطار: الآيات 13-15

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثاني عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَليلٌ فَلا تُمارِ فيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22)}

صدق الله العلي العظيم

أهمية البيان في الإنسان

أهم ميزة تميّز الإنسان عن سائر المخلوقات بعد نعمة العقل هي القدرة على النطق والبيان، وكما قال الرب سبحانه: { خَلَقَ الْإِنْسان‏* عَلَّمَهُ الْبَيان‏}[1]، وبقدرة البيان يتمكن من نقل تجاربه لتتراكم شيئاً فشيئاً طوال آلاف السنين وتتقدم الأجيال عبر الإنتفاع بالتجارب، أيسرها اللغات التي يتداولها البشر اليوم، حيث لم تكن كما هي اليوم متطورة بل مرّت عليها آلاف السنين ليضيف إليها كل جيلٍ جديداً لم يكن في السابق، وهكذا يصدق الأمر على سائر التجارب الحضارية للبشرية.

الحيوانات قد تتعلم أو تكتسب تجارب مفيدة ولكنها لن تتمكن من نقلها إلى صغارها لفقدانها حالة النطق بينما يتمكن الإنسان من نقل تجاربه الخاصة أو تجارب آبائه بكل يسرٍ حتى يكون كمن عاش كل تلك الفترة، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام لإبنه الحسن المجتبى عليه السلام: ” ِ أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِم‏”[2].

أصناف التعامل مع التاريخ

والتاريخ البشري هو ذلك الخزين من التجارب التي لابد من الإنتفاع بها، في حين أن الناس في تعاملهم مع التاريخ على أصنافٍ ثلاثة:

الصنف الأول: يتعامل مع التاريخ بإعتباره قصص مسليّة وحكايات للنوم، يقرأ التاريخ وكأنه يشاهد فلماً تاريخياً لا دخل له بالحياة.

الصنف الثاني: أما الصنف الثاني فهم يلتفتون للتاريخ ويهتمون بقضاياه المختلفة، دقيقها وجليلها، فيبنون المتاحف ويحافظون على الآثار ويدرسونها، وهذا الأمر حسنٌ بحد ذاته، فهناك أكثر من آية في كتاب الله سبحانه تدعو إلى الإطلاع على سيرة الماضين والسير في آثارهم وديارهم.

وقد أهتم الكثيرون بالحضارات السابقة، كيف سادت وانتشرت ولماذا بادت وبأي شكل، وبتصوري فإن كتاب آرنولد تويبني من أفضلها ولكن حين مقارنته بآيات الكتاب نجده بدائياً وسطحياً بالنسبة للقرآن الكريم، بالرغم من إستفادة توينبي من القرآن أيضاً.

الصنف الثالث: والذي نميل إليه أيضاً يكمن في رؤية التاريخ أكثر من كونه منبعاً للتجارب البشرية، بل بإعتباره مرآةً للسنن الإلهية في الخليقة وتطبيقاتها على أرض الواقع، فلا يكتفى بقراءة السنن المبثوثة في الكتاب العزيز بل يشاهد تطبيقاتها في التاريخ حتى تكون السنة أمراً وجدانياً بالنسبة إلى من يدرس التاريخ، فالقرآن الكريم يبين سنة تدمير الظالم في قوله سبحانه: { وسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون‏}[3]، ولكن حين يذكر نبأ الظلمة وكيفية نزول العذاب عليهم يبين تطبيق تلك السنة الهامة.

وبذلك يزداد المرء وعياً بالسنن وإيماناً بها حتى يصبح عارفاً بما سيحدث مستقبلاً من خلال تطبيق السنن على الواقع، فيكون متوسماً وذا بصيرةٍ من أمره، وكما في الحديث عن الإمام الرضا عليه السلام: ” فَاتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ”[4].

النزاع على التعامل مع أهل الكهف

وفي قصة أصحاب الكهف وبعد أن طلب الفتية من ربهم أن يعيدهم إلى نومتهم، تنازع من كان خارج الكهف في أمرهم، ولم يكن تنازعهم يعني الإختلاف، بل إضافة البعض شيئاً على ما رآه البعض الآخر ، وهذا أفضل أسلوب في الحوارات والمباحثات حيث يجمعون عقولهم.

قال بعضهم نبني عليهم نصباً تذكارياً ليخلد ذكرهم وعلامةً على مكانهم؛ إذ إعتقد هؤلاء بفائدة تخليد ذكرهم للتاريخ ،كما نجد اليوم النصب التذكارية والمعالم التاريخية التي خلّدت بعض الأماكن أو بعض الحضارات كالهيكل في فلسطين أو قلاع بعلبك أو أهرام مصر.

ولكن الذي فاتهم بالتركيز على أمر تخليد ذكرهم للتاريخ هو علاقة هؤلاء بالله سبحانه، بل ولم يلحظوا الإرتباط بين التاريخ وبين سنن الله سبحانه وتعالى.

ولذلك كان القول قول الفئة الثانية وهم الذين غلبوا على أمرهم، إذ قالوا نبني عليهم مسجداً:

{ قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)}

مكانة المسجد

وبالرغم من إطلاق لفظ المسجد هنا وعدم بيان معناه إلا أن المسجد – في الرؤية الإسلامية- هو محل الصلاة والعبادة ومكان الدعاء وإستجابته، ومركز إجتماع الناس، وبذلك فالمسجد هو محور المجتمع الإسلامي ومحل بناء الأمة وتفعيلها.

وحين يكون في المسجد قبراً لولي من أولياء الله سبحانه فإن ذلك يسهم في دفع الأمة نحو الصلاح، كما أنه ببركته يستجاب الدعاء، أوليس قبر سيد الشهداء عليه السلام موضعٌ لإستجابة الدعاء كما قال جده النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: ” أَلَا وَ إِنَّ الْإِجَابَةَ تَحْتَ قُبَّتِهِ”[5]، وفي بعض النصوص إلى أنه ما من مسجد يبنى إلى على دماء شهيد في سبيل الله.

أما الرؤية المنحرفة فهي التي تمنع من الصلاة عند قبور الأولياء بداعي الشرك بالله سبحانه إعتماداً على رواية ضعيفة الدالة على أمر النبي صلى الله عليه وآله علياً بهدم القبور، ولو صحّت فإن درايتها يدل على الأمر بهدم قبور المشكرين لا أولياء الله سبحانه ، كيف وأن النبي صلى الله عليه وآله كان يحث المسلمين على زيارة قبر عمه حمزة رضوان الله عليه، وقبره خارج المدينة بعدة أميال.

فالرواية المذكورة لا تقع موضع قبول لمخالفتها أولاً سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، وثانياً مخالفتها نص القرآن الكريم، ومن المعلوم ان المنهج السليم الذي بينه النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله في الإعتماد على النصوص وتصحيحها هو مطابقتها لآيات القرآن الكريم.

ولقائل أن يقول كيف فهمتم جواز بناء المسجد على قبور الأولياء والصلاة عند قبورهم من هذه الآية؟

والجواب أن من أساليب القرآن في بيان الحقائق هو إمضاءها وإقرارها ولو في سياق القصص، فلو كان قول الفئة الثانية خاطئاً للزم أن يرده القرآن الكريم، ولكن بإيراده والسكوت عليه يعني أنه أمضاه وصححه.

فوائد بناء المسجد عند قبور الصالحين

وفي بناء المساجد عند قبور أولياء الله والشهداء فوائد للأمة أهمها:

أولاً: إستجابة الدعاء ، فكما ذكرنا أن إستجابة الدعاء تحت قبة سيد الشهداء وهكذا يستجيب الله الدعاء عند قبر كل إمام وولي من أولياءه.

ثانيا:ً الرؤية الجديدة للتاريخ ، لأن التاريخ سيدرس حينئذ برؤية إلهية فيكون التاريخ نافعاً للأمة وللفرد، ومن دون البصيرة الإيمانية يبقى التاريخ مجرد قصص وحوادث مجردة دون احتواءها على العبر.

ثالثاً: يتحول المكان إلى محل وعظٍ وإرشاد وتنمية معارف المجتمع الإسلامي، فالكوفة كانت حاضرةً علمية، وبعدها كربلاء بعيد إستشهاد سيد الشهداء عليه السلام تحولت إلى مركز إشعاع للعالم، حيث استقر بعض العلماء في بساتينها لتعليم الزائر معالم دينه – بعد أن ألقى سيد الشهداء فيها خطباً قيّمة فترة إقامته فيها على أصحابه مؤسساً بذلك الحوزة العلمية في كربلاء- ، وبعدئذ استمرت الحركة العلمية بشراء الإمام الصادق عليه السلام أرضاً أوقفه للتعليم ونشر العلم؛ وكذلك كانت النجف الأشرف ولا زالت مركزاً للعلم وكذا قم ومشهد المشرفة وغيرها من المدن المشرفة أضحت مركزاً لنشر الوعي والعلم.

بل إن قبر كل وليٍ صالح من أبناء الائمة عليهم السلام ينبغي أن يتحول إلى مركز علمي وحضاري.

لا قيمة ذاتية للولي

بلى، ليست هناك قيمة ذاتية لأي مخلوق بل قيمته بما يمثله من إمتداد إلى الله سبحانه وإرتباط به تبارك وتعالى، وهذا من إمتيازات التشيع وهو خالص التوحيد ومحضه، فلو زرت الأئمة بالزيارة الجامعة – وهي أفضل زيارة وأكملها – ستجد كم مرة يتكرر إسم الله فيها وكم هو التأكيد على إرتباط المعصومين عليهم بالله عزوجل.

وهكذا نحن لا نقدّس أصحاب الكهف كأشخاص معينين بما يمتلكون من لحم ودم و.. بل لما جسدّوه من التضحية والإخلاص في سبيل الله سبحانه.

 

عدة أصحاب الكهف

من جملة البحوث التي دارت حول قصة أصحاب الكهف هو الحديث عن عددهم وفي الآية الثانية والعشرين بيانٌ لعددهم ولكن مع الإشارة إلى بعض الأمور، وقبل ذلك نتسائل عن الحكمة في عدم بيان القرآن الكريم لقصتهم في مكانٍ واحد دون أن يتخللها أمور أخرى؟

الجواب على ذلك أن كل حقيقة ترتبط بسنة من سنن الله سبحانه ، فكما أن القرآن لا يجمع الحديث عن أعداد الصلوات وأفعالها في موضعٍ واحد لإرتباط كل فعلٍ من أفعالها بسنةٍ من سننه، أو بتعبير آخر لكون كل فعلٍ من أفعالها له قيمته الخاصة وحقيقته الخاصة، فإنه يذكر مع بيان تلك الحقيقة وفي سياق تلك السنة.

وكذلك قصة أصحاب الكهف ،ففي كل مقطعٍ ومشهدٍ منها عبراً لابد من التركيز عليها، وسنناً لابد من الإلتفات إليها، ومن ذلك الحديث عن عدد أصحاب الكهف التي نقلت الآية أقوالاً فيها، وتبين الآية الشريفة ثلاثة أمور هامة:

الأول: لا ينبغي للمرء أن يتكلم بما لا يعلم رجماً بالغيب وإتباعاً للظن والخيال، وقد علّمنا الأئمة عليهم السلام أن لا نكون ممن يقول ما لا يعلم، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ”[6]، إذ لا يجوز للإنسان أن يخوض في المسائل العلمية بما لم يؤت علمها.

الثاني: الآية تبين منهج الوصول إلى الحقائق.

الثالث: في الآية إشارة إلى موضوع تعامل الإنسان مع قبول أو رفض الآخرين لما وصل إليه من الحقائق.

قال الله سبحانه:

{سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ }

رجماً بالغيب وبدون شواهد علمية وأدلة سيقول البعض أنهم ثلاثة ورابعهم كلبهم، ويقول آخرون بنفس الأسلوب أنهم خمسة وسادسهم كلبهم.

وذكر الكلب مع أصحاب الكهف تشريف له من جهة التابعية ، أو من جهة كونه بالتالي خلقاً من خلق الله سبحانه وكان له دور في قصتهم.

{وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}

هنا لا يقول القرآن أن هذا القول هو رجمٌ بالغيب أيضاً ، بل يسكت عنه وفيه إشارة على صحة هذا القول.

وقد استفاد البعض من المحادثة الواقعة بينهم في مقدار نومهم كونهم سبعة ، ولا يهمنا ذلك كثيراً بل ما يهم هو:

{ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَليلٌ}

تكررت هذه الجملة في هذه السورة أكثر من مرة بأن الله هو أعلم بما لبثوا وبعددهم ، وبذلك نعرف أن لا نقول إلا بما علمنا الله سبحانه ، وبيانٌ بأن المنهج الأقرب للحقيقة والأفضل للوصول إليه هو المنهج الإلهي ، وكما في الدعاء: ” إِلَهِي إِنَّ مَنِ انْتَهَجَ بِكَ لَمُسْتَنِير”[7].

والخضوع والتضرع إلى الله سبحانه سبيل الحصول على المنهج الإلهي في المعرفة.

{فَلا تُمارِ فيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22)}

في الإنسان خوفٌ خفي من رفض الآخرين لقوله وإن كان حقاً، مما يجعله يخشى قول الحق ، ولكن على المرء أن يعلم بأن وصوله إلى الحق هو المعيار، وينبغي أن لا يهتم بعدئذ بكلام الناس ورأيهم، وقد شكى أحد الأصحاب للإمام الكاظم عليه السلام ما يلقاه من تكذيب الناس له ، فقال له الإمام عليه السلام: ” يَا يُونُسُ ارْفُقْ بِهِمْ فَإِنَّ كَلَامَكَ يَدِقُّ عَلَيْهِمْ قَالَ قُلْتُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِي زِنْدِيقٌ قَالَ لِي : مَا يَضُرُّكَ أَنْ تَكُونَ فِي يَدَيْكَ لُؤْلُؤَةٌ فَيَقُولَ لَكَ النَّاسُ هِيَ حَصَاةٌ وَ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ إِذَا كَانَ فِي يَدِكَ حَصَاةٌ فَيَقُولُ النَّاسُ هِيَ لُؤْلُؤَةٌ”[8].

ومن هنا على المرء أن ينطق بالحق، قبله الآخرون أم لم يقبلوه ، صدقوه أم كذبوه، فالحق لا يصير باطلاً بتكذيب الناس، كما أن الباطل لا يتحول إلى حق وإن إلتف الناس كلهم حوله.

ومن هنا فالآية تؤكد على عدم المراء مع من لا يعلم الحق إلا مراءاً ظاهراً ، كما أنه يأمر بعدم سؤال العالم من الجاهل في الأمور، مهما كانت منزلة الجاهل المالية والإجتماعية، إذ لا يجوز أن يترك العالم علمه للجاهل.

نسأل الله سبحانه أن نكون ممن ينتهج سبيل الله سبحانه.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]سورة الرحمن: الآية 3-4

[2]تحف العقول: ص 70

[3]سورة الشعراء: الآية 227

[4]المحاسن : ج1 ، ص 131

[5]كفاية الأثر في النص على الأئمة الأثني عشر: ص 17

[6]نهج البلاغة : الرسالة رقم 31

[7]إقبال الأعمال: ج2، ص 687

[8]بحار الأنوار: ج2 ،ص 66

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الحادي عشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعيدُوكُمْ في‏ مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20) وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)}

صدق الله العلي العظيم

 

الكتمان حفظ المؤمن

من أبرز الدروس التي تستفاد من سورة الكهف وآياته المباركات هو درس الكتمان في الحركة والتستر في العمل ، ونسبة كبيرة من سلامة الإنسان ترتبط بكتمانه أمره والسرية في حركته ، وقد أكد أئمتنا عليهم السلام على هذه القضية كثيراً، وتحدثوا عنها في مناسبات عدة وبتعابير مختلفة، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام : “ أُمِرَ النَّاسُ بِخَصْلَتَيْنِ فَضَيَّعُوهُمَا فَصَارُوا مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ شَيْ‏ءٍ كَثْرَةِ الصَّبْرِ وَ الْكِتْمَانِ”[1]، وروي أيضاً : ” استر ذهبك وذهابك ومذهبك ” إذ يحوي المجتمع أصناف البشر ، منهم الصالحون والطيبون ، ومنهم المحتالون والسرّاق ، ولابد أن يستر الإنسان هذه الأمور الثلاثة عن الفئات المنحرفة حفاظاً على ماله ودمه.

وهكذا لا يصح أن ينطق الإنسان بكل ما يعلمه ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام لولده محمد بن الحنفية : ” يَا بُنَيَّ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ”[2] ، فقد يؤدي النطق بكل ما يعلمه الإنسان إلى الهلاك ، ومن هنا كانت التقية حرزاً للمؤمن وحفظاً لحياته وحياة إخوانه ، فقد كان الشيعة في أغلب الفترات مضطهدين ومقهورين من قبل الظلمة ولذلك أمرهم الأئمة عليهم السلام بالتقية ليس من أعدائهم الظاهرين فقط ، بل حتى من كل من لا يحتمل أمرهم.

بين التقية والمداراة

وهناك فرقٌ بين التقية والمدارة في المنطلق ، فالتقية تأتي خوفاً على النفس أو المال ، بينما المداراة تهدف جمع الناس وتوحيدهم ، وكما روي عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله : ” مُدَارَاةُ النَّاسِ نِصْفُ الْإِيمَانِ وَ الرِّفْقُ بِهِمْ نِصْفُ الْعَيْشِ”[3]، ومن ذلك عدم صنع الإنسان الأعداء لنفسه دائماً ، بل يسعى للتحابب والتقارب ، فقد أخفى الله سبحانه عيوب الناس وستر فضائحهم لكيلا يتباغضوا ويبتاعدوا ، وكما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : ” لو تكاشفتم لما تدافنتم”[4].

ونعيش اليوم عصراً أصبحت وسائل التواصل وسيلة لفضح الحياة الشخصية للناس ، بل صارت التقنية – ومع الأسف- سبباً للتسافل البشري من حيث القيم والمثل في كثير من الجوانب.

كتمان أصحاب الكهف

أصحاب الكهف – كما ذكرنا – لم يكونوا أناساً من عرض الأمة ، بل كان فيهم مستشاري الملك ووزراء في السلطة ، ولكنهم وللقاءهم مع أحد حواريي النبي عيسى عليه السلام خارج مدينتهم أسلموا بالنبي عليه السلام في الخفاء ، ولكن بعد مرور فترة من الزمن أكتشفت السلطات أمرهم وطاردوهم ، فلجأوا إلى كهفهم.

التلطف في الأمور

وبعد ما جرى بينهم بعد إستيقاظهم – كما بينا ذلك سابقاً – من الإختلاف في مدة النوم أرسلوا أحدهم لشراء الطعام الأزكى والمناسب، ولكنهم أوصوه بالتلطف ، وكما قال الله سبحانه : { فابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ }.

وفي ذات كلمة التلطف لطفٌ من جهة كونها وسط القرآن تماماً من حيث الحروف ، فتاء الكلمة هو وسط القرآن ، ومن اللطيف يكون التلطف منصفّاً للقرآن الكريم.

عناصر العمل اللطيف

ولكي يكون العمل متسماً باللطف يحتاج إلى عناصر ثلاث كما يفهم ذلك من اللغة العربية :

الأول: أن يكون برفق ، فلا يكون عنيفاً.

الثاني: أن يكون بحكمة ، فالرب سبحانه جعل لكل أمرٍ طريقاً وبمعرفة الطريق وسلوكه يحقق المرء شرط الحكمة ، ارأيت خارطة الطريق في حقل الألغام كيف تنقذ السائر في الحقل من الهلاك ؟ هكذا هي السبل التي جعلها الله سبحانه للنجاة في الحياة التي هي بمثابة حقل ألغام كبير.

الثالث: والعنصر الأخير الذي ينبغي تحققه أحياناً ، هو الخفاء والستر.

والله سبحانه لطيفٌ لما يشاء ، فهو رفيقٌ بعباده ورفيقٌ فيما يشاء ، وفي لطفه حكيم ، وأخيراً لا يظهر لطفه أحياناً ، وعلى المؤمن أن يوفر هذه العناصر الثلاث في عمله ليكون عمله متسماً باللطف ، ومن اللطف ما نشاهده في أفعال الأئمة المتسمة بالدقة والحكمة والسرية ، فقد روي أن الإمام الحسن العسكري أعطى أحد أصحابه جذعةً لإيصالها إلى شخصٍ من وكلائه ، وفي الطريق تنازع الرسول مع رجل سقاء فضربه بها وإذا بها ملئى بأجوبة رسائل المؤمنين ، فعاد إلى الإمام وزجره عليه السلام عما بدر منه.

وأصحاب الكهف أمروا مبعوثهم إلى المدينة بالتلطف في عمله لكيلا يشعر أحدٌ من أهلها بهويته: {وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً } ، لأن التعرف عليه ومن ثم العثور عليهم يؤدي الى نتائج خطيرة – بحسب ظنهم- ، فقالوا : {  إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعيدُوكُمْ في‏ مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً }.

العثور عليهم من قبل الطغاة يعني أحد أمرين:

الأول: الرجم ، ولكن من الذي يرجمهم؟

الرجم يكون لمن ارتكب جرماً قبيحاً يستقبحه الجميع ويتحسس الكل منها ، ولذلك خافوا أن يرجمهم أهل المدينة ، لأن الإعلام السلطوي كان قد عبأ الجميع ضدهم عبر نشر الدعايات المغرضة ، ومن هنا لم يستعملوا لفظ القتل ، بل خافوا الرجم، كما فعل الإعلام الأموي في الكوفة في التحريض على سيد الشهداء عليه السلام وإخلاء الكوفة لقتاله عليه السلام.

وربما عنوا بالرجم أنهم يرجموهم بالتهم المختلفة والقبيحة مما يؤدي بهم إلى الرجم المادي.

الثاني: الإحتمال الثاني في حال العثور عليهم كان إرغامهم على العودة إلى ملة الكفر بعد الإيمان بالله سبحانه.

وإن كان الخيار الأول يعني إنهاء حياتهم ، فإن الخيار الثاني يعني خسارتهم لكل شيء ، لأن الذي يكفر بعد إيمانه يكون أشد ذنباً واسوء حالاً من الكافر ،وقد قال الله سبحانه عن المنافقين: { ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون‏}[5].

تحذيرٌ من الإرتداد

فالإرتداد بعد الإيمان جرمٌ لا يغتفر، ومن هنا لابد أن يحذر المؤمنون والعاملون في سبيل الله من الإرتداد في إيمانهم أو توجههم ، بلى؛ قد يدبر الإنسان في إيمانه أو يكسل في عمله نشاطه وهذا ليس إرتداداً ، أما أن يرتد كلياً عما كان يؤمن به ويتحول من مقارع للطغاة إلى يدٍ لهم وجلّادٍ في سجونهم فذلك الخسران المبين.

الغاية من الإعثار

{ وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فيها}

بعد إنكشاف أمر المبعوث إلى المدينة – كما ذكرنا- عثر أهل المدينة على أصحاب الكهف ليحل بذلك لغزٌ محيّر أقض مضجع أجيالٍ متعاقبة ، ولكن لماذا أنامهم الله ومن ثم أعثر عليهم الناس بتلك الطريقة الصاعقة؟

لكي يعلم الناس أن الأمر كله بيد الله سبحانه ، وليس للإنسان سوى التسليم لأمره والأذعان بهيمنة الرب المطلقة على الأمور: { الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏}[6]، وقال سبحانه : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ في‏ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْر}[7].

فالله سبحانه هو المهيمن والمدبر والرقيب علينا آناً بآن ولحظةً بلحظة ، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد.

وبهذه المعرفة يقترب الإنسان من ربه بل ويكون الرب رفيقاً له، أوّهل تأملت في معنى ذكر السجود: ( سبحان ربي الأعلى وبحمده) حيث ينزّه الساجد الله سبحانه ولكن يعبّر عنه بالرب وينسبه إليه ( ربي) أي المربي لي والمدبر لأمري ، وهو ليس كسائر من يربوني من الآباء والآمهات بل هو الرب الأعلى، فهو الذي خلقني وأعطف عليه قلوب الحواضن وأخدمني الأمهات وحفظني من طوارق الليل والنهار، وهو الذي عاينني على المعاصي فلم يؤاخذني بها بل ستر علي ورزقني ورحمني.

فالله هو المهيمن وهو الرب الذي يربي لحظة بلحظة، ولكن يصعب على الإنسان تصديق هذه الحقيقة فيحمله ذلك على تكذيب ما وعد الله وتكذيب يوم الجزاء.

عاقبة العثور

بعد العثور عليهم ومجيء القوم إلى الكهف كان هناك مشهدين ، الاول داخل الكهف والثاني خارجه، ففي الداخل تشاوروا فيما بينهم لما علموا ما صنع الله بهم، فحمدوا الله على نصرة المؤمنين وطلبوا منه أن يعيدهم كما كانوا، ولكن هل أماتهم الله أم أعادهم إلى النوم؟

الآيات ساكتة عن ذلك ، ولكن في النصوص الروائية بيانٌ بأن أن الله لم يمتهم ، بل أنامهم وسيوقضهم بعد ظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه، وقد أوقضهم مرةً أخرى لإثبات الحق حيث روي عن أنس أنه أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بساط من قرية يقال لها بهندف، فقعد عليه على وأبوبكر وعمر وعثمان والزبير و عبدالرحمن بن عوف وسعد، فقال النبى (صلى الله عليه وآله) لعلى: يا على قل يا ريح احمل بنا، فقال على: يا ريح احمل بنا فحمل بهم حتى أتوا اصحاب الكهف، فسلم أبوبكر وعمر فلم يردوا (عليهم السلام)، ثم قام على (عليه السلام) فسلم فردوا (عليه السلام)، فقال أبوبكر: يا على ما بالهم ردوا عليك ولم يردوا علينا؟ فقال لهم على (عليه السلام) فقالوا: انا لا نرد بعد الموت الا على نبى أو وصى نبى ثم قال على ” يا ريح احملينا فحملتنا، ثم قال: يا ريح ضعينا فوضعتنا، فركز برجله الارض فتوضأ على وتوضأنا ثم قال: يا ريح احملينا فحملتنا، فوافينا المدينة والنبى (صلى الله عليه وآله) في صلوة الغداة وهو يقرأ: ” أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ” فلما قضى النبى (صلى الله عليه وآله) الصلوة قال: يا على أخبرونى عن مسيركم أم تحبون أن أخبركم؟ قالوا: بل تخبرنا يا رسول الله.

قال انس بن مالك: فقص القصة كأن معنا. منه عفى عنه “[8].

بعد العثور عليهم

{ إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)}

والمشهد الثاني كان خارج الكهف، حيث اختلف القوم فيما بينهم عما يصنعوه بهم بعد أن عادوا لما كانوا عليه ، فقال بعضهم لنبني عليهم جداراً ونتركهم كما هو عليه ، بينما قال أصحاب السلطة والنفوذ لنبني عليهم مسجداً نعبد فيه الله سبحانه ، لما لأصحاب الكهف من منزلة عن الله سبحانه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المحاسن : ج1 ،ص 255

[2] من لا يحضره الفقيه : ج2 ،ص 626

[3] تحف العقول : ص 42

[4] شرح نهج البلاغة : ج20 ، ص 292

[5] سورة المنافقين : الآية 3

[6] سورة طه: الآية 5

[7] سورة يونس : الآية 3

[8] تفسير نور الثقلين : ج3 ، ص 249

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس العاشر)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ في‏ فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17) وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18) وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19)}

صدق الله العلي العظيم

 

نستفيد من هذه الآيات المباركات بصائر عدة نذكر أهمها قبل أن نشرع في توضيح الآيات المباركات وتفسيرها:

لنكن من المهتدين

في ذيل الآية السابعة عشرة يقول الرب سبحانه: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً } ويعني ذلك أن لا طريق إلى الهداية إلا عبر هداية الرب سبحانه، ومن لم يسلكه كان في الضلال دون أن يكون له هادٍ أو وليٍ يعينه ، ولكن كيف يصل البشر إلى مستوى الهدى وما هي طرق الهداية ، ونحن نبين ذلك لنسلك هذه السبل فنصل إلى مرتبة الهداية التي لو لم نصل إليها يعني أننا في ضلالة والضلالة في النار والعياذ بالله.

فليست القضية قضية ثانوية يمكن أن نؤخرها أو نتهاون فيها، بل هي قضية مصيرية، ولكن كيف نؤهل أنفسنا لمستوى الهداية؟

أول خطوة تكمن في إجتناب الطاغوت ووسائله ،قال الله سبحانه: { وَ الَّذينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِباد}[1]، وأصحاب الكهف كانت خطوتهم الأولى إجتناب الطاغوت ومجتمعه: { وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ }فما يعني إجتناب الطاغوت؟

قبل كل شيء لابد أن نعلم أن الدنيا دار إبتلاء شئنا ذلك أم أبينا ، وغالباً الطغاة هم المهيمنون على مقدرات الشعوب وبيدهم المال والثقافة والإعلام والجاه وكل جوانب الحياة ، والإبتعاد عنهم وإجتنابهم أمرٌ  صعب ولكنه الأساس في الحركة نحو الهداية ، إذ ثقافة الطاغوت مبنية على سلب عقول الناس ومنعهم من التفكير الحر وتحميلهم أفكاره وثقافتهم دون أن يسمح لهم بنقدها ، وبذلك يسحق شخصية الإنسان ليجعله مطيعاً لنظامه المنحرف، قال الله سبحانه عن فرعون: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقين‏}[2]، فسلبهم ثقلهم المتمثل في عقولهم.

وبدل الثقافة الإلهية حمّلوا الناس ثقافة الشرك واللهف وراء المال وسلطان الشهوات ، وبالرغم من أن بعض هذه تسمى جبتاً ، إلا أن تعبير الطاغوت يشملهما جميعاً إذا ورد منفرداً، ومن هنا على المؤمن أن يلتفت إلى عدم تصديق كل ما تبثه الفضائيات الممولة من قبل الطغاة وأجهزة إعلامهم، لأنها تسبح بحمدهم دوماً وتمجدهم أبداً.

وبعد إجتناب هيمنة الطاغوت وثقافته يجب إجتناب الجبت الداخلي المتمثل بالحسد والحقد والأنانية وأشباهها من الأمراض الداخلية، ولما كان الإبتعاد التام متعسراً جداً فإن وعي الإنسان بعدم معياريتها للحق يعد خطوة صائبة.

فقد يحكم الإنسان على شخص لعدم إعجابه بمظهره وهندامه أو لحالةا الحسد تجاهه، وهذا من الجبت الداخلي، الذي ينبغي إجتنابه تماماً أو على الأقل أن يعرف أن حسده وحقده و.. من أسباب ضلالته وإنحرافه عن الحق، ويطلب المؤمن من ربه أن لا يكون في قلبه تجاه إخوانه غلّاً كي لا يؤدي ذلك إلى تكذيبهم، قال الله سبحانه: { وَ الَّذينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِالْإيمانِ وَ لا تَجْعَلْ في‏ قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحيم‏}[3].

وبعد توفير الإنسان شروط الهداية في نفسه تأتي هداية الرب سبحانه والتي يكون قسمٌ منها عبر الهداة الذين يبعثهم الله سبحانه ويجعلهم مصابيح في سبيل البشرية، وفي سورة النور بيانٌ بأن نور الله ( هداه ) في بيوتٍ أذن الله أن ترفع، قال الله سبحانه: { في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصال‏*  رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصار}[4].

فالبيوت ليست بيوت طينٍ وحجارة بل هي بيوت الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، فهناك يتجلى نور الله سبحانه، وقد روي عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، قال: «هي بيوت النبي (صلى الله عليه و آله)».[5]

ومع الأسف أننا وبالرغم من قرب الأئمة الأطهار منا وقضائهم لحوائجنا في ساعات العسرة، بعيدون عنهم عليهم السلام وعن كلماتهم النيّرة وسيرتهم العطرة.

وهناك سبيلٌ آخر لهدى الرب وذلك هو طريق الهداية المباشرة وهي الهداية من لدن الله سبحانه ، ولا يتيسر ذلك إلا لمن أعان عقله على هواه دوماً وفي كل المواقف ، كما أشارت إلى ذلك النصوص الشريفة.

ولابد من سلوك السبل هذه بدءاً من اجتناب الطاغوت ومقاومة الجبت والمسألة من الله ليهدي العبد ، وبالرغم من سهولة الخطوات في البيان إلا أنها من أصعب الأمور تطبيقاً على أرض الواقع، وإذا تحققت الهداية الإلهية يكون الأمر كما كان مع أصحاب الكهف حيث يبدل الله سبحانه سننه من أجلهم ويوفر له كل فرص النصر، ومن ذلك إنامتهم طيلة قرونٍ ثلاثة دون أن تبلى أجسادهم بل دون أن تبلى ثيابهم.

صفات الطعام الحسن

بعد أن ناموا طيلة تلك الفترة واستيقضوا تسائلوا فيما بينهم عن مدة نومهم وأبدى كلٌ منهم رأياً، حتى قال أعقلهم – وبسبب تغير الطبيعة من حولهم- لم تلبثوا فترة قليلة والله هو العالم بفترة نومنا، فلنترك شأن النوم ونهيء لأنفسنا طعاماً نسد به جوعتنا، فبعثوا أحدهم بثياب الراعي إلى المدينة ليهيء لهم طعاماً.

وفي الآية الشريفة إشارة إلى صفات الطعام الحسن عبر كلمتين تختزن مجموعة من الصفات والكلمتان هي :

أولا: أزكى، حيث قالوا فيما بينهم : { فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً }

وكلمة الزكاة تعني مضافاً إلى التطهير النمو والتوسعة ، والزكي هو الطاهر الذي يؤدي إلى النمو ، ولم يطلبوا الطعام الزكي ، بل طلبوا أزكى الطعام ، الذي يكون مفيداً لأجسامهم ويقويها ، ومضافاً إلى ذلك تدل كلمة الأزكى على مطالبتهم بالطعام الطاهر والحلال.

ومن الضروري الإلتفات إلى النظام الغذائي المتبع في العوائل والذي اتجه نحو الطعام الجاهز والمليء بالمواد الحافظة والضارة بالجسد.

ثانياً: المقدار الكافي منه ، حيث قالوا : { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ، والذي يدل على عدم شراء كل شيء في السوق مما يؤدي إلى الإسراف وعدم الإنتفاع بالطعام.

ويشهد العالم اليوم إتلاف ثلث المواد الغذائية المنتجة والذي يكفي أقل من هذا المقدار للقضاء على المجاعة في العالم.

في المدينة

لبس أحدهم ثياب الراعي ودخل المدينة متنكراً لتهيئة الطعام ، وعجب من تغير معالم المدينة كلياً ، وهو قد تركها بالأمس – كما ظن ذلك- ، ولما أراد شراء الطعام عجبوا من عملته وظنوا أنه قد عثر على كنز فرفعوا أمره إلى السلطة – التي كانت بيد المسلمين آنذاك- ولما حققوا معه وسألوه عن أمره أكتشف هو تغيّر الزمان وهم أكتشفوا أنهم عثروا على أصحاب الكهف والرقيم ، الذين بدأوا تاريخهم بيوم إختفاءهم – كما ذكرنا سابقاً-.

وحين دلّهم على الكهف جاءوا جميعاً ، وتقدم هو الجموع لكيلا يفزعوا من الجموع ويحكي لهم ما جرى ، وحين حدثهم بالأمر شكروا الله سبحانه على إهلاك الطاغية ونصر المؤمنين ، وبعد تشاورهم فيما بينهم سألوا الله سبحانه أن يعيدهم إلى نومتهم مجددا وهكذا كان.

النصر من الله

كان بإمكانهم أن يعودوا إلى المدينة ويكونوا حكّاماً فيها ، ولكنهم أكتفوا بإنتصار حركتهم وهلاك الطاغية ، وفي هذا الأمر درس لكل الأحرار والثوار ، بأن لا ينسبوا الثورة والقيام لانفسهم ويطالبوا بالإستحقاقات المادية متناسين نصرة الله سبحانه لهم ، ونيتهم التي كانت خالصة لله في بدو حركتهم، لكيلا يتحول عملهم الخالص لله إلى عمل لغير الله سبحانه ويكتب عليهم رياءاً بدل أن يكتب لهم ثواباً خالصاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزمر : الآية 17

[2] سورة الزخرف: الآية 54

[3] سورة الحشر : الآية 10

[4] سورة النور: الآية 36-37

[5] البرهان في تفسير القرآن : ج4، ص 75