(حكمة الحياة …احترام علماء الدين )

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 19/ الربيع الثاني / 1440 هـ ، الموافق 27/ 12/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

محور الحضارات العميقة

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 12/ الربيع الثاني / 1440 هـ ، الموافق 20/ 12/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

الايمان ودوره في معرفة الحقائق

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 05/ الربيع الثاني / 1440 هـ ، الموافق 13/ 12/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

الكلمة ودورها في بناء المجتمعات وهدمها

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 28/ الربيع الاول / 1440 هـ ، الموافق 06/ 12/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

(نحن ظلمنا انفسنا عندما تركناك يارسول الله (ص

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 14/ الربيع الاول / 1440 هـ ، الموافق 22/ 11/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

شكر المسؤولين يتمثل بالعمل وخدمة المجتمع

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 07/ ربيع الاول/ 1440 هـ ، الموافق 15/ 11/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

ارث الحضارات هو”””التحدي

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 29/ صفر الخير/ 1440 هـ ، الموافق 08/ 11/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

ماهو الهدف الانسان لضمان اخرته

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 22/ صفر الخير/ 1440 هـ ، الموافق 01/ 11/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

من وحي زيارة الاربعين:ارادة تغير وخارطة نهوض

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 15/صفر الخير/ 1440 هـ ، الموافق25/ 10/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

زيارة الأربعين زلزال التغيير..الشعائر فوق شبهات وسهام المتربصين

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 08/صفر الخير/ 1440 هـ ، الموافق 18/ 10/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.
بسم الله الرحمن الرحيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ* كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}.

صدق الله العلي العظيم.

( سورة الحج:1ـ4 ).

ان تراكمات الذنوب, وحُجُب الثقافات الشيطانية الثقيلة, قد تصل بقلب الإنسان الى مرحلة يصعب فيها عليه أن يتجاوز كل تلك الحجب لكي يصل الى الحقيقية.

عينه لا تبصر, اذنه لا تسمع, قلبه لا يفقه, حياته من نكد الى أنكد. والسؤال, ألا يمكن لهذا الإنسان الذي خاض في بحار الذنوب, حتى أحاطت به من كل جانب, ألا يمكن في لحظة من لحظات اليقظة, ان يستعيد انسانيته, يتوب الى الله, يرجع الى رشده؟.

فرص العودة متاحة

الجواب : بلى؛ ولكن هذه اللحظات معدودة, قليلة، هي نفحات ربانية تنزل من السماء على أهل الأرض, فمن تعرّض لها واستقبلها, ربما يتحول، ويتغير.

فليلة القدر ـ مثلاً ـ من شهر رمضان المبارك, إن ادركها الإنسان, و‘ن كان في موقع من مواقع الانابة والتوبة والضراعة الى الله تعالى, وان كانت الأدعية المأثورة, والتوجيهات والمبلغون في مستوى المرحلة, ربما يحدث ذلك زلزال نفسي ، هزة داخلية عند هذا الإنسان, فيتغير. لذلك تقرأ في ليلة القدر هذا الدعاء: “اللهم ان كنتُ عندك من الاشقياء فأمحني من الاشقياء واكتبني في السعداء”. هذا هو التحول والتغير. وهكذا يوم عرفة, لو كنت في عرفات, الرحمة الالهية تنزل على كل الواقفين هناك, أنت أيضاً تشملك هذه الرحمة.

قاعدة التقدم صياغة وبناء الانسان

والبشر ايها الاخوة، لايسعد او يتقدم  بالعوامل  المادية، فبعض الناس يظنون ان المملكة الكذائية, والجمهورية الكذائية, تملك ما تملك من البترول أو من المعادن الثمينة، فإنها تسعد و تتقدم؛ كلا ، ليس هذا شرطا.

 أتعرف أن افقر دولة في العالم حسب الاحصائيات، تملك خزينا هائلا من الثروة الزراعية ومن المعادن و تغذي الصناعات المهمة في العالم, لكنها هي ذاتها افقر دولة في العالم، وهي دولة الكونغو الديمقراطية, والتي كانت تسمى سابقاً زائير، وهو بلد يقع في وسط أفريقيا، وثاني أكبر بلد في أفريقيا من حيث المساحة والسكان.

وبالمقابل فأن من أغنى دول العالم التي تُحسب ثروتها بمستوى ترليونات الدولارات, وليس بالمليارات, هي اليابان, وهي أقل الدول امتلاكاً للمعادن.

 إذن؛ القضية ليست المعادن, أو الأرض, أو الزراعة, انما هي قضية الإنسان. ففي زائير السابقة، الكونغو الديمقراطية حاليا، كانوا ولعقود طويلة من الزمن في صراع مرير  فيما بينهم، لاسيما بعد فترة حكم الدكتاتور موبوتو سيسي سيكو الذي جاء بإنقلاب وحكم لاكثر من 30 عاما, وظلوا هكذا، والى وقت قريب، في دوامة انقلابات دموية وصراعات عرقية،  وحروب اهلية أسفرت عن مقتل اكثر من 5 ملايين شخص، ،يتصارعون فيما بينهم، إما قاتل او مقتول، فليس لديهم وقت حتى يستخرجوا ويستثمروا ثروات ارضهم الغنية للغاية بالموارد الطبيعية والمعادن الخام كالنحاس ، والالماس، والزنك و الكوبالت، والقصدير، و مياه وثروة زراعية هائلة ومتنوعة، فمع كل هذه الثروات لكنها صنفت على الدوام من افقر الدول ولم تستفد من ثرواتها شيئا بل الآخرين من مستعمرين وشركات اجنبية هم الذين ينهبونها ويستفيدون منها، وهكذا الحال ايضا في اكثر من بلد.

 وكما يقول الحديث عن اهل البيت عليهم السلام،فإن “من لم يكن عقله أكمل ما فيه, كان هلاكه أيسر ما فيه”. عندما لا يكون عقل الانسان ناضجا، فلا فائدة فيه، وكذا لو كانت هناك عقول كبيرة حكيمة, و نفوس ونوايا مخلصة، يجب أن لا ينصب تفكيرها وهمها فقط في كثرة المعادن او رأس المال, وانما قبل ذلك في الإنسان وتنميته وبنائه، في صناعة وصياغة الانسان.

الشعائر وزلزال التغيير

 وكيف يتم صياغة هذا الانسان وتراكمات الثقافة التاريخية جعلت قلبه في أكنّة و عقله في جمود ؟، العصبيات تحيط به, فلا يفكر في شيء, حتى أن عقله لا يعمل، فكيف نُصلح؟  كيف نغيره؟.

لابد أن تكون هناك برامج قوية محكمة واستثنائية  تحدث لهذا الانسان مايشبه الزلزلال العظيم، تماما كما تتحدث الايات التي افتتحنا بها الحديث عن زلزلة يوم القيامة، وهي كلمة (زلزلة) جائت في مفتتح سورة الحج, فلماذا افتتحت السورة بهذه الكلمة: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ }؟.

 كأن الحج الحقيقي نوع من الزلزال في حياة ونفسية وتفكيرالإنسان.

قسم من الناس, قد يكون فكره مشوشا, لا فكر عنده ولاتوجه ولاهدف, يذهب الى الحج, في البدء يعتمر, ويطوف, وشيئاً فشيئاً الى أن يذهب الى عرفات, وفي لحظة من اللحظات يتجلى هذا الزلزال, زلزال الحج, فيغيره, فيرجع وهو غير ذاك الشخص الذي ذهب, يرجع كيوم ولدته أمه. فنحن بحاجة الى مثل هذا الزلزال.

 وماذا إن لم نستطع ان نذهب الى الحج؟, هل يعني أن الأمر انتهى, الى أن نواجه زلزلة يوم القيامة؟!.

كلا؛ الله تعالى أرحم الراحمين, جعل لي ولك وللآخرين فرص آخرى, منها  زيارة السبط الشهيد الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة مثلا، فكما ورد في الاحاديث عن اهل البيت عليهم السلام ، فإن الله سبحانه ينظر الى زوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام يوم عرفة, قبل أن ينظر الى ضيوفه في وادي عرفات. وهكذا زيارة الاربعين،  ولعل الناس الذين يدخلون في هذا البحر الطاهر, المطهّر العظيم في كل عام, فيخرجون طاهرين من الذنوب والدنس, أكثر بكثير من الذين يذهبون الى الحج. فعدد الحجاج في كل عام قد يصل في اعلى تقدير الى ثلاث ملايين, فيما عدد الزوار في أيام زيارة الأربعين مثلا، و التي نشهدها ونعايشها هذه الايام،  قد يبلغون اكثر من عشرة ملايين.

فلسفة الشعائر : بين الثوابت وسهام المرجفين

ولنسأل : لماذا؟ ما هي فلسفة الحج؟ ما هي فلسفة الزيارة؟.

للاسف ، وكأنما نحن في آخر الزمان نحتاج الى نؤكد على الثوابت,على البديهيات,لماذا؟، لإنه ما دامت هذه الفضائيات التي لا حدود في الحديث فيها, حيث أي شخص يجلس امام الكاميرا ويخرج على الشاشة ويطرح ويقول بما يريد ويشتهي بلا ضوابط, وهكذا الامر في هذا الفضاء الافتراضي على الانترنت، ومايمسى بوسائل التواصل الاجتماعي, مايبث وينشر من الصور والافلام والكلام لاتحكمه أية ضوابط وقيم الى درجة أن سقط ذلك المقدار من الحياء عند كثير من الناس, ليس عند الناس العاديين, انما حتى عند اولئك الذين يدّعون ما يدّعونه.

 فلذا نحتاج الى أن نعود مجددا ودائما لنؤكد الثوابت, ونبين البديهيات.

أنا أسألكم اخواني الحاضرين ومن يسمعني؛ هل يخلو مكان من رب العزة تعالى؟. أليس كل إنسان وفي أي مكان، يمكنه أن يرفع يده ويقول ويدعو بإخلاص، والله تعالى يستجيب له؟. فلماذا ـ على سبيل المثال ـ يأمر ربنا سبحانه النبي موسى عليه السلام بأن يذهب الى طور سيناء, لماذا قال له اذهب الى ذلك المكان, و قال تعالى عن ذلك {وقرّبناه نجياً} في ذلك المكان ؟ أليس من الممكن أن الناس يعبدون الله ويؤدون الشعائر في بيوتهم؟, لماذا يذهبون الى وادي عرفة ومزدلفة ومنى, وهذه الطرق الوعرة, ويتحملون الصعوبات ويصرفون كل هذه الأموال ؟، أليس الاولى أن هذه الملايين والمليارات يصنعون بها الصواريخ والاسلحة ضد الأعداء؟! أليس من الأفضل أن يصنعون بها المصانع ؟!. لماذا يركضون بين الصفا والمروة بدل من أن يزرعوا الأرض؟ لماذا يذهب ركضاً ويرجع؟! هذه تساؤلات، وقد يطرحها الكثير من المشككين الذين لاهم لهم سوى مهاجمة قيم وثوابت الدين .

آدم عليه السلام ـ حسبما جاء في رواياتنا ـ ذهب  مئات المرات الى مكة , الأنبياء كلهم كانوا يذهبون الى مكة، ويطوفون بالكعبة التي  رفع قواعدها وبناها ابراهيم الخليل وابنه اسماعيل  سلام الله عليهما، وغير ذلك من الثوابت لدينا قد ترى شخصا ما يخرج على الناس ليشكك فيها، فتراه يجلس في مكان ما ، في غرفة مظلمة مغلقة، وامام كاميرا او جهاز تسجيل ليتحدث و يلقي كلاما مزخرفا ليشتهر به, ويدّعي أن هذه دكاكين!؟.

هل المسجد الحرام دكان؟!ألا تستحون؟!.. كثيرا مايتحقق على ارض الواقع المثل الذي يقول: اذا لم تستحِ فأصنع ماشئت، وهكذا ايضا قل ماشئت!؟.

كل الأديان, ومنها الاسلام، جزء مهم منه حركة, صيرورة, حركة الى المسجد الحرام, حركة الى المعابد, الى القدس الشريف, حركة الى المسجد, هذه  حركة وروح. أنت تستطيع أن تصلي في بيتك؟ فلماذا تذهب وتصلي في المسجد؟, لماذا جاء في الحديث الشريف أن لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد؟. اليس من الافضل للانسان أن يوفر هذا الجهد والوقت وهذه الحركة والذهاب والاياب الى ومن المسجد، ليعمل عملاً آخر؟.

الشعائر الحسينية فوق شبهات المتربصين

وهكذا ترون وتسمعون كيف انه في كل سنة وفي أيام زيارة الأربعين، يخرج مجموعة اناس ـ و لا أدري بماذا اصفهم وما أقول فيهم  غير اننا نكلهم الى الله تعالى وحسابهم عنده ـ فيتربصون بالشعائر ويهاجمون الزائرين بألسنتهم الحداد وينتقصون منهم ومن اقامتهم الشعائر الحسينية، ويتكلمون بما لايليق على هؤلاء الناس الطيبين الذين يأتون الى مرقد السبط الشهيد عليه السلام، وكلهم ايمان ومكارم اخلاق عالية وقيم عطاء وتسامح  ويتوبون الى الله تعالى, يستغفرون لذنوبهم, أو هؤلاء الناس الطيبين الذين يدفعون الغالي والنفيس من أجل خدمة الزوار، ونحن نسأل الله تعالى  أن يحشرنا معهم، لما يتمتعون به ويبدونه من هذا الإخلاص و الإيمان والتضحية والعطاء.  

في احدى السنوات الماضية سجل مجموعة من اساتذة الجامعات في احد البلدان اسماؤهم لكي ينالوا شرف خدمة الزوار، فجاؤوا الى منطقة ما بين الحرمين ومنهم من هو بروفيسور في تخصصه، و كانوا يجلسون وينظفون أحذية الزائرين، وعندما تقول له لماذا تعمل هذا؟ يقول: انه يتشرف بهذا العمل. فماذا يعني هذا؟؛ يعني انه يعرض نفسه الى تلك النفحة الإلهية, يقول أن هذه النفحة تنزل من السماء حول مرقد سيد الشهداء, هذه النفحة تشملني أنا ايضاً, حتى اغسل عن نفسي هذه الذنوب التي غفلت عنها طول عمري, فاذهب الى ربي طاهراً مطهراً. الا نقول في زيارته عليه السلام: “أشهد أنك طـُهر طاهر مُطهرّ, من طـُهر طاهر مُطَهرّ, طَهُرتَ وطَهُرَت بك البلاد, وطَهُرَ حرمك, وطَهُرت أرض أنت فيها”.

فإن كنت انا لا اقوم بالزيارة مثلا ، ولا اعترف بها ولا اعرفها, ولا أخدم, ولااصرف فلسا من جيبي, أليس من المعيب عليَّ بعدها أن أتكلم على الناس واهاجمهم بكلام سخيف مقيت!؟.

ترى بعضهم يقول: لا تستقبلوا هولاء الزائرين!؟، لا تقدموا لهم الخدمات، لاتطعموهم ولاتأؤوهم!؟ خذوا منهم أموالا!؟،وبطريقة اخرى كأنه يريد أن يفرض علينا وعلى الزائرين للامام الحسين عليه السلام مافرضه الطاغية المتوكل وامثاله من الطغاة!؟. بخيل ويأمر الناس بالبخل, لاحياء عنده, {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}، يرى من هو كريم ويعطي ويخدم, فيأتي ويقول له: لماذا أنت كريم؟!, تعال وكن بخيلاً..!؟. الله أكبر, ما هذه العقد والنفوس المريضة ؟!.

وهكذا ايضا قد تجد من المتربصين من يقول: فليأتي الزوار بالسيارات ،فلماذا يأتيون مشيا؟!. أقول لك اقرأ القرآن, اقرأ الآية القرآنية في سورة الحج الكريمة التي افتتحنا الحديث بآيات منها, حيث امر ربنا سبحانه وتعالى نبيه الكريم ابراهيم الخليل سلام الله عليه الذي يكرمه ويقدسه 4 مليارات من البشر فوق هذه البسيطة ، أمره وقال له: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا }، يعني مشياً على ارجلهم، ثم { وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }. في البدء الحج فرض مشياً, والبديل عن المشي الركوب في وسائل النقل ، من الدواب، وصولا اليوم الى السيارة و الطيارة.ولِما تتعجب او تتذمر من الناس الذين يأتون الى كربلاء مشياً؟!، وما الفرق مع قصد بيت الله الحرام،, فهذا ايضا حرم وبيت الله تعالى, هذا مسجد ايضاً, هنا روضة من رياض الجنة.

ماهي فلسفة الشعائر وهدفها الأصيل ؟

وهنا يجب أن نفهم فلسفة الزيارات, وفلسفة الحج, وكل حركة الشعائر التي يقول عنها تعالى:{ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}. فما المراد بالشعائر ؟.

الشعيرة ان يكون في الحركة هدف, الإعلان، الاعلام، وهو ماعُبّر عنه قرآنيا بـ{ أَذَانٌ}، هذه تسمى شعيره ،فالهدف ممن يسعون بين الصفا والمروة ليس لكي يشترون مثلا, انما هو بيان, الذي يسعى بين الصفا والمروة يعلن ويبيّن أن يا رب انا ملبي لندائك، مطيع ومُسَلّم لك ومستعد ان اتحرك وأسعى كما امرت وامر نبيك ،وهكذا هدف الحركة في الطواف و الافاضة وباقي المناسك، وهكذا يكون هناك هدف مماثل في الزيارة ايضا.

وفي الحقيقة فإن هدف هذه الشعائر الأصيل هو اصلاح الإنسان, فهو إن صلُح, فأن ذلك يعني أنه صلحت نفسه, صلحت معيشته وحياته, وصلحت آخرته, وصلحت حتى حضارته,فحضارة الاسلام اتسعت بالحج,وبالحركة والاقامة لباقي الشعائر، الم تقرء او تسمع كيف أن حجة الله وسبط النبي صلى الله عليه وآله، الامام الحسن المجتبى سلام الله عليه، ذهب 23 مرة الى الحج ماشياً،من المدينة المنورة الى مكة المكرمة، وربما كان حافياً.اذهب واقرأ التاريخ, ولاتكن من هؤلاء الذين يتكلمون بالسوء والاستهزاء عن الشعائر وأغلبهم جهلاء, لا يعرفون دينا ولا تاريخا ولا قرآنا, مجموعة اناس غثاء كغثاء السيل، وربنا تعالى يقول:{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً  وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

بماذا وكيف انتصر شعبنا و اصبح مثلاً في العالم

ولعل كثير من هؤلاء الذين يتهجمون على هذه الشعائر ومنها زيارة الاربعين, هم بعيدين عن اجوائها ومقاصدها الحقيقية، لم يجربوا, ولكن تعالوا وأسالوا هؤلاء المشاة الى كربلاء, إسأل الواحد منهم ممن يخدم وممن يأتي زائرا،  وقل له مالذي حصلت عليه عندما جئت مشياً الى كربلاء؟ أَطعام فقط (تمن وقيمة وسمك مسكوف) كما يزعم امثال ذلك الذي تمتلىء نفسه بالشح ويهاجم غيره كيف انه يكون كريماً في الناس, اسألوا الزائرين , كم صعدت وتعالت روحهم، وتألقت اخلاقهم، وازداد ايمانهم ، وتضاعت وقويت ارادتهم، بسبب المشي الى كربلاء الحسين عليه السلام.

وهنا اقول رحم الله تعالى علمائنا الكبار, وأخص بالذكر منهم الشهيد السيد محمد صادق الصدر رحمة الله عليه, الذي دفع الناس بهذا الاتجاه, وحافظ على هذه الشعيرة، فبعد الحقبة السوداء التي حكمت العراق أيام الحزب الحاقد، لا أحد كان يتصور بأن شعب العراق يعود الى ايمانه وتقواه،ولكنكم ترون كيف أن هذا الشعب اليوم مَثَل يُضرب، مَثَل في التضحية والعطاء والبطولة في كل الميادين ، مَثَل في جبهات القتال، فمن الذي فعل هكذا؟ هل أنت وأمثالك ممن تجلسون في أماكن معينة وتسيئون وتسخرون وتتكلمون بذلك الكلام التافه؟ أم انهم هولاء الملايين من محيي الشعائر الحسينية من ابناء هذا الشعب العراقي الذي اصبح اليوم مثلاً في العالم, وحتى في السجلات  والمؤشرات التي تبين الارقام القياسية,اثبتوا العالم الماضي أن الشعب العراقي كان الأول في كرم العطاء والمساعدة والضيافة, بل هم كذلك ايضا ـ وبعون وإذن الله تعالى ـ في الشجاعة والبطولة والكرامة والعزة ، وفي صلاة الجماعة، وايمانهم، ومكارم اخلاقهم, نعم؛العراق أصبح مثلا, وانا شخصيا اسمع في خارج العراق، من غير العراقيين ومن مختلف البلدان، كيف انهم يمدحون شعب العراق مدحا عجيبا وكبيرا, وكل واحد لديه قصة خاصة مثيرة للاعجاب والاحترام عن الشعب العراقي.

إذن؛ مسيرة الأربعين ليست انتفاضة حتى, انما هي زلزال حسيني ميمون, وبحر عظيم من القيم والاخلاق والمشاعر الانسانية الرفيعة، وهذا الشعب العراقي يعيش هذا الزلزال ويدخل هذا البحر ويخرج منه بصفاء النية, بإيمان قوي, بصدق, بسلامة, هذا الشعب الذي كان ولايزال وسيبقى شعاره في هذه المسيرات المليوينة:” لبيك يا حسين” رأيتم كيف أن هذا الشعب ضحّى واثبت شجاعته وبطولته ودحر الارهاب ومن يقف وراءه. وقد قلت سابقا وفي عدة مرات ومناسبات، وحتى الآن اقول وأكرر واؤكد, أنني حتى الآن ــ وانا شخصياً اتابع جزئيات السياسة العالمية ومايجري في العالم ــ ليس لدي مثل واحد لشعب استطاع ان يقهر الارهاب مثل الشعب العراقي، بالرغم من  كل المؤامرات الكبرى التي كانت ضده.

ولكن؛ بأي شيء قهر الإرهاب؟.والجواب بالإمام الحسين عليه السلام، بهذا الزلزال, بهذه النفوس الأبية الطاهرة التي صنعتها هذه المسيرات الاربعينية وأمثالها من الشعائر, وهذه المنابر الحسينية, وهذه الحوزات العلمية.

العراق منطلق التمهيد والتغيير

نعرف ان الذين هم بعيدون عن العراق وشعبه، لا يعرفون ماذا يجري في هذا البلد. فالذي يجري فيه هو ما يمكن أن نسميه بتمهيد التحول في العالم كله – ان شاء الله – يمهدون لشيء أعظم.

ولذلك فلسفة الزيارة هي فسلفة الحج, فلسفة المشي الى كربلاء هي فلسفة المشي الى بيت الله الحرام, ولا تنسى هذه الآية المباركة: {وأذن في الناس في الحج يأتوك رجالاً}، يعني مشاة، { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، الذي لا يستطيع المشي يركب وسلة ما, لكن اولية وأصل القضية في المشي, والآن ايضا فإن نفس الشيء في الزيارة ، الأصل هو المشي, حتى الذين لا يستطيعون المشي و لديهم ظروف معينة, فإنه بالتالي من يذهب الى الزيارة يحصل على ثواب الزيارة مشيا بإذن الله تعالى, وحتى من هو قريب هنا ويذهب من بيته الى الحرم راجلا، فهو انشاء الله من الزائرين المشاة.

وهناك من الروايات لدينا ماتتحدث عن ثواب عظيم جدا لكل خطوة لمن يذهب الى زيارة الامام الحسين عليه السلام ماشياً، وبكل خطوة يخطوها ايضا حينما يعود مشياً, فمن لايريد ان يصدق الروايات فالامر عائد له, ومن لايؤمن بالدين والشعائر فماذا نعمل له؟ الا ان ندعو الله تعالى له بالهداية, أما نحن فمؤمنين ونصدق بالروايات, مؤمنين بالإسلام من ألفه الى يائه, لا نأخذ جزءا من الدين ونترك الجزء الآخر بحسب الاهواء.

ايها الموتورون: انها شعائر لا  دكاكين !

ونقول لاولئك مجددا؛ هذه ليست دكاكين, هذه شعائر, اذا كانت الامور مشتبهة عليك, اذهب واقرأ ودقق في اللغة, ماذا تعني الشعيرة؟ وماذا يعني الدكان؟, لعلك لم تقرأ في اللغة ولديك التباس, هذا الإنسان الذي يدفع كل ما لديه في سبيل الله، اي انه يعطي بلا منّة ولا مقابل مادي,ومن دون يفرض احد عليه ذلك إنما تطوعا، هل هذا يسمى دكان، وكيف تسمح لنفسك ان تصفه بذلك؟. الدكان مكان للتجارة المادية، للبيع، شخص يعطي أموالا حتى يأخذ شيء مقابلها, أليس كذلك؟ ، لكن هذا الامر الذي تشاهده في الزيارة والذي تهاجمه ومنزعج انت منه ليس كذلك, انما خدمة يخدمها بنية صافية وبصدق واريحية وطيب خاطر, فيقدم كل مايستطيه حتى انه يغسل اقدام الزائر, فهل تسمّون هذا دكانا!؟.

نحن سنقف ،بحول الله وقوته, في مواجهة كل الانحرافات الفكرية والاخلاقية, من أي انسان صدرت, وفي أي وقت صدرت, ونرجع الى قيمنا وثوابتنا وندافع عن الدين كله, قيمه واحكامه وشعائره وعباداته.

وهنا أقول لكم ايها الاخوة نقطة مهمة, فقد سمعت من بعض هؤلاء الجهلة الأميين, { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}فهو يتكلم بما تشتهي نفسه, لكنه أمّي, يعني جاهل, فقد سمعت من بعض هؤلاء يقولون ان الزائرين لايصلون, وكأنه لم يسمع ولم يرى، او لايريد ان يسمع ويرى كيف تقام صلوات الجماعة على طول الطريق خلال هذه المسيرة الحسينية، بل واقيمت خلال العامين الماضيين اكبر صلوات جماعة في العالم، في طريق المشاة مابين النجف الأشرف و كربلاء المقدسة, أي نحو 80 كليو مترا، كان يشارك فيها اعداد هائلة من الزائرين وبأكثر من مئات الالاف في كل فريضة، ولكن اولئك الناقمين المتربصين للاسف يخرجون علينا في كل مناسبة وفي يوم من ايام زيارة الاربعين بكلام متهافت جديد يدل إما على جهلهم او على تعنتهم وعدائهم السافر للشعائر والزائرين والطعن فيهم بكل وسيلة واسلوب ممكن.

ماكان لله ينمو..الشعائر الحسينية لا تزداد إلاّ علوّاً وأمرها إلاّ ظهوراً

وأقول لكم بصراحة, ان هذه الشعائر الحسينية تتموج وتتعاظم وتتنامى، ليس بفعل المؤمنين فحسب, انما هي وقبل اي شيىء مباركة في الاصل, جعلها الله سبحانه وتعالى مباركة,فما كان لله تعالى ينمو،لذا فهي تزداد عاما بعد الآخر وتتموج وتنتشر وتترسخ اكثر ليس في العراق فقط بل وفي العالم. ففي شهر محرم, في أيام عاشوراء, تابعت بعض المجالس, وقد لاتتصور ابدا ان هذه المجالس الحسينية كان من الممكن ان تصل وتشاهدها وهي تقام في بعض مناطق العالم، كتلك التي بدأت تقام في مدن في كوريا الجنوبية او اليابان, بل يمكن القول ان مجالس الامام الحسين عليه السلام ونهضته المباركة، لم يعد يخلو منها مكان في العالم، وهكذا الامر بالنسبة لزيارة الاربعين، وقد بدأ العالم كله يرى بأم عينه كيف ان كربلاء خلال زيارة الاربعين تتحول الى نموذج مصغر عن العالم كله، حيث تحتشد فيها كل الجنسيات والاعلام والاعراق، بل والطوائف والاديان، والالوان واللغات من شتى انحاء العالم،متعاونة متآلفة ومتوحدة تحت راية السبط الشهيد عليه السلام،يجمعها الحب والولاء وتعطش العالم لقيم النهضة الحسينية الربانية المياركة،وسوف يتعاظم وينمو هذا اكثر واكثر بإذن الله تعالى، و تحقيقا لما روته مولاتنا السيدة زينب سلام الله عليها يوم عاشوراء عام 61 للهجرة حين حدّثت أبن اخيها الامام السجاد عليه السلام، عن ذلك العهد المعهود من الله تعالى الى جدها المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، حيث قالت: « فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات.. وليـنصَبنّ لهذا الطف علم لقبر أبيك سيد الشهداء سلام الله عليه لا يدرس أثره على كرور الليالي والأيام . وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد إلاّ علوّاً وأمره إلاّ ظهوراً”.

خصال عباد الرحمن

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 01/صفر الخير/ 1440 هـ ، الموافق 11/ 10/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

الحكمة والعلم وجهان واحد

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 17/ امحرم الحرام/ 1440 هـ ، الموافق 27/ 09/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

من اسباب الفساد هو الشقاء

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 03/ امحرم الحرام/ 1440 هـ ، الموافق 13/ 09/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

الاسلام منهاج السلام

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 25/ ذي الحجة/1439 هـ ، الموافق 06/ 09/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

ماهي اهداف رسالات الله؟

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 18/ ذي الحجة/1439 هـ ، الموافق 30/ 08/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

العزم على مواجهة التحديات

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 11/ ذي الحجة/1439 هـ ، الموافق 23/ 08/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

المجتمع دعامتان: سياسي واجتماعي

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 09/شهر شعبان /1439هـ الموافق 2018/04/26م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

بسم الله الرحمن الرحيم
{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٣٧ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٨ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}
صدق الله العلي العظيم

هل كانت مهمة الانبياء عليهم السلام بناء دولة؟!
أم كانت تأسيس حضارة، أو فتح بلاد، أم ماذا؟!!
ربما كل ذلك كان جانب من مهماتهم ورسالاتهم عليهم السلام، ولكن رسالة الانبياء عليهم السلام كانت تهدف بناء الانسان الكامل(٢) كإنسان؛ سواء فرداً أو مجتمعاً، أي بناء كل الناس، وصبهم في وعاء واحد حتى يصبحوا أمة واحدة، قال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(٣).
إذاً، هذا هو الهدف، بناء الانسان هو الهدف، لكن الانسان قد يبنى كشخص (فرد)، وقد يبنى كمجتمع، فالانسان الفرد الذي يبنى على أساس الايمان الكامل هو أمة كما قال ربنا سبحانه وتعالى عن ابراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}(٤)، لماذا؟ لانه عليه السلام برغم أنه كان فرداً إلا أن رؤيته، بصيرته، حركته، اتجاهاته، أعماله في الحياة أعمال أمة، ولذلك آمن به لوط عليه السلام، ورزقه الله باسحاق عليه السلام، ثم من وراء اسحاق يعقوب عليهم السلام، ومن ثم الاسباط واسماعيل عليهم السلام وهكذا، فأمة ابراهيم عليه السلام اليوم – إن صح التعبير – مليار وخمسمائة مليون مسلم؛ يكرمون ابراهيم عليه السلام باسم الله من النصارى واليهود والمسلمين جميعاً، لذلك في الحقيقة ابراهيم عليه السلام أمة وليس فرداً.
نعم، هناك وظائف خاصة للفرد ومسؤليات كفرد، ولكنها مسؤليات يجب أن تكون ضمن بناء الامة وتصب في هذا الهدف، فأنت تصلي لنفسك، والصلاة صلة الانسان بربه، ودعاء وتوسل ولكن يكون ثواب صلاتك جماعةً أكثر ثوابا من أن تصليها فرداً، وإذا بلغ عدد المصلين ١٠ فما فوق فلا يحصي ثوابها إلا الله سبحانه وتعالى!!(٥).

وكذلك لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، أترى واجبات الاسلام؟ حتى الجوانب الفردية يأمرنا الله بإتيانها جماعة مع الناس!!
حتى الدعاء، تستطيع أن تدعوا في بيتك ولوحدك وتثاب وتحصل إجابة، ولكن عندما تدعوا الله بين الناس ومعهم تكون الإجابة أضمن وأسرع، لذلك المعصومون عليهم السلام يحثون ويحرضون المؤمنين على الدعاء في الأماكن المقدسة العامة؛ حرم الامام الحسين عليه السلام، وكذلك باقي الأئمة عليهم السلام، وادي عرفات عندما يجتمع الناس مع بعضهم، وما شابه، لماذا؟!!
لانه متى ما استجاب الله لفرد واحد يستجيب للاخرين جميعاً بكرمه وجوده وفضله، فالدعاء مع الناس بلا شك أفضل وأسرع وأضمن في الإجابة، لانه من بناء الامة، وهو ما يسمى اليوم بالمجتمع، فالمجتمع يجب ان يبنى، يعني يبنى مجتمع رباني، مجتمع إلهي، مجتمع رصين وعلى أسس واضحة.

من الايات الكريم نستفيد في الحديث عن واقعنا من خلال هذه الايات في سورة الشورى، ربنا أولاً يقول: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيء}: في التوازن بين الدنيا والآخرة، انتخب الآخرة، الدنيا وسيلة، الدنيا مزرعة، الدنيا ممر، الدنيا متجر، الدنيا سوق، هذه سوق وأنت في المتجر أتنام؟!! في السوق تربح، أول صفة في المجتمع الإلهي، إنه لا يهمل الدنيا ولكن لا يفضلها على الاخرة.

{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: متاع وردت مرات متعددة في القران، فما معنى متاع؟!! فمتاع يعني ما تستفيد منه وينتهي، فهو وسيلة، فالثوب متاع، والبيت متاع، أي وسيلة في الحياة الدنيا.

{وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}؛ لمن هذه الصفة؟!!
للذين امنوا، هذه الصفة للذين امنوا، والذين: على ربهم يتوكلون، المجتمع الحي مجتمع حيوي، مجتمع بطل شجاع، مجتمع لا يقبل الباطل، إنسان مميز(٦)، لديه قدرات اضافية، لديه قوة ارادة يكتسبها من التوكل على الله والثقة بالنفس.

أنت كإنسان لديك قدرات هائلة، وكمجتمع لديك قدرات أعظم وأعظم، وأنت كفرد وكمجتمع تستطيع تطوير هذه القدرات الهائلة عند نفسك، فعندما يتوكل الانسان على الله ويثق في نفسه، يستطيع تفجير هذه الطاقة التي هي قوة هائلة وعظيمة، إذاً صفة اخرى للمجتمع الايماني هي: صفة التوكل، وصفة التوكل تنعكس على سلوك الانسان، بسلوك حيوي، بحماس بحكمة وتقدم، هذا هو التوكل.

وهناك صفة ثالثة: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ}؛ يعني هؤلاء نضيفين طاهرين، مجتمع ليس لديه فواحش، ولا مشاكل: لا كذب، لا دجل، لا غيبة، لا تهمة، لا رشوة، لا فساد اداري، و..الخ، هو مجتمع لديه نظافة، لان النظافة

ليست نظافة الجسم فقط، جسمك يكون نظيف، ملابسك تكون نظيفة، بيتك لازم يكون نظيف، سيارتك لازم تكون نظيفة، قلبك نظيف، سلوكك نظيف، وكل ما يرتبط بك يجب أن يكون نظيفاً نقياً.

وكذلك الطهارة؛ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}(٧)، ويقول الله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}(٨)، فالرجس يعني النجاسة الظاهرية والباطنية، والنجاسة ما ظهر منها وما بطن، فقلبك أيضاً لابد أن يكون نضيفاً.

وجاء في المناجات الشعبانية: “… وَلِتَطْهيرِ قَلْبي مِنْ اَوْساخِ الْغَفْلَةِ عَنْكَ”(٩) فالغفلة هنا وسخ، حجاب، يعني إذا أنت استيقظت من النوم ولم تغسل وجهك، ولم تغسل عينك، ماذا يحدث؟
تذهب لتنظف عينك، لان عين الانسان إذا لم تكن نظيفة لا يستطيع رؤية الأشياء بشكل صحيح، وهنا نتوقف، لان هذه مشكلتنا، فالانسان عندما يغفل عن ذكر الله يغفل عن نفسه، قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(١٠)؛

يعرف نفسه ويعرف من هو، اذا سُئِلت هـ عن اسمه يجيبك، إذا سألته عن وطنه يجيبك، ولكن عندما تسأله من أنت؟!! ما هي قدراتك، طاقاتك؟؟
فالجواب: لا يدري!!
ما هو هدفك في الحياة؟ لا يدري!!
ما هي رسالتك؟ لا يدري!!
وهكذا، فالانسان انما يصل الى درجة الوضوح في الرؤية حينما يتصل بالله سبحانه وتعالى، إذا اتصل بالله جميع الاوساخ تذهب وتتساقط، وعندما تذهب الاوساخ وتنجلي من قلب الإنسان يرى الحياة واضحة، جميلة، طيبة، حلوة.
عندما تشرق الشمس كيف يكون الكون جميل ومضيء وواضح؟!!
عندما يشرق القمر منير كيف يلف الجمال الأرجاء؟!!
عندما تطلع النجوم كم تكون حلوة وجميلة؟!!
وهكذا، تحب الأشياء، تحب الناس، تحب نفسك، وهكذا، لكن هناك مشكلة لدى بعض الناس اصطدموا بأمور خربت فطرتهم، وصدمات الحياة كثيرة، وبعد ما صدموا صارت أنفسهم مقلوبة، يرون كل شيء من الجانب السلبي، أول شيء نفسه، يعني الانسان السلبي اول شيء ينظر الى نفسه نظرة سلبية، فيأتي الشيطان ليقول: من أنت؟ ما هي قيمتك؟ فيدمر الانسان من داخله!!
عندما يحترم الانسان نفسه لا يقتحم الموبقات، ويحترم الاخرين، حتى اننا عندما نريد تنبيه شخص نقول له: احترم نفسك، لماذا؟!!
لان الذي يهين الاخرين كان قد أهان نفسه أولاً ثم أهان الاخرين!!
فإذا كنت إنساناً طيباً تحترم نفسك فسوف تحترم الآخرين، وعندما تحترم الآخرين ستحبهم، وإذا أحببتهم ستتقرب منهم وتعيش معهم عيشة طيبة، عندما يذهب الإنسان إلى حديقة الحيوانات هل يحب أن يعيش معهم؟!!
كلا، قد يحب التفرج والتسلية لكن لا لا يرتاح هناك، لماذا؟!!
لان المجتمع هناك غير متجانس، هنا ذئب، وهنا أسد، وهنا قرد، وهنا حيوان آخر، هذا حياته شكل، وطبيعته شكل، وطريقته شكل، وهكذا، فهل يحب الإنسان أن يعيش مع الذئاب والاسود والقرود وربما الفئران؟!!
هل هذه الحياة حلوة أو سعيدة، أو حتى مرغوبة؟!!

أيها الإخوة، قسم من الناس يعيش مع أبيه وأمه ومع زوجته وأبنائه وأصدقائه من عشيرته أو من غيرها، بنفس الطريقة والكيفية، يعتبر هذا أسد، وهذا ذئب، وهذا نمر، وهذا قرد، وهذا كذا، هل تدري لماذا؟!!
لان هو لديه مشكلة، نحن بشر، والناس طيبون وبشر مثلنا، خلقهم الله وأكرمهم، يجب أن نشعر بهذه الصفة لاننا نحتاج إليها كثيرا لتعاملنا معهم.

{وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} لماذ يغفر المؤمن؟!!
لان الانسان الايجابي لديه من الاستعداد، من الثقة بالنفس، ما يسمح له بالمغفرة والسماح للاخرين، قال الشاعر:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيْمِ يَسُبُّنِي فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
يعني هذا مو وياي، كلامه لغيري، يقولون له: يعنيك، فيرد لا، الكلام لغيري، قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}(١١)، المؤمن يترفع على الكلام البذيء، لا يتنزل الى مستوى القائل، {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}، السيطرة على الغضب شيء جميل، والانسان الذي يسيطر على الغضب هو إنسان حليم، وهذا الانسان يعيش محترماً ويعيش في القمة، ويعيش في الجنة، لماذا؟!!
لانه بهذا يحطم أعصاب الطرف المقابل، وينغص معيشته، خصوصاً حينما يتحول هذا السلوك (التجاهل) الى رؤية في داخل الانسان.

ومن صفاتهم: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ}، ماذا تعني الإستجابة للرب؟!!
لا شك إن الاستجابة لله هنا هو الايمان بالانبياء عليهم السلام، والايمان بالائمة عليهم السلام، والايمان بالقيادات الرسالية: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}(١٢)، ومن بعض الايات الاخر نستفيد معنى الاستجابة هنا، عقدة البشر واحد مثلهم نتبعوه، من قال أن هذا صار نبي علينا؟ أو صار امام علينا؟!!، أو صار مرجع؟! أو صار قائد عسكري؟!! و..الخ، {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ}، لا أعلم حقيقة ما هي العلاقة بين الاستجابة لله وإقامة الصلاة، ولكن عادةً

 

حين تُهدم القيم تنهار الأمم.. مشكلة الأمة مع القرآن

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 02/شهر شعبان /1439هـ الموافق 2018/04/19م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

حين تُهدم القيم تنهار الأمم.. مشكلة الأمة مع القرآن

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

” وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  (86) “.

صدق الله العلي العظيم

(سورة البقرة ( 84 ــ 86 )

أسس وقواعد بناء الأمة

حينما تريد ان تأسس بيتاً ، تسوي الارض، تضع الأسس والاعمدة، ثم الجدران  فالسقف، ثم تضع النوافذ والابواب ، ثم تمد كل الوسائل الضرورية من ماء وكهرباء ومجاري ، ثم تصبغ البيت وتؤثثه، ومن بعد تسكن فيه بعد اتمام كل تلك المراحل من الانشاء والبناء .

وكذلك حينما تريد أن تبني امة،  فهي في البدء بحاجة الى اسس وقواعد راسخه،الى اعمدة قوية، (( رجال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ  فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ))، بحاجة الى رجال يدافعون عن الحق  ((إنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ )). ثم انت بحاجة ان تبين الواجبات والمحرمات، الاداب، المندوبات والمكروهات ، وشيئا فشيئا ـ وكما يبنى ويتأسس البيت ـ تتأسس وتبنى وتقوم الأمة .

 

اصلاح بناء الأمة لمنع انهيارها

وبمرور عقود من الزمن، وربما اقل او اكثر، فأن البيت الذي تسكنه، يكون بحاجة الى مراقبة واصلاح وترميم لما قد يصيبه من ضعف وتلف وشروخ  واضرار، في اسسه او جدرانه او سقفه، فمجرد كسر او تلف في بعض جوانبه او في شبكة الخدمات التي اسست فيه ، كأنابيب المياه على سبيل المثال ، اذا لم تقوم بتداركها واصلاحها، فأنها ستؤثر بالتالي على بناء واسس المنزل وقد تؤدي في النهاية الى انهياره اذا لم يتم اصلاحها بالوقت المطلوب. وهكذا ايضا بنيان الأمة، يحتاج الى ترميم واصلاح، فكلما ضعفت من جهة ، لابد ان يقوم الامناء الاشداء بالتصدي ويصلحوا ويحملوا راية التغيير والاصلاح، ومواجهة التحديات.

فكما أن البيت الذي يُهمل لفترة طويلة ولايُرمم وتُصلح عيوبه ولاتجري له عمليات صيانة وادامة وتجديد يكون مصيره الهدم او الانهيار، هكذا يكون مصير الأمة ايضا   اذا فُقد المصلحون فيها ، وطغى فيها الحكام وظلموا ولم يُنكر عليهم احد، وتفشى فيها الفساد والاستئثار والطبقية، ومجاميع المهمشين والمحرومين والطبقات الهشة، ولم يفكر احد في مواجهة ذلك وعلاجه، وازدادت مع الزمن الذنوب واحاطت الخطيئات بهذه الامة، فإنها تنهار شيئا فشيأ ، واذا بتلك الامة  التي لا تغيب عنها الشمس تصبح امة ضعيفة ومستضعفة، يُتهافت عليها من الغرب والشرق،  وكما ورد في الاحاديث عن  رسولنا الاكرم (ص) ومنها قوله: “يوشك ان تتداعى عليكم الامم كتداعي الاكلة على قصعتها, فقيل يارسول الله اومن قلة فينا؟! قال” لا، بل انتم يومئذ كثير ولكن من حبكم الدنيا وكراهيتكم الآخرة”. وفي حديث :” قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله!؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء، كغثاء السيل”.

هكذا اصبحت أمة متفرقة ممزقة ومرمى ولقمة للطامعين ، وفي كل يوم يثيرون الخلافات بين ابنائها وبلدانها ويريدون تقسيما مزيدا وجديدا لها  ، فاصبحت مركزا للخلافات والصراعات والتحديات، ثم بعد كل ذلك يضربون الامة بعضها ببعض، ليقتل بعضها بعضا ، وببرود اعصاب تصدر فتاوى شيطانية من اشباه العلماء وكهنة السلاطين  بالذبح والقتل، وقد رأينا في العراق وغيره من هذه الامور ما يشيب منها الاطفال .

حين تهدم القيم تنهار الأمم

ترى ماهي العلة الحقيقة لهذا ؟ لماذا الامر بالمعروف ، النهي عن المنكر، التواصي بالحق والصبر ، الاحسان و التعاون والتشاور، وغيرها ، كل هذه القيم اللهية و الاعمدة الي كانت تقيم هذا البناء ، وهذا السقف العالي  للامة، انهارت، فأدى ذلك لضياع وتيه الأمة ؟!.

قبل الاجابة عن السؤال، اشير هنا الى ما يطرحه احد المسؤلين الامريكان الكبار السابقين( رئيس جهاز الـ FBI)، في كتاب له كتبه وصدر مؤخرا حول عهد وادارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، وملخص الكتاب يدور حول فكرة معينة وخطيرة، وهي أن هذا الرئيس يقوم الأن  يهز قيم الامة الامريكية، فهو لايقول مثلا أنه يسرف او يقتل وماشابه ، بل يقول أن قيم الامة الامريكية والتي قامت عليها ، تنهار، كقيمة الديمقراطية و الحرية و الصدق ، والحلف واليمين ، فهذا الرئيس يقوم بهدم هذه القيم ، وبكلمة اخرى أنه يهدم الأمة .

إن البنيان والجدران المادية لوحدها لاتجمع الناس،  انما  تجمعهم القيم  الفاضلة في الامة ..ونحن كأمة اسلامية، كم نرى في اوضاعنا ماهو محزن ومخجل وما  هو مدعاة لأن يبكي منه الانسان دما.. وأخر مثل لما وصلنا اليه هي ماتسمى بالقمة العربية التي عقدت مؤخرا في مدينة الظهران بالسعودية، ولبس في العاصمة الرياض وهذا اشارة لأمر معين عند المراقبين.

وكالعادة، اجتمعوا وتكلموا كثيرا، ثم تفرقوا، فعلى ما اتفقوا؟ وأي حلول ومعالجات قدموا لمشاكل الامة ؟. هم قالوا أن الدول الاقليمية تطمع فينا نحن العرب، ويعنون بذلك ايران وتركيا. إذن ماذا عن الكيان الصهيوني؟ الا يطمع بكم؟ واين ذهبتم بالقدس وماذا فعلتم بعروس عروبتكم ؟ ألم يقتطع جزء منكم وسمي بجنوب السودان؟، اين اصبحت كشمير؟ واين وكيف وماذا عن اماكن وقضايا اخرى عديدة؟. ماهذا التفكير الضيق، الضحل؟،ماهذه العدوات الوهمية والازمات التي تفتعلونها بينكم؟.

عقدوا قمتهم، جلسوا وتكلموا وفي النهاية المعهودة منم قاموا وخرجوا وعادوا كما كانوا ، لقد تابعت كلماتهم واذا بأحدهم يقول ــ وكأنه يكتشف سرا ويعترف به ــ  أن وضع الامة سيىء.

الأمّة مريضة.. فاين العلة وماهو العلاج ؟

لماذا ؟  اليس فينا رجل رشيد يقول ماهو السبب وأين هي العلة ؟!.. أوليس احدنا اذا اصابه مرض او علة ما، حتى لو كان صداعا في رأسه او ألما في معدته او اي عضو من جسده،  يذهب الى الطبيب المختص ؟ ، الا يقول له الطبيب علته او مرضه من خلال الاعراض التي يشخصها ؟ كأن يكون  السبب فيروسا ما ويجب أن  يعالج ويقضى عليه بإعطاء المصاب مضادات او اي دواء آخر يلتزم بأخذه خلال فترة محددة، فتزول تلك الاعراض ويتم الشفاء لإن العلة اكتشفت ، اما اذا لم يعرف المريض العلة، او لم يراجع طبيبا، او لم يشخص هذا الطبيب ايضا العلة بصورة صحيحة ، فلن تتم معالجة المريض ولن يشفى، بل يزداد المرض ويستفحل وقد لايمكن علاجه بعد ذلك. وهكذا إذن ــ على مستوى الأمة ــ يجب أن نسأل: اين تكمن العلة ؟.

 

أمّة هجرت كتابها

إن علّة الأمة هي هذا الحجاب المستور الذي  صار بيننا وبين كتاب الله سبحانه،  فقد حُجبنا عن كتاب ربنا تعالى ، ومن احد مشاهد يوم القيامة أن هذه الأمة تؤخذ وتُحاسب بهذا القرآن الذي يرفعه النبي (ص) وينادي: ” يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ” فيكون هو (ص) والقرأن شاهدا على أن الامة تركت كتابها، ليس لأنهم لم يكونوا يقرؤون ويكتبون، او انهم عربا والقرآن ليس بلغة عربية ، وليس لأن كلماته غامضة  وكلها الغازا، فهو  بلسان عربي مبين.

إن مشكلتهم وعلتهم هي  أنهم تركوا وهجروا القرأن ، هي الحالة النفسية المتناقضة لديهم حيث اصبحوا يقرئونه ولكنهم لايلتزمون بأوامره ونواهيه، بل ياخذون منه مايعجبهم ويتركون مالايوافق اهوائهم ويريدون من هذا القرآن  أن يغطي ويبرر تناقضهم  و مشاكلهم وذنوبهم، فهذا او ذاك لايريد ــ على سبيل المثال ــ قرآنا يحرم عليه الربا!.

قيل في حكاية تروى أن احدهم مات وكان قد اوصى ان تعالوا واقرءؤا  على قبري القرأن، وقد كان ذلك، فإذا به يأتي بالمنام الى احد اولاده ويطلب منه أن يتركوا العمل بتلك الوصية ويوقفوا الشخص الذي استاجروه لقراءة القرآن على قبره، لإنه كلما قرء آية من القرآن تتم معاقبته وحين يسال لماذا؟ يقال له لأن القران يقول :” ولا تأكلوا الربا” فلماذا كنت تأكل الربا ؟.

لقد جاء في الحديث :” رب تالٍ للقرأن والقرأن يلعنه”، فلنحذر دائما وكثيرا ونعوذ ونستجير بالله تعالى أن يكون شفعائنا هم خصومنا يوم القيامة ! فهذه مشكلة خطيرة ، فلا فائدة ولاشفاعة لنا من القرآن اذا كان هو خصمنا يوم القيامة ، وهكذا بالنسبة للنبي (ص) واهل بيته (ع) .

مشكلة الأمة مع القرآن

إن مشكلة الأمة مع القرآن هي  أن  ما وافق اهوائهم اخذوا به ، وما لم يوافق اهوائهم لم يأخذوا به، وكمثل المريض والطبيب الذي يعطيه ادوية ــ تكون اغلبها مرّة ــ لعلاجه، فإنه لن يشفى ويصح إذا كان أخذه للدواء بحسب اهوائه ، ياخذ منها مايعجبه  ويترك مالا يعجبه ولايستسيغه!

 

الأمّة بقيمها وحفظ ميثاقها

إذن، وبالعودة الى الايات الكريمة التي افتتحنا بها الحديث، فإن بنوا اسرائيل أمة قامت ضمن عنصر معين، فهم اولاد يعقوب (ع) ، و الامة هذه كانت بنيت البدء على يد ابراهيم واسحاق ثم يعقوب ويوسف  (ع)، لكنها انحرفت، ثم جاء  موسى بن عمران واخوه هارون (ع) و بنوا الامة ايضا، وقد جاء الحديث كثيرا عن بني اسرائيل في القرآن، وفي الاحاديث الشريفة، لأن تلك الأمة عبرة لنا، كيف انها انحرفت رغم أن الله تعالى فضلهم على العالمين، فلما انحرفوا تبدلت كل  الموازين والمعادلات لديهم، واذا بهم صاروا اذلاء مهزومين ، وتلك الامة التي  نصرها الله تعالى على اعدائهم، فرعون وجنده ، وفلق لهم البحر و أنزل عليهم المن والسلوى ، اصبحوا تائهين مشتتين في الارض ، لا تقوم لهم قائمة الا بحبل من الله وحبل من الناس، كما جاء في القران الكريم ، وهذه الايات نزلت فيهم ، ولكنها ايضا نزلت فينا وتنطبق علينا حين دب فينا الضعف والتمزق، فتأتي الايات لتذكرنا بميثاق الأمة، حيث يقول ربنا تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ)) .

الأمّة  تصبح أمّة ، حينما يحترم احدها الاخر ،حينما تكون دمائهم محرمة عليهم ، حينما تحفظ الكرامة فيهم وتكون للجميع ، فالله سبحانه اخذ هذا الميثاق على بني اسرائيل وعلينا وسائر الأمم، ومحور هذا الميثاق امران مهمان هما : الارض او الوطن ، وحرمة الدم .

((ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ)). وكيف  يقتلون انفسهم؟! ذلك أنهم دخلوا في صراعات داخلية فيما بينهم ، وماذا عنا نحن؟، هل قليلة هي  صراعاتنا الداخلية؟!، تصوروا وفكروا مثلا اننا  وخلال 10 سنوات فقط، كم من مسلم قتل بيد كافر وكم من مسلم قتل بيد مسلم اخر؟!. ولايزالون  ان تستمر هذه  الصراعات و الحروب .

((وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ))، الطرد والتهجير من الديار بدوافع واسباب وتبريرات واهواء شيطانية، كأن يقال أنتم لستم منّا، لستم من منطقتنا او عشيرتنا او عنصرنا او عائلتنا او طائفتنا او ديننا.

(( تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))، بعظكم يدعم بعظا قي مواجهة الاخرين وفي مواجهة بعضكم بعضا،  بالباطل ومن دون وجه حق ، القرأن يقول ويأمر: (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ))، فيما هم  بالعكس من ذلك يتعاونون على الأثم والعدوان. ((وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ)).  هولاء ــ على سبيل المثال ــ تعتبرونهم أمام العدو عربا ، ولكن كيف حينما يكون الامر والصراع فيما بينكم ؟ احدكم يقتل الأخر !؟.

القيم كلها والكتاب كله وإلاّ.. فالخزي والعذاب

بعد هذا يأتي الحديث عن اصل ولب المشكلة ، والمحور الاساسي في الايات الكريمة، وهو هذه الكلمات العظيمة : ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) ؟!.

الامة الاسلامية لاتقوم بقيمة واحدة من القيم، لاتقوم بعمود واحد، بل بجميع وسائر اعمدة القيم الراسخة التي قامت وبنيت عليها اول مرة، بالقرآن كله وقيمه كلها، وليس اخذ بعضها وترك الأخر، فإن جزاء ماهو (إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهذا ماهو حادث، اليس من الخزي مانراه ونسمعه من الغرب وامريكا خاصة، وهم يرددون يوميا أنهم لايريدون ــ بل وسيمنعون ــ أن يأتي اليهم لاجئين او مهاجرين  من ايران او العراق او الصومال او غيرها من الدول الاسلامية، قسم منهم يمشي ليلا ونهارا، وقسم يركبون البحر، و منهم من يغرقون ويموتون ، يرحلون الى هناك لكي يجدوا عملا او امنا.

ماذا اصاب هذه الأمة وبلدانها  وشعوبها؟  لماذا لاتبنى هذه البلدان وتأمن وتتقدم شعوبها؟ ، اليس هذا خزي ؟، كيف ولماذا نكون تابعين، ويضعنا الاخرون يوميا  في حصار، وحتى  وانت تدفع المال والثمن يقولون لن نبيعكم الشيء الفلاني، بل وفي احيانا كثيرة يمنعون عنك كل شيء.  لماذا صرنا اذلاء؟، اليس هذا من الخزي في الحياة الدنيا؟ ، وماذا عن الآخرة ايضا؟ هل نحن مؤمنين فعلا ولذلك سيكون وضعنا جيدا في الآخرة؟.

ربنا في القرآن الكريم يقول : كلا ، ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ))، انكون محرومين في الدنيا، وفي الاخرة ايضا؟، بلى ، وذلك لأنكم خالفتم كتاب الله سبحانه وسننه ، والله سبحانه متكبر متعال، ومن يخالف اوامره يقصمه ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) .

لماذا هذا الخزي و العذاب والحرمان؟ . القرآن يقول لنا لإنكم توجهتم الى الدنيا واخلدتم اليها  ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ)) باعوا الاخرة واشتروا الدنيا، فخسروا الاخرة ، و لا هم حصلوا على الدنيا ((فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)) ـ أليس  هذا واقعنا؟!.

إبعاد القرآن واستبداله بعصبيات وثقافة دخيلة

ترى لماذا وقعنا في هذه المشكلة الخطيرة، وهي ترك وهجر القرآن الكريم؟.

في بداية الاسلام وعصره الاول كان القرآن لايقرء ويتلى فقط بل كان محورا اساسيا للامة، صحيح أن انحرافات وقعت في الأمة، ولكنها بقيت تتحدى هذه الانحرافات بطريقة و اخرى ، لكن وبمرور الوقت بدء القرآن وتاثيره والاهتمام به وقيمه وإتباعه، يحسر، ومن جملة الاعمال الفاسدة التي قام بها بني امية ، هذه الشجرة الملعونه، ابعاد الأمة عن القرآن، عبر طرق ووسائل عدة منها ايجاد صراعات تفاخر وهجاء وتباري بالشعر بين القبائل، بين مظر وربيعة ، بين نمير وكلاب ، بين هذه القبيلة وتلك، ، وأتوا بالشعراء واغدقوا عليهم، واثاروا الخلافات والصراعات السخيفة، ومظهر ومثال ذلك ما كان بين جرير والفرزدق، حيث يقول :اؤلئك ابائي فجئني بمثلهم/ اذا جمعتنا يا جرير المجامعُ.  وذاك يقول: فغض الطرف انك من نميرٍ/ فلا كعبا بلغت ولا كلابا.  وهكذا اشعار كانت  تدوي وتنتشر، والناس كانوا قريبي العهد من الجاهلية واشعارها وثقافتها لاتزال في حافظة الكثيرين منهم.

واذا يهم يجعلون الناس بدلا من قراءة القرآن والتدبر فيه  وسماع احاديث النبي(ص) والتدبر فيها، يتحدثون ويسمعون الاشعار وينشغلون بها ، واججوا الخلافات بين القبائل ، وبين المسلمين من العرب وغير العرب الذين اسموهم بالموالي .

لقد اهتم الائمة عليهم الصلاة والسلام بالقرأن والاحاديث الشريفة الصحيحة اهتماما كبيرا، وكونوا طائفة من الناس مؤمنة وصالحه كانت دائما هي الشاهدة على سائر الناس، ولكن  بمرور الزمن، ومع ماتعرض له الائمة واتباعهم وتلاميذهم من اضطهاد وتغييب ومحاصرة وسجن وتشريد وتقتيل،بدء قسم من المسلمين يتجهون شيئا فشيئا نحو دعوات وافكار وفلسفات دخيلة، وتمت ترجمة كتب ونشر ثقافة وافكار وكلمات مليئة بالكذب و الفساد والضلال ، وشحنوا الامة بها . فأين صار القرآن؟ وأين اصبحت الأمة من كتابها الذي يهتف الرب فيه بهم: (( افلا يتدبرون القرآن))؟!.

 

العلاج بمحورية القرأن في ثقافتنا

وهكذا بدأت تشاع وتُسمع ثقافة وكلمات تبريرية من قبيل أن القرآن فوق عقولنا ونحن لانفهمه !؟ ، واننا يجب أن نسمعه فقط ونقرءه عن بعد، او نضعه للبركة، وصولا الى اننا صرنا نحصره ونقرءه  على القبور وفي عزاء الاموات حتى يرحمهم الله تعالى!؟.

هذا هو عمق المشكلة ، أن القران لم يعد محور الثقافة في الأمة، لم يعد محور العلم في الحوزات و الجامعات وفي كل مكان وكرفق ومجال من حياتنا، فاصبحنا اذلاء خاسئين ، تلعب بنا اهواء ومطامع الدول، وما تجدونه امامكم شواهد.

الأمل بمن يحمل الراية لحياة وولادة جديدة

ومع ذلك كله، نجد ايضا في مقابل ذلك من يحلمون الراية، حتى تدب الروح القرانية ، الروح المحمدية والعلوية والحسينية والقائمية ، في نفوس بعض المؤمنين(( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه))، هؤلاء فخرنا ، هولاء الذين نراهم  من الشباب  وهم يواجهون  داعش وامثالها، وفي مقاومة الكيان الصهيوني، وفي كل مكان، انه هؤلاء الذين يحملون الراية ، الامل فيهم هم من بعد الله تعالى، ومن يتبع مثل هؤلاء ، ومن يترك هذه الافكار الفاسدة الكاسدة ويتوجه الى القران، الى اهل البيت (ع) ، ليس من باب التغطية على اهوائه ، انما لكي يصلح نفسه ، حتى يولد من جديد ، فنحن يجب أن نقرء القرأن وكأنه يعطينا ولادة جديدة وحياة جديدة لكل واحد منا ، نسمع وننصت للايات بسماع متعظ معتبر يستفيد منها، وليس قراءة وسماع من يريد أن يكمل بسرعة قراءة وسماع الأيات فيكون همه   مجرد الوصول الى اخر السورة ، فلتقرء بعمق و نتدبر، فهذا علاجنا، ان نأخذ القران بكل حذافيره، ولا نترك حرف واحدا منه ، فحين نجعل القرآن “عضين” ونؤمن ببعض منه ونترك بعضا، لن نصلح اوضاعنا ولن نصل الى مانرجوا.

 

 

 

الصبر وتحدي الطغاة والامام الكاظم (ع) نموذجاً

بسم الله الرحمن الرحيم

((وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚوَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴿٥ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴿٧﴾))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الاسراء المباركة)

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 25/رجب الاصب /1439هـ  الموافق 2018/04/12م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

الأمة بين منزلق (التطرف) و سبيل (الاعتدال)

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 16/رجب الاصب /1439هـ  الموافق 2018/04/05م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴿٦٤ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا(67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68) وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا (69) }.

صدق الله العلي العظيم

 

لماذا التطرف؟ ولماذا الجاهل إمّا في افراط او تفريط ؟ ولماذا نجد المتشددين والمتطرفين في العالم الاسلامي  يشنئهم الناس ويعاديهم الحكماء وتلفظهم الديار كما يلفظ احدنا النواة من فمه ، وهو ذات الأمر ايضا نجده إتجاه الذين تمردوا على الدين وتطرفوا في تقليد الاخرين واتبعوهم بلا فكر ولا يقين ؟.

 

الطغاة والمتشددون يهدمون المجتمع

 في التاريخ الحديث في بلادنا الاسلامية  كان هناك رجل يحكم تركيا اسمه مصطفى كمال ، ولقب نفسه بأبو الاتراك (اتاتورك) ، فكلمة (اتا) عندهم بمعنى الأب، وذلك الشخص حارب الحجاب و الاحرف العربية وحول المساجد الى متاحف، وفصل الاتراك عن تاريخهم، و حارب كل شي كان يمتّ الى الاسلام بصلة.  ؟

 وفي ايران كان هناك ايضا مجموعة من الطغاة على شاكلة اتاتورك، فرضا بهلوي  هو الاخر حارب الحجاب و العمامة وحارب ايضا المدارس الدينية ، وكل ما يمت الى الاسلام بصلة .  فأين رضا بهلوي ونهجه واين  اتاتورك ونهجه ؟ .

 اليوم ايضا نجد انظمة في بعض الدويلات الصغيرة التي لا تكاد العين ترمقها على الخارطة، يتبعون الغرب كذيول، ويجعلون بلادهم مبغى لك فاجر وفاسق ، ويتبعون الطغاة ويأيدون المتمردين هنا وهناك، وتراهم لهم  يد مع اسرائيل و مع امريكا وثالثة مع روسيا ، ورابعة مع الصهيونية العالمية ، وخامسة مع الامبريالية العالمية ، والمنضمات الدولية التخريبية الفاسدة . وفي مقابل هؤلاء هناك ايضا داعش والقاعدة  والنصرة وبوكوا حرام ومايسمون بالشاب المسلم في الصومال وامثالهم العديد من الجماعات التكفيرية والمتطرفة، يزعمون انهم يتبعون من يسمونهم بالسلف الصالح وأنه لابد ان نفهم كيف كانوا ياكلون ويشربون وينكحون ، وكيف وكيف؟

 

ماهو ميزان الاعتدال؟

لماذا التطرف ؟، لماذا ليست لدينا حالة الاعتدال ، بالاستفادة من التراث والاعتماد على الدين والتوكل على الله واستلهام قيم الوحي من جهة، ومن جهة ثانية ، الانفتاح على الحضارة للاستفادة من العصر ومن انجازاته و مكاسبه ؟

ترى ماهو الجذر الاساسي لهذا التطرف ؟، لماذا الجاهل اما في تفريط (ينبذ و يعادي الدين والقيم  ) او في افراط( التطرف والتشدد)؟ واين الصراط المستقيم؟، لماذا نحن في كل يوم وفي مرات عدة ندعو ونقول لربنا سبحانه وتعالى { اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}؟ ونقول ، ليس الى هؤلاء الذين تطرفوا يمنة ولا اؤلائك الذين تطرفوا شمالا ، ولا مع هؤلاء الذين قالوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر،ولا لؤلائك الذين ضيقوا على انفسهم ،وكما جاء في الحديث: “ ن بني إسرائيل ضيّقوا على أنفسهم فضيّق الله عليهم” ، وفي الحديث ايضا : “ان الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، ان الدين أوسع من ذلك”.

اذن : نحن نقول هذه الكلمة “اهدنا الصراط المستقيم” فما هو واين هو الصراط المستقيم ؟.
تدبروا في الايات الكريمة التي تلوتها في بداية الحديث من سورة النساء، و تعقلوها .، ان الذي يجمع بين الامور قاسم مشترك ، كما هو القاسم المشترك في مسائل الرياضيات.. فحين تختلف النظرات و تتفاوت الافكار فهناك شيء فوق كل هذه يعتمده الانسان ، ليجمع بين الاطراف المختلفة .

 انت في جسمك كذا غدة تقوم بتوزيع المواد التي في الجسم بعدالة، في كل ما يحتاجه الجسم، هذه الغدد لولا وجودها لربما كانت اعضاء الانسان في تنافر وعدم تناسق في احجامها وابعادها ووظائفها، ولكن  وجود قاسم مشترك هو ما ينظم الامور ، وكمثل هذه الحالة او المثال، نحن  في المسائل او الاستراجية العامة بحاجة الى ما او من يكون القاسم المشترك ،فيعطي لكل حق حقه ، وهذه العدالة بالمعنى الاعم ، كما قال ربنا سبحانه وتعالى  :” وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوااعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ”. فانت قد تبغض هذا او ذاك فتتطرف في بغضك، ولهذا  حُرمت علينا الحميات والعصبيات، لانها  تدعوا الى التطرف وتدعوا الى الجهل ، لان الانسان الجاهل والمتعصب ، الانسان الذي لاينطلق من منطلق الحق  وانما الهوى، تجده لا يستقيم على الطريق.

 

طاعة والتزام مع انفتاح على العصر

إن  القاسم المشترك هو طاعة الله ، معرفة الله ، التوكل على الله ، وان نجعل عرفاننا بالله سبحانه وتعالى محورا لكل مسائلنا صغيرة و كبيرة لا فرق بينهما ، ولكن السؤال كيف نفعل

ذلك؟.

بأطاعة الرسول المصطفى (ص) ، واهل بيته الطيبين الطاهرين (ع) ومن ثم العلماء بالله  الذين يستوحون افكارهم واحكامهم  وسلوكهم من الائمة الاطهار عليهم السلام.

 فبالتدبر في الايات المباركة التي تلوناها تستطيع ان تستوحي الفكرة والبصيرة الاساسية: ان الطاعة لله وطاعة الرسول والأئمة،هي الميزان، هي الصراط المستقيم، بمعنى انك حين تطيع الله تطيع في كيف تعمل ، فحين تنهض فجرا هل تصلي صلاة الصبح الصبح 15 ركعة مثلا او تجعلها ثلاث حسب ماترغب؟ كلا لايجوز ذلك، فهي ركعتين فقط، وهكذا لايجوز لك ان تجعل صلاة الظهر او العصر ركعتين لانك تشعر بالتعب مثلا، بل هي اربعة لا اقل ولا اكثر.

لايمكن  ان نغير الدين واحكام الله تعالى حسب رغباتنا واهوائنا، الدين يعطينا الصراط المستقيم ، الواضح الذي يجب ان نسلكه.

حين نتبع الرسول وأهل البيت (ص) ،نتبع انظمة الاسلام واحكام الدين، نتبع العلماء ، نعرف حدودنا و لا نتطرف مثل داعش وامثالها،حيث  تجده يقتل ويذبح ولايرى  انسانا مسلما الا هو!؟ بل وحتى في داخل الجماعات تلك ، بل وفي الجماعة المتطرفة ذاتها تجدهم يكفر بعضهم بعضا ، فصيل ضد فصيل ، ويسفكون دماء بعضهم ، وينتهكون اعراض المسلمين.. فلا حدود عندهم في كل شي ، كمثل سيارة بلا فرامل او بلا مقود، تضرب يمنه ويسره .

اذن لنكون في حالة اعتدال وعلى صراط مستقيم علينا استلهام قيم الوحي والالتزام بحدود واحكام الدين الصحيح بفهم وتدبر بلا افراط ولا تفريط. هذا اولا.

ومن جهة ثانية قلنا أن علينا  الانفتاح على الحضارة للاستفادة من العصر ومن انجازاته و مكاسبه .

في اليوم الذي التقت فيه ايران بالحضارة الغربية ، وفي نفس السنة تقريبا في  1905 ، التقت اليابان بالحضارة الغربية ، وفي كلا البلدين تأسست المعاهد والمراكز، لكنك ترى أن  اليابانين والى الآن حافظوا على ابسط تقاليد امبراطوريتهم، فحتى وهم يصدرون اجهزة الكمبيوتر وافضل المنتوجات التكنلوجية الى العالم ، الا انهم ايضا ـ على سبيل المثال ـ لازالوا  يستخدمون آلة وطريقة معينة للعد باليد  كانت تستخدم قديما معتبرين انها من  تقاليدهم التي يتمسكون بها ، بينام تجد هولباء  في ايران ايام بهلوي او في تركيا ايام اتاتورك ، اول عمل قاموا به هو اتباع ثقافات دخيلة ، فقاموا الغاء الحجاب، ونشر الميوعة فانهارت الاسرة ،وكذا  انهار الوضع الاقتصادي ، وتجد أن تركيا كانت والى وقت ليس بالبعيد مديونة ، وفي بعض الاحيان لم يكن الدخل القومي التركي يفي بأعطاء فوائد الديون ، ومثل ذاك ايضا حكم بهلوي في ايران ، لم يتجه الى  الصناعات و العلم و التعليم، و مجالات عدة اخرى، و هنا المفارقة ، سواء على مستوى الامة الاسلامية، او في بلدنا العراق ..

 

ميزان التأييد والرفض.. الخطط والبرامج والوفاء بالعهود

اليوم اقول لكل انسان من الشعب العراقي  : لا تؤيد وتتبع وتنظر لهذا النائب او المسؤول ، لهذا المرشح او ذاك، على انه صديقك ومقرب لك ام لا ، يعجبك شكله ومنظره ام لا، لاتظر وتقيم وفقا لمسائل ثانوية، بل انظر ماهو برنامجه .

 اولاً :يجب أن يكون ذو دين والتزام وتعهد يفي به، فمن لايفي بعهد الله تعالى كيف يفي بعهدك ؟!.

 ثانيا: اعرف ماهو  برنامجه ؟، نحن ندعوا الشعب الى الاهتمام بخطط وبرامج المسؤولين والمرشحين، وتقييمهم وفق ذلك. ماهي البرامج والخطط مثلا لمعالجة مشكلة الفقر والطبقية  التي تنتشر لدينا الأن ، فمنهم من يملك المليارات ولا يعرف كيف يتصرف بها ، بينما هناك في الشعب من يحتاج الى وجبة عشاء؟!. ،وهناك من بمجرد ان يعاني من ألم في اسنانه يسافر الى سويسرا للعلاج  ، فيما هناك من هو مبتلى بالسرطان ولايوجد من يوفر و يعطي ادوية السرطان التي لاتوفرها الدولة، فقسم  من مدراء المستشفيات الكبيرة في العراق يشتكون من قلة الدواء  وقلة الاجهزة وقلة الكادر وقلة الميزانية ..

وهناك بالمقابل المستشفيات الاهلية، والعلاج فيها غالي الثمن،وقد يكون ذلك حقهم لانهم يوفرون علاجات و اجهزة حديثة و يريدون ان يطوروا عملهم،  ولكن ايضا من حق هذا الانسان الفقير ان يدخل المستشفى ويجد العلاج المناسب له، الا يمكن الجمع بين الحقين ؟، الا يجب مثلا أن يكون في كل مستشفى اهلي جناح للأهتمام بالطبقات الفقيرة، ويضع هذا الجناح خططا للعمل لمعالجة المريض الفقير الذي قد يفقد حياته اذا لم تتم معالجته ، فيقوموا مثلا بالاتصال بالاغنياء ، بالمؤسسات الخيرية، للسهام في هذا العمل ،وهذا موجود في كل العالم ،ويعد هذا جزء اساسي من عمل المستشفى الخيري او المستشفيات الخاصة الاهلية.

هكذا ايضا  نجد ان لدينا مشكلة كبيرة في القطاع الزراعي ، نحن ثاني دولة في استيراد القمح في العالم ، كيف ذلك ونحن بلد لديه اراضي بعضها فيه ثلاث مواسم زراعية يمكن ان تنتج القمح،  ولدينا ايادي عاملة وقوية.. ؟! كيف نبقى بهذا الحال، ونعتمد فقط على تصدير نفطنا للخارج؟!، نبع اكثر من  4 ملاين برميل في اليوم فاين تذهب الاموال؟! ، من يأخذها؟، ولمن تعطى واين حسابات هذه الاموال في البنوك ؟.

 

لم يخنك الأمين ولكنك اتئمنت الخائن !؟

كل هذه المشاكل والامور  وغيرها  بحاجة الى برامج وتخطيط، ولذلك نحن نطالب الشعب ــ بضرورة الوعي والاهتمام جديا ببرامج النواب والمرشحين والكتل وصدقهم وكفائتهم ووفائهم بالعهد، وليس بأمور ثانوية ــ وفي ذلك يقول الامام الرضا (ع) كلمة لو تكتب بماء الذهب لكانت بذلك جديرة ، وهي:” لم يخنك الأمين ولكنك اتئمنت الخائن”.  بدل أن تذهب الى الامين رحت الى الخائن ، ومن ثم تشكو ؟، هذه اذن مشكلتك انت ، حينما تنتخب شخصا مقابل بعض المال او أي شيىء آخر لاتأتي غدا وتشتكي وتقول أن النواب و المسؤولين قد خانونا وسرقونا ، انت  من خنت وسرقت نفسك، لم تفتح عينك وبعت صوتك بأبخس الاثمان . هذا اولاً.

لنكن شعب مفكرا ومخططا

 وثانياً: اقول ــ وارجوا ان يسمعني من يسمعني ، و من به صمم فنرجوا أن يشافيه الله سبحانه ــ :انت وانت وأنت: تريدون لبلدكم أن يتقدم ، قل لنا ماهو برنامجك اذن ؟، اذا قلت أن القيادات هم اعرف مني ، إذن اسكت و ارضى بما تقدر لك القيادات، هل هذا هو المطلوب؟ ، اليس عليك أن  تفكر وتتدبر في كلام ربنا سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم، الا يقول سبحانه:” وامرهم شورى بينهم” بين من ومن؟، هل يعني ذلك بين القيادات فقط؟!، انه بين المسلمين، بين الناس ، اين الشورى؟ ، تقولون انها فقط في البرلمان او مجلس الشورى ، ومابكم انتم؟ .. كل بيت يجب ان تكون فيه شورى ،  يتناقشون بإيجابية، لا سلبية  ويرمون باللوم على هذا وذاك ، انتم لستم مشجعين كرة قدم يشغلكم التشجيع بين فلان فريق وفريق وفلان لاعب ولاعب ، انه بلدكم ، ليس لعبا، فكروا ، في الدواوين في البيوت، في العمل و في الشوارع، في المساجد و الحسينيات، يجب أن يتحول الشعب الى شعب مفكر، يفكر ويخطط، ثم هذا الرأي و العقل الجمعي يوجه الى النواب والمسؤولين والى العلماء ، والى الاعلامين وغيرهم.

 

خطورة التضليل الاعلامي

ثالثا: لا تسمعوا الى الاعلام الذي ينفخ في الرماد،  رماد الطائفية ، رماد البعثية ، رماد العلمانية ، رماد الاثنية والعرقية ، هولاء الذين ينفخون في هذا الرماد يريدون ان يعموا به عيوننا ، يريدون  للعراق أن يرجع الى الوراء ، لا تسمعوا لهم، اعلام  ممول بالدولارات ، سلبي سوداوي وحاقد ، يفتش فقط أين توجد مشكلة ما وسلبية ما فيضخمها ويستمر ببثها ، يتهجم على العلماء ، على السياسين ، على المسؤلين و على الناس ايضا ، لم ولايترك امرا و احدا الا ويهاجمه  ، هذا الاعلام فاسد مفسد .

 نحن لاندعوا  الى اسكات الاعلام ، بل ندعوا الشعب ان لا تسمع لمثل هؤلاء، وهو بالفعل لا يسمع لهم ، وحتى من ترونهم من الناس  يتكلمون بهكذا طريقة ترونهم هم انفسهم اول من يذهبون الى الانتخابات ، وحين تصدر الفتاوى تجدهم اول الناس الذهبين الى الجبهات ، وهكذا اول الناس الذين يخدمون زوار الامام الحسين (ع) في ايام الاربعين وباقي الزيارات ،  الشعب العراقي اصيل ،لديه قيم و تاريخ و توجه.

 فأذا هذا برنامج، بثلاثة نقاط محورية ، اولا التوجه الى الفرد ، ان يكون صالحا مصلحا ، ثانيا التوجه ليكون لديه برنامج ، ثالثا يجب أن يساهم الشعب كله في بلورة هذا البرنامج وهذا المنهج ، منهج المستقبل ، لا أن يقول كل واحد مادخلي أنا (انا شعلّيَه)؟.

 

بين الجماهير والقيادة.. لكل دوره ومسؤوليته

 لماذا؟ الست انت  ابن هذا الشعب؟ الا يقول الله تعالى ويأمر في القران الكريم ويقول :”وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” ، و في اية اخرى:” وتواصوا بالمرحمة” ، ما معنى التواصي؟ ومامعنى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ما معنى “وامرهم شورى بينهم” ؟، ما  معنى “وتعاونوا على البر والتقوى”؟ ، ما معنى هذه الايات القرانية ، والايات الي فيها كل الحياة ؟، الشعب يجب ان يكون مفكرا،ولايستهينن احد بنفسه وقدراته ويقول وما أنا ؟ ، قد تطرح انت فكرة ما تكون نافعة للجميع .

لقد أمر ربنا تعالى  النبي الاعظم (ص) ان يستشير وقال سبحانه في القرآن الكريم:”وشاورهم في الأمر  فاذا عزمت فتوكل على الله”.  ومن ذلك انه  شاور اصحابه في معركة مهمة حيث كان جيش العدو كبيرا ويتجمع ويتجه لمهاجمة المسلمين ، فقام سلمان واشار بحفر خندق للاحتماء به وصد العدو، وقد فعلوا ذلك وانتصروا في المعركة، وقد يكون النبي (ص) عارفا بهكذا فكرة ، لكنه يريد أن يعلمنا  المشورة وكيف أن القائد يجب أن  يكون مع الناس متواصلا معهم ويستمع اليهم ويستمعوا اليه.

وفي عصرنا ويومنا هذا  توسعت وتعددت وسائل وتطورت كثيرا التواصل بين البشر، فبالاضافة الى التواصل المباشر ، يمكن ايضا وبكل سهولة التلاقي والاستماع من خلال التواصل الاجتماعي والفضاء المجازي، وكل وسائل الاعلام والتواصل الحديثة، وبالتالي يجب ان نسمع ، والناس يجب ان يعبروا ويقولوا، والقيادة يجب تسمع .  لا تكونوا سلبيين اتجاه احداث بلادكم، كونوا ايجابين وليكن املكم بالله تعالى، وكما يقول امير المؤمنين عليه السلام “ (كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو ” ، لا تقل لم يحدث ولايمكن ، قم بدورك، تكلم  وقل كلمتك وفكرتك ، بلوروا افكاركم فيما بينكم، في جلساتكم، في حواراتكم ، على قارعة كل طريق، في كل واد، فكروا و ابحثوا وتكلموا، قد تقول وماالفائدة وماذا سيحدث؟ ، على اقل تصبح لديك أنت رؤية ، كيف تتم معالجة وتحريك اقتصاد البلد مثلا، وهكذا في القضايا الاجتماعية والسياسية وغيرها،فرب كلمة واحدة ورؤية واحدة قد تغير تاريخا ، وفي هذا المجال توجد قصص كثيرة لايتسع الوقت لأرويها لكم كيف أن  موقفا او روية وكلمة واحدة تغير التاريخ .

فعلينا ان نفعل ذلك .. وملخص الحديث اذن في هذا المجال هو ثلاث وصايا، وهي : انتخاب الاصلح ، والتفكير في البرنامج ، قل لكل مرشح ومسؤول،ولكل تيار وتجمع، ماهو برنامجك؟ كيف تريد أن تقضي على الفقر؟ كيف تحرك عجلة الاقتصاد؟ ، كيف تقاوم بقايا داعش والارهاب؟ ، كيف تخفف او تقضي على الفجوة بين الطبقات الفقيرة والطبقات الغنية ؟ ماهو برنامجك للاصلاح الزراعي ؟ للاصلاح الصحي، وغير ذلك من القطاعات،  اسئلوا وحاسبوا وناقشوا .ثم كونوا انتم ايضا شعبا مفكرا ومخططا .

الانتخابات النيابية

بسم الله الرحمن الرحيم

((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴿١٧  ))

((صدق الله العلي العظيم))

((سورة سبا المباركه))

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 11/رجب الأصب /1439هـ الموافق 2018/03/29م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

{بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} / {اقْرَأْ كِتَابَكَ}.. سنّة المسؤولية

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 26/ جمادى الاخر / 1439 هـ ، الموافق  15/ اذار / 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}

صدق الله العلي العظيم

( سورة الأسراء المباركة (13ـ 16))

 

أنّى ألقيت نظرتك في هذا الكون الرحيب وفي هذا الخَلق العجيب لم ترَ ألاّ آيات رحمة الله وتجليات أسمائه الحسنى سبحانه.

 ألا يدعوك هذا الى التساؤل: اذا لماذا نرى الظالمين يتحكمون في رقاب البشر؟ لماذا نجد الطغاة يسيطرون على مصائر الناس؟ لما هذا الظلم؟ لماذا هذه الحروب؟ لماذا هذا التدمير ؟.  أوليس الله ارحم الراحمين؟ أولم يخلق الخلق ليرحمهم؟ أولم يأتي في الحديث القدسي  ياابن ادم خلقتك لتربح علي ولم اخلقك لاربح عليك، اولم يقل تعالى: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }؟ لماذا كل هذه الفساد العريض في الارض ؟ .

الجواب ندركه بعد ان نعرف ان هذه الدنيا دار امتحان، وان من أبعاد الامتحان الإلهي لأهل الأرض اعطائهم حرية الاختيار والسماح لهم بأن يفعلوا ما يشاءوا  بعد ما يأمرهم بما ينبغي عليهم ان يعملوا به، ولكن يقول أيضا سبحانه :{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }.

 حين نشير الى هذا الفساد العريض من الطغاة علينا ان نسأل ايضا: ولكن لماذا الطغاة يتحكمون في الناس؟ . البشر عادة مايتحدثون عن نصف القضية ويتركون النصف الثاني، يتحدث طويلا عن المستكبرين والظالمين والطغاة، عن ادعياء الدين، عن مثيري الفتن ، لكن السؤال هنا :  لماذا هؤلاء كانوا اقوى؟ هل ربنا أعطاهم القوة ؟.

 كلا ؛ ربنا سبحانه يقول { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } ويقول تعالى في اية اخرى{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }.

 نحن الذين نتسبب بطريقة او بأخرى في سيطرة الطغاة واستحواذهم على اهل الارض . وربنا تعالى يقول في أحدى آيات سورة الانعام { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } وورد في الحديث القدسي الشريف ” الظالم سيفي انتقم به وانتقم منه”  ويقول إمامنا أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب سلام الله عليه في كلمته الرائعة “لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُولّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم” ويقول ايضا: ” لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنْهُنَّ عن المنكر أو ليفتحنّ الله عليكم فتنة تترك العاقل منكم حيراناً ثمّ ليسلّطنّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم “.

 هذا هو الواقع ، و نحن لو تأملنا طويلا في الاسباب التي تؤدي الى سيطرة الطغاة وقضينا عليها جميعا او على بعضها نستطيع ان نطمئن الى حياة فاضلة، او لم تسمع الحكمة التي تقول كيف ما تكونون يولّى عليكم.

 

القرآن وكلمات اهل البيت(ع) برامج لمنع الطغيان

 هناك مئات بل آلاف الاوامر والوصايا و المواعظ والحكم والعبر التي يسوقها ربنا في كتابه ويبينها سيدنا وحبيبنا المصطفى محمد صل الله عليه واله وسلم في كلماته الرائعة كما يذكرنا بها أئمتنا عليهم السلام، اما في سورة، او خطب، او مواعظ، او حتى في اطار الادعية المأثورة والزيارات المروية، هذه كلها تعطينا برامج واضحة لكي لا يطغى علينا الطغاة ولا يسيطر علينا المستكبرون، الأمر بالمعروف والنهي عن المكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة والتشاور والتعاون وغيرها العشرات من الواجبات والخصال والاوامر والنواهي، ولكن حينما نحن نلخص الدين في ركعتي صلاة نصليها، وفي بعض الاذكار التي تلهج بها ألسنتنا،  ونترك القسم الاكبر من الدين بكل صلافة ، فمن الطبيعي أن يكون امرنا هكذا،  ربنا ينتقم منا ويسلط علينا من لا يرحمنا..

 

سنّة المسؤولية

 في ايات سورة الاسراء  التي افتتحنا بها الحديث يبين ربنا سبحانه وتعالى سنّة المسؤولية ويقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} وفي اية اخرى مشابهة هي الآية 49 من سورة الكهف، يقول تعالى:{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

  {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}، اقرء ايها الانسان كتابك وكن انت قاضيا وحاكما على نفسك، انظر ماذا فعلت؟. في تلك اللحظات يودّ الكافر ان يصير ترابا ولا ينظر صحيفة اعماله، فقد جاء في اية 40 من سورة النبأ :{إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}. أما  الظالم في ذلك اليوم فيعض على يديه .  تقول الاية 27 من سورة الفرقان:{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً }.

{مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}. وهل تتصور انك تمنّ على الله تعالى انك هُديت الى الصراط المستقيم؟! أم الله سبحانه هو الذي يمن عليك اذ هداك للايمان؟.


أثر المسؤولية الشخصية في واقع الأمة

 { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. لا تتصور انك حينما تصيبك الازمات وتواجهك المشاكل انما بسبب ما فعلته الامة من دونك، كلا، انت ايضا واحد من الناس في هذه الامة، ولربما سكوت الانسان عن الظالم ،عن المجرم  ، عن العاصي، هو الذي يجعل كل انسان منّا يصيبه رذاذ ما اقترفه الاخرون، وربنا تعالى يقول في سورة الانفال:{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

 

فهم الواقع ودراسة الوقائع بمنظار قرآني

وبالعودة الى ايات سورة الاسراء المباركة ، يقول سبحانه:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا }.

 كلمات القرآن صاعقة، فحينما يُقدّر ويريد الرب ان يهلك قرية ــ وقرية هنا تعني حضارة و مدنية و عمران ــ يأمر مترفيها، والمترفون هم الذين يقودون ، ولماذا الامر يكون عليهم؟ لأنهم الذين يصبحون سادة ،في غفلة من الزمان، في غفلة من الناس، لأن الناس تركوهم ،لم يأخذو بأيديهم وعلى ايديهم، فصاروا سادة وقادة.
الله تعالى امرهم ولكنهم ما أتمروا، زجرهم فما ازدجروا، ففسقوا فيها، فحق عليها القول. لا يقول سبحانه: فحق عليهم، بل: فحق عليها، يعني على القرية وكل مافيها ومن فيها .

من الضروري ان نتخذ من القران بصيرة ننظر من خلال اياته الكريمة الى الواقع المعاش ونفسر ما يجري في بلادنا و العالم كله على أساسه.

العالم اليوم متصل بعضه ببعض، فقبل قرون ربما كانت تقع حرب في الصين بين اسر متخاصمة تطول مئة سنة ولكننا لانعرف عنها شيء  أصلا،  وهكذا احداث كثيرة تدور في العالم ولانعلمها، أما اليوم فابسط شيء في أي مكان بالعالم نعلم به ويؤثر بنا تأثيرا مباشرا .  فعلينا أن ندرس كل مايجري عبر بصائر ايات الكتاب المجيد، نفهم الوقائع وكل مايجري وندرس ونحلل الامور والاحداث من خلال منظار  بصائر القرآن الكريم.

الأن نحن نسمع ونرى طبول الحرب تقرع من اكثر من مكان في العالم… وبتالي يجب أن نعرف ماذا يجري، وقسم من هذه الحروب تأتي الينا، لأن نصف الانتاج الحربي الامريكي يباع لبلداننا، وهل لكي تقاتل اسرائيل ؟، لا ، أنما يعطون هذا السلاح حتى يقتل بعضنا بعضا، بينما نتصالح مع عدونا .

  المنطقة أصبحت برميل بارود، ثقاب واحد يشعلها، و لولا رحمة الله الواسعة لكانت حادثة معينة ــ وهي اسقاط الطائرة العسكرية في اطراف الجولان من قبل المضادات الارضية السورية ــ كفيلة بجعلنا ـ وقد كنا ـ على حافة الحرب، وبالطبع لايقولوا لنا  سوف تندلع الحرب، بل نعلم بذلك بعد اندلاعها، لإنهم  يقررون في غرف مغلقة، والحرب خدعة.

 ونحن لا نعلم كيف ومتى يمكن ان تقع حادثة ما مماثلة، ومن ثم هذه المخازن الضخمة من الاسلحة الفتاكة التي تعشعش في بلدان المنطقة متى تنطلق وتوزع الدمار؟. إن القضية ليست مرتبطة بهذا البلد او بذاك فقط، بل ببلادنا كلها، بوضعنا، بمجتمعنا ، بمستقبل بلادنا، فكيف ننظر ونفسر ونقيّم الامور؟.

 هناك امران ؛

الاول: قلت وأكرر، أننا كمسلمين ــ في العراق كمثال ــ  اذا قمنا بواجبنا و تجاوزنا احقادنا وتألفنا وتحاببنا فإن وقعت حرب في ذاك المكان او ذاك، لن تصل الينا لا لإننا اقوى من الحرب، بل لأن الله سبحانه وتعالى يرحمنا،{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }.

 

ما سبب  الحروب والصراعات؟

الامر الثاني الذي يجب أن نبينه هو : ما اساس وسبب وقوع هذه الحروب، وما وراء هذه الحروب؟ .

 السبب الحقيقي وراء كل هذه الحروب هو الشرك الخفي . الانسان يخرج الايمان بالله من مخه وقلبه ويضع مكانه الايمان بالذات، الايمان بنفسه، بواقعه، بمنهجه، وبحزبه، بما يستبدل به الرب تعالى، وهذا نوع من الشرك.

مما وكيف  نعرف ان هذا الانسان عنده ايمان بالله أو لا  ؟. تعرف ذلك ان هذا الانسان لو وضع نفسه فوق القانون، فوق احكام الله، فوق القانون الطبيعي الذي يؤمن به كل انسان، اذا وضعنا انفسنا فوق هذه الامور، فهذا يعني أن الانسان لديه شعبة من شعب الشرك بالله سبحانه وتعالى.

ربنا سبحانه يدعو ـ في سورة آل عمران ـ كل اهل الايمان الى الوحدة:{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }. كلمة سواء ، كل منا بمكانه وبدينه يعمل، لا انا اريد أن اعتدي عليك ولا أنت تريد ان تعتدي عليّ ،لا انت تريدني أن اكون عبدك ولا انا أريد  ان تكون عبدي،  نحن نريد ان نعيش عبادا لله، هو سبحانه ربنا وربكم.

 وفي ايات اخرى يقول تعالى :{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} و {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.

 

شِرك التعالي .. ثقافة {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ  هي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}

هذا اساس التوحيد ، أن لا تعتبر نفسك احسن من غيرك، وفي سورة يبين ربنا تعالى ذات البصيرة بطريقة اخرى، فيقول أنتم ايها البشر إن تعاهدتم فيما بينكم فانتبهوا الى ان لاتخترم هذه المعاهدة بأن قسم منكم يريدون ان يصيروا افضل من القسم الاخر، { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. يعني أن كل جماعة يفكرون يورون بأنهم افضل من جماعة، هذا هو حس التعالي على الاخر، هذا يريد أن ياخذ من هذا ويتعالى عليه وذاك يريد أن ياخذ من هذا ويتعالى عليه، وترى مليارات الدولارات تصرف في هذا وتستخدم  مختلف الحيل والاساليب، اولم يصل العالم ـ ولايزال ـ الى حافة حرب على قضية كجزيرة القرم بين أوكرانيا وروسيا ، ومرة اخرى مشابهة على بعض الجزر في بحر الصين ، واخرى بين تركيا واليونان على بعض المناطق في بحر ايجه .. وهكذا لعل الكثير من الحروب تندلع على قضايا غير مهمة اساسا، انما لإجل { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ }.

 في لبنان  لديهم مقولة معروفة لها معنى ، يقولون بلهجتهم ” القصة ليست قصة الرمانة القصة قصة قلوب مليانة”. ففي بعض الاحيان قد تندلع حرب كبيرة على رمانة، ولكن الحقيقة ليست الرمانة هي السبب، انما هي قلوب مليئة بالاحقاد فتشتعل، فالرمانة انما هي مثل عود الثقاب الذي قد يشعل البرميل، ومن ثم البرميل يشعل العالم.

 نحن يجب ان نواجه الشرك  الجلي والخفي منه،  أن لايتصور احد ويتصرف على انه افضل واربى من غيره .

الانسان يجب ان يكون في منتهى العبودية والخضوع للرب تعالى، لكنك تجد هذا يقول بطريقة واخرى مامضمونه قول فرعون :”انا ربكم الاعلى”، وذاك يقول انا وانا… 

في أمريكا لديهم احصاءات كثيرة تتناول كل  شيىء تقريبا، ومن من جملة ذلك انهم وضعوا رقابة احصائية على التليفونات لمعرفة أي كلمة اكثر  تداولا على الألسن فاكتشفوا انها ضمير المتكلم المعبر عن نفسه فقط، كلمة “أنا” و ضمير المتكلم بمعية  الغير  وصيغة الجمع”نحن” .

ربنا جميعا الله تعالى، فمن أنا ؟ هذه الأنا حجاب بينك وبين الله سبحانه، ما دمت تعيش في اطار الأنا فهذا يعني انك لن تصل  لربك، فانت محجوب عنه. نقرأ في المقطع الأخير من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام ” إلهي قلبي محجوب ، ونفسي معيوب ، وعقلي مغلوب ، وهوائي غالب وطاعتي قليل ومعصيتي كثير… ” .

قلبي محجوب، لماذا؟ لأن نفسي معيوب، لماذا؟ لأن عقلي مغلوب، لماذا؟ لأن هوائي غالب، لماذا لأن طاعتي قليل ومعصيتي كثير. هذه واحدة تتبع الاخرى ، فأنتبه. كيف يأخذني الكبر واعتد وارى نفسي شيئا امام الرب خالق السموات والارض؟!، لا توجد خلية من الخلق الا وتسبح بحمد  ربنا ، فمن انا وحدي لاقول :”انا” من أنا ومن أنت؟ ألا نقرء { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا }؟.

سُئل  الامام الباقر عليه السلام  عن هذه الأية  فقال” كان شيئا و لم يكن مذكورا ” ،وقال عليه السلام  ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للامام علي عليه السلام: “قل : ما أول نعمة أبلاك الله عز وجل و أنعم عليك بها ؟” قال : “ان خلقني جل ثناؤه و لم أكُ شيئا مذكورا ، قال : صدقت ” .

{إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} اصل الأنسان واحد بالمليون من هذه النطفة ، هذا انا وهذا انت وهولاء نحن كلنا.

 اذا؛ على البشر أن يسعوا ـ بحول الله وقوته ـ ان يتجاوزوا الانانيات والحزبيات، ان تكون امة هي اربا من امة.

وهنا اُذكّر، وقد قلت في احاديثي سابقا واقول الأن واكرر خطابي الى المسؤولين في العراق والمسؤلين في اقليم كردستان،اجلسوا وتحاوروا و اندمجوا مع بعضكم، ما هذا الخلاف الدائم والمتكرر على قضايا الميزانية ،على مطار، و على المنافذ الحدودية، وغير ذلك؟ ماهذا والى متى؟ اجتمعوا واتفقوا واحسموا الامور، فأمامكم مشاكل اخرى اهم، فهذا الارهاب لم ينتهي بعد، ولايزال يتربص بنا ويضرب هنا وهناك، فلا تتستهينوا به .

 الإرهاب ليست حربا نظامية، لذلك فمن الغلط الاستهانة به، ونحن حذرنا من هذا سابقا مرارا وتكرارا.. فلذلك ندعوا أخواننا المسؤولين في العراق، في العاصمة وفي الاقليم، بأن يلتقوا ويجتمعوا ويتحاوروا اكثر ويطبقوا الدستور بل ويتجاوزوا الدستور إن كان ولابد، وللصالح العام، أن يدمجوا  البلد ، البلد يحتاج الى دمج ،لماذا ومامعنى  كردي وعربي وسني وشيعي؟، هذه بدع ما انزل الله بها من سلطان، تعالوا واتفقوا، الاف السنين تعايشتم وتعاملتم مع بعضكم، فلماذا تسمحون لمن يأتي و يفرق بينكم بسياسة فرق تسد، و الى متى؟.
ونفس الامر بالنسبة الى تركيا وسوريا، والى قضية الكرد فيهماايضا، إجتمعوا و ناقشوا المسألة بشكل واضح ، ودعوا الأنا { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ }.

  كل حرب وصراع منبعه شِرك خفي ( الأنا)

ايها الاخوة؛ ادرسوا  كل صراع تجدوه في النهاية ينتهي الى هذا الشرك الخفي، هذه الأنا التي قد تتجسد في (انا) او (حزبي) او (تجمعي) او (منظمتي) او أي شيىء مشابه ينتهي بالتالي إليّ .. وبعكس ذلك لو قلنا (الله) بدلا من الأنا، وكان هو هدفنا ومعيارنا، لحلت المشاكل و صرنا سواسية تجمعنا المصالح المشتركة واستثمار وتوزيع هذه الإمكانيات الكبيرة  التي يحظى بها العراق. فليس في العالم من سوى بلدان قليلة تتمتع بمثل هذه الامكانيات والثروات التي تتوفر في بلدنا، فلماذا اذا على العراقيين أن يعيشوا الفقر والمشاكل مع كل هذه الثروات في بلدهم؟!.انها هذه الخلافات والمناكفات وهذه المشاكل.

 وحتى هذا الموظف الذي يأخذ رشوة اقول له: انت لو اشتغلت واديت واجبك بطريقة صحيحة عادلة فإن ما ستحصل عليه بالحلال وتهنأ به مع رضا واطمئنان من ضميرك ، ورضا الله تعالى ورضا الناس،  اكثر مما ستحصل عليه من الحرام ولا تهنأ.

 

حسّ المسؤولية تجاه بلادنا

 ايها الاخوة؛ علينا أن ننمي ونعزز الاحساس بالمسؤولية، المسؤولية تجاه بلادنا، والمسؤولية من معناها ان نعمل الخير ونعمل بكل الاسلام وبكل الدين، الجانب الفردي والجانب الاجتماعي والجانب السياسي والثقافي كله، ومن ثم ـ بعون الله ـ ننئى بأنفسنا عن هذه المشاكل، ونسأل الله ان يبعد عنا الحروب الصغيرة او الكبيرة منها.  هذه حرب سوريا، سبع سنوات عجاف اتت على نصف مليون انسان راضحو ضحيتها، وملايين المهجرين واللاجئين، وهذا التدمير الهائل ومئات مليارات الدولارات صرفت وذهبت هباءا ، ثم هاهم بعد سبع سنوات لما استداروا رجعوا الى نفس النقطة التي بدأوا بها وخرجوا منها، مثل بني اسرائيل في التيه اربعين سنة، كانوا من اول الصباح كان يسيرون متخبطين في الصحراء، ثم ينامون الليل، فينهضون صباحا واذا بهم هكذا يجدون انفسهم يدورون في ذات المكان الذي انطلقوا منه في الليلة السابقة.

 هم كانوا اربعين سنة في التيه ،  فكم سنة يجب أن ندور نحن في تيهنا؟ هذه سبع سنوات من الحرب في سوريا، الا ينتهون منها ـ الا تجتمعوا ـ بصدق نوايا وجدية ـ وتناقشوا.. والعدل يسع الجميع، وشيئا فشيئا يصلح الله تعالى اموركم.              

 

الحصار والمقاطعة.. بدعة جاهلية لأخضاع المستضعفين

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 19/ جمادى الاخر / 1439 هـ ، الموافق  08/ اذار / 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ* وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }. صدق الله العلي العظيم.( سورة ابراهيم 32ـ 34).

(صدق الله العلي العظيم)

 

رحمة واسعة ونٍعَم لاتحصى.. فلماذا الفقر؟

لسنا بحاجة الى كثير من التأمل والتفكر لكي نعرف ان نعم الله تحيط بنا من كل صوب وحدب.  نحن نعيش في هالة من نعم الله وبحبوحة من فضلة، لا نستطيع ان نعد نعمه ولا نستطيع ان نشكرها ولا نستطيع ان نفهمها ولا نستطيع ان نستفيد منها جميعا، لأن نعمه من عنده وفضله عظيم ورحمته واسعة.

 اين نحن من رحمة الله؟ . أرأيت حينما ينزل الغيث من السماء هل انت تستطيع ان تستوعب هذه أطنان من المياه التي تأتيك؟.  أرأيت هذه الارض حينما تخضر بنعمة الله هل تستطيع ان تستفيد من خضارها ومن نعمها؟، هذه المعادن في الارض هل نحن استطعنا ان نستفيد منها وبأية نسبة ومقدار؟. انها نسبة ضئيلة جدا .

 نعمه ـ سبحانه ـ علينا واسعة، ولكن مع ذلك تسمع بأن هناك اكثر من مليار من البشر الأن يعيشون تحت خط الفقر، فلماذا ؟!.

من نعم الله علينا هذه التقنية، هذا العلم الذي منّ به علينا، أعطاه القدرة للانسان على التفاهم وعلى نقل التجربة الى غيره ، هذا العلم الذي يستطيع اليوم ان يصل الى قلب الذرة فيفتقها . ويستطيع ان يصل الى قلب النانو ويصنع منه هذه الصناعة البالغة الدقة،حاسوبا بمقدار ذبابة او اصغر من الذبابة . هذا العلم الذي يستطيع  اليوم ان يفجر طاقات الارض ويستفيد منها ، هذا العلم الذي يفكرون اليوم كيف يسخرون به المريخ فيذهبون الى هناك ويستعمروا ذاك الكوكب الاحمر، هذا العلم و هذه الأرض و هذه النعم بسعتها، لكن مع ذلك نحن البشر نعيش في الفقر !؟. ذالك لأننا نحن من ظلمنا انفسنا{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } ، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }.

بدعة جاهلية لأخضاع المستضعفين

ما يقولونه ويعلنونه من ميزانيات التسلح في العالم لا يذكروا منها حتى 10 بالمئة،  تسعين بالمئة منها لا يذكروها، وهذه الميزانيات تبتلع جهود الغالبية العظمى من الناس، بينما الاقوياء و الاغنياء يبقون كذلك، اصحاب القصور الضخمة والطائرات الفخمة والامكانيات يبقون كما هم ،  بينما يتم امتصاص حقوق وامكانيات الفقراء حتى الثمالة. واليوم ترون بدعة جديدة قديمة ، بدعة جاهلية ، أصبحت تنتشر في الارض كالوباء ، وهي بدعة الحصار والمقاطعة الاقتصادية، لدول او دولة ما فقيرة و مظلومة، بجرة قلم يقررون مقاطعتها وحصارها لسبب من الاسباب، محاولة لتركيعها وترويضها ، وكل لديه حجته التي قد تكون ما هي ألا  ضلال .

و لكن حينما يقاطعون هذه الدولة او تلك الدولة فمن يتأثر؟ . وهل تاثر  طاغية العراق مثلا بما جرى من فرض الحصار على العراق حينها، أم أن من تأثر ودفع الثمن هم اطفال العراق وفئاته المسضعفة  الذين ماتوا وعانوا من المرض والجوع بسبب انعدام الادوية والنقص في الغذاء و الحليب؟!.
بينما ذاك الطاغية  بنى في ذات سنين المقاطعة والحصار سبعين قصرا ،وكان وجلاوزته يجلس في افخم  مكان ويدخن افخم سيكارة، و..و…

وهكذا وفي كل زمان وكل بلاد في العالم، فإن الحصار والمقاطعات الاقتصادية لا تضر سوى الطبقات الاكثر هشاشة وضعفا،هؤلاء الذين يتأثرون، هؤلاء الذين يموت اطفالهم، هؤلاء الذين ليس في مستشفياتهم امكانات اولية، هؤلاء الذين منهم الآن ــ على سبيل المثال ـ نحو 10 ملايين انسان تحت خط الفقر والمجاعة والمرض في اليمن.

هولاء (احذية) الطغاة

إن  من يقوم بفرض هكذا مقاطعات وحصار تراه يتكلم ويعلن ذلك بكل صلف، ويجند لذلك مجموعة لايمكن وصفها الاّ بأنها  احذية الطغاة، منهم الإعلاميون الذين باعوا ضميرهم ودينهم وتاريخهم ووطنهم من اجل طاغية، من اجل حفنة دولارات نفطية ــ سيجعلها الله عليهم زقوما، ويصرفونها لأدوية الأمراض الصعبة التي يبتلون بها ــ  فيطبلون لكل جائر وظالم وطاغي ويتملقون لهم، ويبررون لهم أعمالهم وافكارهم وظلمهم، وعاجلا ام آجلا يسلط الله عليهم هولاء الظلمة  فمن أعان ظالما سلطه الله عليه.

طرفي القوة والغنى والضعف والفقر

لماذا ومامعنى أن يفرض بشر اقوياء متمكنون حصارا ومقاطعة على بشر أخرين ضعفاء؟!، الرزق اصله رزق الله و انت عبد الله، (الاغنياء امنائي والفقراء عيالي)، والغني هنا ليس هو ذلك الذي يسكن في شارعك ومنطقتلك ولديه بعض المال، ولا الفقير ذلك الذي يستجدي.

 الأغنياء يعني دول العالم الغنية والفقراء يعني الدول الاكثر ضعفا، و مما يجعل الانسان يتمزق ويتألم ان نحو 54 دولة اسلامية ولا واحدة منها اصبحت من الدول المتقدمة وخرجت من اطار الدول النامية ( مايطلقون عليه بدول العالم الثالث) لم يسمحوا لها ،  بقدرة قادر قاطعوها ــ ولايزالون ــ ؟! .

حين اتى مهاتير محمد  ــ رئيس وزراء ماليزيا ــ  الى ايران ، نقل لأحدهم وهذا نقل لي انه قال: نحن نمنا ليلا اغنياء وافقنا الصبح فقراء، لعبوا لعبة في هذا العالم، وبطريقة معينة ذهبت كل اموالنا.

هكذا يحدث  لأن خيوط اللعبة و(رأس الشليلة) بيدهم، و الاحذية موجودة بمقاسات مختلفة، وهم هؤلاء الاعلاميين الفسقه الفجرة  فيكتبون ويبررون لكل طاغية ما يفعله من ظلم. و قد ترون قسم هولاء وهم في اواخر حياتهم يتندمون ويتكلمون ويكتبون، لكن ولاة حينَ مندم. يقول الشاعر: نَــدِم البُغــاةُ ولاتَ سـاعَةَ مَنْـدَمٍ. يندمون ولكن مافائدة الندم بعد كل ما عملوا؟!.

شعوب وبلدان مستضعفة مسروقة.. لماذا؟

اخواني علينا أن ننظر الى الصورة في عالمنا الاسلامي من هذه الزاوية ونسأل : ترى مابنا نحن بلدان وشعوب العالم الاسلامي ؟. ذاك يريدك ان تكون ذليلا، و لكن لماذا أنت تقبل الذل؟! ذاك يريدك ان تكون مستضعفا، ولكن الى متى تبقى أنت في الاستضعاف؟!،  ذاك يريد للمسلمين أن يقتل احدهم الآخر، ولكن لماذا هم ( المسلمون) يقعون في هذا اصلا؟!.

 في سنة 1973 وبعد ما قررت بعض الدول الاسلامية والعربية بالذات خفظ انتاج النفط و وقف تصيدره لامريكا ودول غربية، ارتفعت قيمة البترول وتصاعف سعر البرميل الواحد عدة مرات ـ ومنذ ذلك الحين  ولغاية الآن ـ اخذت اموال النفط بالتدفق اكثر وأكثر..  وبالمقابل ، ومنذ ذلك الحين أيضا ،عقدوا مؤتمرات ووضعوا مخططات واتخذوا قرارات من جملتها تدوير الدولارات النفطية، وهو مايعني : نعطيكم بيد، ونأخذ مانعطيه ايضا باليد الاخرى،  وحقيقة هذا التدوير انما هو سرقة عائدات البترول تحت مسمى التدوير، فيعطون المال مقابل النفط ومن جهة اخرى يسحبون ذلك المال مرة اخرى (لتصب في حزائن البنوك والشركات الغربية)  ، وهكذا ايضا   من جملة الامور صفقات التسلح الهائلة التي تسمعون عنها وبالارقام الخيالية، و الضرائب التي تتصاعد على الناس حتى تذهب الاموال لفم هذه الشركة وتلك وهذه الكارتلات النفطية والاعلامية والتجارية العالمية التي تسرقنا وتحطمنا وتخدعنا ببعض الفتات. فالذي يأتي الى السعودية ويأخذ 400 مليار دولار هو ذاته ( امريكا) لم يعطي ولم يساهم ولا بفلس واحد في المؤتمر  الذي عقد مؤخرا في الكويت بعنوان (اعادة اعمار العراق) بعد هزيمة داعش،  مع انهم هم الأولى بذلك،لإنهم هم الذين دمروا العراق وخربوه وظلموه ،فعليهم ان يدفعوا لنا…

تكاملنا الإقتصادي.. قلة ثروات  أم غياب  ارادة وعقل؟

المسلمون يجب ان يفكروا ، نحن ينبغي ان نفكر لانفسنا، أما ان نبقى  نعيش في خارج التاريخ  و في مفاهيم خاطئة، ولا نفكر في أوضاعنا، فهذه ماساة .

أين عقلنا، وهل نفكر بشكل صحيح، فنحن في العراق وهذه ايران جارتنا، ومن هنا تركيا ومن هنا دول الخليج وهناك مصر.. فلماذا لانفكر  بوحدة اقتصادية، سوق اسلامية اقتصادية مشتركة في المنطقة، كالاسواق الاخرى في العالم ـ ومنها السوق الاوربية المشتركة ـ ونفصل بعض الشيىء بين السياسة والاقتصاد، فليغرد السياسيين لوحدهم، لكن الاقتصاديين خصوصا الشركات الخاصة لندعها تتعاون وتتبادل الخبرات وتتشارك المشاريع، وهذه اراضي العراق ـ على سبيل المثال ـ من الشمال الى الجنوب كلها ثروات، اين ما وضعت يدك إمّا ارض زراعية متميزة و إمّا اثار عظيمة  القيمة و إمّا معادن وثروات ثمينة احدها البترول.

لقد جعلونا يضرب ويقتل بعضنا بعضا  14 عاما بمؤامراتهم وأتوا بمرتزقة الارض من كل مكان في العالم..

 أيكون ترامب (إمامهم) في المسجد الحرام !؟

كما اشتروا دين وافكار الكثيرين الى درجة ترى احدهم ــ ممن نصبوه ضمن وعاظ بلاط الملوك والظالمين ــ وهو إمام وخطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة ـ المسمى بالشيخ عبدالرحمن السديس ـ  يكيل المديح لترامب الى درجة لاينقصه معها إلاّ أن يأتي بترامب وينصبه إماما و يصلي خلفه في المسجد الحرام، وفي المقابل لاتراه ( السديس) الا وهو يذم وياهجم الشيعة.. ترى مالذي تفهمه انت عن الشيعة واي معرفة لديك بهم لتتخذ هذه المواقف؟!

بالزهراء (ع) نتوسل .. اللهم أيقظ هذه الأمّة

وانا الليلة ــ وبمناسبة ذكرى ميلاد فاطمة الزهراء عليها السلام ــ اريد ان اتوسل بالصديقة سلام الله عليها  أن يتم الانتقام من نفايات و قذارات الارض.

الصديقة الزهراء سلام الله عليها نور، ولاتتعجب أن النبي الأعظم  سيدنا محمد صل الله عليه واله وسلم  حينما يستقبل الزهراء  يقوم اجلالا  لها بكل قامته ثم يقبل ما   بين عينيها ثم يشمها ثم يقبل يدها و يسميها أمّ ابيها، وهكذا امير المؤمنين الامام علي عليه السلام، وعلى جلالة قدره حينما يودعها كان لا يعطيها ظهره وانما يودعها وهو يمشي القهقرى، لا تتعجب فالزهراء حوراء انسية ، نور ألهي تجلى لإهل الارض ، وكما ان الله سبحانه انعم على اهل الارض بالشمس والقمر والنجوم وسخرها لهم ، انعم على اهل الارض بفاطمة الزهراء سلام الله عليها، فتكون شفيعة و حجة.. وكما حزنا وبكينا عليها في ذكرى استشهادها، نحن اليوم ايضا نفرح بذكرى ولادتها، بهذه النعمة والمنة الكبرى التي انعم الله سبحانه وتعالى بها علينا وعلى الناس، وهو تعالى  ينتقم بها… وأئمتنا سلام الله عليهم كانوا في اللحظات الحساسة والصعبة كانوا يتوسلون بالصديقة الزهراء سلام الله عليها ، ونحن نتوسل بها حتى يبعث الله على هذه الامة روحا  من لدنه، حتى تستيقظ هذه الامة وتتعاون وتبتعد عن المناكفات السياسية وتبتعد عن هذه المقاطعات والخصومات فيما بينها.

احذروا الوقوع  في شَرَك الشياطين ومؤامراتهم

 لقد وصلت الامور الى درجة أن الطائرة الهندية الذاهبة الى تل ابيب باتت تمر فوق السعودية لكن الطائرة القطرية يجب عليها أن  تجول العالم  وهي غير مسموح لها بالمرور في اجوائهم. فماهذه السخافة؟!. تلك الطائرات تأتي وتذهب عبر اجوائهم الى الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، لكن جيرانهم يتم مقاطعتهم ومنعهم، هذه المقاطعات لعب اطفال، طفولة، هذه الصراعات السياسية والاجتماعية كلها من فعل شياطين الأنس والجن .

 فانتبهوا ايها الاخوة أن لا تقعوا في خط وشَرَك الشياطين، ،هذه مؤامراتهم ، وليس من الصدفة ان الله سبحانه وتعالى يمن علينا بسورة الناس وهي اخر سورة في القران الكريم، والتي  تقول :{قل أعوذ برب الناس  ملك الناس  اله الناس  من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس }.  

احيانا  قد يكون احدنا واقعا في شَرَك الشيطان ويعمل مع الشيطان، فيما هو يقرأ هذه السورة او تلك ! ،  كلا؛ يجب ان ننتبه أن لا نقع في هذه الشَرَك، هذه الخلافات والصراعات و المذابح بين المسلمين، كلها من الشيطان اللعين واعوانه من الإنس والجن…

يجب ان تكون لديكم تلك الروح الكبيرة، من يعرف ويوالي الامام علي عليه السلام لايكون هو من يبدء بأي عدوان او حرب، وهكذا الامام الحسين عليه السلام، وهو محاصر مع عياله وصحبه في كربلاء من قبل المجرمين وممنوع عليه الماء ، ومع ذالك ما بدء بالقتال  الا بعد ما رشقوا مخيمه  الشريف بالسهام، فقام حينها وقال: قوموا الى الموت الذي لابد لكم منه  فهذه رسل القوم اليكم.

 هذه رسالة  لنا جميعا، انتبهوا، لا تكونوا انتم  البادئين، وحتى لو كنتم مظلومين فإن الإنسان في بعض الاحيان قد يبقى مظلوما لأجل مصلحة الامة افضل من ان يتحول الى وقود لفتن ولمؤامرات الاخرين بحروب يديرونها ويجعلون منا  نحن وقودا لهذه الحروب .

الفقر والضعف والتخلف ليس قدرا

وبالعودة الى الآيات المياركة من سورة ابراهيم و التي بدأنا بها الحديث، وبعد ذكر عدد من النعم التي منّ سبحانه بها على خلقه، وسخرها لهم، من نزول المطر، والثمرات، وصناعة السفن عبر نعمة العقل والتقنية والعلم التي وهبها للانسان، وتسخير الانهار والشمس والقمر والليل والنهار ضمن سنن كونية تفيد حياة الانسان ونظمها ، بعد ذلك يقول ربنا سبحانه: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} فحتى في اطار هذه النعم كلها لم يكتفي تعالى بها لكم، وانما اعطاكم من كل ما سألتموه، ولذلك {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}.

اذن؛  لماذا يارب بقينا فقراء ومساكين ؟ لماذا بلادنا متخلفة؟ . ربنا سبحانه يقول: {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}. إن اصابكم فقر فليس لأن الله تعالى افقركم، إن عشتم تخلفا فليس لإن الله جعل ذلك عليكم سمة دائمة، بل لإن الانسان لظلوم كفار.

 إذن؛ ما دامت القضية تتعلق بالانسان ذاته، فأنت كإنسان   تستطيع ان تقاوم تلك الظروف والتحديات، فالله تعالى لم يجعلك فقيرا ، انت تستطيع ان تكون غنيا، ابحث عن الطرق الصحيحة لتتحول من الفقر الى الغنى، ويكون بلدك ايضا قويا غنيا.

وحدة وتنمية.. هل نقرء التأريخ ونتعظ من التجارب؟

 نحن يجب  ان نفكر في الصناعة ، وإني استبشر خيرا حينما ارى أي دولة تتعاون وتتفاهم مع أي دولة اخرى، وبالذات الدول الاسلامية، يجب أن يكون هناك تبادل زيارات عمل منتجة وتذكير بالعمل المشترك والاقتصاد المشترك والتنمية، وليس التفكير بتكريس هذه الحدود المصطنعة بين شعوبنا وبلداننا ، انظروا وادرسوا تجارب الشعوب والبلدان، هذا الشعب الصيني اكثر من الف مليار نسمة، وهكذا الهند، ما الذي وحّد الصين و وحّد الهند؟، اقرأوا تاريخ اوربا،  من الذي وحّدها؟، من وحّد المانيا ومن كان بسمارك؟  إقرأوا هذا التاريخ، والكثير من تلك التجارب، فهل نبقى نحن الى الابد تعترضنا في كل خطوتين حدود وجواز وتعقيدات وعراقيل ليس لها آخر؟!، لابأس ولاضير من وجود قوانين وضوابط لذلك، ولكن  تعاونوا فيما بينكم و ضعوا اطر إستراتيجية وافتحوا التجارة والحدود لتأسيس وبناء تنمية متبادلة، فهذا العراق وهذه ايران وباقي شعوب وبلدان المنطقة لو أنهم اتفقوا وتعاونوا فيما بينهم لحدثت تنمية كبيرة في بلدانهم.. لماذا والى متى نبقى متخلفين و في اخر القافلة؟! الا تقرؤون وترون أن الدول الاسلامية في الإحصاءات  وفي مختلف الأمور عادة ماتأتي اخر الخط، في ذيل الاحصاءات في كل شيء، فإلى متى؟!. واحد الاسباب عدم التعاون، هم (الدول المتقدمة والغنية) تجارتهم حرة، ولكن تجارتنا  نحن مقيدة، والقوانين التي فرضوها علينا لا يفرضوها على انفسهم، قوانينهم منفتحة وقوانيننا مغلقة، لماذا والى متى ؟!.

التغيير .. الحل يبدء بأنفسنا

نحن نرى ان الحل لا يأتينا من السماء، نعم؛ يأتينا بالسماء، بالتوكل على الله تعالى، ولكن بالتوازي مع ذلك ينبع الحل من انفسنا نحن، فربنا سبحانه يقول: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، ويقول تعالى: { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ  وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}.

نسأله سبحانه وتعالى في هذه الليلة، ليلة ميلاد الصديقة الزهراء سلام الله عليها، أن يمن علينا ـ ببركتها وبمقامها عنده ـ بالأمن و الرفاه والتقدم وان يجعل بلادنا امنة متقدمة ويجعل شعوبنا  وكل مؤمن في هذه الارض في رخاء وبحبوحة، لاسيما المسلمين ولاسيما منهم الموالين لأهل البيت عليهم السلام، بحق محمد وال بيته الطيبين الطاهرين.

                                                  

  • خلاصة:
  • إن البدعة الجاهلية التي انتشرت كالوباء في العالم باسم المقاطعة الاقتصادية، لن تضر إلا بالطبقات الأكثر هشاشة ( أنها مخالفة لسنن الله في الأرض ونداء ضمير الأحرار وللقانون الطبيعي الذي يدعو الى حق كل انسان بالعيش الرغيد)

 

  • دعوة العراق وايران وباقي دول وشعوب المنطقة الى بذل المزيد من الجهد لوضع “إطار إستراتيجي للتكامل الإقتصادي” الذي يهدف إلى التنمية (الصناعية والزراعية) المستدامة وبالذات عبر القطاع الخاص.

 

  • إننا بحاجة الى إرادة قوية لتجاوز كل العقبات من أجل تكامل جهود الشعوب الإسلامية (وبالذات في دول العراق وايران ومجلس التعاون الخليجي وتركيا ومصر ) من أجل تشكيل سوق مشترك او منظمة اقتصادية دولية على نسق المنظمات الدولية الرائدة كالسوق الأوربية المشتركة وغيرها.
  • ضرورة تجاوز الخلافات و أن نفصل بين التنمية الحضارية التي تنفع الجميع وبين الخلافات أنّا كان منشؤها.

 

  • إن بلوغ القمم السامقة تبدأ بخطوات وإن أهداف الأمم تتحقق كذلك بخطوات وقرارات مرحلية متنامية

 

 

تنميه الفرد والاسره لصناعة مجتمع ناجح

بسم الله الرحمن الرحيم

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾  )

(صدق الله العلي العظيم)

(سورة التوبة المباركه )

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 12/ جمادى الاخر/ 1439 هـ ، الموافق  01/ اذار/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

البشرية تتخبط في مشاكلها .. {نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 05/ جمادى الاخر/ 1439 هـ ، الموافق  22/ شباط/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}. 

صدق الله العلي العظيم

( سورة الأنعام 61 ــ 65)

ما هو السرّ في ان سيل الدماء الذي يجري في بلادنا الاسلامية، وبالذات في البلاد العربية، لا ينقطع؟!. ألم يأن لهذه المآسي  ان تنتهي؟!.

 هنا في العراق ومنذ نحو اربعة عقود لا يزال الوضع متأزما، من حرب لأخرى ومن مشكلة الى ثانية، وهكذا الاوضاع في سوريا منذ عدة سنوات، وفي اليمن الذي لم يعد سعيدأ، بل أصبح مثلا للفقر والمرض والمشاكل، وكذا في اكثر من مثل وبلد في منطقتنا تجد أن الازمات والحروب لا تتوقف هنا الا  لتشتعل هناك. كيف ولماذا وما السرّ في انك ترى في هذه الدول العربية وكأننا نستمرء الصراع، نُفقر بلادنا وشعوبنا لنحصل على الاموال ومن ثم تُشترى بها الأسلحة لنقتل بها أنفسنا و ندمر بها بلادنا ويحارب بعضنا بعضنا؟!.

ماهو جذر مشاكل الانسان شخصا وأُمما؟

اذا رجعنا الى بصائر القران الكريم نجد ان الجذر الأساسي في كل مشاكل الانسان، صغيرها وكبيرها، ما ترتبط بالأشخاص وما ترتبط بالأمم والدول، كلها تنتهي الى عدم ذِكر الله والتوجه اليه سبحانه، فالخلق خلق الله والتدبير تدبيره والأمر أليه وقد انذرنا المرة بعد الاخرى، وقال سبحانه:{ اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} ، الفلاح في ذكره تعالى، واحيانا نفهم العلاقة بين ذكر الله و بين الفلاح، بين الغفلة وبين الشقاق، ولكن في بعض الأحيان ايضا قد لا نعرف العلاقة، انها علاقة غير معروفة ولكنها موجودة ، و من اجل ان اوضح الفكرة لابد ان نتبصر ببصيرتين أساسيتين :

 البصيرة الأولى: ان الحياة ليست قضية جامدة ولاسائبة مهملة ، وأن كل شيء فيها بتقدير وتدبير وبسنن من الربّ سبحانه، ظاهرة وباطنة، فانت مثلا تَحيا بسبب عوامل كثيرة، كوجود الجاذبية، الهواء والتنفس، الطعام والشراب، فلو انعدمت هذه العوامل والاسباب وغيرها فإنك لن تبقى حيّا،  والى جانب هذه العوامل وألاسباب الظاهرة ، هناك ايضا اسباب خفية، فلولا ان الله يحفظ الانسان ويسخر له حفظة من بين يديه ومن خلفه فانه سينتهي، وهكذا هذه المناعة في جسمك ايضا انت  لا تعلم ما هي ولاتراها،  لكنها هي التي تحفظك من الميكروبات والفيروسات المنتشرة في كل مكان ، و اكثر من ذلك كل خلية في جسمك وهي بالمليارات ، تعمل بحفظ الله تعالى، والا فإن فساد خلية واحدة منها يجعل الانسان عرضة لامراض فتاكة قاتلة لاعلاج لها، لم يكتشفوا بعد لا علاجها ولا اسبابها الخفية.

 وكما انت، كذلك هذه الأجرام في السموات، كلها موجودة بامر الله تعالى، ممسوكة بأذنه سبحانه، فهذه الشمس التي تراها تشرق وتغرب لو ان الله سبحانه وتعالى لايمدها بالنور ستنطفأ وتصبح كرة ظلماء، وانت لاتعلم لماذا؟، لإنك لاتدري كيف تشتعل تلك الشمس بتفاعلات ذرية، ولو توقفت هذه التفاعلات بطريقة او بأخرى ينتهي كل شيء.

فهم سنن الله تعالى بالتدبر والتأمل

 هذه المعرفة والبصيرة بسنن الله تعالى وهيمنته واحاطته بكل شيىء، في الغالب لا نفهمها بسهولة، انما نفهمها بالتفكر والتدبر والتأمل، وان ندرك ونفكر دائما بأن كل أمر بيد الله تعالى، وشيئا فشيئا نتفهم هذه الحقيقة، ان نرى احاطة وتدبير الرحمن وراء كال حدث صغيرا او كبير، قريب او بعيد مرتبط بالعالم، و بالأمة، او بشخص حتى.

 قبل عدة اسابيع اكتشفت بعض الرادارات الامريكية الموجودة في جزر هاواي في وسط البحر الهادئ بأن هناك صواريخ تتجه الى امريكا ، وهي في الحقيقة لم تكن سوى طيور ، ولولا ستر وحفظ الله سبحانه لوقعت حرب نووية قد تدمر الارض ومن عليها. وكذا ايضا وقبل شهر تقريبا مات شخص في روسيا وتم تكريمه بعد وفاته لإنه منع حرب نووية أيضا كانت تكاد ان تقع بخطأ من أجهزة الرادارات. فغلطة واحدة قد تسبب دمار هذه الارض ، فهذه الصواريخ والقنابل الذرية التي تزداد عددا و فتكا، لو انطلقت مرة واحدة، بسبب وبطريقة او بأخرى، فأن العالم سيحل به الدمار الشامل. وقد مر العالم بهكذا منعطفات خطيرة اكثر من مرة، وانا اذكر كيف انه في سنة 1973 وضع الرئيس الامريكي حينها ( نيكسون)  القوة الذرية في كل العالم في حالة استعداد، اثناء ما سميت بحرب تشرين او بحرب الايام العشرة بين مصر والصهاينة، ومن قبل ذلك ايضا وفي ايام الرئيس كيندي ،جرى الامر ذاته  في  ازمة خليج الخنازير بين امريكا والاتحاد السوفييتي حينها.

ادرسوا  التاريخ وانظروا كم وكم انقذ ربنا تعالى هذه الارض من الحروب النووية، هذا على مستوى عالمي واسع، وهكذا ايضا على مستوى الافراد، في الحياة الشخصية لكل واحد منا، كم وكم نجى في كثير من الاحيان من الموت ومخاطر جمة كانت محدقة به، كم مرة أنقذك الله تعالى منها في حياتك، ادرسها وراجعها .

بما يكبح الانسان جموحه ويردع طغيانه؟

البصيرة الثانية: الله سبحانه سخر للبشر ما في الارض جميعا، فحسب الخبراء ، من بين ثلاثين مليون نوع من من الاحياء بانواعها المختلفة على الارض ، فقط هذا الإنسان هو المخلوق الذي يستطيع أن يسخر الحديد والنار، وغيرها ، وصولا الى  أن يسخر الالكترون، يسخر النانو الذي بات يدخل في  الصناعات الدقيقة ، بحيث يصنعون كمبيوتر بمقدار خلية واحدة. هذه كلها من تجليات رحمة الله علينا. فهذا الانسان شبيه بسيارة كبيرة او قاطرة عملاقة تسير بسرعة وتحتاج الى فرامل سليمة وقوية لتوقفها عند الحاجة، فإذا كانت فرامل هذه القاطرة او السيارة الكبيرة  معطلة او بها خلل، او انها فرامل تصلح لعربة صغيرة فقط، فإنها بالطبع لاتستطيع ان توقفها.فنحن البشر قوة هائجة ونحتاج الى عقل و الى قوة رادعة و كابحة، ألا وهي ذِكر الله تعالى.

 ان هذا الانسان يعلو ويتكبر ويطغى في الارض ولا يمكن لأحد أن يوقف طغيانه إلاّ الرب سبحانه، إلاّ ذِكر ومعرفة الله تعالى ، والان انا وانت نرى مثلا هؤلاء الذين يحكمون الأرض، لنستمع الى كلماتهم وهم مجتمعون الليلة في مجلس الأمن بشأن الغوطة الشرقية في سوريا، فسوف لن  تجد ابدا ذِكر الله تعالى في كل كلماتهم ولو لمرة واحدة ، و كلمة الله او بسم الله او الحمد لله، وستجد كل المندوبين هذا المنوال حتى ذالك المتدين حينما يصل الى هناك ويتكلم ينسى الله تعالى، { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ  أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

فراعنة الأمس واليوم .. العبرة من نهايات الطغاة

 لمّا ينسى الانسان ربه الذي يحفظه والعالم اجمع ليل نهار، هكذا يصبح حاله، وهكذا ترى ان هولاء اشبه بالاطفال الذين يتعاركون على قطعة حلوى، بل هم اسوء من ذلك في تصرفاتهم ومواقفهم وقراراتهم، فهم فارغون، وكبار بالاسم والحجم فقط لاغير، وكما يقول المثل العراقي الشعبي:” الطول طول النخلة والعقل عقل الصخلة …”.، مجرد عناد واصرار على مواقف وتصرفات وقرارات حتى لو كانت خاطئة، وحتى لو تبين الخطأ لاحقا تراه يطغى ويصر عليه وليس مستعدا ان يعترف بالخطأ ويتراجع عنه.

اليوم قرأت تقريرا عن جسد فرعون، حيث اجروا عليه فحوصات علمية في فرنسا ، وبحسب الاسباب والفحوصات الدقيقة قالوا ان هذا هو فعلا جسد فرعون الذي الله أغرقه بالماء . ذلك الإنسان الطاغي الذي قال: { أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى } وقال{ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } وقال { يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}،فكيف كان مصيره ؟، لقد سقط وانتهى وجعله الله تعالى عبرة وآية للعالمين: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ }  ، وهكذا كل فرعون آخر كانت له نهاية، وكان آية وعبرة، وقد رأيتم بأعينكم وعاصرتم خلال السنوات الماضية كيف كانت نهاية فرعون العراق وفرعون ليبيا، وغيرهم في اكثر من بلد، مصير ونهايات كل الطواغيت الفراعنة ليست بالامر الجديد، ينتهون عادة بالذل والهوان، لإن الله تعالى لا بحب الفرعنه والتجبر والتكبر، وكما جاء في الاحاديث فإن ربنا تعالى يقول ” الكبرياء ردائي..” .

إذن؛ كل هذه المأسي والضياع والازمات  التي تراها في الارض ورائها امر واحد واساسي، وهو نسيان الانسان ذِكر الله سبحانه.

 ربنا تعالى يقول في الآيات التي افتتحنا بها الحديث :{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}، فأنت محاط بحراس من الملائكة يحرسونك، ومع ذلك فأن الموت مقدر عليك ولامفر منه حين يأتيك رسول الرب، ملك الموت واعوانه. ثم يقول تعالى:{ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}.

معادلة الشُكر والشِرك

 في القرآن الكريم توجد معادلة الشكر والشرك،  والشكر هو ان ترى النعمة من الله تعالى، و الشرك ان ترى النعمة من غيره سبحانه، او لا ترى النعمة من الله تعالى.  في الاية الآنفة من سورة الانعام ورد { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ثم في الاية التي تليها ورد { ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}.

ومن ثم جاءت الاية الكريمة ــ وهي محور حديثي ــ :{ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ }، عذاب من فوقكم قد يأتي من صاعقة ، او من الامراض الفتاكة، او من احتباس المطر وبالتالي الجفاف ونفص الثمرات، وغير ذلك. { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}، وقد فسر احد المراجع هذه الكلمة، ونسبها الى الرواية،  قال ومن تحت ارجلكم يعني أن يحكمكم ويولّى عليكم الأشرار من لاقيمة لهم وكأنهم يأتون من تحت الارجل ليتسلطوا عليكم . { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } يجعلكم احزابا وجماعات متفرقة. {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} كما ترون مثلا الذي يحدث الأن في عفرين وغيرها من مناطق سوريا، لاتعرف مَن يحارب مَن؟، لأن الاحزاب والجماعات متصارعة و كلهم يقتل بعضهم بعضا من دون ادنى تفكير. هذا هو العذاب من الله تعالى،{ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}، وهذه الاية احتج بها وقالها الامام الحسين عليه السلام  في كربلاء، وقد حدث، فبعد استشهاده عليه السلام وخلال نحو قرن ونصف دخلوا في احتراب وقتل بعضهم لبعض الى أن انتهت الكوفة المعروفة.

{انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}، لعل الإنسان يفقه، يفكر، يخطط.

ولاية اهل البيت(ع) ركيزة الوحدة والسِلم في العراق

اليوم نحن في العراق نشكر الله تعالى، بإن هناك الأن قدر من السلم الاهلي، صحيح انه نسبي وليس كاملا، ولكنه مهم جدا، والان هذه ايام الانتخابات وصراعاتها، ولكن هذه الصراعات محدودة والحمد لله، ولم ينفلت الوضع الامني والسلم الاهلي ، وهذا السلم الاهلي انما هو منضبط في العراق لأن اكثرية الشعب العراقي مؤمنون بمحمد وآل محمد (ص)، هذه المواكب والمجالس، وهذا التوجه للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء في هذه الايام  حيث احياء ذكرى استشهادها، فيها نفع كبير، و الصديقة سلام الله عليها قد قالت ضمن خطبتها الفدكية:” فجعل الله طاعتنا نظاما للملة وإمامتنا أمانا للفرقة ” . فطاعتنا وولايتنا ومحبتنا لأهل البيت عليهم السلام تجعل نفوسنا تتآلف وتتوافق مع بعض، صحيح قد تقع بيننا مشاكل ولكن في النهاية حب الحسين و اهل البيت يوحدنا، عاشوراء والاربعين وسائر مناسبات اهل البيت(ع) توحدنا، ومن ثم يأتي الالتفاف حول العلماء في هذا السياق، بإعتبارهم يمثلون هذا الخط الالهي، فهم ايضا يقومون بدورهم في توحيد الامة، وإلاّ  فليس هناك من شيء شي يضبطنا، يضبط الشعب،  افضل  من هذه القيم التي امتزجت بروحنا.

لاتستهينوا بهذه النعمة الكبرى

 ونحن نشكر الله تعالى على هذه القيم التي انعم بها علينا، فولاية اهل البيت عليهم نعمة كبرى، يا ايها الاخوة اخواني الذين تسمعونني لا تستهينوا بالولاية، فهي عمود الدين، هي الحافظة لخيمتنا على رأسنا، ولسلمنا الاهلي ووحدتنا.وهكذا ايضا الأمن، جزء كبير منه مرتبط بالوضع الاجتماعي  واعمالنا والجزء الاخر مرتبط بقواتنا الامنية .

العشائر بين منزلق العنف وقيم واحكام الدين

هذه النعم بحاجة الى رعاية  و تطوير، و ان نعمل اكثر فأكثر، لكي لا نفقدها، هذا اولا، وثانيا أن تواصل وتتموج وتمتد اكثر فأكثر ويكون لها اثر واقعي ايجابي في مختلف جوانب حياة مجتمعنا, و لنضرب لذلك مثلا واقعيا، كيف أن عشيرتين مثلا ، ولإجل قضية بسيطة يدخلون في نزاع ثم قتال وتشتعل بينهما معركة بمختلف انواع الاسلحة وتفسك الدماء !؟. إن هذا ليس من الولاية في شيىء، ومِن “اني سلما لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم ، موال  لمن والاكم معاد  لمن عاداكم”. ومن هذا المنبر اوجه خطابي الى عشائر العراق: لا تضيعوا  دينكم و قيمكم وتاريخكم، لاتجعلوا العدو يُحقّركم ويستأسد عليكم، وحدوا صفوفكم، وان وقعت مشكلة ما فإن هنالك الكثير من الحلول والطرق والاساليب لعلاجها، هنالك علماء وشخصيات، هناك شيوخ عشائر وشيوخ عموم وشيبة حكماء،هنالك اناس على مستوى المسؤلية والقدرة على حل المشاكل، فلا تدخلوا يوميا في نزاع على قضايا ما، و ماتسمى بـ(الكوامة)، دعوا هذه الامور على جانب، فهي قد تكون لاباس بها في بعض الامور القليلة ، ولكن  الى متى؟. نحن لدينا احكام الشرع والعرف، ولدينا قانون، وبالتالي هذا السلم الاهلي يجب ان يبقى ونحافظ عليه ونعززه، يبقى بإن يقوم الحكماء والعلماء بدورهم في في تذكير الناس بالله تعالى و تغذية الناس بالقيم وتحويلها الى واقع عمل.